جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات ( 341 )

تبديد منقولات الزوجية وايصال الأمانة هي أحدى صور جريمة التبديد وخيانة الأمانة المنصوص عليها بالمادة 341 من قانون العقوبات وهى من الجرائم المنتشرة في الواقع وفي هذا البحث نلقي الضوء علي أركان جريمة التبديد وصورها وما لا يقع تحت طائلتها وهي جنحة ويحق للمجني عليه فيها الادعاء المدني فيها

النص القانوني لجريمة التبديد

جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات

تنص المادة 341 من قانون العقوبات المصري علي

كل من اختلس أو استعمل أو بدد مبالغ أو أمتعة أو بضائع أو نقودا أو تذاكر أو كتابات أخرى مشتملة على تمسك أو مخالصة أو غير ذلك إضرارا بمالكيها أو أصحابها أو واضعي اليد عليها وكانت الأشياء المذكورة لم تسلم له إلا على وجه الوديعة أو الإجارة أو على سبيل عارية الاستعمال أو الرهن أو كانت سلمت له بصفة كونه وكيلا بأجرة أو مجاناً بقصد عرضها للبيع أو بيعها أو استعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره يحكم عليه بالحبس ويجوز أن يزاد عليه غرامة لا تتجاوز مائة جنيه مصري.

  تعريف خيانة الأمانة

خيانة الأمانة هي فعل من يختلس شيئاً منقولا سلم إليه على سبيل الأمانة إضراراً بمالكه أو واضع اليد عليه

جندى عبدالملك ، الموسوعة الجنائية ، ص 303 

الفرق بين خيانة الأمانة السرقة والنصب

الفرق بينها وبين السرقة والنصب – فهي تشبه السرقة والنصب من حيث كونهما جريمة تقع على ملك الغير. ولكنها تختلف عن السرقة فى أن السرقة انما ترتكب بسلب المال .

يؤخذ الشيء خلسة أو بالقوة ويستولى عليه السارق رغم إرادة صاحبه أو بغير علمه. أما في خيانة الأمانة فيوجد الشيء في حيازة الجاني بصفة قانونية إذ يكون قد سلم إليه برضاء صاحبه وبعد ذلك يختلس الجاني ذلك الشيء أو يتصرف فيه تصرف المالك بما يتعارض مع السند الذي تسلمه بمقتضاه . فخيانة الأمانة ترتكب إذن بتغيير صفة الحيازة وتحويلها من حيازة ناقصة إلى حيازة كاملة ، خلافا للسرقة فإنها تقتضي اختلاس الحيازة نفسها

وتختلف عن النصب في أن التسليم في النصب يكون نتيجة الاحتيال الذي ارتكبه الجاني وتوصلا إلى الاستيلاء على الشيء وبه تتم الجريمة. أما في خيانة الأمانة فيكون التسليم تنفيذاً لعقد مدني من عقود الأمانة وبدون استعمال طرق احتيالية، ولا توجد الجريمة إلا إذا خان المستلم بعد ذلك عهد الأمانة واختلس الشيء أو تصرف فيه تصرف المالك

جندى عبدالملك ، الموسوعة الجنائية ، ص 303 .

شرح المادة 341 من قانون العقوبات

ما يخرج عن نطاق الفعل الإجرامي في خيانة الأمانة

31):

يترتب على التحديد السابق للفعل الإجرامي في خيانة الأمانة أن هذه الجريمة لا تقوم بالفعل الذي يصدر عن حائز الشيء حيازة ناقصة ولا يكشف عن إرادته تغيير نوع حيازته ، وإنما يكون في نطاق صفته كحائز حيازة ناقضة مفترضاً الاعتراف بحقوق المجني عليه وسلطانه على الشيء ولا يغير من هذا الحكم كونه أضر بالمجني عليه أو حقق لمرتكبه نفعاً .

وعلى سبيل المثال 

  • فإن تأخر المودع عنده في رد الشيء المودع لديه ، واستعمال المستعير الشيء على نحو خارج على الوجه والحد المنصوص عليهما في العقد أو المستفادين من العرف
  • وإهمال المستأجر أو المرتهن في المحافظة على الشيء حتى أصيب بضرر أو هلك

كل هذه أفعال لا تقوم  بها خيانة الأمانة ، لأنها لا تتضمن ادعاء ملكية الشئ ، ولا تعنى جحودا لحق مالكه .

وقد عبرت محكمة النقض عن هذه القاعدة في قولها “

التأخير في رد الشيء أو الامتناع عن رده إلى حين لا يتحقق به الركن المادي لجريمة التبديد ( أي خيانة الأمانة) ما لم يكن مقرونا بانصراف نية الجاني إلى إضافة المال الذي تسلمه إلى ملكه واختلاسه لنفسه إضراراً بصاحبه “

د/ محمود نجيب حسنى ، مرجع سابق ، ص 1202 وما بعده

صور الفعل الإجرامي في خيانة الأمانة

حدد الشارع صوراً ثلاثا للفعل الإجرامي في خيانة الأمانة ، هي الاختلاس والتبديد والاستعمال.

 الاختلاس :

الاختلاس فعل يباشر به المتهم سلطات على الشيء لا تدخل إلا في نطاق سلطات المالك ، فهو سلوك إزاء الشيء مسلك المالك ؛ ومن ثم كان بالضرورة كاشفاً عن نية تغييره الحيازة .

 ولا يجاوز الاختلاس ذلك إلى إخراج المتهم الشيء من حيازته ، وذلك هو الفرق بينه وبين التبديد.

وأبرز صور الاختلاس أن ينكر المتهم وجود الشيء في حيازته كي يتخلص من التزامه برده ويحتفظ به لنفسه . وسواء في ذلك أن ينكر أنه سبق أن تسلم شيئاً، وقد يصطحب ذلك بإنكاره وجود العقد الذي يربط بينه وبين المجني عليه ؛ أو أن يعترف بوجود هذا العقد ولكن ينكر أنه تسلم شيئاً بناء عليه . ويدخل في هذا المدلول أن يدعى أن الشيء قد هلك أو سرق كي يتخلص من التزامه برده.

ومن أهم صور الاختلاس كذلك أن يصدر عن المتهم فعل يكشف عن نظرته إلى الشيء علي أنه ملكه ، فهو فعل لا يصدر إلا من المالك . مثال ذلك أن يؤتمن شخص على قطعة من قماش فيصنع لنفسه منها رداء ، أو يؤتمن على جوهرة فيضعها في خاتم بأصبعه ، أو يؤتمن على سند فيطالب لنفسه بالحق الثابت فيه .

ومن تطبيقات الاختلاس في القضاء عرض الشيء للبيع ، وانتفاع الموصي بأطيان القاصر بدون مقابل ، ورفع أحد الورثة دعوى باسمه شخصيا بناء على سند سلم إليه ليرفع بناء عليه دعوي باسم الورثة جميعا ،  واحتجاز المتهم العقد لنفسه بدون مقتض وبغير أن يزعم لنفسه حقا في احتباسه ، وامتناع المتهم عن رد النقود المودعة لدية عند الطلب .

التبديد :

التبديد فعل يخرج به المتهم الشيء من حيازته على نحو يفقد به المجني عليه الأمل في استرداده ، أو على الأقل يضعف إلى حد بعيد هذا الأمل . وهذا الفعل يكشف بجلاء عن نية تغيير الحيازة . ويتضمن التبديد بالضرورة اختلاساً ، إذ يفترض فعلا لا يصدر إلا من المالك.

ويتحقق التبديد بالتصرف القانوني في الشيء أو التصرف المادي فيه

فيعتبر مبددا – عن طريق التصرف القانوني- من يؤتمن على شيء فيبيعه أو يقايض عليه أو يهبه أو يرهنه أو ينشئ عليه حق انتفاع . وقد قضى تطبيقاً لذلك ، بأنه إذا سلم وكيل الدائن سند الدين إلى المدين نظير مال تتقاضاه منه كان مبدداً له ؛ وإذا سلم الوكيل الشيء الذي يحوزه لحساب موكله إلى شخص لبيعه كان مبدداً له كذلك .

ولكن من يؤجر الشيء الذي أؤتمن عليه أو يعيره أو يودعه لدي غيره لا يرتكب تبديدا ، ذلك أن التصرف يفترض تعديلاً ينال من الحقوق العينية على الشيء ، وهو ما لم يتحقق في المجالات السابقة.

ويتحقق التبديد بالتصرف المادي في الشيء ، سواء كان تصرفاً كلياً أو جزئياً. ويعني التصرف الكلي إعدام الكيان المادي للشيء بحيث يختفي بالنسبة للمجني عليه أو يصير غير صالح للغرض المعد له حسب تخصيصه ،

مثال ذلك أن يؤتمن شخص على حصان فيقتله ، أو على سند فيجزئ مادته قطعاً صغيرة ، أو على كتب فيضرم النار فيها ، أو على طعام فيلتهمه .

أما التصرف المادي الجزئي فيعني إدخال التعديل على الكيان المادي للشيء على نحو يؤدي إلى تشويهه وتغيير معالمه بحيث تنقص قيمته أو على الأقل تقل منفعته. مثال ذلك أن يؤتمن شخص على لوحه فنية فيمحو توقيع راسمها فيقلل بذلك من قيمتها ، أو يؤتمن على كمية من دقيق فيضيف إليه ماء فيقلل من صلاحيته ليصنع منه الخبز، أو يؤتمن على كتاب فينتزع منه بعض صفحاته .

 الاستعمال:

يعني الاستعمال ـ كصورة للفعل الذي تقوم به خيانة الأمانة – الفعل الذي يستخدم به المتهم الشيء استخداماً لا يجوز أن يصدر إلا من المالك ، ويكشف في صورة قاطعة عن تغير نيته ،

إذ قد صار ينظر إليه نظرته إلى شيء يملكه . أما الفعل الذي يستخدم به المتهم الشيء استخداماً يجوز أن يصدر عن المالك أو عن غيره ، ولا يكشف بالتالي عن نية تملك الشيء ، فلا تقوم به خيانة الأمانة ، ولو كان مخالفا للعقد الذي يربط بين حائز الشيء ومالكه.

ومن تطبيقات الاستعمال الذي تقوم به خيانة الأمانة أن يسلم مؤلف ناشراً أصول كتاب كي يطبع منه عدداً محدداً من النسخ فيطبع عدداً أكبر ، ذلك أنه قد استعمل الأصول استعمالاً لا يجوز أن يصدر عن غير المالك ، ويكشف عن أنه أصبح ينظر إليها نظرة المالك إلى شيء يملكه.

ومن هذه التطبيقات كذلك أن تسلم إلى شخص  ألواح منقوشة عليها العلامة التجارية لأحد التجار ويطلب اليه أن يستخرج منها عدداً معيناً من النسخ ، فيستخرج عدداً أكبر ويبيعه لتجار آخرين ؛ أو أن يطلب شخص من مهندس مقاول أن يعد له مشروع رسم لمبني يريد إقامته على أن يتولى تنفيذه ، فيقدم إليه الرسم ، ولكن المتهم ينقل منه صورة ، ويرده إليه معلنا عدم موافقته عليه ، ويعهد إلى مقاول آخر بتنفيذه .

وأبرز تطبيقات الاستعمال أن يستخدم المتهم الشيء استخداماً يخرج به عن تخصيصه الذي اتفق عليه ، ويفوت هذا التخصيص كلياً أو جزئياً ، مثال ذلك مدير الشركة الذي ينفق بعض أموالها في مصالحة الخاصة ، أو يقرر لنفسه مكافآت لا يستحقها ، أو يحصل على قروض دون أن يقدم التأمينات التي يفرضها نظام الشركة ، أو ينشئ شركة يكون صاحب المصلحة الأساسية فيها ويخولها مزايا على حساب الشركة التي يديرها واضرارا بها.

د/ محمود نجيب حسنى ، مرجع سابق ، ص 1202 وما بعده

  الفعل الإجرامي في خيانة الأمانة إذا كان موضوعها مالا مثليا

لا تختلف طبيعة الفعل الإجرامي باختلاف ما إذا كان موضوع خيانة الأمانة مالا قيميا أو مالا مثاليا ، فتحكمه ذات النظرية العامة ، ويستند إلى ذات الأساس المشترك بين صور الفعل التي نص عليها القانون ،

فهو دائما نشاط مادي يعبر عن إرادة تغيير الحيازة الناقصة إلى حيازة كاملة . وأهم الأموال المثلية النقود. وتبديد النقود يكون بإنفاقها ، ولو كان في صورة اقراضها . وبالنسبة لما عدا النقود من المثليات فإن تبديدها يكون ببيعها أو المقايضة عليها أو هبتها أو استهلاكها ، كما لو أؤتمن شخص على كمية من الغلال فطحنها وصنع لنفسه منها خبزاً تناوله  أو بمجر إفناء مادتها كما لو عرض هذه الغلال للطيور فالتهمتها .

وعلى الرغم من ذلك ، فثمة فارق لا يمكن إنكاره بين نوعي الأموال ، وهو فارق يتعلق ببيان الحد الذي يبدأ عنده مجال النشاط الذي يجرمه القانون .

