التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة

ثلاث التزامات أساسية تنفيذ الوكالة في حدودها المرسومة ، ومن ثم تكون التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة هى العناية الواجبة في تنفيذ الوكالة .، تعدد الوكلاء ونائب الوكيل ، إذ يجوز أن يقوم بتنفيذ الوكالة وكلاء متعددون ، أو يقوم بتنفيذها شخص آخر أنابه عنه الوكيل

التزام الوكيل بتنفيذ الوكالة يتضمن ثلاث التزامات :

( 1 ) تنفيذ الوكالة في حدودها المرسومة .

( 2 ) العناية الواجبة في تنفيذ الوكالة .

 ( 3 ) تعدد الوكلاء ونائب الوكيل ، إذ يجوز أن يقوم بتنفيذ الوكالة وكلاء متعددون ، أو يقوم بتنفيذها شخص آخر أنابه عنه الوكيل .

1- تنفيذ الوكالة في حدودها المرسومة -التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة

النص القانوني :

 تنص المادة 703 من التقنين المدني على ما يأتي :

\”1- الوكيل ملزم بتنفيذ الوكالة دون أن يجاوز حدودها المرسومة\” .

\”2- على أن له أن يخرج عن هذه الحدود متى كان من المستحيل عليه إخطار الموكل سلفاً ، وكانت الظروف يغلب معها الظن بأن الموكل ما كان إلا ليوافق على هذا التصرف . وعلى الوكيل في هذه الحالة أن يبادر بإبلاغ الموكل خروجه عن حدود الوكالة.

ويخلص من النص سالف الذكر أن

 على الوكيل أن يلتزم حدود الوكالة المرسومة ، ومع ذلك يجوز له استثناء وبشروط معينة أن يجاوز هذه الحدود .

القاعدة ـ التزام حدود الوكالة المرسومة :

يجب على الوكيل أن يلتزم في تنفيذ الوكالة حدودها المرسومة ، فلا يخرج على هذه الحدود ، لا من ناحية مدى سعة الوكالة والتصرفات القانونية التي تتضمنها ، ولا من ناحية طريقة التنفيذ التي رسمها له الموكل . فإذا كان موكلاً في بيع منزل معين لمشتر معين بثمن معين ، على أن يكون الثمن نسيئة لأجل معين ، وعلى أن يضمن الوفاء بالثمن فوق امتياز البائع كفيل شخصي مليء ، وجب على الوكيل أن ينفذ الوكالة في هذه الحدود المرسومة دون نقص أو زيادة ، وأن يجري في طريقة تنفيذها على النحو المرسوم في الوكالة . فيجب عليه أن يبيع هذا المنزل المعين دون غيره ، وأن يبيعه لا أن يرهنه أو يقايض عليه أو يتصرف فيه بأي تصرف آخر غير البيع ، وأن يبيعه لهذا المشتري المعين لا لمشتر آخر ولو دفع ثمناً أعلى إلا إذا وافق الموكل ، وأن يبيعه بهذا الثمن المعين لا بثمن أقل . ويجب عليه فوق ذلك أن يجري في تنفيذ الوكالة على الطريقة المرسومة فيها ، فلا يحدد لدفع الثمن أجلاً أبعد ، ولا يكتفي بامتياز البائع ضماناً للوفاء بالثمن بل يجب أن يضم إليه كفالة شخص .

وقد يتطلب تنفيذ الوكالة القيام بأعمال مادية تابعة للتصرف القانوني محل الوكالة ، كالقيام بإجراءات تسجيل البيع من تحرير العقد والتصديق على الإمضاء وغير ذلك من إجراءات التسجيل ، وكالبحث عن مشتر إذا لم يكن التوكيل لمشتر معين ، أو السفر إلى المشتري المعين في موطنه لإتمام الصفقة معه . فيقوم الوكيل بهذه الأعمال المادية التابعة للوكالة كوكيل ، لا تأجير يرتبط مع الموكل بعقد عمل أو بعقد مقاولة.

 ويترتب على ذلك أن أحكام عقد العمل أو عقد المقاولة لا تسري فيما يتعلق بهذه الأعمال المادية ، فلو أصيب الموكل بضرر بسبب تأديتها لا يدخل هذا الضرر في نطاق \”إصابات عقد العمل\” ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.

وليس معنى التزام الوكيل الحدود المرسومة للوكالة أنه لا يستطيع التعاقد بشروط أفضل . فلو أنه في المثل المتقدم الذكر استطاع أن يتفق مع المشتري على أن يكون الثمن معجلاً لا نسيئة ، أو لأجل أقرب ، أو بكفالة شخصين مليئين بدلاً من شخص واحد ، لصح ذلك وعاد نفعه على الموكل . ولو وكل شخص شخصاً آخر في بيع منزل أو في شرائه بثمن معين ، فباع ا
لوكيل المنزل بثمن أعلى أو اشتراه بثمن أدنى ، لصح ذلك وكان الموكل هو الذي يفيد منه .

وإذا لم يقم الوكيل بتنفيذ الوكالة على النحو سالف الذكر دون أن ينتحي عن الوكالة على الوجه الذي رسمه القانون ، جاز للموكل بعد إعذاره أن يرجع عليه بالتعويض ، بل إن الإعذار لا يكون له مقتض إذا أصبح تنفيذ الوكالة مستحيلاً.

الاستثناء ـ الخروج عن حدود الوكالة المرسومة :

 الفقرة الثانية من المادة 703 مدني تجيز للوكيل استثناء أن يخرج عن الحدود المرسومة للوكالة

 \” متى كان من المستحيل عليه إخطار الموكل سلفاً وكانت الظروف يغلب معها الظن بأن الموكل ما كان إلا ليوافق على هذا التصرف ، وعلى الوكيل في هذه الحالة أن يبادر بإبلاغ الموكل خروجه من حدود الوكالة\” .

 فإذا وكل شخص شخصاً آخر في بيع أوراق مالية في البورصة بسعر معين ، فلم تبلغ هذا السعر ولم يستطع الوكيل بيعها ، فألغى الموكل الوكالة وأعطى للوكيل وكالة جديدة في رهن الأوراق تأمينا على قرض وكله في عقده ، ولكن الوكيل عثر بعد ذلك على مشتر بالسعر الذي يطلبه الموكل ، فبدلاً من رهن الأوراق باعها بهذا السعر ، فإن بيعه للأوراق يكون صحيحاً بالرغم من خروجه عن حدود الوكالة إذ باع بدلاً من أن يرهن ، وذلك إذا أثبت توافر شرطين سيأتي بيانهما . كذلك إذا وكل شخص شخصاً آخر في بيع أرض زراعية ، فعرض المشتري على الوكيل أن يشتري كذلك المواشي والآلات الزراعية الموجودة بالأرض ، جاز للوكيل أن يقبل ما عرضه المشتري ، على أن يثبت توافر الشرطين المشار إليهما وهما :

أولاً : أنه بالرغم من خروج الوكيل عن الحدود المرسومة للوكالة ، إلا أن الظروف هي بحيث يفترض معها أن الموكل ما كان إلا ليوافق على تصرف الوكيل . ففي المثال الأول يثبت الوكيل أن غرض الموكل الأصلي هو بيع $ 455 الأوراق المالية بسعر معين لا رهنها ، وهو لم يفكر في رهنها إلا بعد أن عجز عن بيعها بهذا السعر ، وقد وجد الوكيل مشترياً بالسعر المطلوب ، فهذه ظروف يفترض معها أن الموكل ما كان إلا ليوافق على بيعها . وفي المثال الثاني يثبت الوكيل أن الموكل لم تكن له مصلحة في استبقاء المواشي والآلات الزراعية بعد بيع الأرض ، وأنه إنما اقتصر على التوكيل في بيع الأرض حتى ييسر على الوكيل إيجاد مشتر يرغب في شراء الأرض دون المواشي والآلات الزراعية ، وقد وجد الوكيل مشترياً يرغب في شراء ذلك كله ، فهذه ظروف يفترض معها أن الموكل ما كان إلا ليوافق على هذا البيع .

ثانياً : أنه كان من المستحيل على الوكيل أن يخطر الموكل سلفاً بخروجه عن الحدود المرسومة للوكالة ، ولو أنه تراخى في عقد الصفقة حتى يخطر الموكل لضاعت عليه ، فأقدم على عقدها قبل هذا الإخطار .

واستيفاء كل من هذين الشرطين يكون محلاً لتقدير قاضي الموضوع.

