القذف الإلكتروني جريمة في حق المقذوف

يعد القذف الإلكتروني جريمة في حق المقذوف بما يلصقه به من وصف يتعير به هو و أصوله و فروعـه وعائلته كلها ، و يحط من منزلتهم و قدرهم في المجتمع الذي يعيشون فيه

تعريف وأركان جريمة القذف عبر الإنترنت

القذف الإلكتروني جريمة في حق المقذوف

لذلك فإننا سنعرف جريمة القذف عبر الإنترنت ، مبينا أركان هذه الجريمة  ، والعقوبة المقررة لها .

 تعريف القذف لغة واصطلاحا

أ‌- تعريف القذف لغة :

القذف يطلق في اللغة على الرمي، أي الرمـي بالحجارة و نحوهـا، والتقاذف التراكمي  وفي المعنى الرمي بالعيب

وفي القرآن الكريم :” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ”

ب- تعريف القذف اصطلاحا :

اختلف الفقهاء في تعريف القذف :

  • فعرفه الحنفية والحنابلة بأنه ” رمي مخصوص و هو رمي بالزنى ”  .
  • وعرفه المالكية بأنه ” رمي مكلف ولو كافر حرا مسلما بنفي نسب أو زنى”.
  • وعرفه الشافعية بأنه ” الرمي بالزنى مع معرض التعبير “.

و عـرفــه المشــرع الليبي فـي المـادة الأولـى من القانـون رقـم ( 52) لسنـة 1974م فـي شـأن إقامـة حــد القذف بأنه ” الرمي بالزنى  أو نفي النسب بأيـة وسيلة كانت وفي حضور المقذوف أو غيبته و في علانية أو بدونها

وفي نفس المعنى نصت المادة 340/1 من مشروع قانون العقوبات لعام 2008م، حيث جاء فيها “يعاقب بالجلد حداً ثمانين جلدة، وبالحرمان من أداء الشهادة كل من رمي غيره بأي وسيلة بالزنى أو نفي النسب دون أن يثبت صحة ذلك”.

ويلاحظ أن كل هذه التعريفات تجمع على أن القذف رمي بالزنى أو نفي النسب .

كما أن المشرع الليبي قد عرف القذف تعريفا شاملا يدخل فيه الرمي بصريح اللفظ كأن يقول شخص لآخر إنه زان أو ابن زان ، و الكنايات كأن يقول شخص لآخر لست بزان ولا أبي ولا أمي ، ويقصد بذلك قذفه أو نفيه عن أبيه أو يشهد بالزنى و لم تكتمل البينة  ويخرج من هذا التعريف الرمي باللواط خلافا للحنابلة

و يخرج أيضا الرمي بكل معصية أخرى غير الزنى كالسباب و الشتم و نحوهما فإن هذا ليس قذفا

و لا خلاف بين الفقهاء في أن الرمي بالزنى أو نفي النسب قذف ، و لذلك جعله المشرع الليبي  من القذف المعاقب عليه حدا

أركان جريمة القذف

لجريمة القذف ركنان : ركن مادي و ركن معنوي .

أ- الركن المادي :

و هو النشاط الإجرامي أو السلوك الآثم ، و هو الرمي بالزنى أو نفي النسب ، أو الشهادة بالزنى إذا لم يكتمل نصاب الشهادة .

و مادام المشرع قد ذكر في المادة الأولى من القانون رقم (52) لسنة 1974م السابق ذكرهـا ” بأيـة وسيلـة كانـت ..” وكذلك ذكر في الفقرة الأولى من المادة 340 من مشروع قانون العقوبات لعام 2008″ بأيـة وسيلـة كانـت ..”