فإذا كان المال قيميا فالأمر واضح ، فمجرد الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال يحقق جميع عناصر الفعل ، إذ يكشف هذا السلوك عن إرادة تغيير الحيازة في صورة قاطعة ، وهو يرتب ضررا يصيب المجني عليه ، يتمثل – على أي الأحوال- في تهديده ملكيته بالخطر واحتمال ضياعها.

أما إذا كان المال مثليا – وخاصة ان كان نقودا- فإنه يثير التردد أن المجني عليه ليست له مصلحة في أن يرد إليه ماله عينا ، فالفرض أن وحدات هذا المال تتماثل تماماً ؛ وبالإضافة إلى ذلك فإنه إذا رد إليه مال من ذات نوع وصفه ومقدار ماله بمجرد طلبه ، فلا ضرر على الإطلاق قد أصابه . وليس من المعقول أن يحظر الشارع على متسلم المال المثلي أن يخلطه بماله أو يتصرف فيه إذا كان لدية من أمثال هذا المال الكثير

وكان في وسعه إرضاء المتعاقد الآخر بمجرد طلبه ذلك ، فهذا السلوك لا خطر منه على المجتمع ، ولا  علة للعقاب عليه ؛ بل على العكس من ذلك ، قد تكون المصلحة في اجازته ، باعتباره  يسهم في النشاط الاقتصادي .

ويقول د/ محمود نجيب حسنى 

لذلك نعتقد أن مستلم المال المثلي لا يرتكب خيانة الأمانة إذا خلط المال الذي تسلمه بماله أو تصرفه فيه طالما أن في ملكية وحيازته مال من ذات نوعه وصفته ومقداره ، بحيث يستطيع أن يرد إلي من تعاقد معه مثل ماله بمجرد أن يطالبه بذلك ، واللحظة التي يبدأ فيها النشاط الإجرامي هي اللحظة التي تقل فيها الأموال المثلية التي يملكها ويحوزها عما تسلمه.

ولكن إذا ارتكب المتهم هذا النشاط ثم استطاع إبراء ذمته عند مطالبته ، فلم يثبت أنه قد ترتب على الفعل ضرر، فان الركن المادي لخيانة الأمانة لا يكون بذلك مستوفياً عناصره ، إذ الضرر عنصر جوهري فيه ، ويمثل النتيجة التي يفترضها.

د/ محمود نجيب حسنى ، مرجع سابق ، ص 1202 وما بعده

  الركن المعنوي لخيانة الأمانة

جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات ( 341 )

تمهيد:

خيانة الأمانة جريمة عمديه ، ومن ثم يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد الجنائي . وعلى الرغم من أن الشارع لم يصرح بتطلب القصد ، فهو مستفاد من طبيعة هذه الجريمة ، وكونها اعتداء على الملكية وإخلالا بثقة موضوعة في المتهم ؛ وتقاربها في الأحكام مع السرقة والنصب ، وهما عمديتان بطبيعتهما ؛ وكون الأفعال التي تفترضها ، أي الاختلاس والتبديد والاستعمال لا تتصور بغير علم بماهيتها وإرادة متجهة إليها .

وأهمية تطليب القصد في خيانة الأمانة أنها لا تقوم عند انتفائه ، ولو توافر لدى المتهم خطأ جسيم ، كما لو أهمل الوكيل في القيام بالعمل المكلف به أو صدر عنه في تنفيذه خطأ فاحش ، فضاع على الموكل ماله.

نوع القصد المتطلب في خيانة الأمانة :

تجرى محكمة النقض على تعريف القصد الجنائي في خيانة الأمانة بأنه ” لا يتحقق إلا إذا ثبت أن الجاني تصرف في الشيء المسلم إليه كما لو كان مالكا له مع تعمد ذلك التصرف ، وأن هذا التصرف قد حصل منه إضرارا بحقوق المالك لهذا الشيء”

ويستخلص من هذا التعريف – وهو ما يكاد ينعقد عليه إجماع الفقه – أن خيانة الأمانة تتطلب قصدا خاصا ، قوامه ( نية تملك الشيء ) موضوع هذه الجريمة . والقصد الخاص يقوم على أساس من القصد العام .

ويفترض القصد العام علما وإرادة منصرفين إلى عناصر الجريمة ، ونحدد -فيما يلي- عناصر القصد العام ، ثم نتبع ذلك ببيان فحوى نية التملك.

ـ علم المتهم أن الشيء مملوك لغيره وأنه في حيازته الناقصة فحسب:

يفترض القصد العام علم المتهم بتوافر موضوع للجريمة ينصب عليه فعله وتجتمع له الشروط التي تطلبها القانون فيه . وأهم ما يتعين إحاطة العلم به هو ملكية الشيء ونوع حيازته :

فيتعين أن يعلم المتهم أن المال مملوك لغيره ؛ أما إذا جهل ذلك لأنه خلط بينه وبين المال الذي يملكه ، فاعتقد حين يتصرف فيه أنه يتصرف في مال يملكه ، فإن القصد لا يتوافر لديه .

ويتعين أن يعلم المتهم أنه يحوز الشيء حيازة ناقصة ، فيعلم أنه ملتزم ( برده عينا أو رد مثله أو استعماله في أمر معين في مصلحة المحني عليه ) . أما إذا كان يعتقد أنه يحوزه حيازة كاملة ، وأن له عليه حقوقا أصيلة ، وأنه غير ملتزم بتقديم حساب إلى غيره عن حيازته له ،

فإن القصد لا يتوافر لديه  فاذا اعتقد المودع عنده أن الشيء قد وهب له فتصرف فيه ظنا أنه ملكه ، أو اعتقد وارث المستعير أو المستأجر أن الشيء المعار أو المؤجر ملك لمورثه وأن ملكيته قد انتقلت إليه بالإرث ، فإن القصد لا يتوافر لديه .

علم المتهم بماهية فعله :

يجب أن يعلم المتهم بماهية فعله ؛ وأثره المحتمل على ملكية المجني عليه وحيازته ، فيعلم بما ينطوي عليه من تغيير لنوع الحيازة وتحويل لها من ناقصة إلى كاملة . أما إذا جهل المتهم ذلك ، كما لو أعار الشيء الذي يحوزه إلى شخص معتقدا أنه سيبقيه في حيازته لحساب مالكه. ولكن هذا الشخص كان منتويا منذ البداية تبديده ، وفعل ذلك ، فإن القصد لا يتوافر لدى المتهم .

توقع المتهم الضرر الحال أو المحتمل الذي يترتب على فعله :

الضرر هو النتيجة الإجرامية في خيانة الأمانة ، ومن ثم فإنه يتعين أن يشمله توقع المتهم ؛ أما إذا لم يتوقعه فلا يتوافر القصد لديه ، ولو كان في استطاعته ومن واجبه توقعه ، فاستطاعة التوقع ووجوبه لا يقوم بهما القصد ، وإنما يقوم بهما الخطأ فحسب ، وهو غير كاف لتوافر خيانة الأمانة.

ويعدل الشارع الضرر المحتمل بالضرر الحال ، ومن ثم يكفي لتوافر القصد أن يتوقع المتهم احتمال أن يترتب على فعله ضرر: فمن أودعت لديه سندات لحاملها واشترط عليه ردها عينا ، فرهنها ضمانا لدين في ذمته ، وتوقع احتمال أن يعجز عن سداد دينه ،  فيعرضها الدائن للبيع للحصول على حقه من ثمنها ، فيضار بذلك مالكها ، يعد القصد متوفرا لديه .

أما إذا لم يرد إلى خاطره هذا الاحتمال ، فكان واثقا من قدرته على سداد الدين واسترداد السندات لتكون رهن طلب مالكها ، ولكنه عجز عن السداد لأسباب لم يتوقعها ، فبيعت هذه السندات وضاعت على مالكها ، فإن القصد لا يعد متوافرا لديه .

إرادة ارتكاب الفعل وتحقيق النتيجة : يقتضي القصد – وفقا للقواعد العامة في تحديده – أن يثبت اتجاه إرادة المتهم إلى ارتكاب الفعل الذي تقوم به الجريمة وإلى تحقيق نتيجته ؛ أي أن تتجه إلى ارتكاب فعل الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال . وأن تتجه كذلك إلى إنزال الضرر – ولو في صورته الاحتمالية – بالمجني عليه أو غيره.

ولما كان الفقه الحديث يسوي بين القصد المباشر والقصد الاحتمالي، فإنه يكفي لتوافر القصد أن يتوقع المتهم احتمال الضرر فيقبل هذا الاحتمال .

وتطبيقا لذلك 

فإنه إذا عيب الشيء أو أتلف بفعل صدر عن إهمال وعدم احتياط ، أو كان المتهم قد استعمل الشيء في صورة منافية لتخصيصه أو للغرض المتفق عليه ، فهلك دون أن تتجه إرادته إلى إهلاكه أو يقبل ذلك ، فإن القصد لا يتوافر لديه . ومن باب أولى ، فإن القصد لا يتوافر لدى المتهم إذا سرق الشيء من حوزته ولو بإهماله ، أو صدر قرار إداري بالاستيلاء عليه وانتقلت حيازته وملكيته إلى الدولة.

نية تملك الشيء موضوع خيانة الأمانة :

يقوم بهذه النية ( القصد الخاص) في خيانة الأمانة . وقد أكدت محكمة النقض أهمية هذه النية ، فقالت (من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة خيانة الأمانة لا يتحقق بمجرد تصرف المتهم في الشيء المسلم إليه أو خلطه بماله ، وإنما يتطلب فوق ذلك ثبوت نية تملكه إياه وحرمان صاحبه منه) . “

نقض 25 مايو سنة 1975 مجموعة أحكام محكمة النقض س26 رقم 106 ص454.

ولا تختلف هذه النية في عناصرها عن نية التملك في السرقة والنصب ؛ فهي تعني إرادة السلوك إزاء الشيء كما يسلك مالكه ، أي إرادة الحلول محل المالك في سلطانه على الشيء، فالمتهم يريد أن يباشر السلطات التي ينطوي عليها حق الملكية باسمه ولحسابه غير معترف المالك بالحقوق والسلطات التي كان سند حيازته يفرض على الاعتراف بها .

فإذا انتفت هذه النية فلا يتوافر القصد :

فإذا كان المستعير لا يستهدف بتأخره في رد الشيء غير أن يطيل أمد انتفاعه به ، أو كان المستأجر لا يعنى باستعمال الشئ فى غير ما اتفق عليه سوى أن يحصل منه على أكبر قدر من الانتفاع ، فكانت إرادة كل منهما متجهة إلى مجرد الإخلال بالالتزام التعاقدي دون أن تجاوز ذلك إلى حرمان المالك من حقه والحلول محله على الشيء ، فإن القصد لا يتوافر بذلك .

وإذا كان موضوع خيانة الأمانة مالا مثليا

فان نية التملك تفترض علم المتهم بالضرر ( ولو كان محتملا ) الذي قد ينزل بالمجني عليه ؛ وتفترض اتجاه إرادته إلى ذلك أو قبوله . ومثال ذلك ، أن ينفق الوكيل النقود التي سلمت إليه لحساب موكله في شئونه الخاصة عالما بإعساره ، وأنه لن يتوافر لديه مال لإيفاء الموكل حقه ،

ويتوقع تبعا لذلك عجزه عن إبراء ذمته تجاهه ، فتتجه إرادته إلى ذلك نكاية فيه ، أو يقبل ذلك لأنه لا تعنيه مصالح موكله ولا يعبأ بفقد ثقته فيه . وتطبيقا لذلك ، فإنه إذا قرر الوكيل  أن يستغل الأموال التي تسلمها لحساب موكله في مضاربات بالبورصة ، آملا أن يسترد هذه الأموال مضافا إليها أرباحها

فيرد إلى الموكل ماله ويحتفظ لنفسه بالأرباح ، أو يسلم إلى الموكل جزءا من الأرباح أو كلها بالإضافة إلى ماله ، ولكن نتيجة المضاربة جاءت خاسرة فضاع رأس المال ولم يستطع أن يرده إلى الموكل . فإن الوكيل يسأل عن خيانة الأمانة ، لأنه توقع بالنظر إلى طبيعة عمليات المضاربة في البورصة احتمال الخسارة ( أي الضرر المحتمل) ،

ولو كان هذا الاحتمال قليلا ، فقبله وأقدم على هذا التصرف في أموال موكله . ولكن إذا خلط الوكيل أموال موكله بأمواله الخاصة التى تفوقها ثم أودعها جميعا باسمه في مصرف متين المركز،

وكان منتويا أن يسحب أموال الموكل بمجرد طلبه لها ويردها إليه ، ولم يتوقع احتمال إفلاس المصرف ، ولكن هذا المصرف أفلس ، فلم يستطع إبراء ذمته لدى مطالبته بذلك ، فإن القصد لا يتوافر لديه

د/ محمود نجيب حسنى ، مرجع سابق ، ص 1217 وما بعدها .