فإذا توافر الشرطان اعتبر الوكيل نائباً عن الموكل حتى فيما جاوز فيه حدود الوكالة ، وانصرف أثر العقد إلى الموكل فيما كان داخلاً في حدود الوكالة وفيما كان خارجاً عنها على السواء .

 وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد :

 \” فإذا توافر هذان الشرطان نفذ في حق الموكل عمل الوكيل حتى فيما جاوز فيه حدود الوكالة ، وكان للغير الذي تعامل مع الوكيل أن يتمسك على الموكل بالعمل الذي أتاه الوكيل ، علم الغير أو لم يعلم بمجاوزة هذا الوكيل لحدود الوكالة. ويلاحظ أن انصراف أثر العقد الذي أبرمه الوكيل إلى الموكل حتى فيما جاوز فيه حدود الوكالة لا يأتي من أن الوكيل فضولي فيما جاوز فيه هذه الحدود ، لأنه يرجع على الموكل ويرجع عليه الموكل بموجب عقد الوكالة ذاته ، لا بموجب قواعد الفضالة وهي عادة تكون أضيق من قواعد الوكالة . ولا يأتي انصراف أثر العقد إلى الموكل من أن هناك وكالة ظاهرة ، فقد يكون الغير الذي تعامل مع الوكيل عالماً بمجاوزة هذا لحدود الوكالة ويرتضي مع ذلك التعامل معه ، وشرط الوكالة الظاهرة أن يكون الغير معتقداً أنه يتعامل مع وكيل في حدود وكالته. وإنما يأتي انصراف أثر العقد إلى الموكل من أن هناك نيابة قانونية أضفاها القانون على الوكيل فيما جاوز فيه حدود الوكالة ، وقد أقام القانون هذه النيابة على أساس إرادة مفترضة ـ لا صريحة ولا ضمنية ـ من جانب الموكل ، فقد دلت الظروف على أن الموكل \”ما كان إلا ليوافق\” على تصرف الوكيل . فاقترض القانون ـ والظروف تبرر هذا الاقتراض ـ أن الموكل قد صدرت منه موافقة أي توكيل فيما جاوز فيه الوكيل الحدود الأصلية للوكالة .

 لذلك كان نص المشروع التمهيدي للفقرة الثانية من المادة 703 مدني سالفة الذكر أصدق دلالة على قيام إرادة مفترضة من جانب الموكل ، إذ يقول : \”وكانت الظروف بحيث يفترض معها أن الموكل كان يوافق على هذا التصرف.

وبقاء الوكيل نائباً حتى فيما جاوز فيه حدود الوكالة تؤكده المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي حين تقول :

 \”على أنه يجوز له أن ينقص أو يزيد وأن يعدل بوجه عام في حدود الوكالة مع بقائه وكيلاً ، وذلك بشرطين ..

وتقول العبارة الأخيرة من الفقرة الثانية من المادة 703 مدني سالفة الذكر :

 \”وعلى الوكيل في هذه الحالة أن يبادر بإبلاغ الموكل خروجه عن حدود الوكالة\” . ذلك أن المفروض هو أن الوكيل كان يستحيل عليه إبلاغ الموكل خروجه عن حدود الوكالة قبل أن يخرج عن هذه الحدود ، فيجب عليه إذن ، بعد أن خرج ، أن يخطر الموكل بذلك بمجرد تمكنه من هذا الإخطار . وليس الغرض من الإخطار أن يحصل الوكيل على موافقة الموكل ، فهذه الموافقة قد افترضها القانون كما قدمنا ، وإنما الغرض منه أن يجنب الوكيل الموكل مباشرة تصرف يتعارض مع التصرف الذي باشره الوكيل ، كأن يبيع الموكل ما سبق أن باعه الوكيل مجاوزاً حدود الوكالة . لذلك لا يكون الإخطار شرطاً في انصراف أثر تصرف الوكيل إلى الموكل ، فهذا التصرف قد انصرف أثره إلى الموكل بمجرد أن باشره الوكيل . لكن تأخر الوكيل في إخطار الموكل بجعله مسئولاً عن تعويض هذا الأخير فيما لو باشر تصرفاً يتعارض مع تصرف الوكيل ، فيكون مسئولاً في المثل المتقدم عن تعويض الموكل الذي باع ما سبق أن باعه الوكيل عن ضمان الاستحقاق الذي ترتب في ذمة الموكل .

 وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد :

 \”ويجب على الوكيل أن يبادر إلى إبلاغ الموكل بما أدخله على الوكالة من تعديل ، فإن تأخر لم يؤثر ذلك في اعتباره وكيلاً فيما قام به من العمل ، وإنما يكون مسئولاً عن التعويض إذا ترتب على التأخير ضرر للموكل ، كما إذا باع هذا لمشتر آخر القدر الزائد من الأرض الذي باعه الوكيل مجاوزاً حدود الوكالة فرجع المشتري عليه بضمان الاستحقاق.

وقد افترضنا فيما تقدم أن الشرطين الواجبين لانصراف أثر تصرف الوكيل فيما جاوز فيه حدود الوكالة إلى الموكل قد توافرا . أما إذا اختل الشرطان أو أحدهما ، بأن عجز الوكيل عن إثبات أن الظروف كانت بحيث يغلب معها الظن بأن الموكل ما كان إلا ليوافق على تصرف الوكيل ، أو كان الوكيل يستطيع إخطار الموكل قبل مباشرته للتصرف ليحصل على موافقته فلم يفعل ، فإن الوكالة في هذه الحالة لا تعتبر إلا في حدودها المرسومة أصلاً ، وفيما جاوز الوكيل فيه هذه الحدود يجوز أن يعتبر فضولياً إذا توافرت شروط الفضالة ، كما يجوز أن يعتبر وكيلاً ظاهراً إذا كان الغير الذي تعامل معه اعتقد بحسن نية أنه لم يجاوز حدود الوكالة وتوافرت شروط الوكالة الظاهرة . فإذا لم تتوافر شروط الفضالة ولا شروط الوكالة الظاهرة ، توقف تصرف الوكيل فيما جاوز فيه حدود الوكالة على إقرار الموكل ، فإن لم يقره لم ينصرف أثره إليه وفقاً للقواعد المقررة في هذا الشأن

2- العناية الواجبة في تنفيذ الوكالة – التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة

النص القانوني :

 تنص المادة 704 من التقنين المدني على ما يأتي :

\”1- إذا كانت الوكالة بلا أجر ، وجب على الوكيل أن يبذل في تنفيذها العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة ، دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد\” .

\”2- فإن كانت بأجر ، وجب على الوكيل أن يبذل دائماً في تنفيذها عناية الرجل المعتاد

نظرية تدرج الخطأ والنظرية الحديثة :

ويخلص من هذا النص أن التزام الوكيل بتنفيذ الوكالة هو التزام يبذل عناية لا التزام بتحقيق غاية . وقد يكون التصرف القانوني محل الوكالة يتضمن التزاماً بتحقيق غاية كالبيع والرهن ، أو يتضمن التزاماً يبذل عناية كالإيجار والعارية والوديعة ، ولكن التوكيل في أي تصرف قانوني ولو كان يتضمن التزاماً بتحقيق غاية ينشئ في جانب الوكيل التزاماً بالقيام بهذا التصرف بقدر معين من اليقظة ، ويكون دائماً التزاماً يبذل عناية .