فقـد أراد أن يشمل جميع الوسائل التقليدية، والحديثة ، ووسائل التكنولوجيا وكل ما من شأنه أن يؤدي إلى الإفصاح عن هذا التعبير . فيمكن أن يقع هذا بواسطة شبكة الإنترنت سواء بإرسال رسالة إلى جميع المشتركين في الشبكة

فبمجرد فتح الجهاز يجدونها و يطلعون عليها  ويمكن أن تكون كتابة أو بالصورة أو بالرموز أو بالكاريكاتير أو بأي طريقة من الطرق الأخرى التي يمكن أن تؤدي إلى النتيجة التي أرادها الجاني من فعله

غير أنه يجدر بالمشرع الليبي أن ينص صراحة على تجريم استخدام شبكة الإنترنت في القذف، منعا من تطويع النصوص القديمة لتغطية تجريم هذه الوسيلة الحديثة.

ب- الركن المعنوي :

إن جريمة القذف من الجرائم العمدية ، ومن ثم يجب أن يتوافر فيها القصد الجنائي العام ( م 63 عقوبات ) بعنصرية – العلم والإرادة(3). و يتحقق ركن العلم إذا كان الجاني يفهم مدلول عبارات القذف ، ويعلم أن ما قذف به غير صحيح ، وكذلك إذا عجز عن إثبات صحته شرعا.

ولا يشترط العلم بتجريم الفعل قانونا، لأن العلم مفترض إعمالا لقاعدة عدم الاحتجاج بالجهل بالقانون الجنائي، وهي قاعدة منصوص عليها في كل القوانين الوضعية ومنها قانون العقوبات الليبي (م3).

كما أنها من القواعد الفقهية المقررة في الشريعة الإسلامية  حيث إنه لا يقبل في دار الإسلام العذر بجهل الأحكام

ويتحقق عنصر الإرادة باتجاه إرادة الجاني إلى استخدام العبارات التي رمي بها المجني عليه و أساس هذه النية أو القصد في الفقه الإسلامي قوله صلى الله علية وسلم ” إنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى “

ويكفـى لارتكاب هذه الجريمة القصد الجنائي العام دون القصد الجنائي الخاص فمتى قام المتهم بنشر الواقعـة أو إذاعتها أو إرسالهـا برسالـة عبر شبكة الإنترنت وهو يعلم بمدلـول عبارات القذف و أن ما رمى به المجني عليه ليس له أساس من الصحة (مع اتجاه إرادة الجاني إلى ارتكاب السلوك الإجرامي

فإن هذه الجريمة تقع دون حاجة للخوض في مدى سلامة النية من عدمه

عقوبة جريمة القذف

القذف الإلكتروني جريمة في حق المقذوف

لقد نصت المادة 4 من القانون رقم (52) لسنة 1974م بشأن إقامة حد القذف المذكور على أنه ” مع عدم الإخلال بحكم المادة السابعة من هذا القانون يعاقب بالجلد حداً ثمانين جلدة ، ولا تقبل له شهادة كل من ثبت عليه ارتكاب الجريمة المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون ” (

وهي نفس العقوبة التي نص عليها المشرع الليبي في مشروع قانون العقوبات لسنة 2008م حيث جاء في هذه المادة ” يعاقب بالجلد حداً ثمانين جلدة، وبالحرمان من أداء الشهادة كل من رمى غيره بأي وسيلة بالزنى أو نفي النسب دون أن تثبت صحة ذلك”.

ولقد اخذ المشرع الليبي هذه العقوبة من النص القرآني الكريم :

” و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا و أولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم “

ويلاحظ أن المشرع قد قرر للقذف عقوبتين: أحداهما أصلية وهي ( الجلد )، والأخرى تبعية وهي ( عدم قبول الشهادة )

ولـم يأخـذ القانـون بفكـرة تشديـد العقوبـة علـى الجاني فـي حالـة العـود حيث نـص فـي المـادة 6 مــن هــذا القانــون علــى أنــه ” إذا عـــاد القــاذف الـــذي حـــد للقـــذف إلــى ارتكــاب الجريمــــة مـــرة أخــرى عـوقـــب بـذات العـقـوبــة المقـــــررة لها حدا . “