  إثبات القصد

يخضع إثبات القصد الجنائي في جريمة خيانة الأمانة للقواعد العامة في الإثبات في المواد الجنائية ، وإن كان يثير أحيانا بعض الصعوبات . ويستخلص قاضي الموضوع توافر القصد من فعل الجاني ،

فهو يتحقق، كما قضت محكمة النقض، بتصرف الحائز في المال المسلم إليه على سبيل الأمانة بنية إضاعته على مالكه ولو كان هذا التصرف بتغيير حيازته الناقصة إلى ملكية كاملة مع بقاء عين ما تسلمه تحت يده . وقد يكون فعل الجاني دالا بذاته على قيام القصد، وأوضح ما يكون ذلك عندما يتخذ الفعل صورة التبديد ، إذ يعتبر التصرف في الشيء بالبيع أو الهبة أو المقايضة كافيا للقول بتوافر القصد.

أما إذا لم يصدر من الجاني فعل يدل على قيام القصد ، فلا يجوز استنتاج وجوده من مجرد تسليم الأشياء إلى الأمين وعدم رده لها . ولذلك قضى بأنه :

” إذا كان الحكم قد أدان المتهم في تبديد أشياء تسلمها من المجني عليه بناء على مجرد قوله إن المتهم تسلم هذه الأشياء ثم لم يردها ، ولم يثبت قيام القصد الجنائي لدى المتهم وهو انصراف نيته إلى إضافة المال الذي تسلمه إلى ملكه واختلاسه لنفسه إضرارا بصاحبه- فذلك قصور يستوجب نقضه “.

ولكن يدق الأمر إذا اتخذ الفعل صورة الاختلاس حيث تتم الجريمة بمجرد تغيير نية الحائز من نية الحيازة المؤقتة إلى نية الحيازة الكاملة ، فيجب عندئذ أن يقوم الدليل على تغير النية ،

ويستنتج القصد حينئذ من أي فعل يدل على هذا التغير، كإنكار الشيء أو ادعاء سرقته أو الفرار به . من ذلك ما قضى به من أنه إذا كانت الواقعة هي أن المتهم طلب إلى المجني عليه أثناء سيرهما معا في الطريق أن يسلمه السوارين اللذين معه مخافة أن يسقطا منه فأجابه إلى طلبه ، ولما وصلا إلى محطة السكة الحديد انتظر هو خارجها

ولكن المتهم فر بالسوارين ولم يعد ، فالوصف الصحيح لهذه الواقعة هو أن تسلم المتهم السوارين كان على سبيل الوديعة وأن اختلاسه لهما هو خيانة للأمانة لا سرقة .

وأكثر الأفعال دلالة على تغير نية الحيازة لدى الجاني هو امتناعه عن رد الشيء عند مطالبته بذلك . وإذا كان الامتناع يعتبر قرينة على توافر القصد الجنائي لجريمة خيانة الأمانة ، فإن للمتهم أن ينفي هذه القرينة بكل الطرق ، ذلك أن القصد الجنائي لا يتحقق من مجرد قعود الأمين عن رد الأمانة .

ويلاحظ أن الجريمة لا تقع على الرغم من امتناع الأمين عن الرد إذا كان يستند في امتناعه إلى سبب مشروع ، كحق الحبس الذي تقرره له المادة 246 من القانون المدني التي تجيز له الامتناع عن الرد حتى يستوفي ما أنفقه على الشيء. وكوجود المقاصة إذا توافرت شروطها

إذ تقرر المادة 362 من القانون المدني للمدين حق المقاصة بين ما هو مستحق عليه لدائنه وما هو مستحق له قبل هذا الدائن ، فيكون للأمين حينئذ ألا يرد الأمانة دون أن تقع بفعله جريمة خيانة الأمانة ، وأوضح ما يكون هذا الوضع حيث يوجد حساب بين الأمين والمجني عليه ، ولكن بشرط أن يكون دين الأمين مستحق الوفاء وقت المطالبة برد الأمانة

وتطبيقا لذلك قضى بأنه إذا لم يكن التأمين المودع من المتهم لدى الشركة المستخدم فيها مستحق الوفاء طبقا لشروط الاستخدام فليس للمتهم أن يتمسك بحصول المقاصة بينه وبين ما عليه للشركة ، بل يجب عليه أن يرد لها كل ما يحصله من مال بصفته وكيلا عنها فإن لم يفعل رغم مطالبته عد مختلسا لما حصله وحق عليه العقاب . كذلك يشترط أن يكون الحساب حقيقيا الغرض من الدفع به تصفيته وإثبات وجود مقاصة تبرأ بها ذمة الأمين،

فقد قضت محكمة النقض بأن مجرد وجود حساب بين الوكيل والموكل لا يستلزم حتما انتفاء جريمة التبديد ولا نية الاختلاس عند الوكيل

فيجب على المحكمة أن تقوم بفحص الحساب وتصفيته حتى تستطيع بناء على ما يظهر لها أن تحكم في موضوع تهمة التبديد المرفوعة أمامها بالإدانة أو بالبراءة لأن قاضي الأصل هو قاضي الفرع .

أما أن تبرئ المتهم بالتبديد لمجرد أن هناك حسابا بينه وبين المجني عليه وأن هذا الحساب لم يصف بعد بينهما فهذا مخالف للقانون .

كما قضت بأن مجرد الامتناع عن رد المال بسبب وجود حساب معلق لا تتحقق به أركان الجريمة وعلى المحكمة فحص الحساب وتصفيته بلوغا إلى غاية الأمر فيه.

وبديهي أن القصد الجنائي يجب أن يكون معاصرا لفعل الاختلاس أو الاستعمال أو التبديد . ولا يشترط لبيان القصد الجنائي في جريمة خيانة الأمانة أن يتحدث عنه الحكم بعبارة صريحة مستقلة

بل يكفي أن يكون مستفادا من ظروف الواقعة أن الجاني قد ارتكب الفعل المكون للجريمة عن عمد وبنية وحرمان المجني عليه من الشيء المسلم إضرارا به .

د/ فوزية عبدالستار ، مرجع سابق ، ص 1019 .

إثبات أركان جريمة خيانة الأمانة وعناصرها

جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات ( 341 )

يجوز إثبات هذه الأركان والعناصر بجميع طرق الإثبات أيا كانت قيمة الشيء موضوع الجريمة :

فيجوز إثبات ارتكاب فعل الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال بجميع الطرق ، ويجوز كذلك إثبات حصول الضرر، وإثبات القصد الجنائي بجميع الطرق . بل ان واقعة تسليم الشيء يجوز اثباتها بجميع الطرق.

إثبات عقد الأمانة

القاعدة أن إثبات عقد الأمانة يخضع لقواعد الإثبات التي قررها القانون المدني . وعله هذه القاعدة أن وجود العقد في ذاته ” مسألة مدنية ” ،

فيقتضي المنطق أن يخضع إثباته للقواعد المدنية :

فالجريمة ليست في وجود العقد حتى يخضع إثباته للقواعد الجنائية ، وإنما الجريمة في الإخلال به في صورة الاعتداء على ملكية المال الذي سلم بناء عليه . وعلى هذا النحو، فقد تقرر الأصل التالي ” كيفية الإثبات ترتبط بنوع الموضوع المطروح على القضاء ، لا بنوع القضاء المطروح عليه الموضوع “

فإذا كانت المسألة مدنية خضع إثباتها للقواعد المدنية . ولو كانت معروضة على القضاء الجنائي.

ويعلل هذه القاعدة كذلك أنه إذا خول الشارع القضاء الجنائي أن يفصل في حقوق مدنية ، فإن ذلك لا يخول صاحب الحق أن يصل إلى حقه بغير الطريق الذي كان يسلكه أمام القضاء ذي الاختصاص الأصلي .

ويعللها في النهاية أن قضاء القاضي الجنائي له حجيته على القاضي المدني ، ومن ثم تعين ألا يكتسبها إلا إذا استند إلى ذات وسائل الإثبات التي يقررها القانون المدني . وتطبق هذه القاعدة ، ولو لم يكن في الدعوى مدع مدني.

تطلب الدليل الكتابي

نصت المادة 60 من قانون الإثبات على أنه

” في غير المواد التجارية إذا كان التصرف القانون تزيد قيمته على ألف جنية أو كان غير محدد القيمة ، فلا تجوز شهادة الشهود في إثبات وجوده أو انقضائه ما لم يوجد اتفاق أو نص يقضى بغير ذلك ” . والعبرة في تحديد قيمة التصرف هي بوقت صدوره ( المادة 60، الفقرة الثانية ) ، أي وقت التعاقد ، وليست بوقت النظر في الدعوي .

وتطبيقاً لذلك ، فإنه إذا كانت قيمة المال موضوع عقد الأمانة لا تزيد على ألف جنيهاً وقت التعاقد ، ولكنها صارت تزيد على ذلك عن النظر في الدعوى، فإن الإثبات بالبينة يكون جائزاً.

وقاعدة اشترط الدليل الكتابي إذا جاوزت قيمة التصرف ألف جنية  لا تتعلق بالنظام العام ، ومن ثم يجوز الاتفاق على ما يخالفها ( المادة 60 من قانون الإثبات) ويجوز الاتفاق على ما يخالف هذه القاعدة وقت التعاقد أو وقت نظر الدعوي . ويجوز أن يكون الاتفاق في معني عدم تطلب الدليل الكتابي على الرغم من أن قيمة التصرف تزيد على ألف جنيهاً ،

ويجوز أن يكون في معني اشترط الدليل الكتابي على الرغم من أن قيمة التصرف لا تزيد على ألف جنيهاً.  وقد يستفاد قبول المدين ضمناً النزول عن اشتراط الدليل الكتابي أثناء نظر الدعوي، من عدم اعتراضه على الإثبات بالبينة الذي تقدم به خصمه ؛ ويستفاد من باب أولى من مساهمته في هذا الإثبات بمناقشته شهود الإثبات أو طلبه شهود نفي .

الحالات التي لا يشترط فيها الدليل الكتابي علي الرغم من تجاوز قيمة  العقد ألف جنيها :

أهم هذه الحالات أن يكون العقد تجاريا ، وقد حرصت على الإشارة إلى هذا الاستثناء المادة 60 من قانون الإثبات ( في صدر فقرتها الأولى )

وذلك مع ملاحظة ان القانون التجاري تطلب الإثبات بالكتابة بالنسبة لعقود شركات المساهمة وشركات التضامن والتوصية.

ومن هذه الحالات كذلك أن يوجد مانع مادي أو أدبي يحول دون الحصول على الدليل الكتابي، أو أن يفقد المجني عليه سنده الكتابي بسبب أجنبي لا يد له فيه ( المادة 63 من قانون الإثبات) . والفصل في وجود المانع وما يترتب عليه من جواز الإثبات بالبينة من شأن قاضي الموضوع .

ومن هذه الحالات كذلك أن يوجد مبدأ ثبوت بالكتابة ، فقد نصت المادة 62 من قانون الإثبات على أنه ” يجوز الإثبات بشهادة الشهود فيما كان يجب إثباته بالكتابة إذا وجد مبدأ ثبوت بالكتابة .

وكل كتابة تصدر من الخصم ويكون من شأنها أن تجعل وجود التصرف المدعي قريب الاحتمال تعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة ” . ويتضح من هذا النص أن مبدأ الثبوت بالكتابة يفترض وجود كتابة ،

وصدورها عن المتهم نفسه أو عن ممثله القانوني، وأن يكون من شأنها جعل وجود عقد الأمانة قريب الاحتمال . ومن أمثلة ما اعتبر مبدأ ثبوت بالكتابة اعتراف المتهم الضمني بوجود العقد ، واعترافه المنطوي على تناقض فيما بين  أجزائه ، وأقواله في محضر الاستدلال أو التحقيق الابتدائي .

الحالات التي يشترط فيها الدليل الكتابي على الرغم من عدم تجاوز قيمة العقد ألف جنيها :

  أهم هذه الحالات عدم جواز الإثبات بشهادة الشهود ” فيما يخالف أو يجاوز ما اشتمل عليه دليل كتابي” ( المادة 61 من قانون الإثبات الفقرة أ) .

فإذا أثبت العقد استلام المتهم المال المودع لدية أو المؤجر له أو أثبت تسلم الوكيل مبلغاً محدداً ، فلا يجوز إثبات ما يخالف ذلك أو يجاوزه عن طريق شهادة الشهود . ولكن يقيد من هذا الأصل أنه إذا كان العقد المكتوب يتضمن احتيالا على القانون ،

كما لو كان عقداً صورياً منطوياً على غش يخفى عقداً حقيقيا، فإنه يجوز إثبات العقد الحقيقي بجميع الطرق . وذلك ” لاختلاط الغش بالصورية ، حتى صارت هذه أداة الغش ” .

عدم تقيد المحكمة باشتراط الدليل الكتابي عند قضائها بالبراءة:

قضت محكمة النقض بأن” المحكمة في جريمة خيانة الأمانة في حل من التقيد بقواعد الإثبات المدنية عند القضاء بالبراءة ، لأن القانون لا يقيدها بتلك القواعد إلا عند الإدانة في خصوص إثبات عقد الأمانة إذا زاد موضوعه على ألف جنيهاً احتياطياً لمصلحة المتهم حتى لا تتقرر مسئوليته وعقابه إلا بناء علي الدليل المعتبر في القانون ،

ولا كذلك البراءة لإنتفاء موجب تلك الحيطة وأساسا لمقصود الشارع في ألا يعاقب برئ مهما توافر في حقه من ظواهر الأدلة ” .