وهناك نظرية قديمة مهجورة هي نظرية تدرج الخطأ ، تقسم الخطأ العقدي غير العمد إلى أقسام ثلاثة :

خطأ جسيم وخطأ يسير وخطأ تافه . وتقسم العقود إلى طوائف ثلاث :

 عقد لمنفعة الدائن وحده كالوديعة وفيها لا يسأل المودع عنده إلا عن الخطأ الجسيم ، وعقد لمنفعة المتعاقدين معاً كالإيجار وفيه يسأل المستأجر عن الخطأ اليسير ، وعقد لمنفعة المدين وحده كالعارية وفيها يسأل المستعير حتى عن الخطأ التافه . وقد سار التقنين المدني القديم على هذه النظرية ، فجعل الوكيل مسئولاً عن الخطأ اليسير إذا كانت الوكالة مأجورة لأنها تكون في هذه الحالة لمنفعة المتعاقدين معاً ، وجعله غير مسئول إلا عن الخطأ الجسيم إذا كانت الوكالة غير مأجورة لأنها تكون في مصلحة الدائن وحده . أما التقنين المدني الجديد فقد نبذ هذه النظرية العتيقة ، وأخذ بالنظرية الحديثة في معيار الخطأ العقدي ، فقضى بأن المدين في التزام يبذل عناية \”يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي ، ولو لم يتحقق الغرض المقصود ، هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك\” ( م 211/1مدني ) . وقد رأيناه يطبق هذه النظرية في الإيجار بعد أن لاحظ أنه في مصلحة المتعاقدين معاً ، فقضى بأنه يجب على المستأجر أن يبذل من العناية في استعمال العين المؤجرة وفي المحافظة عليها ما يبذل الشخص المعتاد ( م 583/1 مدني ) . ورأيناه يطبقها في العارية بعد أن لاحظ أنها في مصلحة المستعير دون المعير ، فقضى بأنه يجب على المستعير أن يبذل في المحافظة على الشيء العناية التي يبذلها في المحافظة على ما له دون أن ينزل في ذلك عن عناية الرجل المعتاد ( م 641/1 مدني ) . وسنراه يطبقها في الوديعة بعد أن لاحظ أنها في مصلحة المودع دون المودع عنده إذا كانت غير مأجورة ، وفي مصلحة المتعاقدين معاً إذا كانت مأجورة ، فقضى بأنه يجب على المودع عنده أن يبذل من العناية في حفظ الشيء ما يبذله في حفظ ماله دون ان يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد إذا كانت الوديعة غير مأجورة ، وأن يبذل عناية الرجل المعتاد إذا كانت الوديعة مأجورة ( م 720 مدني ) . وها نحن الآن نراه يطبقها في الوكالة فيميز ، كما ميز في الوديعة ، بين ما إذا كانت الوكالة بغير أجر فتكون في مصلحة الموكل دون الوكيل ويكون الوكيل مسئولاً عن العناية التي يبذلها في أعماله الخاصة دون أن يكلف في ذلك أزيد من عناية الرجل المعتاد ، أو كانت الوكالة بأجر فتكون في مصلحة المتعاقدين معاً ويكون الوكيل مسئولاً عن عناية الرجل المعتاد

ويرى من ذلك أن التقنين المصري الجديد اعتنق النظرية الحديثة في المسئولية عن الخطأ العقدي ، والتزمها في تطبيقاتها المتكررة في العقود المختلفة.

مسئولية الوكيل عن الغش والخطأ الجسيم 

 

نصت الفقرة الثانية من المادة 211 مدني ، في صدد المسئولية عن الخطأ العقدي في الالتزام يبذل عناية ، على ما يأتي : \”وفي كل حال يبقى المدين مسئولاً عما يأتيه من غش أو خطأ جسيم\” . فالوكيل ، مأجوراً كان أو غير مأجور ، يكون دائماً مسئولاً في تنفيذ الوكالة عن غشه وعن خطأه الجسيم ، حتى لو اتفق مع الموكل على إعفاءه من هذه المسئولية.

فيكون الوكيل مسئولاً عن تعمده عدم تنفيذ الوكالة دون أن ينتحي عنها في الوقت المناسب . ويكون مسئولاً ، إذا وكل في بيع شيء دون تحديد قيمته ، عن تواطؤه مع المشتري على تخفيض الثمن.

وإذا كان في يده مال للموكل ، لم يجز له أن يستعمله في مصلحة نفسه . فإذا فعل ذلك بنية تملكه كان مبدداً ، وتحققت مسئوليته الجنائية ومسئوليته المدنية ، وفي جميع الأحوال تجب عليه فوائد المبالغ التي استخدمها لصالحه ، من وقت استخدامها ( م 706/2مدني ).

 وإذا كان موكلاً في إدارة أرض زراعية مثلاً ، وأجر الأرض بأجره بخسة متواطئاً في ذلك مع المستأجر كان مسئولاً عن غشه . وإذا أهمل في تقاضي الأجرة حتى تمكن المستأجر من نقل محصولاته ، أو أهمل في دفع الضريبة ( الأموال ) فحجز على الأرض لاستيفائها ، فيغلب أن يكون إهماله هذا خطأ جسيماً ويكون مسئولاً عنه . وإذا كان وكيلاً في الإقراض ، فأقرض شخصاً ظاهر الإعسار أو معروفاً بالمماطلة ، ولم يأخذ تأمينات لضمان القرض أو أخذ تأمينات يعرف ألا قيمة لها أو أن قيمتها غير كافية ، كان هذا خطأ جسيماً يستوجب مسئولية . وإذا كان وكيلاً في بيع مال للموكل لم يجز له أن يشتريه لنفسه دون إذن الموكل كما سبق القول ، فإذا فعل وترتب على ذلك أن أضاع على الموكل صفقة رابحة تهيأت بتقدم مشتر للمال بثمن عالٍ ، كان هذا خطأ جسيماً وكان الوكيل مسئولاً عنه .

وإذا تعمد الوكيل مجاوزة حدود وكالته في غير مصلحة للموكل ، ولكنه ألزم الموكل بالعقد الذي أبرمه مع الغير حسن النية لتوافر شروط الوكالة الظاهرة ، رجع الموكل على الوكيل بتعويض الضرر الذي أصابه من ذلك ، إذ يكون الوكيل قد ارتكب غشاً أو في القليل خطأ جسيماً في تنفيذ الوكالة .

وإذا وكل محام في الطعن في حكم ، ولم يرفع الطعن في الم
يعاد القانوني عن تقصير ، كان هذا خطأ جسيماً يستوجب مسئوليته.

وإذا اتصل بخصم موكله وأمده بمعلومات تضر بمصلحة موكله ، أو أفشى أسرار المهنة ، كان هذا غشاً يشدد عن مسئوليته.

وإذا خالف الوكيل شروط الموكل في كيفية استغلال المال ، واستغله في غير مصلحة الموكل ، كان هذا خطأ جسيماً ، ووجب رد المال مع فوائده القانونية.

مسئولية الوكيل عن الخطأ العادي 

 أما إذا كان الخطأ عادياً ، أي خطأ يسيراً ، فإنه يجب التمييز بين ما إذا كانت الوكالة مأجورة أو غير مأجورة كما هو صريح نص المادة 704 سالفة الذكر .

فإن كانت الوكالة مأجورة ، وجب على الوكيل أن يبذل في تنفيذها عناية الشخص المعتاد ، أي أن المعيار هنا يكون معياراً موضوعياً لا شخصياً . فإن لم يبذل هذه العناية ، حتى لو أثبت أن العناية الأقل التي بذلها فعلاً هي العناية التي يبذلها هو في شؤون نفسه ، كان مع ذلك مسئولاً ، لأنه ملزم يبذل عناية الشخص المعتاد ولو كانت هذه العناية تزيد على عنايته بشؤونه الشخصية .

أما إذا بذل عناية الشخص المعتاد ، فإنه يكون قد نفذ التزامه ، ولا يكون بعد ذلك مسئولاً عن ضرر يصيب الموكل حتى لو ثبت أنه كان يستطيع توفي هذا الضرر لو بذل عنايته في شؤون نفسه ، لأنه غير مسئول إلا عن عناية الشخص المعتاد ولو نزلت هذه العناية بمعيارها الموضوعي عن عنايته بشؤون نفسه بمعيارها الشخصي .

الإعلانات

أما إذا كانت الوكالة غير مأجورة ، فإن الوكيل لا يكون مسئولاً إلا عن بذل عنايته في شؤون نفسه بالمعيار الشخصي إذا كانت هذه العناية هي دون عناية الشخص المعتاد بالمعيار الموضوعي . فإذا كانت عنايته الشخصية هي أعلى من عناية الشخص المعتاد ، لم يكن مسئولاً إلا عن عناية الشخص المعتاد بالمعيار الموضوعي دون عنايته الشخصية بالمعيار الشخصي . والسبب في ذلك واضح ، فإنه وكيل غير مأجور وهو متفضل بتبرعه ، فلا يجوز أن يكون مسئولاً عن أكثر من عنايته الشخصية ، فلا يكون مسئولاً إذن إلا عن أدنى العنايتين . وشأنه في ذلك شأن المودع عنده غير المأجور وهذا بعكس المستعير الذي لا يولي تبرعاً بل يتلقاه ، فيكون مسئولاً عن أعلى العنايتين عناية الشخص المعتاد وعنايته الشخصية.