وقد وضعت عقوبة القذف في الشريعة الإسلامية بقصد إيلام القاذف حتى لا يعود مرة أخرى إلى تحقير غيره ، و الحط من كرامته بنسبته إلى الفاحشة ، فكأنه عندما ألم المقذوف بقذفه كان من العدل أن يقاسي ألم العقوبة

و ليس بخاف على أحد أن الجلد – باعتباره إيلاماً بدنياً ونفسياً – إصلاح للجاني و رادع له عن تحقيره غيره مرة ثانية ، و في المقابل فإن في معاقبة الجاني بهذه العقوبة الحدية ما يطفئ نار الألم النفسي الذي يتألم منه المجني عليه بسبب ما رمي به ظلماً و عدواناً

وأما بالنسبة لعقوبة رد الشهادة

فإنه إذا أصر الجاني على إجرامه و فسقه وتحقيره لغيره  فلا تقبل شهادته، و أما إذا تاب و بان إصلاحه، فقد ذهب جمهور العلماء إلى أن التوبة تعيد إليه اعتباره و أهليته للشهادة و ينفى عنه الفسق لقوله تعالى ” إلا الذين تابوا من بعد ذلك و أصلحوا فإن الله غفور رحيم ” .

بينما ذهب الحنفية 

إلى أن التوبة لا أثر لها في قبول الشهادة لقوله تعالى :

” و لا تقبلوا لهم شهادة أبدا “

و كأنهم جعلوا الاستثناء مقصورا على ما قبله مباشرة، ولا يتعدى إلى غيـر الجملـة السابقة عليه  على عكس ما رأى الجمهـور  الذيـن قالـوا إن الاستثنـاء يضـم جميـع الجمـل السابقة عليـه، سـواء منهـا مــا يتعلـق بقبـول الشهـادة أو نفـي الفسق عنه، وهي على كل حال مسألـة اجتهادية للرأي فيها مجال فسيح .

ونحـن مع الرأي الأول الذي يرى أن الاستثناء في الآية السابقة ” إلا الذين تابوا ..” يعود على الجملتين معا فبالتوبة يزول فسق القاذف بالإجماع ، ولذلك تقبل شهادته ، لأن سبب رد شهادته كان بسبب ما اتصف به من الفسق ، و لأن التوبة بالقذف تجعله كمن لم يقذف

ولقد اجمع فقهاء الأمة الإسلامية على أن التوبة تمحو الذنوب ولو كان كفرا فتمحو ما دون الكفر من باب أولى ،

والقاذف ليـس بأعظـم ذنبا مـن الزاني نفسه الذي تقبـل شهادته إذا تاب و أصلـح ” من تاب مـن بعد ظلمـه و أصلح فإن الله يتوب عليه “و إذا كان الله قد قبل التوبة من عبده فنحن بقبوله أولى .

أما قوله ” أبدا ” الذي احتج به البعض في عدم قبول الشهادة  فإنه يعني بهذه الأبدية مادام قاذفا ، كما يقال : لا تقبل شهادة الكافر أبدا مادام كافرا

ولقد أحسن المشرع الليبي صنعا عندما أخذ بهذا الاتجاه ، فنص في المادة الخامسة عشر من القانون رقم (52) لسنة 1974م بشأن إقامة حد القذف المذكور على أن

” تسقط عقوبة عدم قبول الشهادة بتوبة المحدود ، و يعتبر تائبا إذا رد إليه اعتباره وفقا لأحكام رد الاعتبار الواردة في قانون الإجراءات الجنائية “.

ولا تقام الدعوى الجنائية في جريمة القذف إلا بناء على شكوى المقذوف أو ورثته خلال ثلاثة أشهر من العلم بها و بمرتكبها ( المادة 9/1) من القانون رقم (52) لسنة 1974 م المذكور .

ولمن قدم الشكوى في جريمة القذف أن يتنازل عنها و يترتب عن تنازله انقضاء الدعوى العمومية ( المادة 10 ) من نفس القانون

عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 848

شاركنا برأيك