  إثبات العقد عن طريق الاقرار

إذا أقر المتهم بوجود عقد الأمانة كان إقراره حجة عليه ، وأعفي الادعاء من إثبات العقد ، والإقرار حجة أيا كانت قيمة العقد ( المادتان 103، 104 من قانون الإثبات) . وتطبق القواعد المدنية في شأن الإقرار أمام القضاء الجنائي ، سواء من حيث أركانه أو حيث أثره :

فمن حيث تعريفه وأركانه ، لا يعتبر الإقرار دليل إثبات كامل إلا إذ صدر أمام القضاء ، أي أثناء جلسه المحاكمة ، ومن ثم لا يعتبر إقراراً ما يصدر عن المتهم في محضر التحقيق الابتدائي أو محضر الاستدلال ؛ وليست للإقرار حجية إلا في خصوص الدعوى التي صدر فيها. ومن حيث أثره ، فهو حجة قاطعة على المتهم ، فيعتبر العقد ثابتاً دون حاجة إلى تقديم دليل آخر . وباعتباره حجة قاطعة ، لا يجوز الرجوع فيه ، ولكن يجوز- باعتباره تعبيراً عن إرادة – الطعن فيه للغط أو التدليس أو الإكراه.

والإقرار غير قابل للتجزئة كأصل عام ، ولكنه يقبلها ” إذا انصب على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتما وجود الوقائع الأخرى” :

فإذا أقر المتهم أنه تسلم النقود ولكن على سبيل القرص ، أو أقر أنه تسلم  الشيء وأنه بعد ذلك رده ، أو أقر أنه تسلم النقود وأنه بعد ذلك استعملها في الغرض الذي حدده له المجني عليه ، فلا يجوز تجزئة هذا الإقرار، وأخذ المتهم باعترافه بواقعة التسليم ، ورفض ما أضافه إلى ذلك من تحديد لسند التسليم أو لواقعة أعقبته تفترض حتما واقعة التسليم

ذلك أنه لا رد إلا بعد تسليم سابق ، ولا استعمال لمال في غرض معين إلا بعد سبق تسليمه . أما إذا أقر المتهم أنه تسلم النقود من المجني عليه ، وأضاف إلى ذلك أنه صار بعد ذلك دائناً له على نحو انقضي به الدينان بالمقاصة

فإنه يجوز تجزئة هذا الإقرار ، والأخذ بشقه الخاص بتسلم المال واعتبار ذلك ثابتاً في حق المتهم ، ورفض شقة الخاص بدائنيه للمجني عليه وما يستتبعه ذلك من انقضاء حق المجني عليه.

إثبات العقد عن طريق اليمين

هل يجوز إثبات عقد الأمانة عن طريق اليمين ؟

اليمين اما حاسمة وأما متممة وصورة اليمين الحاسمة في دعوى خيانة الأمانة أن يعوز المجني عليه الدليل الكتابي على عقد الأمانة فيوجه  إلى المتهم اليمين ، ويحتكم بذلك إلى دينه وضميره ، فإذا حلف بأنه لا وجود للعقد اعتبرت الجريمة غير متوافرة الأركان ، أما إذا نكل عن اليمين اعتبر العقد قائما ، وقضي بإدانته إذا توافرت سائر أركان جريمته .

وصورة اليمين المتممة أن يوجد دليل غير كامل على عقد الأمانة ، فيسعي القاضي إلى تكملته عن طريق اليمين ، مثال ذلك أن يوجد مبدأ ثبوت فيسعي القاضي إلى تكملته عن طريق اليمين المتممة بوجهها إلى المجني عليه بالكتابة ثم لا يوجد دليل يكلمه كشهادة منصبة مباشرة على العقد ، أو المتهم ، أيهما يوحي بثقة أكثر في تقديره .

ويقول د/ محمود نجيب حسنى :

لا نرى ما يحول بين المجني عليه الذي لا يحوز دليلاً على عقد الأمانة وبين أن يوجه اليمين الحاسمة إلى المتهم ، فلا وجود لقاعدة تحظر عليه ذلك ، ثم ان موضوع الإثبات ( أي العقد) مدني بحت ، ومن ثم يخضع إثباته للقواعد المدنية ، ومن بينهما جواز توجيه اليمين الحاسمة.

ولكن محكمة النقض الفرنسية رفضت ذلك 

وعللت رفضها بأنه لا يجوز توجيه اليمين أمام القضاء الجنائي . وهذه الحجة غير صحيحه فما يمتنع توجيهه هو اليمين التي يكون موضوعها الفعل الإجرامي ، إذ لا يجوز وضع المتهم في الحرج ، واما أن يحنث في يمينه واما أن يعترف بجريمته إذ يعتبر ذلك نوعا من الإكراه على الاعتراف .

ولكن ذلك غير متحقق في الفرض الذي نعاجله ، فموضوع اليمين ليس الفعل الإجرامي ، ولكنه عقد مدني . وقد أجمع الفقه والقضاء على وجوب معالجته من حيث الإثبات كما يعالج أي موضوع مدني . وليس ثمة ما يحول كذلك دون أن يوجه القاضي اليمين المتممة إلى المتهم أو المجني عليه ليستكمل الدليل الذي توافر لديه  كي يصل إلى اقتناع في شأن وجود العقد أو عدم وجوده .

وأوضح فروض توجيه اليمين المتممة أن يوجد مبدأ ثبوت بالكتابة على وجود العقد ، ولا توجد شهادة أو قرينة تكمل هذا المبدأ، فيستكمل القاضى عن طريق اليمين المتممة اقتناعه ، تبعاً لما إذا حلف أو نكل من وجهت إليه هذه اليمين.

د/ محمود نجيب حسنى ، مرجع سابق ، ص 1156 وما بعدها .

  الركن المادي لخيانة الأمانة

جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات ( 341 )

تمهيد :

عبر الشارع في المادة 341 من قانون العقوبات عن الركن المادي لجريمة خيانة الأمانة بقوله ” كل من اختلس أو استعمل أو بدد مبالغ أو أمتعة.. اضرارا بمالكيها أو أصحابها أو واضعي اليد عليها ” . وقد أشار الشارع بألفاظ ” اختلس أو استعمل أو بدد ” الى الفعل الذي تقوم به الجريمة ، وأشار بلفظ ” اضرارا ” إلى الضرر الذي يترتب علي الفعل وتقوم به النتيجة الإجرامية . ويعني ذلك ان الركن المادي لخيانة الأمانة يتطلب فعلاً ونتيجة وعلاقة سببه تربط بينهما .

الفعل الذي تقوم به خيانة الأمانة

  النظرية العامة للفعل الذي تقوم به خيانة الأمانة :

على الرغم من تنوع الصور التي يتخذها الفعل الذي تقوم به خيانة الأمانة ، إذ قد يكون اختلاساً أو تبديدا أو استعمالاً ، فإنها تجتمع في إطار نظرية عامة جوهرها فكرة ” تغيير المتهم نوع حيازته ” فالفرض أن المتهم كان يحوز الشيء المملوك لغيره حيازة ناقصة يعترف فيها بحقوق المجني عليه ويسلم له بسلطاته على الشيء

ويقر بأن ذلك الشيء موجود في حيازته على نحو مؤقت كي يؤدي عليه أو بواسطته عملاً معيناً بتصريح من المجني عليه ؛ ولكنه وجه إرادته إلى تغيير نوع حيازته إلى حيازة كاملة ، فجحد حقوق المجني عليه ، وأنكر سلطاته على الشيء ،

وقرر الاحتفاظ به لنفسه ، سالكا إزاءه مسلك المالك. وقد عبرت محكمة النقض عن هذه الفكرة في قولها ” ان جريمة خيانة الأمانة تتحقق بكل فعل يدل على أن الأمين اعتبر المال الذى أؤتمن عليه مملوكاً له يتصرف فيه تصرف المالك ” .

ويتضح بذلك أن جوهر الفعل الذي تقوم به خيانة الأمانة هو هذا ” الاتجاه الإرادي” هو” إرادة تغيير نوع الحيازة من ناقصة إلى كاملة “

بما يفترضه ذلك بالضرورة من ادعاء سلطات المالك على الشيء وإهدار سلطات المالك الشرعي . ويعني ذلك أن جوهره ظاهرة نفسية قوامها الاتجاه الإرادي السابق.

ولكن الفعل لا يقوم بظاهرة نفسية فحسب ، بل لا بد له من ماديات تعبر عن هذه الظاهرة ، وتتيح له أن يحتل مكانة بين عناصر الركن المادي للجريمة . وقد اجتهد الشارع في تحديدها بالألفاظ الثلاثة التي استخدمها في نص خيانة الأمانة.

عنصر الضرر في خيانة الأمانة

لا يكفي لتوافر الركن المادي في خيانة الأمانة أن يعتدي الجاني على ملكية الشيء الذي أؤتمن عليه بفعل يتخذ صورة الاختلاس أو التبديد أو الاستعمال، وإنما يلزم بالإضافة إلى ذلك أن يكون من شأن هذا الفعل إلحاق الضرر بالمجني عليه سواء كان هو مالك الشيء أو غيره .

وقد تطلب المشرع عنصر الضرر صراحة بنصه في المادة 341 عقوبات على عقاب ” كل من اختلس أو استعمل أو بدد مبالغ أو أمتعة …. إضرارا بمالكيها أو أصحابها أو واضعي اليد عليها “.

فالضرر عنصر في الركن المادي في خيانة الأمانة لا تقوم هذه الجريمة بدونه. وفي هذا تختلف خيانة الأمانة من ناحية عن السرقة والنصب من ناحية أخرى، حيث أنه لا يلزم لقيام الجريمتين الأخيرتين سوى وقوع الاعتداء على الملكية بالوسيلة التي حددها القانون في كل منهما وذلك بغض النظر عن حدوث ضرر نتيجة لهذا الاعتداء أم لا ،

كما إذا كان استيلاء الجاني على المال المملوك لغيره بمقابل يعادل قيمته . ومن التطبيقات العملية لانتفاء جريمة خيانة الأمانة بسبب تخلف الضرر أن يكون للوكيل في ذمة موكله دين نقدي مستحق الوفاء لا تقل قيمته عما بدده من المبالغ التي حصلها لحساب هذا الأخير، ففي هذه الحالة يقبل من الوكيل الدفع بحصول المقاصة بين ما هو مستحق له وبين المبالغ التي بددها فلا يسأل عن خيانة الأمانة لتخلف عنصر الضرر .

غير أنه لا يشترط في الضرر أن يكون محققا أي واقعا فعلا ، بل يكفي أن يكون محتمل الوقوع . وتطبيقا لذلك حكم في فرنسا بأنه إذا عهد شخص لآخر بتقديم أوراق معينة إلى إحدى المصالح وسلمه مبلغا من النقود لكي يشتري به طوابع أميرية يلصقها على هذه الأوراق قبل تقديمها

فتمكن المستلم من الحصول على طوابع مستعملة ولصقها بعد أن محا الختم الذي كان عليها ثم قدم الأوراق إلى المصلحة المختصة التي اعتمدتها دون أن تفطن إلى هذا التلاعب واختلس هو النقود التي كانت قد سلمت إليه من صاحب الأوراق فهذا الاختلاس تقوم به جريمة خيانة الأمانة ، إذ أن صاحب الأوراق معرض للرجوع عليه بثمن الطوابع .

كذلك قضى عندنا بأنه متى كان الحكم قد أثبت وجود عجز في أكياس السماد التي سلمت إلى مشتريها من الجمعية الزراعية ثم دان أمين الشونة ومساعده في تبديد السماد فلا يجدي في دفع التهمة عنهما القول بأن ركن الضرر غير متوفر في الجريمة إذ الجمعية الزراعية قد حصلت على كامل حقها ، إذ هذا القول مردود بأنه يكفي لتحقيق الجريمة أن يلحق بالمشترين من الجمعية ضرر حتى يتعدى الضرر إليها أيضا.

ولا يلزم كذلك أن يكون الضرر ماديا ، وإنما يجوز أن يكون أدبيا محضا كالضرر الذي يتحقق بتبديد أشياء ليست لها سوى قيمة تذكارية ، والضرر الذي يصيب المجني عليه في سمعته أو اعتباره .

ولهذا قضى مثلا بأنه يعد خائنا للأمانة العامل بإحدى شركات الألبان الذي يضيف إلى اللبن المسلم إليه لتوزيعه كمية من الماء ويحتفظ لنفسه بثمن الزيادة في اللبن الناجمة عن الخلط بالماء،

وذلك لأن الشركة المجني عليها وإن لم يلحقها ضرر مادي لأنها حصلت على ثمن اللبن الذي سلمته إلى العامل لتوزيعه كاملا إلا أنها معرضة مع ذلك لأن يصيبها ضرر أدبي يتمثل في إهدار سمعتها وفقدان ثقة عملائها.

ويسوي القانون أخيرا بين الضرر الذي يصيب مالك الشيء أو صاحبه وبين الضرر الذي يلحق واضع اليد عليه . وقد قصد القانون بذلك أن يصل بالعقاب إلى الجاني حيث يكون الشيء قد سلم إليه من شخص آخر خلاف مالكه سواء كان هذا الشخص حائزا للشيء كمستأجره أو مرتهنه رهنا حيازيا أو كانت يده عليه لا تعدو أن تكون يدا عارضة كما هو الشأن في حالة الخادم الذي يعير أحد الجيران شيئا مملوكا لمخدومه .