وتطبيقاً لما تقدم يكون الوكيل مسئولاً إذا تأخر في تنفيذ الوكالة دون مبرر فأضاع على الموكل صفقة رابحة ، ما لم يكن غير مأجور وكان معروفاً بالتهاون في شؤونه الخاصة . وإذا كان موكلاً في قبض دين فتهاون حتى انقضى الدين بالتقادم . كان مسئولاً ، إلا إذا كان غير مأجور وكان نظراً لقصوره الشخصي لا يدرك معنى انقضاء الدين بالتقادم . وإذا كان موكلاً في شراء منزل ، وكان بالمنزل عيوب ظاهرة لا تخفي على الشخص العادي ، كان مسئولاً عن ذلك نحو الوكيل، فإذا كان غير مأجور وكانت هذه العيوب تخفي عليه هو لم يكن مسئولاً . أما إذا كانت العيوب خفية ولم يدركها ، وكان من اليقظة بحيث كان يستطيع إدراكها لو بذل عنايته الشخصية ، فإنه لا يكون مسئولاً عنها ، سواء كان مأجوراً أو غير مأجور . ذلك أنه إذا كان مأجوراً لم يكن مسئولاً إلا عن عناية الشخص المعتاد والمفروض أن كشف العيوب يتطلب عناية أكبر ، وإذا كان غير مأجور لم يكن مسئولاً عن أزيد من عناية الشخص المعتاد ولو كانت عنايته الشخصية أعلى من ذلك . ولكن الموكل يستطيع في هذا الفرض أن يرجع على البائع بضمان العيوب الخفية . ويجب على الوكيل أن يتخذ الاحتياطات المألوفة للمحافظة على مال الموكل من التلف أو الضياع ، فإذا كان المال بضاعة تنقل من مكان إلى آخر ، وكان المألوف التأمين على مثل هذه البضاعة عند نقلها ، وجب عليه أن يؤمن عليها وإلا كان مسئولاً إذا تلفت أو ضاعت في الطريق . ومع ذلك لا يكون مسئولاً إذا كان الموكل نفسه لا يؤمن على البضاعة لو كان هو الذي تولي نقلها بنفسه ، أو كان الوكيل غير مأجور ولا يؤمن على البضاعة لو أنها كانت بضاعته . وإذا باع الوكيل أو أقرض مال الموكل ، لم يكن مسئولاً عن يسار المشترى أو المقترض ، ما لم يكن ظاهر الإعسار فقد قدمنا أن الوكيل يرتكب في هذه الحالة خطأ جسيماً يكون مسئولاً عنه سواء كان مأجوراً أو غير مأجور .

عدم مسئولية الوكيل عن السبب الأجنبي 

 وككل مدين لا يكون الوكيل مسئولاً عن السبب الأجنبي . فإذا كان الضرر الذي أصاب الموكل من جراء تنفيذ الوكالة راجعاً إلى قوة قاهرة أو حادث فجائي أو فعل الغير أو خطأ الموكل نفسه ، فإنه يكون ضرراً ناجماً عن سبب أجنبي ، ومن ثم لا يكون الوكيل مسئولاً عنه .

وتطبيقاً لذلك يكون الوكيل غير مسئول إذا وكل في شرا
ء منزل أو في بيعه ، وقبل تنفيذ الوكالة احترق المنزل بقوة قاهرة أو انهدم في غارة جوية ، فأصبح تنفيذ الوكالة مستحيلاً بقوة قاهرة أو بحادث فجائي.

وكذلك لا يكون الوكيل مسئولاً إذا وكل في قبض دين ، فصدر قانون بوقف دفع الديون ، فلم يستطع الوكيل لهذه القوة القاهرة أن ينفذ الوكالة ويقبض الدين . ولا يكون مسئول للتأخر في تنفيذ الوكالة إذا اقتضى تنفيذها الانتقال إلى مكان آخر ، فانقطعت سبل المواصلات لحرب أو ثورة أو قوة قاهرة أخرى . ولا يكون مسئولاً إذا وكل في التعاقد مع شخص بالذات لاعتبارات شخصية فيه فمات هذا الشخص قبل أن يتعاقد معه ، إذ يكون عدم تنفيذ الوكالة راجعاً إلى قوة قاهرة .

وكذلك لا يكون الموكل مسئولاً عما ينجم من الضرر في تنفيذ الوكالة بفعل الغير . فإذا اقتضى هذا التنفيذ أن يودع الوكيل مال الموكل عند الغير ، وضاع هذا المال بفعل المودع عنده ، لم يكن الوكيل مسئولاً ، إلا إذا كان المودع عنده تابعاً للوكيل فيكون مسئولاً عنه مسئولية المتبوع عن التابع . ولا يكون المحامي مسئولاً عن الضرر الذي ينجم عن ضياع مستندات موكله ، إذا أثبت أنه أودع هذه المستندات قلم كتاب المحكمة وأن هذا القلم هو الذي أضاعها . وإذا وكل شخص في قبض دين ، فلم يستطيع أن ينفذ الوكالة لإعسار المدين ، لم يكن مسئولاً ، والغير هنا هو المدين المعسر . وعلى الوكيل أن يثبت إعسار المدين ، فإذا ادعى الموكل أن المدين لم يكن معسراً وقت التوكيل وقد تهاون الوكيل في مطالبته حتى أعسر ، كان على الموكل أن يثبت دعواه ، فإذا أثبتها كان الوكيل مسئولاً لتهاونه .

وأخيراً لا يكون الوكيل مسئولاً عن الضرر الذي ينجم عن خطأ الموكل نفسه . فإذا كان الوكيل في حاجة إلى بيانات من الموكل لتنفيذ وكالته فتلقى منه بيانات خاطئة ، أو كان في حاجة إلى نقود يقدمها له الموكل فتأخر هذا في تقديمها ، لم يكن الوكيل مسئولاً عن الضرر الذي ينجم عن ذلك .

الإثبات على الموكل 

 ولما كان التزام الوكيل هو التزام ببذل عناية كما سبق القول ، والموكل في صدد مطالبته بتعويض لإخلاله بتنفيذ التزامه ، فإن الموكل هو الذي يقع عليه عبء إثبات عقد الوكالة وأن الوكيل لم يقم بتنفيذ التزامه أو قام به على وجه معيب ، وأنه قد نجم عن ذلك ضرر أصاب الموكل . فإذا أثبت الموكل ذلك ، كان هذا إثباتاً لخطأ الوكيل العقدي . وللوكيل عند ذلك أن ينفي عن نفسه المسئولية بأن يثبت أن عدم تنفيذه لالتزامه إنما يرجع إلى سبب أجنبي ، فتنعدم علاقة السببية ، ولا تتحقق مسئولية الوكيل العقدية . ويجوز للوكيل أيضاً ، إذا أثبت الموكل عقد الوكالة ، ألا يقف موقفاً سلبياً ويترك الموكل يثبت عليه الخطأ العقدي ، بل ينتقل من نطاق المسئولية العقدية إلى نطاق التنفيذ العيني ، فيثبت أنه قد نفذ التزامه تنفيذاً عينياً فبذل في تنفيذ الوكالة كل العناية الواجبة.

وإذا ادعى الموكل أنه قدم للوكيل مالاً أو شيئاً لتنفيذ الوكالة وطلب حساباً عنه ، وجب عليه أن يثبت ذلك طبقاً للقواعد العامة في الإثبات ، وإذا كان عقد الوكالة ثابتاً بالكتابة جاز اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة يعزز بالبينة أو بالقرائن لإثبات دعوى الموكل.

أما إذا ادعى الموكل أو الوكيل قد تسلم من الغير مالاً أو شيئاً لحساب الوكالة ، فله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن مهما بلغت القيمة ، لأنه لم يكن يستطيع في هذا الفرض الحصول على إثبات كتابي . وإذا كان الوكيل ملتزماً بموجب الوكالة أن يطالب الغير بشيء ، فمجرد عدم مطالبته إياه به يعتبر خطأ في جانبه ، وليس على الموكل أن يثبت أن الغير سلم الشيء للوكيل، وذلك ما لم يثبت الوكيل أن عدم مطالبته للغير بتسليم الشيء يرجع إلى سبب أجنبي .

وعلى الوكيل عبء إثبات الوجوه التي استعمل فيها المال أو الأشياء التي تسلمها من الموكل . أما المبالغ التي تسلمها الوكيل لحساب الموكل ولم يكن مفوضاً في استعمالها ، فإنه يلتزم بدفعها للموكل ، فإذا ادعى هذا أن الوكيل استعملها لصالح نفسه وجب عليه إثبات ذلك ، وعندئذ يكون له الحق في فوائدها بالسعر القانوني من وقت استخدام الوكيل لها ( مادة 706 مدني ) .