ففي هذه الحالات إذا اختلس الأمين الشيء أو بدده عد خائنا للأمانة ولو أن الضرر المباشر المترتب على فعله يلحق شخصا آخر خلاف مالك الشيء هو حائزه السابق أو من كانت له عليه اليد العارضة ، ويتمثل هذا الضرر في إلزامه بالتعويض قبل المالك .

 د/ عمر السعيد رمضان ، مرجع سابق ، ص 652 وما بعدها .

  تمام الجريمة والعقاب عليها

تمام الجريمة:

جريمة خيانة الأمانة جريمة وقتية ، فهي تتم وتنتهي بمجرد توافر الأركان السابق تحديدها ، فلا يشترط لقيامها حصول المطالبة برد الأمانة المدعى بتبديدها. وإنما تتحقق – كما ذكرت محكمة النقض- بكل فعل يدل على أن الأمين اعتبر المال الذي أؤتمن عليه مملوكا له يتصرف فيه تصرف المالك ، ولا يشترط لتحققها خروج المال بالفعل من حيازة الأمين بناء على التصرف الذي أوقعه ، فالجريمة تتم بمجرد تغيير نية الحيازة ، ويبدأ منذ هذا الوقت التقادم المسقط للدعوى الجنائية ، ولا قيمة لاستمرار بقاء الشيء المختلس في حيازة الخائن إذ لا يعدو ذلك أن يكون أثرا من آثار الجريمة.

وإذا تمت الجريمة على هذا النحو فإنه لا يؤثر في ذلك رد الأمانة أو ما يعادل قيمتها ، أو تعهد الخائن بردها ، إذ لا يكون لذلك من أثر إلا في احتمال أن يعتد به القاضي كسبب لتخفيف العقوبة ، يستوي في ذلك أن يحصل الرد قبل أو بعد اتخاذ الإجراءات الجنائية قبل الجاني .

وتطبيقا لذلك قضى بأن ” إظهار المتهم استعداده أمام النيابة لرد المبلغ المختلس لا يمنع من أن تكون جريمة الاختلاس قد تمت، بل الدفع نفسه لا يمنع من تمامها قبل حصوله ” .

كما قضى بأن ” تسديد المبلغ المختلس لا يرفع الجريمة عن المتهم بل قد يكون سببا للتخفيف” .

وبأنه إذا تسلم المتهم مبلغ عشرة جنيهات من المجني عليه لشراء بضاعة له فلما لم يفعل هم المجني عليه بشكواه فرد له جزءا من المبلغ وكتب على نفسه إيصالا بالباقي ، فإن الواقعة تتوافر فيها جميع العناصر القانونية لجريمة خيانة الأمانة. وبأن الوفاء اللاحق لارتكاب جريمة خيانة الأمانة لا يمحوها.

والعبرة في تحديد تاريخ وقوع الجريمة هي بالتاريخ الفعلي للتبديد أو الاستعمال أو الاختلاس ، فإذا لم يكن هذا التاريخ معروفا ، لاسيما وأن الاختلاس يتم بمجرد تغيير الأمين حيازته للشيء من الحيازة الناقصة إلى الحيازة الكاملة بنية التملك دون أن يكون هناك عمل مادي ظاهر يدل على هذه النية ،

اعتبر تاريخ وقوع الجريمة هو تاريخ امتناع الأمين عن رد الأمانة أو عجزه عن ردها بعد مطالبته بذلك ، وقد قضت محكمة النقض بأن ” التبديد لما كان في العادة معروفا للأمين خافيا على صاحب الشأن في الوديعة فتاريخ المطالبة يعتبر مبدئيا وبصفة مؤقتة تاريخا له إلى أن يدعي الجاني أسبقية الحادثة عليه ويثبت دعواه أو يتبين للقاضي من تلقاء نفسه هذه الأسبقية أخذا مما يقوم عنده من دلائل الدعوى وظروفها ” .

كما قضت بأنه إذا اعتبر الحكم تاريخ تقيم الوصي كشف الحساب إلى المجلس الحسبى مبدأ لمدة سقوط الدعوى العمومية في جريمة تبديد أموال القصر المسندة إليه ـ على أساس أن إسقاطه بعض المبالغ التي في ذمته للقصر من هذا الكشف يعد دليلا على أنه اختلسها لنفسه ، فإن هذا يكون صحيحا ولا غبار عليه لأن جريمة خيانة الأمانة تتم كلما أظهر الأمين نيته في تملك الشيء المودع لديه .

وإذا كانت جريمة خيانة الأمانة تتم بمجرد تغيير نية الجاني من حائر حيازة مؤقتة إلى حائز حيازة كاملة ، فإنه يترتب على ذلك أن يكون الشروع في هذه الجريمة غير متصور . فالشيء يكون في حيازة الأمين ولا توجد أي عقبة مادية تمنعه من تملكه ، وبذلك لا يوجد أي انفصال بين الإرادة والتنفيذ.

العقوبة في جريمة التبديد وخيانة الأمانة

يقرر المشرع لجريمة خيانة الأمانة عقوبة الحبس ، ويجوز أن يزاد عليه غرامة لا تتجاوز مائة جنيه مصري . كذلك يجوز تشديد العقوبة في حالة العود . ولم ينص المشرع على جواز توقيع عقوبة مراقبة البوليس في حالة العود كما فعل بالنسبة لكل من جريمتي السرقة والنصب ، فلا يجوز القياس عليها فمراقبة البوليس عقوبة تكميلية لا يجوز الحكم بها إلا حيث ينص عليها القانون.

وقد جرى القضاء على مد حكم المادة 312 من قانون العقوبات الخاصة بتقييد رفع الدعوى عن جريمة السرقة بين الأصول والفروع والأزواج بشكوى المجني عليه إلى جريمة خيانة الأمانة كما مدها إلى جريمة النصب ،

ويترتب على ذلك أنه إذا خان الأمين الأمانة إضرارا بزوجه أو أصله أو فرعه لا ترفع عليه الدعوى الجنائية إلا إذا قدمت الشكوى من المجني عليه. وإذا تنازل المجني عليه عن الدعوى يترتب على ذلك انقضاؤها قبل المتهم.

 د/ فوزية عبدالستار ، مرجع سابق ، ص  1023 وما بعدها .

عقود الأمانة محل الجريمة

جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات ( 341 )

بين المشرع عقود الأمانة التي ينبغي أن يتم تسليم المال إلى الجاني بناء على أحدها بقوله في المادة 341 ع :

” وكانت الأشياء المذكورة لم تسلم إليه إلا على وجه الوديعة أو الإجارة أو على سبيل عارية الاستعمال أو الرهن أو كانت سلمت له بصفة كونه وكيلاً بأجرة أو مجانا بقصد عرضها للبيع أو بيعها أو استعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره “.

فهذه المادة تتكلم صراحة عن خمسة عقود هي :

  • الوديعة 
  • والإجارة
  • وعارية الاستعمال
  • والرهن
  • والوكالة 

ويبدو لأول وهلة أن المشرع لم يذكر فيها سوى هذه العقود.

ومع ذلك فبالرجوع إلى العبارة الأخيرة التي أردف بها المشرع بيانه لعقد الوكالة وهي قوله :” بقصد عرضها للبيع أو بيعها أو استعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره ” يمكننا أن نستخلص فضلا عن العقود المتقدمة عقد آخر . وذلك لأن هذه العبارة لا يمكن أن تفهم على أنها مجرد تفصيل للأعمال التي يكلف بها الوكيل ،

بدليل أنها تذكر إلى جانب الحالة التي يسلم فيها الشيء إلى الجاني بقصد عرضه للبيع أو بيعه الحالة التي يكون فيها المقصود من هذا التسليم  القيام بعمل مادي هو استعمال الشيء في أمر معين لمنفعة المالك أو  غيره ، كما في تسليم بدله إلى الكواء لكيها ، وتسليم قماش إلى الترزي لكي يحيكه ، وتسليم آلة إلى الصانع لإصلاحها.

ومن المعلوم أن محل الوكالة هو دائماً عمل قانوني ، وعليه إذا كان الشيء قد سلم إلى الجاني بقصد أن ” يستعمله في أمر معين لمنفعة المالك له أو غيره “

فإن هذا التسليم لا يكون مبنياً على عقد وكالة ، وإنما على عقد آخر لا يدخل في عداد العقود التي ذكرها المشرع صراحة . وقد اختلف في تكييف هذا العقد ، فرأى البعض أنه عقد عمل ، ووصفه البعض الآخر بأنه عقد مقاولة حيث يكون الجاني قد تعهد بالعمل الذي تسلم الشيء من أجله مقابل أجر وعقد خدمات مجانية في الحالة التي يكون فيها الجاني قد تطوع بالقيام بهذا العمل بدون مقابل،

ولعل الرأي الثاني هو الأقرب إلى الصواب نظراً لأن عقد العمل يفترض علاقة تبعية تربط العامل برب العمل ، وهذه العلاقة لا تتوافر في معظم الحالات التي يتسلم فيها الجاني الشيء بقصد القيام بعمل مادي على ما يتضح من الأمثلة التي ضربناها . فليس كل من الكواء والترزي والصانع تابعاً للمجني عليه حتى يمكن وصف العلاقة القانونية التي تربط بينهما بأنها علاقة عامل برب عمل

 د/ عمر السعيد رمضان ، مرجع سابق ، ص 640 وما بعدها .

صور عقـود الأمانة محل العقاب الجنائي

أولاً- الوديعة

عرفت المادة 718 من القانون المدني عقد الوديعة بأنه

” عقد يلتزم به  شخص أن يتسلم شيئاً من آخر، على أن يتولى حفظ هذا الشيء وعلى أن يرده عيناً ” . فجوهر عقد الوديعة إذاً هو الالتزام برد الشيء المودع عيناً ، بحيث إذا أخل المودع لديه بالالتزام بالرد عّد خائناً للأمانة .

أما إذا كان الشيء قد سّلم على أساس رد قيمته أو مثله فلا نكون بصدد عقد وديعة .

وتطبيقاً لذلك قضي

” بأن التزام المودع لدية برد الشيء بعينه للمودع عند طلبه شرط أساسي في وجود عقد الوديعة طبقاً لأحكام المادة 842 مدني (718 الحالية) ، فإن سلم قطن لمحلج بموجب إيصالات ذكر بها أنه لا يجوز لحاملها طلب القطن عيناً، ثم تصرف صاحب المحلج في القطن بدون إذن صاحبه فلا يعتبر ذلك تبديداً معاقباً عليه بالمادة 296 عقوبات (341 الحالية).

( نقض 21 مارس 1932 مجموعة القواعد ج2 ق 337 ص 488 )

وبأنه” إذا كانت شركة المياه الغازية تتقاضي من عملائها مبلغاً من النقود مقابل كل زجاجة لا ترد إليها ، فإن تسليم الشركة الزجاجات لعملائها لا يكون على سبيل الوديعة ولا عارية الاستعمال ولا يعد التصرف فيها من العميل تبديداً “

( نقض 26 فبراير 1952 أحكام النقض س 3 ق 196 ص 519 )

وليس بشرط أن يكون موضوع الوديعة شيئاً قيماً، بل يمكن أن يكون شيئاً مثلياً مثل النقود. وتسمى هذه الصورة في القانون المدني بالوديعة الناقصة ( المادة 364 ب من القانون المدني).

ولا ينفى قيام الوديعة ، إذا وردت على شيء قيمي ، أن يكون المودع قد اشترط على المودع لدية أن يرد قيمة الشيء في حالة فقده ، إذ يبقي المودع لدية في هذه الحالة ملتزما بصفة أساسية برد الشيء المودع عيناً ويلتزم بصفة احتياطية برد قيمته في حالة فقده أو هلاكه . ومن ذلك ما قضى به من أنه ” متى كان جهاز الزوجية من القيمات وليس من المثليات التي يقوم بعضها مقام بعض ،

فإن اشتراط رد قيمته عند استحالة الرد العيني بسبب الهلاك لا يكفي وحده للقول بأن تسليمه كان على سبيل القرض وليس على سبيل الوديعة ويكون ما خلص إليه الحكم من أن تصرف الطاعن في جهاز زوجته الذي سلم إليه بمقتضي قائمة ينطوي على جريمة خيانة أمانة صحيحاً في القانون.

نقض 22 ديسمبر 1969 أحكام النقض س 20 ق 296 

وفى نفس المعنى 7 يونيه 1949 مجموعة القواعد ج 7 ق 933 ص 912 

أما إذا وردت الوديعة على شئ مثلي ، وجب أن تنصرف إرادة المتعاقدين إلى رد الشيء بعينه ، لذا حكم بأنه ” يستوي في الشيء محل الوديعة أن يكون قيمياً أو مثلياً  كالنقود والغلال . وبالنسبة للأشياء المثلية لابد أن يتجه القصد إلى رد نفس الأشياء المودعة حتى بالنسبة للنقود”

( نقض 2 يناير 1950 أحكام النقض س1 ق 73 ص 208 ) 

على أنه يلاحظ أنه إذ لم تكن لقطع النقود المودعة أو أوراقها قيمة تذكارية لدى المودع ، فإن المودع لدية لا يعتبر خائناً للأمانة إذا خلط هذه النقود بنقوده الخاصة مادام يحتفظ لدية بمبلغ مساو لقيمة الوديعة . ويرجع ذلك – كما قيل بحق- إلى أن إرادة المتعاقدين قد انصرفت في هذه الحالة إلى إيداع النقود بقيمتها لا بقطعها أو بأوراقها .

ولا يتعارض ذلك مع نص المادة 726 من القانون المدني التي تقضي بأنه إذا كان الوديعة مبلغاً من النقود أو أي شيء آخر مما يهلك بالاستعمال وكان المودع عنده مأذوناً في استعماله اعتبرا قرضا، لا تعارض لأن الجاني في مثالنا لا يمتنع عليه استعمال قيمة هذا المبلغ من النقود.

والوديعة كما تكون تعاقدية ، قد تكون قانونية أو قضائية. فالمشرع لم يتطلب أن تكون الوديعة وليدة عقد بل كل ما استلزمه أن يكون الشيء قد سلم “… على وجه الوديعة ” .

ومثال الوديعة القانونية

حالة الوارث الذي يتلقى مالا ضمن تركه مورثه ، كان مودعاً لدية مع علمه بذلك . ولا يقلل من صدق هذا النظر- على حد تعبير محكمة النقص أن الوارث ” لم يباشر مع المجني عليه عقد الوديعة ،

وأن العقد الذي أنشأها كان مع أبيه فينتهي بموته ، وذلك لأن القانون حين عرف جريمة خيانة الأمانة في المادة 341 لم ينص على أن تكون الوديعة باعتبارها سبباً من الأسباب التي أوردها علي سبيل الحصر لوجود المال المختلس لدى المتهم وليدة عقد

بل اكتفى في ذلك بعبارة عامة وهي أن يكون تسلم المال قد حصل علي” وجه الوديعة ” مما يستوي فيه بالبداهة ما يكون منشؤه التعاقد وما يكون مصدره القانون” .

ويلحق البعض بالوديعة القانونية حالة ملتقط الشيء الضائع إذا احتبس  الشيء بنية تملكه إذ يعد وفقاً للتكييف الصحيح خائناً للأمانة وليس سارقاً كما هو مستقر عليه.

ومثال الوديعة القضائية

حالة الحارس على الأموال المحجوز عليها والموضوعة تحت حراسته وحالة الحارس القضائي بالنسبة للأموال المتنازع عليها والموضوعة تحت حراسته.

ولا يشترط لقيام الوديعة أن يكون الشيء المودع ملكاً لمن أودعه ، فقد يودع المودع مالاً مملوكاً لغيره لدى المودع لدية ، وإذا اختلسه هذا الأخير عد خائناً للأمانة.

كما لا يشترط أن تكون الوديعة بأجر، فالجريمة تقوم حتى ولو كان الوديعة بالمجان

 د/ عبدالعظيم مرسى وزير ، مرجع سابق ، ص 460 وما بعدها .

ثانياً: عقد الإيجار

عرفت المادة 558 من القانون المدني عقد الإيجار بأنه

” عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه ، أن يمكن المستأجر من الانتفاع بالشيء مدة معينة ، لقاء أجر معلوم”. ويلزم لقيام جريمة خيانة الأمانة- التي يحمى الشارع بها ملكية الأشياء المنقولة- أن يرد الإيجار على مال منقول .

ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يرد عقد الإيجار على عقار بينما يقع الركن المادي في الجريمة على منقول سلم إلى المستأجر بمناسبة هذا الإيجار، كما لو استأجر شخص عقاراً مفروشاً فاختلس أو استعمل أو بدد مفروشاته

وكما لو استأجر شخص مزرعة بما فيها من آلات فاختلس أو استعمل أو بدد هذه الآلات ، ففي مثل هذه الحالات يعد المستأجر خائناً للأمانة.

والأصل أن قانون العقوبات لا يحفل ، من بين الالتزامات الناشئة عن عقد الإيجار، إلا بالتزام واحد منها هو الالتزام برد الأعيان المؤجرة .

بل إنه في هذه الحالة لا تقع جريمة خيانة الأمانة لمجرد الإخلال بهذا الالتزام كما لو هلكت الأشياء محل العقد للإهمال أو لسبب آخر كاستعمالها أو قدمها أو ما إلى ذلك. فالجريمة تقع إذا أخل المستأجر بالالتزام برد الأعيان المؤجرة وكان سبب الإخلال راجعاً إلى احتباسه هذه الأعيان بنية تملكها .

ويترتب على ذلك أيضاً أن قانون العقوبات لا يحفل بمجرد تأخر المستأجر في تسليم العين المؤجرة أو انتفاعه بها مدة أكثر مما هو مقرر في العقد ، فكل تلك أمور لا تقوم معها جريمة خيانة الأمانة مادام المستأجر قد رد العين المؤجرة إلى مؤجرها في نهاية الأمر.

ولا يلزم أن تنتهي مدة الإيجار حتى ينظر في وقوع الجريمة من عدمه طالما قد ثبت وقوع الركن المادي قبل ذلك . لذلك يعتبر محل نظر الحكم الذي قضى بأن “جريمة التبديد (خيانة الأمانة) لا تقوم ما دامت مدة الإيجار لم تنته بعد لأن المستأجر مسئول عن رد ما تسلمه إلى صاحبه في نهاية هذه المدة “.

( أنظر نقض 4 أبريل 1929 مجموعة القواعد ج1 ق 216 ص 257 ) .

ويلاحظ أن النص في عقد الإيجار على دفع قيمة الشيء المؤجر في حالة تلفه أو عدم رده لا ينفي اعتبار العقد إيجاراً كما انصرف إلى ذلك قصد الطرفين وقت التعاقد ، فالمستأجر يبقي ملتزماً بصفة أساسية برد العين المؤجرة ويلتزم بصفة احتياطية برد قيمتها إذا تعذر ذلك . واستخلاص هذه النية أمر موضوعي متروك لتقدير المحكمة.

( نقض 15 أبريل 1968 أحكام النقض س 19 ق 90 ص 464 ) .

ويلزم – بعكس الحال في عقد الوديعة – أن يكون الانتفاع بالعين المؤجرة لقاء أجر، فإذا كان مجاناً كان العقد من قبيل عارية الاستعمال وليس الإيجار( المادة635 من القانون المدني ).

د/ عبدالعظيم مرسى وزير ، مرجع سابق ، ص 463 وما بعدها .

ثالثاً – عارية الاستعمال

ـ عارية الاستعمال هذا التعبير تفرق به المادة 341 بين عارية الاستعمال وعارية الاستهلاك . ولكن القانون المدني لا يشتمل على هذه المصطلحات وإنما يفرق بين عقد العارية وعقد القرض

فيعرف العارية في المادة 653 بأنها

” عقد يلتزم به المعير أن يسلم المستعير شيئاً غير قابل للاستهلاك ليستعمله بلا عوض لمدة معينة أو في غرض معين على أن يرده بعد الاستعمال ” .

ويعرف القرض في المادة 538 بأنه

” عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء مثلى آخر، على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئاً مثله في مقداره ونوعه وصفته ” .

وأما عقد القرض فمرادف لعارية الاستهلاك ويكون تسليم الشيء بناء عليه ملحوظ  فيه نقل الملكية ، فاستهلاك ذلك الشيء لا يعد جريمة ولو لم يرد مثله وكان المقترض سيء القصد معتزماً عدم الرد وقت تسلم الشيء ،

ولكن القانون المدني ينص على أن يكون موضوع العارية شيئاً غير قابل للاستهلاك ، ولا يشترط أن يكون الشيء كذلك بطبيعته ، وإنما يكفي ان تنصرف إرادة المتعاقدين إلى رد الشئ بذاته ولو كان مثلياً

فالعارية وإن كان يغلب أن يكون محلها أشياء قيمية ، إلا أنه من الجائز أن يكون محلها أشياء مثلية ، كنقود متداولة نادرة النوع أو حبوب من نوع ممتاز يستعيرها شخص لعرضها في معرض وما إلى ذلك.

رابعاً – الرهن

المقصود هنا هو رهن الحيازة الذي يضع به المدين منقولاً في حيازة دائنة أو حيازة من اتفق عليه العاقدان تأميناً للدين . فيعتبر الدائن خائناً للأمانة إذا هو اختلس الشيء المرهون الذي تسلمه على سبيل الرهن،

ومثال ذلك من يتسلم كمبيالة على سبيل الرهن فيطرحها في التداول بتظهيرها ، والمصرفي الذي يبدد السندات التي يودعها لديه أحد زبائنه لتغطية مركزه إذا أسفرت مضارباته في البورصة عن مديونيته .

والظاهر أنه لا يوجد ما يمنع من رهن النقود رهناً حيازياً قياساً على الوديعة الناقصة ؛ فإذا كان الملاحظ في التعاقد عدم تصرف المرتهن فيها فإن حيازته لها تكون على سبيل الرهن ، وتبديده إياها يعد خيانة أمانة .

أما إذا اتفق علي جواز التصرف في المال فإن تصرف الحائز لا يعد خيانة أمانة .

خامساً : الوكالة

عقد بمقتضاه يلتزم الوكيل بأن يقوم بعمل قانوني لحساب الموكل ( المادة 699 مدني) . وهي بهذا تتميز عن عقدي المقاولة والعمل ، ولذلك وضع القانون في النص الفرنسي للمادة 341 كلمة “عامل” بعد كلمة ” وكيل” كي يشمل حكم المادة 341 الأشخاص الذين يكلفون بعمل قانوني أو بعمل مادي لمصلحة الغير.

ويستوي أن تكون الوكالة بأجر أو مجاناً ، تعاقدية أو بحكم القانون ، صريحة أو ضمنية ، فيعد وكيلاً بالمعني المقصود في المادة 341 الوصي والقيم ، والوكيل بالعمولة ، ونائب الوكيل

ووارث الوكيل المتوفى إذا بدد شيئاً مما كان يحوزه مورثه على سبيل الوكالة ، والحارس القضائي ووكيل الغائب ووكيل الدائن في قضايا التفاليس ،

وكل شخص مكلف بقبض مبلغ أو تحصيله لشخص آخر، فإذا كانت الحوالة بالدين حوالة تحصيل فإن المحال إليه لا يتملك بها المبلغ الذي تتضمنه ، بل أن يكون وكيلاً يسأل عن تبديد ما يتسلمه بصفته هذه . وناظر الوقف يعتبر وكيلاً عن الواقف في حياته ووكيلاً عن المستحقين بعد موت الواقف.

وليس الغرض من النص على الوكالة معاقبة الوكيل على كل ما يصدر منه من التصرفات إضراراً بالموكل ، وإنما الغرض معاقبة الوكيل إذا اختلس أو بدد الأموال التي استلمها على ذمة الموكل ، فإذا كلف الوكيل بشراء أو بيع شئ لحساب الموكل فاشتراه بأكثر من ثمن المثل ، أو باعه بأقل من ثمن المثل ، فإنه لا يؤاخذ جنائياً على ما سببه للموكل من خسارة .

وصور الاختلاس أو التبديد التي يرتكبها الوكيل متعددة ، فقد يبدد نفس الشيء الذي سلمه إليه الموكل على سبيل الوكالة ، أو ثمن الشيء الذي كلفه الموكل ببيعه ، أو أموالاً استلمها من شخص آخر كمستأجر لحساب موكله . وقد يتسلم نقوداً لشراء شئ معين فيشريه بثمن أنقص ويحتفظ بباقي المبلغ فيعد مبدداً للفرق بين ما تسلمه وما اشترى به .

والقاعدة أن الوكيل يعمل لمصلحة الموكل ، وعلى الأخير تعود فائدة عمل الوكيل  فيعد الوكيل مبدداً لو احتفظ لنفسه بجزء من قيمة المبيع ولو كان ما سلمه للموكل هو ثمن المثل ، بل لو كان المشترى قد قبل دفع  الجزء الزائد لمصلحة الوكيل شخصياً أو كان دائناً قبل خصم جزء من الدين لمنفعة الوكيل .

وقد حكم في فرنسا بأن على الوكيل أن يقدم حساباً لموكله عن كل ما تسلمه بمقتضى عقد الوكالة ولو كان ما تسلمه غير مستحق للموكل، فيرتكب الوكيل خيانة أمانة إذا هو بدد أو اختلس مبلغاً دفع إليه لحساب الموكل وإن كان غير مستحق له.