التعويض 

 والتعويض الذي يرجع به الموكل على الوكيل من جراء خطأه في تنفيذ الوكالة يكون بمقدار الضرر الذي أصاب الموكل بسبب هذا الخطأ . فإذا لم يكن هناك ضرر ، فلا تعويض . مثل ذلك أن يوكل دائن شخصاً في التنفيذ على منزل لمدينه مرهون له ، فيقصر الوكيل في اتخاذ إجراءات التنفيذ وينجم عن هذا التقصير أن يفوت على الموكل التنفيذ على هذا المنزل ، ثم يتبين أن دائناً مرتهناً متقدماً على الموكل استنفذ ثمن المنزل استيفاء لحقه ، فلم يكن ليبقى شيء من الثمن يأخذه الموكل لو أن وكيله لم
يقصر في تنفيذ الوكالة . أما إذا أصاب الموكل ضرر ، فإن التعويض يكون بمقدار هذا الضرر . فإذا فوت المحامي ميعاد رفع الدعوى أو ميعاد الطعن تقصيراً منه ، كان مسئولاً عما كان الموكل يكسبه من رفع الدعوى أو الطعن في الميعاد . وإذا قصر الوكيل في قبض دين وكل في قبضه حتى انقضى الدين بالتقادم ، كان مسئولاً نحو الموكل بمقدار هذا الدين . وإذا كان في يده مال للموكل فتلف أو ضاع بتقصيره ، كان مسئولاً عن قيمة هذا المال . وإذا باع منزلاً وكل في بيعه بثمن بخس ، وكان يستطيع بيعه بثمن أعلى لو بذل العناية الواجبة ، كان مسئولاً عن الفرق في الثمن .

وقد يكون الوكيل موكلاً في بيع أرض ومنزل ، فيبيع الأرض بثمن أعلى من ثمن المثل والمنزل بثمن أدنى ، ويكون ما كسبه في الأرض مساوياً أو أعلى مما خسره في المنزل ، فلا تقع مقاصة بين المكسب والخسارة ، ويكون الوكيل مسئولاً عما خسره في المنزل دون أن يستنزل من هذه الخسارة ما كسبه في الأرض . ذلك أن ما كسبه في الأرض هو خالص حق الموكل ، فإن الوكيل إذا استطاع التعاقد بشروط أفضل عاد نفع ذلك خالصاً للموكل ، فلا يكون الموكل مديناً بهذا الكسب للوكيل حتى تقع مقاصة فيه مع ما خسره الوكيل في المنزل ، وتبقى الخسارة ديناً في ذمة الوكيل .

ومن صور التعويض أن يضيف الموكل الصفقة الخاسرة لحساب الوكيل ، فيترك له السلعة التي اشتراها بثمن أعلى أو من صنف أقل جودة ، أو التي تأخر في شرائها فقلت فائدتها للموكل . وإذا اشترى الوكيل السلعة بثمن أعلى من الثمن الذي عينه الموكل ، ولم يرد أن يستبقها لحسابه ، جاز له أن يلزم بها الموكل ولكن بالثمن الأدنى الذي عينه هذا الأخير

التعديل الاتفاقي لقواعد المسئولية 

 ويمكن الاتفاق على تعديل القواعد سالفة الذكر ، فتشتد مسئولية الوكيل أو تخف أو يعفى منها .

مثل تشديد مسئولية الوكيل أن يشترط الموكل عليه ضمان الربح في الصفقة التي يعقدها ، فيكون الوكيل مسئولاً عن الخسارة حتى لو كان سببها قوة قاهرة . ومثل ذلك أيضاً أن يشترط الموكل على الوكيل أن يحمل هذا عبء الإثبات ، فلا يكون الموكل مكلفاً بإثبات خطأ الوكيل ، بل يكون الوكيل هو المكلف ينفي الخطأ . ومن أمثلة التشديد في مسئولية الوكيل أن يتعهد بإتمام الصفقة مع شخص معين فيكون مسئولاً لو رفض هذا الشخص التعاقد ، وتكون الوكالة في هذه الحالة مقترنة بتعهد عن الغير

ومثل تخفيف مسئولية الوكيل أن يشترط على الموكل ، إذا كانت الوكالة مأجورة ، ألا يكون مسئولاً إلا عن عنايته الشخصية بشرط ألا تزيد عن عناية الشخص المعتاد . ومثل ذلك أيضاً أن يشترط الوكيل على الموكل ألا يكون مسئولاً عن التعويض إلا في حدود مبلغ معين ، ولو زاد الضرر على هذا المبلغ .

وإعفاء الوكيل من المسئولية يكون بأن يشترط على الموكل ألا يكون مسئولاً عن خطأه . ويصح هذا الشرط حتى لو كانت الوكالة مأجورة ، لأن الإعفاء من المسئولية عن الخطأ العقدي جائز . ولكن يبقى الوكيل ، بالرغم من هذا الشرط ، مسئولاً عن الغش والخطأ الجسيم ، إلا إذا كان الغش أو الخطأ الجسيم واقعاً من أشخاص استخدمهم في تنفيذ الوكالة واشترط عدم مسئوليتهم عنهم .

تعدد الوكلاء ونائب الوكيل – التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة

النص القانوني

 تنص المادة 707 من التقنين المدني على ما يأتي :

1- إذا تعدد الوكلاء ، كانوا مسئولين بالتضامن ، متى كانت الوكالة غير قابلة للانقسام ، أو كان الضرر الذي أصاب الموكل نتيجة خطأ مشترك . على أن الوكلاء ، ولو كانوا متضامنين ، لا يسألون عما فعله أحدهم مجاوزاً حدود الوكالة أو متعسفاً في تنفيذها\” .

2- وإذا عين الوكلاء في عقد واحد دون أن يرخص في انفرادهم في العمل ، كان عليهم أن يعملوا مجتمعين ، إذا كان العمل مما لا يحتاج فيه إلى تبادل الرأي كقبض الدين أو وفائه

اجتماع الوكلاء أو انفرادهم بالعمل

الفقرة الثانية من المادة 707 مدني تميز بين فرضين :

( أ ) إذا عين كل الوكلاء في عقد واحد .

( ب ) إذا عينوا في عقود متفرقة .

( أ ) إذا عين كل الوكلاء في عقد واحد .

فإذا عين كل الوكلاء في عقد واحد ، فقد اتخذ المشروع من ذلك قرينة قانونية على
أن الموكل أراد ألا يعملوا إلا مجتمعين . فإذا وكلو في بيع أو شراء أو إيجار أو استئجار أو صلح أو إدارة عمل ، وجب ألا يباشروا التصرف الموكلين فيه إلا مجتمعين وبعد التداول فيما بينهم وموافقتهم جميعا على التصرف . ذلك أن الموكل قد أراد بجمعهم في عقد واحد أن يلزمهم بالتشاور في أمر الوكالة ، وبالتعاون في تنفيذها ، وبأن يكون كل منهم رقيبا على الأخرين فإذا استقل أحدهم أو بعضهم بعقد الصفقة أو بإدارة العمل ، فقد اختل ما قصد إليه الموكل ، وضاع عليه رأي باقي الوكلاء الذين لم يشتركوا في تدبير أمر هو في حاجة إلى أن يساهموا فيه برأيهم ، كما إذا اقتضى تنفيذ الوكالة إيجاد مشتر بشروط مناسبة أو مناقشة شروط صلح لحسم نزاع معين أو اتخاذ خير التدابير لإدارة متجر الموكل أو مزرعته . فإذا باشر التصرف أحد الوكلاء أو بعضهم دون الباقين ، كان التصرف باطلا لانعدام صفة من باشر التصرف ، إذ لا صفة إلا للوكلاء مجتمعين ويستوى في ذلك أن يكون الغير عالما بتعدد الوكلاء أو غير عالم بذلك ، فقد كان عليه أن يتحرى وبخاصة أن الوكلاء مذكورون جميعا في عقد واحد ، وذلك مع عدم الإخلال بتطبيق قواعد الوكالة الظاهرة على الوجه الذي سنبينه . ومع ذلك يجوز لأحد الوكلاء أن ينفرد بالعمل إذا وافق عليه الباقون فيما بعد ، ويعتبر التصرف صادرا منهم جميعا من وقت موافقة الباقين.

 ويستثنى مما تقدم أن يكون التصرف محل الوكالة مما لا يحتاج فيه إلى تبادل الرأي ، فيجوز لأي من الوكلاء أن يباشره منفردا ، لانتفاء الحكمة من وجوب اجتماعهم .