وأكثر ما يثار التبديد يكون بصدد الوكالة ، فحكم بأنه يعد مبدداً من تسلم مبلغاً لشراء بضاعة لحساب آخر فاختلسه لنفسه ، ومن تسلم مبلغاً من آخر لإيداعه أمانة لخبير في دعوى مدنية فلم يقم بذلك ولم يرد المبلغ إلى صاحبه بعد طلبه، ولا يجدي المتهم في دفع المسئولية الجنائية عنه ادعاؤه أن صاحب المبلغ لم يكن مكلفاً بدفع أمانة للخبير،

لأن تسلمه المبلغ كان على ذمة دفعة إلى الخبير، فإذا هو كان قد تبين له فيما بعد عدم إمكانية القيام بذلك فقد كان واجباً عليه أن يرد المبلغ بمجرد طلبه ، لأن يده عليه لم تكن إلا يد وكيل مكلف برده إذا لم يقم بدفعه فيما وكل إليه . وحكم بأن الشريك إذا اختلس شيئاً من رأس مال الشركة أو موجوداتها المسلمة إليه بصفته هذه يعتبر مختلساً

لأن مال الشركة إنما سلم إليه بصفته وكيلاً عن باقي الشركاء ، وبأن من اتفق مع آخر على شراء مواشي شركة بينهما وتسلم منه مبلغاً من المال لهذا الغرض، ولم يشتر مواشي ولم يرد المبلغ إلى صاحبه عند طلبه يعد مبدداً ، لأن تسلمه المبلغ من شريكه إنما كان بوصفه وكيلاً عن لاستعماله في الغرض الذي اتفق كلاهما عليه ، فيده تعتبر يد أمين

وحكم بأنه إذا سلم الوكيل الشيء الذي في عهدته للغير لبيعه وشراء آخر بثمنه ، فهذا التصرف يعتبر بمثابة تصرف المالك في ملكه وبه تتحقق جريمة الاختلاس ، وبأنه إذا تسلم وكيل المؤجر مبلغاً بدون إيصال من أحد المستأجرين لخصمه من الإيجار المطلوب منه لصاحب العين المؤجرة ثم اختلس هذا الوكيل المبلغ لنفسه

وكان عقد الإيجار يقضي بعدم الدفع إلا بمقتضي إيصال ، فإن هذا الدفع لا يمكن اعتباره أنه حصل على أساس عقد الإيجار لمخالفته إياه ، وإنما يعتبر أنه حصل بناء على عقد استئمان بين الدافع والوكيل ولا يمكن أن يترتب عليه انشغال ذمة الوكيل لحساب المؤجر بصفته وكيلاً عنه إلا بتسليم الإيصال للدافع

بل تبقي ذمته مشغولة بهذا المبلغ لحساب الدافع بمقتضي عقد من عقود الأمانة ، وسواء أكان هذا العقد عقد وكالة أم عقد وديعة مؤقتة فهو داخل على كل حال تحت حكم المادة 341 عقوبات . وحكم بأن الوصي المعين من المجلس الحسبى يشغل إزاء الشخص الذي يدير أملاكه المركز الذي تنص عليه المادة 341 بعبارة  ” وكانت الأشياء المذكورة لم تسلم له إلا بصفته وكيلاً بالأجرة أو مجاناً “.

وانتفاع الوصي بأطيان القاصر الموضوعة تحت يده بهذه الصفة بدون سداد أي إيجار أو أي مقابل لهذا الانتفاع يدخل تحت عبارة ” وغير ذلك” الواردة في المادة 341 المذكورة إطلاقاً وبدون تحديد ، فيمكن أن يتكون منه الركن المادي لخيانة الأمانة المعاقب عليه متى توافرت بقية الأركان الأخرى ومهما كان نوع الانتفاع .

وحكم بأنه إذا أرسل شخص إلى المتهم بصفته وكيلاً لبنك كذا فرع كذا مبلغاً بقصد توصيله إلى البنك العام بمصر، وكان المتهم وقت هذا الإرسال قد خرج من خدمة البنك ، فهذا الخروج لا يمنع من أن صاحب المبلغ أرسله إليه علي اعتقاد منه أنه لا زال في خدمة البنك وأنه طلب إليه فعلا أن يستعمل المبلغ في أمر ميعن هو إرساله للبنك بمصر

والمتهم في ذلك الوقت كان في هذا الصدد وكيلاً للمجني عليه بلا أجر، كما كان في اعتقاد هذا المجني عليه وكيلاً للبنك – ولا شك أن اختلاسه للمبلغ ، سواء اعتبر وكيلاً عن المرسل أو عن البنك ، فيه خيانة أمانة . وحكم بأن بطلان عقد الوكالة لا يعفي المؤتمن من رد ما تسلمه من المال بمقتضاه .

وحكم في فرنسا بأنه يرتكب تبديداً صراف المحل الذي يخصم جزءاً من أجور العمال ويختلسها لنفسه ، وصاحب المصرف الذي يتسلم من أحد الزبائن مبلغاً لشراء أسهم وسندات فيضيفها إلى أموال المصرف للانتفاع بها في موازنة ميزانية مؤقتاً ، ووكيل الأعمال الذي يحجز لنفسه بغير حق ما تسلمه لحساب صاحب العمل

وصاحب المصرف الذي يتسلم سندات لبيعها فيرهنها لصالحه أو يختلس لنفسه الثمن المتحصل من بيعها . ويعد كذلك عقد وكالة العقد الذى بمقتضاه يخول منتج أفلام لشخص الحق المطلق في استغلال الأفلام وتأجيرها لأصحاب دور العرض على أن يسلم له قيمة الإيجار بعد خصم العمولة المتفق عليها.

العامل :

يقصد به من يتسلم أشياء للقيام بعمل مادي لمنفعة ملك الشيء أو غيره ، وقد يكون العمل مقابل أجر فيكون العقد عقد مقاولة أو عقد عمل، كالترزي الذي يتسلم قطعة قماش ليحيكها بدلة والساعاتي الذي يتسلم ساعة لإصلاحها

والنجار الذي يتسلم أخشاباً ليحولها إلى أثاث . وقد يكون العمل بدون مقابل كالصديق الذي يتطوع لإصلاح شيء أو اصطناعه أو توصيله إلى شخص آخر .

وفي الحالتين، أي سواء كان الصبى بأجر أو بغير أجر، يقع العامل الأجير أو المتبرع بالعمل تحت طائلة المادة 341 إذا اختلس الشيء الذى ائتمن عليه ، وسيان اختلس كل الشئ أو جزء منه فقط ، واختلسه قبل تحويله أو بعد ذلك. ولكن إذا كان العالم قد تسلم أجره مقدماً فإنه لا يعتبر مبدداً إذا لم يرده وأحجم عن أداء العمل لأنه قد تسلمه على سبيل التمليك

 د/ محمود محمود مصطفى ، مرجع سابق ، ص 616 وما بعدها .

سادساً – عقد المقاولة والخدمات المجانية

أشار المشرع إلى هذين العقدين بكلامه عن الحالة التي تكون فيها الأشياء التي اختلسها الجاني قد سلمت إليه ” لاستعمالها في أمر معين لمنفعة المالك لها أو غيره”

فالمشرع بهذه العبارة أراد أن يتوصل بالعقاب عن خيانة الأمانة إلى كل من اختلس أو بدد شيئاً سبق أن سلم إليه بقصد استخدامه في القيام بعمل معين لمصلحة شخص آخر سواء كان هو مالك الشيء أو غيره ، دون أن يصدق مع ذلك على المستلم وصف الوكيل نظراً ًلطبيعة العمل المكلف به من حيث كونه عملاً مادياً لا قانونياً .

وقد يكون العمل المادي الذي تسلم الجاني الشيء من أجله مقابل أجر كما في تسليم بدلة إلى الكواء لكيها ، وتسليم قماش إلى الترزي ليحيكه ثوباً ، وتسليم غلال إلى الطحان لطحنها ، وتسليم آلة إلى الصانع لإصلاحها ، وفي هذه الحالة يعتبر العقد الذي يربط الجاني بالمجني عليه عقد مقاولة .

وقد يكون هذا العمل بدون أجر، كما إذا سلم الصديق لصديقه شيئاً لكي يوصله آخر، وفي هذه الحالة الأخيرة يكون العقد غير مسمى ولا بأس في وصفه بأنه “عقد خدمات مجانية ” كما فعل البعض وسواء كان العمل بأجر أو بدون أجر فان فعل المستلم يعد خيانة أمانة متى أختلس الشيء أو بدده .

وتطبيقاً لذلك قضى بأن تسليم الزوجة قائمة منقولات لزوجها لتوصيلها إلى المحامى لرفع دعوى استرداد لصالحها كان بقصد استعمالها في أمر معين لمنفعة الزوجة ، فإذا اختلس الزوج هذه القائمة أو بددها عد فعله خيانة أمانة

وحكم أيضاً بأنه إذا كان الموظف ( بلوكامين تحقيق شخصية) المتهم باختلاس طوابع تمغة بأن كان يتسلمها من أصحابها ويلصق بدلاً منها على الأوراق طوابع أخرى مستعملة غير مختص أصلا بتسلم هذه الطوابع ولصقها ، فإنه في تسليمه إياها انما كان ينوب عن أصحابها لاستعمالها في أمر معين لمنفعتهم فيعاقب إذا ما اختلسها إضرارا بهم .

إنما ينبغي أن يلاحظ دائماً أنه لكى يعاقب مستلم الشيء بوصفه خائناً للأمانة يجب أن يكون التسليم الحاصل له ناقلاً للحيازة المؤقتة ، وذلك طبقاً للقاعدة العامة بشأن التسليم السابق الذي تفترضه خيانة الأمانة .

فإذا كان المقصود من تسليم الشيء الى الجاني مجرد تمكين يده العارضة فلا يعتبر فعل الجاني متى اختلس هذا الشيء خيانة أمانة وإنما سرقة ، وذلك حتى لو كان الغرض من التسليم استعمال الشيء في أمر معين لمنفعة  المالك له.

وتطبيقاً لذلك يعد سارقاً لا خائناً للأمانة الكواء الذي تسلم إليه بدلة لكيها في حضور صاحبها فيستولى عليها منكراً تسلمه إياها ، وكذلك الخادم الذي يسلم إليه مخدومة الأدوات المنزلية لاستعمالها في أعمال الخدمة المكلف بها تحت رقابة المخدوم وإشرافه فيبدد شيئاً منها ، والعامل بالمحل التجاري المكلف بتوصيل الطلبات لمنازل العملاء متى أختلس بعضها في الطريق وهكذا

د/ عمر السعيد رمضان ، مرجع سابق ، ص 647 وما بعدها .

  الأحكام المشتركة لأوجه الائتمان فى خيانة الأمانة

تخضع العقود التي أوردها المشرع في المادة 341 من قانون العقوبات لقواعد مشتركة تجمع بينها ، كما تحكمها في مجال تطبيق هذه المادة أحكام قانونية ربما تختلف عن الأحكام التي تخضع لها في مجال تطبيق القانون المدني ، وفيما يلي نعرض لهذه القواعد وتلك الأحكام فنتناول التعداد الحصري لهذه العقود وتكييفها وحكم بطلانها واستبدالها وكيفية إثباتها.

ويلزم أن يبقي حاضراً في الذهن أن عقود الأمانة التي يجرى حديث الفقه عنها، تمتد لتشمل أوجه ائتمان ليست بعقود مثل الوديعة القانونية ، والوكالة القانونية ( وكالة الولي ) أو قضائية ( وصاية الوصي) ، وهكذا.

وإذا كانت الأحكام المشتركة للعقود في خيانة الأمانة تنصب بصفة أساسية ومباشرة على العقود المذكورة ، فإن هذه الأحكام تسرى أيضاً على أوجه الائتمان التي ليست بعقود ولكن بالقدر الذي تسمح به طبيعتها.

التعداد الحصري لعقود الأمانة

وردت عقود الأمانة في المادة 341 من قانون العقوبات على سبيل الحصر وبالتالي لا تقوم جريمة خيانة الأمانة إلا إذا كان المال المختلس أو المبدد قد سّلم بناء علي عقد منها . وتطبيقاً لقاعدة التفسير الضيق في القانون  الجنائي فإنه لا يجوز القياس على هذه العقود وإدخال عقود أخرى في مجال خيانة الأمانة .

وفي ذلك قررت محكمة النقض أنه

” من المقرر أنه لا تصح إدانة متهم بجريمة خيانة الأمانة إلا إذا اقتنع القاضي بأنه تسلم المال بعقد من عقود الائتمان الواردة على سبيل الحصر في المادة 341 من قانون العقوبات . ويترتب على ذلك نتيجة أخرى مؤداها التزام محكمة الموضوع بأن تبين في حكمها العقد الذي حصل التسليم بناء عليه حتى يتسنى لمحكمة النقض أن تراقب صحة تطبيق القانون.

ويلاحظ ما سبق قوله من أن الذي يهم هو علاقة الائتمان التي وإن كان الغالب فيها أن تنشأ عن عقد من العقود التي حصرها المشرع إلا أنها قد تقوم  بناء على نص القانون أو حكم القضاء ، الأمر الذي يؤدي إلى توسيع نطاق التجريم وعدم قصره على حالة العقود وحدها .

وعلى أي الأحوال فإن عقود الأمانة تفترض قيام علاقة تعاقدية خاصة بين أشخاص القانون الخاص ولا يجوز البحث عنها في العلاقات التي يحكمها القانون العام . فالموظف في علاقته بإدارة لا يعد طرفاً في علاقة تعاقدية أيا كان وصفها ، بل إنه يشغل مركزاً تنظيمياً وظيفياً إزاء الإدارة تنظمه قواعد القانون الإداري .