 مثل ذلك أن يكون التصرف هو قبض دين معين ، أو وفاؤه ، أو الإبراء منه ، أو قبول هبة معينة ، أو رد الوديعة ، أو إيجار منزل معين بالشروط المألوفة وبالأجرة التي يسمح بها القانون.

ففي هذه التصرفات وأمثالها ليس للوكيل من السلطة التقديرية إلا قدر محدود جداً لا ينفسخ فيه مجال الرأي ، وليس عليه إلا أن يتثبت من صحة التعاقد ومطالبته لتعليمات الموكل ، فليست هناك حاجة لاجتماع الوكلاء.

ويستثني كذلك ما نصت عليه المادة 85 من تقنين المرافعات في خصوص وكلاء الخصومة ومنهم المحامون من أنه

إذا تعدد الوكلاء ، جاز لأحدهم الانفراد بالعمل في القضية ، ما لم يكن ممنوعاً من ذلك ينص في التوكيل

 فتنعكس القرينة القانونية في حالة تعدد وكلاء الخصومة ، ويكون المفروض جواز انفراد كل وكيل بالعمل ما لم ينص على وجوب اجتماع الوكلاء .

ووجوب اجتماع الوكلاء المعينين في عقد واحد ليس من النظام العام ، والقرينة القانونية التي وضعها المشرع في هذا الشأن ليست قرينة قاطعة فيجوز إثبات عكسها . ومن ثم يجوز للموكل أن يرخص للوكلاء المعينين في عقد واحد ، صراحة أو ضمناً ، في الانفراد بالعمل . فإذا باشر التصرف أحدهم صح عمله ، وامتنع على الباقين أن يباشروا نفس التصرف .

( ب ) إذا عينوا في عقود متفرقة .

وإذا عين الوكلاء في عقود متفرقة ، فالقرينة تنعكس ويصبح من المفروض أنه يجوز لأي وكيل منهم أن ينفرد بالعمل . على أن هذه القرينة العكسية قابلة هي أيضاً لإثبات العكس ، ويجوز للموكل أن يشترط على الوكلاء الذين عينهم في عقود متفرقة أن يعملوا مجتمعين . فلا يجوز عندئذ لأحد من الوكلاء أن ينفرد بالعمل ، وإذا فعل كان تصرفه باطلاً لانعدام الصفة ، مع ملاحظة أن الغير الذي يتعامل مع الوكيل يكون معذوراً إذا اعتقد أن الوكيل له صفة في التعاقد ما دام يرى أن وكالته وحدة ثابتة في عقد مستقل ، ويغلب أن تنطبق في هذه الحالة قواعد الوكالة الظاهرة .

260- تضامن الوكلاء في المسئولية : والأصل أنه إذا تعدد الوكلاء ، فإنهم لا يكونون متضامنين لا في التزامهم نحو الموكل باعتبارهم مدينين ، ولا في التزامات الموكل نحوهم باعتبارهم دائنين . ذلك أن التزامات الوكلاء ، والتزامات الموكل ناشئة كلها من العقد ، ولا تضامن في الالتزامات العقدية إلا بنص من القانون .

ولم يرد أي نص في شأن التزامات الموكل نحو الوكلاء المتعددين ، فهؤلاء إذن لا يكونون متضامنين كدائنين للموكل ، بل ينقسم عليهم دين الموكل نحوهم .

أما في شأن التزامات الوكلاء المتعددين نحو الموكل ، فقد نصت الفقرة الأولى من المادة 707 مدني كما رأينا على أنه إذا تعدد الوكلاء ، كانوا مسئولين بالتضامن ، متى كانت الوكالة غير قابلة للانقسام ، أو كان الضرر الذي أساب الموكل نتيجة خطأ مشترك . ويؤخذ من ذلك أن الوكلاء في غير الحالتين المذكورتين في النص لا يكونون متضامنين في المسئولية ، رجوعاً إلى الأصل .

أما في هاتين الحالتين فيكونون متضامنين في جميع التز
اماتهم نحو الموكل ، لا فحسب في تنفيذ الوكالة بالعناية الواجبة ، بل أيضاً في تقديم الحساب للموكل وفي رد ما للموكل في أيديهم على النحو الذي سنفصله فيما يلي :

والحالتان اللتان يكون فيهما الوكلاء متضامنين في التزاماتهم هما :

أولاً ـ إذا كانت الوكالة غير قابلة للانقسام .

 وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذه الحالة ما يأتي : \”مثال ذلك أن يوكل شخص وكيلين في شراء منزل معين ، فلا يتصور في هذه الحالة أن ينفرد كل وكيل بالعمل إذ أن صفقة البيع لا تتجزأ ، ويجب على الوكيلين أن يعملا مجتمعين ، ويكونان مسئولين بالتضامن قبل الموكل في الالتزامات المتقدمة الذكر .

ومن ثم يكون الوكيلان مسئولين بالتضامن عن تنفيذ الوكالة في حدودها ، وعن تقديم حساب عنها للموكل ، وعن رد ما للموكل في أيديهما إليه . فلو أن الوكالة لم تكن في شراء منزل بل في بيعه وفي قبض ثمنه ، وهذه أيضاً وكالة غير قابلة للانقسام ، فباع المنزل الوكيلان معاً وسلم المشتري الثمن لأحدهما ، كان الوكيلان مسئولين معاً بالتضامن عن تسليم الثمن للموكل . وإذا كان الوكيل الذي تسلم الثمن قد قبل أن يؤجل جزءاً منه ، وقد جاوز في ذلك حدود الوكالة لأن الموكل قد اشترط أن يكون الثمن كله معجلاً ، فإن التأجيل لا ينفذ في حق الموكل لمجاوزته حدود الوكالة ، ويلزم المشتري بتعجيل ما أجل من الثمن ، ثم يرجع على الوكيل الذي قبل التأجيل بالتعويض دون أن يرجع على الوكيل الآخر ودون أن يكون هذا الوكيل الآخر متضامناً مع الوكيل الأول . ولو كان هذا الوكيل الأول لم يجاوز حدود الوكالة ولكن تعسف في تنفيذها ، بأن كان الموكل لم يشترط تعجيل الثمن فأجل الوكيل الثمن ولكنه راعي في ذلك مصلحة المشتري دون مصلحة الموكل لمصلحة تربطه بالمشتري ، فإن التأجيل يسري في حق الموكل لعدم مجاوزته حدود الوكالة ، ولكن الموكل يرجع على الوكيل بالتعويض لتعسفه في تنفيذ الوكالة ، ويرجع بالتعويض على هذا الوكيل وحده دون أن يكون الوكيل الآخر متضامناً معه . وفي هذا تقول العبارة الأخيرة من الفقرة الأولى من المادة 707 مدني \”على أن الوكلاء ، ولو كانوا متضامنين ، لا يسألون عما فعله أحدهم مجاوزاً حدود الوكالة أو متعسفاً في تنفيذها\” .

وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد :

\”أما إذا انفرد أحدهم بمجاوزة حدود الوكالة أو بالتعسف في تنفيذها ، كأن خالف شروط البيع التي اشترطها الموكل ، أو التزمها ولكن تعمد إساءة العمل بها ، ففي حالة المجاوزة لحدود الوكالة يكون مسئولاً وحده لا بالتضامن مع غيره من الوكلاء ، قبل الغير الذي تعامل معه ، إذا كان الموكل قد رفض إقرار عمل الوكيل ( انظر م 991 من المشروع ) . وفي حالة التعسف في تنفيذ الوكالة يكون مسئولاً أيضاً وحده ، لا بالتضامن مع غير من الوكلاء ، قبل الموكل عن التعويض

ثانياً : إذا كانت الوكالة قابلة للانقسام ولكن الضرر الذي أصاب الموكل كان نتيجة خطأ مشترك مع الوكلاء جميعاً .

وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذه الحالة ما يأتي : \”أما إذا كانت الوكالة قابلة للانقسام كإدارة مزرعة ، فإن كل وكيل يكون مسئولاً وحده بالتضامن مع غيره من الوكلاء عن تنفيذ التزاماته ، سواء في ذلك عمل منفرداً بأن اختص في إدارة المزرعة بأعمال معينة ، أو عمل مع الوكلاء مجتمعين . ومع ذلك لو ارتكب الوكلاء في هذه الحالة خطأ مشتركاً دبروه فيما بينهم وترتب عليه الإضرار بمصلحة الموكل ، فإنهم يكونون مسئولين بالتضامن عن التعويض سواء اعتبرت المسئولية تقصيرية أو تعاقدية . فلو أن وكيلين ، يديران مزرعة بالوكالة عن صاحبها ، يعملان مجتمعين ، فارتكبا معاً خطأ في تنفيذ الوكالة ، كأن اشتريا سماداً أو بذراً غير صالح ولم يبذلا العناية الواجبة في انتقائه ، فإنهما يكونان مسئولين بالتضامن قبل الموكل . ويلاحظ هنا فيما يتعلق بما ورد في المذكرة الإيضاحية أمران :

الأمر الأول أن المذكرة تقول :

\”سواء اعتبرت المسئولية تقصيرية أو تعاقدية\” ، ولا وجه لاعتبار المسئولية هنا تقصيرية ، فهي ليست إلا مسئولية تعاقدية ترتبت على عقد الوكالة .

والأمر الثاني أن المذكرة الإيضاحية تقول :

 \”ومع ذلك لو ارتكب الوكلاء في هذه الحالة خطأ مشتركاً دبروه فيما بينهم\” ، ويفهم من ذلك أن الخطأ المشترك يجب أن يكون مدبراً فيما بين الوكلاء . وقد كان هذا صحيحاً في المشروع التمهيدي لنص المادة 707/1 مدني ، فقد كان يقول : \”أو كان الضرر الذي أصاب الموكل نتيجة خطأ مشترك دبر فيما بينهم\” ، ولكن ع
بارة \”دبر فيما بينهم\” حذفت في لجنة المراجعة. وبعد هذا الحذف أصبح غير ضروري أن يكون الخطأ المشترك مدبراً فيما بين الوكلاء ، ويكفي أن يكون هناك مجرد تقصير منهم دون أن تكون هناك حاجة لأن يتعمدوا الخطأ ويدبروه فيما بينهم.

\”وفي غير هاتين الحالتين ـ كما تقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي ـ لا يكون الوكلاء المتعددون متضامنين فيما بينهم إلا إذا اشترط التضامن . فلا يكون الوكلاء متضامنين بغير شرط إذا انفرد أحدهم بتنفيذ الوكالة ، سواء كانت الوكالة غير قابلة للانقسام أو قابلة له ، أو اشترك مع الباقي في تنفيذها ولكنه انفرد وحده بخطأ لم يشترك معه فيه سائر الوكلاء.

نائب الوكيل

 نص قانوني : تنص المادة 708 من التقنين المدني على ما يأتي :

\”1- إذا أناب الوكيل عنه غيره في تنفيذ الوكالة ، دون أن يكون مرخصاً له في ذلك ، كان مسئولاً عن عمل النائب كما لو كان هذا العمل قد صدر منه هو ، ويكون الوكيل ونائبه في هذه الحالة متضامنين في المسئولية\” .

\”2- أما إذا رخص للوكيل في إقامة نائب عنه دون أن يعين شخص النائب ، فإن الوكيل لا يكون مسئولاً إلا عن خطأه في اختيار نائبه ، أو عن خطأه فيما أصدره له من تعليمات\” .

\”3- ويجوز في الحالتين السابقتين للموكل ولنائب الوكيل أن يرجع كل منهما مباشرة على الآخر .

ويخلص من هذا النص أن

الوكالة قد يقوم بتنفيذها ، لا الوكيل نفسه ، بل شخص آخر ينيبه عنه الوكيل. وعندئذ تثار مسألتان نبحثهما على التعاقب :

( 1 ) علاقة الموكل بنائب الوكيل .

( 2 ) مسئولية الوكيل عن نائبه .

علاقة الموكل بنائب الوكيل

 يفهم من الفقرة الأولى من المادة 707 مدني سالفة الذكر أن الوكيل إذا أناب عنه غيره دون أن يكون مرخصاً له في ذلك ، كانت إنابته صحيحة ولكن يكون مسئولاً عن عمل النائب مسئوليته عن عمله الشخصي ويكون متضامناً معه في المسئولية . فيستخلص من ذلك أن للوكيل أن ينيب عنه غيره دون حاجة إلى ترخيص من الموكل ، ومن باب أولى يكون له ذلك إذا رخص فيه الموكل . فللوكيل إذن أن ينيب عنه غيره ، ما لم يمنعه الموكل من ذلك . فإذا منعه ، وأناب الوكيل مع ذلك عنه غيره ، فإن الإنابة تكون باطلة . ومن ثم لا تكون لنائب الوكيل صفة في مباشرة التصرف القانوني محل الوكالة ، ويبقى الوكيل هو وحده المسئول عن تنفيذ الوكالة ، وذلك ما لم يقر الموكل الإنابة بعد وقوعها فيكون لها عندئذ حكم الإنابة التي وقعت بترخيص من الموكل .

ونفرض الآن أن الوكيل أناب عنه غيره إنابة صحيحة ، إما لآن الموكل رخص له في ذلك أو لم يمنعه منه ، وإما لأن الموكل أقر الإنابة بعد منعها فعند ذلك تقوم علاقات مختلفة :

علاقة بين الوكيل ونائبه ، وعلاقة بين الوكيل والموكل ، وعلاقة بين الموكل ونائب الوكيل .

فالعلاقة بين الوكيل ونائبه يحكمها عقد الإنابة الذي بموجبه أناب الوكيل نائبه ، وهو عقد وكالة من الباطن أصبح بموجبه نائب الوكيل وكيلاً عن الوكيل . وقد يوكل الوكيل نائبه في كل ما هو موكل فيه ، فيطابق مدى سعة عقد النيابة مدى سعة عقد الوكالة الأصلية ، وقد يوكله في بعض ما هو موكل فيه . وفي الحالتين يكون نائب الوكيل ملتزماً نحو الوكيل بجميع ما يلتزم به الوكيل نحو موكله في حدود عقد الإنابة : تنفيذ الوكالة بالقدر الذي اتسعت له الإنابة مع بذل العناية الواجبة في تنفيذها بحسب ما تكون الإنابة مأجورة أو غير مأجورة ، وتقديم النائب حساباً للوكيل عن أعمال الإنابة ، ورد النائب ما بيده متعلقاً بهذه الأعمال إلى الوكيل . ويكون الوكيل ملتزماً نحو النائب بجميع ما يلتزم به الموكل نحو وكيله في حدود عقد الإنابة : دفع الآخر إذا كانت الإنابة مأجورة ، ورد المصروفات التي أنفقت في تنفيذ النيابة ، وتعويض النائب عما قد يلحقه من ضرر بسبب تنفيذ الإنابة.

أما العلاقة بين الوكيل والموكل فتبقى محكومة بعقد الوكالة الأصلي ، ويكون الوكيل ملتزماً نحو الموكل بجميع الالتزامات التي تترتب في ذمة الوكيل بموجب عقد الوكالة ، كما يكون الموكل ملتزماً نحو الوكيل بجميع الالتزامات التي تترتب في ذمة الموكل بموجب نفس العقد .

وتبقى العلاقة بين الموكل ونائب الوكيل . وكان مقتضى تطبيق القواعد العامة ألا تكون هناك علاقة مباشرة بينهما ، ولا يملك الموكل أن يرجع على نائب الوكيل
إلا بالدعوى غير المباشرة يستعملها باسم الوكيل ، وكذلك لا يملك نائب الوكيل أن يرجع على الموكل إلا بالدعوى غير المباشرة يستعملها هو أيضاً باسم الوكيل .

ولكن الفقرة الثالثة من المادة 707 مدني تقول: \”ويجوز في الحالتين السابقتين للموكل ولنائب الوكيل أن يرجع كل منهما مباشرة على الآخر\” . والحالتان السابقتان المشار إليهما هما حالة ما إذا أناب الوكيل غيره دون ترخيص من الموكل وحالة ما إذا أناب الغير بترخيص ، ويلحق بهما حالة ما إذا أناب الوكيل الغير وأقر الموكل الإنابة بعد أن كان قد منعها . ففي جميع هذه الأحوال يجوز للموكل أن يرجع بدعوى مباشرة على نائب الوكيل يطالبه فيها بجميع التزاماته الناشئة من عقد الإنابة ، ولا شأن لنائب الوكيل بعقد الوكالة الأصلي . وكذلك يجوز لنائب الوكيل أن يرجع بدعوى مباشرة على الموكل يطالبه فيها بالتزاماته نحو الوكيل الأصلي ، ولكن في حدود التزامات الوكيل الأصلي نحو نائب الوكيل بموجب عقد الإنابة.

مسئولية الوكيل عن نائبه

الأصل أن الوكيل مسئول عن نائبه تجاه الموكل . ومسئوليته في ذلك هي مسئولية عقدية عن الغير وقد توافرت شروطها . فهناك عقد الوكالة الأصلي الوكيل فيه مدين للموكل بتنفيذ الوكالة ، وقد استخدم الوكيل في تنفيذ هذا الالتزام العقدي نائبه إذ كلفه بموجب عقد الإنابة بتنفيذ الالتزام . فالمسئول عن الوكيل ، والمضرور هو الموكل ، وقد قام بينهما عقد صحيح هو عقد الوكالة الأصلي . والغير هو نائب الوكيل ، وقد كلف اتفاقاً بتنفيذ التزام الوكيل العقدي، فإذا ارتكب نائب الوكيل خطأ في تنفيذ الوكالة تحققت مسئوليته العقدية تجاه الوكيل ، وتحققت مسئولية الوكيل العقدية عن نائبه تجاه الموكل ، وأمكن أيضاً للموكل أن يرجع مباشرة على نائب الوكيل كما قدمنا . فيكون للموكل ، إذا ارتكب نائب الوكيل خطأ ، مدينان : الوكيل بموجب المسئولية العقدية عن الغير ، ونائب الوكيل بموجب الدعوى المباشرة . والأصل أن الوكيل ونائبه لا يكونان مسئولين تجاه الموكل بالتضامن لتعدد المصدر بالرغم من وحدة المحل ، وإنما يكونان مسئولين بالتضامم

هذا هو مقتضى تطبيق القواعد العامة في مسئولية الوكيل عن نائبه .

 ولكن الفقرتين الأولى والثانية من المادة 708 مدني حورتا في هذه القاعدة ، فقد ميزت هذه النصوص بين حالتين :

الحالة الأولى ـحالة ما إذا لم يكن مرخصاً للوكيل في إنابة غيره :          

تقول الفقرة الأولى من المادة 708 مدني في هذا الصدد : \”إذا أناب الوكيل عنه غيره في تنفيذ الوكالة دون أن يكون مرخصاً له في ذلك ، كان مسئولاً عن عمل النائب كما لو كان هذا العمل قد صدر منه هو ، ويكون الوكيل ونائبه في هذه الحالة متضامنين في المسئولية\” . ويتبين من هذا النص أن قواعد المسئولية العقدية عن الغير قد طبقت في الحالة الأولى التي نحن بصددها ، وذلك باستثناء واحد هو أن الوكيل ونائبه يكونان مسئولين تجاه الموكل ، لا بالتضامم كما هو مقتضى تطبيق القواعد العامة في المسئولية العقدية عن الغير ، بل بالتضامن كما يقضي صريح النص . ويعتبر الخطأ الصادر من نائب الوكيل كأنه صادر من الوكيل نفسه ، ويكون هذا مسئولاً عنه بمعيار المسئولية الذي ينطبق عليه هو لا بمعيار المسئولية الذي ينطبق على نائب الوكيل . فإذا كان الوكيل مأجوراً ونائب الوكيل غير مأجور ، وبذل نائب الوكيل في تنفيذ الإنابة عنايته الشخصية وكانت هذه العناية دون عناية الشخص المعتاد ، كان نائب الوكيل غير مسئول لأنه بذل العناية الواجبة عليه إذ هو غير مأجور ، وكان الوكيل مسئولاً إذ العناية المطلوبة منه هي عناية الشخص المعتاد لأنه مأجور . أما إذا كان الوكيل غير مأجور ، وكان نائبه مأجوراً ، لم يكن الوكيل مسئولاً تجاه الموكل إلا عن عنايته الشخصية إذا كانت أدنى من عناية الشخص المعتاد لأنه غير مأجور ، فإذا نزل نائب الوكيل عن عناية الشخص المعتاد دون أن ينزل عن عناية الوكيل الشخصية فإنه يكون مسئولاً تجاه الوكيل لأنه مأجور ، ولكن الوكيل لا يكون مسئولاً تجاه الموكل لأن العناية التي بذلت هي العناية الواجبة على الوكيل(   ) . ومع ذلك يرجع الموكل على نائب الوكيل بالدعوى المباشرة مادامت مسئولية نائب الوكيل تجاه الوكيل قد تحققت ، إذ نزل الأول وهو مأجور عن عناية الشخص المعتاد

الحالة الثانية ـ حالة ما إذا كان مرخصاً للوكيل في إنابة غيره

 تقول الفقرة الثانية من المادة 708 مدني في هذا الصدد :

 \”أما إذا رخص للوكيل في إقامة نائب عنه دون أن يعين شخص النائب ، فإن الوكيل لا يكون مسئولاً إلا عن خطأه في اختيار نائبه ، أو عن خطأه فيما أصدره له م
ن تعليمات\” . فميز هذا النص بين فرضين : الترخيص للوكيل في الإنابة دون تعيين شخص النائب ، والترخيص له في إنابة شخص بعينه . ففي الفرض الأول أعفى النص الوكيل من المسئولية العقدية عن عمل النائب ، ولم يجعله مسئولاً إلا عن خطأه الشخصي إما في اختيار النائب وإما في توجيهه وفيما أصدره له من تعليمات . فإذا أخطأ الوكيل في اختيار النائب ، كأن اختاره معسراً أو مشهوراً بالإهمال أو عدم الأمانة أو غير كفء للمهمة الموكولة إليه ، سواء وجد ذلك وقت الاختيار أو جدَّ بعد ذلك لأن الوكيل ملتزم بمراقبة نائبه ، كان هناك خطأ شخص من الوكيل وكان مسئولاً عنه تجاه الموكل بموجب عقد الوكالة الأصلي . وكذلك الحكم لو أن الوكيل وجه نائبه توجيهاً خاطئاً وأصدر له تعليمات لا تتفق مع الواجب في تنفيذ الوكالة ، فإن الوكيل يكون مسئولاً عن خطأه الشخصي تجاه الموكل . ولا يكون هناك تضامن بين الوكيل ونائبه ، لأن مسئولية الوكيل قائمة على خطأه الشخصي لا على المسئولية العقدية عن الغير . فإذا أحسن الوكيل اختيار نائبه ولم يصدر له تعليمات خاطئة ، وارتكب نائب الوكيل خطأ في تنفيذ الوكالة ، كان نائب الوكيل وحده هو المسئول تجاه الوكيل بموجب عقد الإنابة ، وكان مسئولاً أيضاً تجاه الموكل بموجب الدعوى المباشرة ، ولكن الوكيل لا يكون مسئولاً عن نائبه تجاه الموكل مسئولية عقدية عن الغير فقد أعفاه نص القانون من هذه المسئولية ما دام مرخصاً له في إنابة غيره . بقى الفرض الثاني ، وفيه يكون الوكيل مرخصاً له في إنابة شخص بعينه . ولم تعرض الفقرة الثانية من المادة 708 مدني مباشرة لهذا الفرض ، ولكن المفهوم من النص أن الوكيل لا يكون مسئولاً عن اختيار نائبه ، إذ أن الموكل قد وافق على هذا الاختيار ورخص فيه . ومن ثم لا يكون الوكيل مسئولاً في الفرض الثاني إلا عن خطأه الشخصي فيما أصدر له من تعليمات : وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي تأكيداً لهذا المعنى : \”أما إن عين الموكل للوكيل شخص النائب ، فلا يكون الوكيل مسئولاً إلا عن خطأه فيما أصدر له من تعليمات.

ولم يعرض نص القانون لحالة ثالثة ، هي حالة ما إذا كان الوكيل ممنوعاً عن إنابة غيره . ولا صعوبة فيما إذا أناب الوكيل غيره بالرغم من هذا المنع ولم يقر الموكل الإنابة . ففي هذا الفرض لا يكون للنائب صفة في التعاقد مع الغير ، ومن ثم لا يسري هذا التعاقد في حق الموكل ، فلا يكون هناك مجال لمسئولية الوكيل عن نائبه . أما إذا أقر الموكل الإنابة بعد أن كان قد منعها ، فالظاهر أنه يكون في حكم من رخص للوكيل في إنابة شخص بعينه إذ أنه لم يقر الإنابة إلا بعد أن عرف شخص النائب ، وتسري الأحكام التي قررناها فيما إذا كان الوكيل مرخصاً له في إنابة شخص بعينه .

مرفقات التحميل – التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة

 

  • الملف: التزامات الوكيل في تنفيذ الوكالة
  • الحجم: 67.3 KB
  • المضيف: top4top

 

عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 848

شاركنا برأيك