وبالتالي فإن ما يوجد في حيازة الموظف بسبب وظيفته من أموال . أو أشياء وكذلك ما يكلف بتحصيله من أموال أو رسوم لحساب الدولة بحكم وظيفته لا يعد مسلماً إليه بناء على عقد وديعة أو وكالة ولا تقع منه جريمة خيانة الأمانة إذا هو اختلس شيئاً منها ، ولكنه يعتبر مرتكباً لجناية اختلاس للمال الذي وجد في حيازته مما تنطبق عليه المادة 112 من قانون العقوبات.

تكييف عقود الأمانة

ينبغي على قاضى الموضوع أن يبحث عما إذا كان اتفاق الأطراف يعد عقد أمانة مما ورد على سبيل الحصر أم أنه يعد عقداً آخر، دون أن يتقيد في ذلك بما أضفاه عليه الطرفان بل بما انصرفت إليه إرادتهما في واقع الأمر ، والأمر ينعقد الاختصاص به للقاضي الجنائي المطروح أمامه جريمة خيانة الأمانة.

وفي ذلك تقول محكمة النقض

” إن العبرة في القول بثبوت قيام عقد من هذه العقود ( أي عقود الأمانة ) في صدد توقيع العقاب إنما هي بالواقع بحيث لا يصح تأثيم إنسان ولو بناء على اعترافه بلسانه أو بكتابته متى كان ذلك مخالفاً للحقيقة ” كما قضت أيضاً بأنه ” لمحكمة الموضوع أن تفسير المحررات على ما يتبادر من عباراتها إلى الفهم ولا معقب عليها في ذلك ما دامت عبارات المحرر تحتمل التفسير الذي أخذت به أو تؤيده.

وبناء على ما تقدم قضي بأنه

” إذا كانت المحكمة وهي في صدد بحث تهمه التبديد المنسوبة للمتهم قد فسرت العقد المقدم في الدعوى على أنه وكالة بالعمولة فإن ذلك منها يعتبر فصلاً في العلاقة القانونية القائمة بينه وبين المجني عليها ورداً سائغاً على ما ذهب إليه في دفاعه من أنه عقد بيع لا عقد وكالة “

وبأنه ” إذا أقرض شخص مبلغاً من المال لآخر وذكر في سند الدين أن المبلغ مسلم على سبيل الوديعة وذلك بقصد تهديد المدين عند عدم الدفع عند المطالبة فلا يعتبر عدم الدفع عند المطالبة تبديداً جنائياً معاقباً عليه “

وبأنه ” إذا اشترط في عقد البيع أن الملكية في المبيع تبقي للبائع حتى يجريه المشتري فإن وجود المبيع عند المشترى في فترة التجربة إنما يكون على سبيل الوديعة فإذا هو تصرف فيه فإنه يكون قد خان الأمانة.

وعلى العكس مما تقدم ، قد تنتهي المحكمة إلى انتفاء عقد الأمانة بالرغم من اعتبار المتعاقدين للاتفاق القائم بينهما أنه من عقود الأمانة

فكثيراً ما كان يحصل في العمل أن يعطي محل تجاري شيئاً منقولا بمقتضي عقد يطلق عليه ” البيع الايجاري” ، تدفع بمقتضاه أقساط بوصف أنها أجرة ، وبعد دفع كل الأقساط يصبح البيع نهائياً مملوكاً للمشترى .

وقد عرض مثل هذا العقد على محكمة النقض فاعتبرته بيعاً مقررة أنه

” إذا اعتبر قاضي الموضوع عقداً من هذا القبيل عقد بيع مستهدياً في ذلك بنصوص العقد ومستظهراً منها حقيقة قصد المتعاقدين وقت التعاقد بحيث لم يقع منه تحيف لأي نص من نصوصه ولا مسخ لحكم من أحكامه

بل كان كل ما فعل إنما هو تغليب لمعني من المعاني الواردة به على معني آخر فإن محكمة النقض لا تستطيع سوى إقرار ما ذهب إليه “

والتكييف يعتبر مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض لذا ينبغي على قاضي الموضوع أن يبين العناصر الضرورية التي استمد منها تكييفه للعقد حتى يسمح لمحكمة النقض أن تمارس رقابتها على صحة تطبيق القانون . ولا يكفي أن يبين القاضي أن العقد يحتمل أحد تكييفين قانونيين كلاهما من عقود الأمانة المذكورة على سبيل الحصر

كالإجارة والعارية مثلاً وذلك لأنه لم يبين العناصر التي استمد منها هذا الاستخلاص حتى يسمح لمحكمة النقض بمراقبة صحة هذا التكييف .

 نقض 21 مايو 1934 مجموعة القواعد ج3 ق 253 ص 332 .

ومع ذلك فإن خطأ قاضي الموضوع في تحديد طبيعة العقد لا يترتب عليه نقض الحكم إذا ثبت من الوقائع التي بينها الحكم أن العقد في تكييفه الصحيح هو أيضاً من عقود الأمانة التي ذكرت على سبيل الحصر مثال ذلك أن تعتبر محكمة الموضوع العقد وكالة بينما تكيفه محكمة النقض بأنه وديعة أو أن تعتبره عارية استعمال بينما هو في حقيقته عقد إيجار.

وإذا كان القاضي الجنائي هو المختص بتكييف العقد أو علاقة الائتمان فهو المختص أيضاً بما يتصل بذلك من دفوع مثل الحق في الحبس الذي قد يثيره الوكيل أو المودع لدية أو المقاول

أو الدفع بوجوب المقاصة في حالة الوكيل بالشروط المنصوص عليها في المادة 362 من القانون المدني ، أو الدفع بوجود حساب واجب التصفية بين الوكيل والموكل . ويطبق القاضي الجنائي في كل ما تقدم ما توجبه قواعد القانون المدني

 د/ عبدالعظيم مرسى وزير ، مرجع سابق ، ص  478 وما بعدها .

أثر بطلان عقد الأمانة علي الجريمة

جريمة التبديد وخيانة الأمانة في قانون العقوبات ( 341 )

بطلان العقد لا يحول دون قيام جريمة خيانة الأمانة :

قد يثبت بطلان العقد الذي يربط بين المتهم والمجني عليه ، والذي تسلم الأول بناء عليه مال الثاني . وأسباب البطلان عديدة :

فقد تكون نقص الأهلية أو عيب الرضاء أو عدم مشروعية المحل أو السبب . ومن تطبيقات خيانة الأمانة في حالة العقد الباطل أن يسلم شخص آخر مالا على سبيل الوكالة لكي يستأجر له مكاناً يستغله في القمار أو الدعارة ، فيبدد هذا المال ؛ أو أن يؤسس شخصان شركة باطلة فيبدد أحدهما أموال الشركة اضراراً بشريكه ؛ أو أن يودع شخص لدى آخر أسلحة غير مرخص بها أو بضائع مهربة فيبددها .

قد يقال ان العقد الباطل لا ينتج أثرا ، فيعتبر كأنه غير موجود ، ويوصف التسليم بأنه لم يكن بناء على عقد ، ومن ثم لا تقوم خيانة الأمانة . ولكن هذه الحجة غير صحيحة ذلك أن علة العقاب على خيانة الأمانة ليست ضمان الوفاء بالالتزام المتولد عن العقد حتى يكون لبطلانه تأثير على وجود هذا الالتزام ، وإنما حماية حق ملكية محله المال الذي سلم بناء على هذا العقد

وهذا الحق يظل واجب الاحترام ، جديراً بالحماية على الرغم من بطلان العقد . وقد أقرت محكمة النقض هذا الرأي، فاعتبرت الجريمة متحققة باختلاس المتهم مالاً سلم إليه لاستئجار منزل للدعارة السرية .

وقد انتقد بعض الفقهاء هذا الرأي بحجة أنه يعني تعارضاً بين القانون الجنائي والقانون المدني ، وأنه يدفع إلى تنفيذ عقد غير مشروع ( وقد يكون مخالفاً للنظام العام أو الآداب). وبالإضافة إلى ذلك ، فإن حماية القانون الجنائي لا يجوز أن تسبغ إلا على المالك الشرعي ، ولا يوصف المجني عليه بذلك إلا إذا كان حقه ثمرة عقد صحيح

ويقول د/ نجيب حسنى :

وهذا النقد في غير محله – فمن ناحية لا تعارض بين القانون الجنائي والقانون المدني ، ذلك أن الأول يحمي حق الملكية في حين يحمي الثاني العقد . ومن ناحية ثانية ، فإن ملكية المجني عليه لا توصف بعدم المشروعية ، ذلك أن مصدرها ( أي سبب اكتسابها ) ليس العقد الباطل ، وإنما واقعة قانونية سابقة عليه ، ولم يكن العقد سوى مناسبة لوجود شيء في الحيازة الناقصة لغير مالكه (20) .

د / محمود نجيب حسنى ، مرجع سابق ، ص 1150 .

 استبدال عقد  الأمانة وأثره علي الجريمة

قد يحوز شخص أشياء على سبيل الأمانة ثم يستبدل بعقد الأمانة عقداً آخر، كأن يبيع المؤجر المنقولات المؤجرة إلى المستأجر، أو يقرض الموكل الوكيل المبالغ التي حصلها ، فإذا تصرف المستأجر في المنقولات بعد ذلك أو رفض الوكيل سداد ما عليه فإن أحدهما لا يكون مبدداً .

وإنما يشترط  لكي يكون استبدال الأمانة مانعاً من تطبيق المادة 341 أن يكون قد اتفق عليه قبل وقوع الجريمة ، أما إذا لم يلجأ الأمين إلى الاستبدال إلا بعد وقوع التبديد منه وبقصد الهرب من المسؤولية الجنائية ، أو كان الدائن لم يقبل الاستبدال إلا كطريقة لإثبات حقه أو على أمل تعويض ما ضاع عليه بسبب التبديد

فإن الاستبدال لا يمنع عندئذ من قيام المسئولية الجنائية . والدفع باستبدال العقد من الدفوع  الموضوعية لاختلاط القانون فيه بالواقع فيجب إبداؤه أمام محكمة الموضوع ولا يقبل التحدث عنه لأول مرة أمام محكمة النقض .

 د/ محمود محمود مصطفى ، مرجع سابق ، ص 622 وما بعدها .

إثبات الجريمة

يقتضى إثبات الجريمة :

  1. أولا ًـ إثبات وجود العقد الذي بمقتضاه سملت الأشياء المختلسة إلى الجاني
  2. ثانياً- إثبات باقي الأركان . فإثبات الاختلاس أو التبديد والقصد الجنائي والضرر ورد الشيء المختلس يكون بكافة طرق الإثبات ، طبقاً للقواعد العامة في المسائل الجنائية

أما إثبات حصول التسلم بناء على عقد من العقود الواردة في المادة 341 ، وما قد يدفع به المتهم من حصول السداد أو التخالص أو المقاصة أو استبدال عقد الأمانة

فإن المحكمة الجنائية تفصل فيه وفقاً للقواعد المقررة للإثبات في المواد المدنية ( المادة 225 من قانون الإجراءات الجنائية ) . فإذا زادت قيمة العقد عن ألف جنية  وجب تكليف المجني عليه بتقديم الدليل الكتابي ولا يجوز قبول الإثبات بالبينة إلا في الأحوال التي يجبر فيها قانون الإثبات ذلك ،

ومن التطبيقات على هذا ما حكم به من أن المادة 215 من القانون المدني ( 63 من قانون الإثبات) تبيح إثبات العقود المدنية بالبينة في حالة وجود مانع لدى صاحب الحق من الحصول على سند كتابي ممن تعاقد معه ، وهذا المانع كما يكون مادياً يجوز أن يكون أدبياً

وتقدير الظروف المانعة في جميع الأحوال يدخل في سلطة قاضي الموضوع . فإذا رأت المحكمة من ظروف الدعوى أن علاقة القرابة بين الخصمين هي التي منعت أحدهما من أخذ سند من الآخر بالوديعة التي ائتمنه عليها فأجازت له الإثبات بالبينة فلا تصح مناقشتها في ذلك .

وحكم بأنه إذا كان هناك ورقة محررة بخط المتهم ولكن لم يوقع عليها بإمضائه تتضمن أنه تسلم الأمانة المدعي باختلاسها ، فإن للمحكمة أن تعتبرها مبدأ ثبوت بالكتابة وتقبل الإثبات بالبينة .

وقضى بأن القول بعدم تجزئة الاعتراف في المواد المدنية لا يمنع من اعتباره مبدأ ثبوت بالكتابة من جهة ما تضمنه في ناحية أو أكثر من نواحيه ، فيجوز معه الإثبات بالبينة والقرائن . وعلى كل حال فإن أحكام الإثبات في المواد المدنية ليست من النظام العام بل هي مقررة لمصلحة الخصوم فقط .

فإذا كان المتهم لم يتمسك أمام المحكمة قبل سماع الشهود بعدم جواز الإثبات بالبينة فذلك منه يعد تنازلاً عن حقه في المطالبة بالإثبات بالكتابة يمنعه فيما بعد من التمسك بمخالفة الحكم الذي قضي بإدانته في خيانة أمانة للقواعد المقررة لإثبات الحقوق

د/ محمود محمود مصطفى ، مرجع سابق ، ص 623 وما بعدها

Print Friendly, PDF & Email
عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 838

شاركنا برأيك