شروط القوة القاهرة في العقود الدولية

تعرف علي شروط القوة القاهرة في العقود الدولية في القوانين المختلفة العربية والأجنبية والتى تحدد المسئولية أو الاعفاء منها في مجال العقود الدولية المبرمة ونتعرف علي مصادر شرط القوة القاهرة

مصادر شرط القوة القاهرة

القوة القاهرة في العقود

إن من أهم مصادر شرط القوة القاهرة هو ما يتفق عليه طرفي العقد عند صياغة النص كي تكون آثاره ملزمة قبل الطرفين  . ولهذا السبب ينبغي اختيار ما هو ملائما من النصوص لتقييم الخصائص و طرق التطبيق و أثر ذلك على العقد

و يتمتع الطرفين في العقد التجاري الدولي بكامل الحرية في تبني ما هو افضل لتوفير الحماية القانونية لحقوقهم عند احتمال عدم التنفيذ بسبب تعرضهم لحالة القوة القاهرة ولضمان الحفاظ على التوازن العقدي بينهما .

فمن المعروف بأن العقد التجاري الدولي عقد ملزم للجانبين فإذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لسبب خارج عن  إرادته ، فإن التزامه ينقضي وتبرأ ذمته و ينقضي في الوقت ذاته الالتزام المقابل للطرف الآخر ، فينفسخ العقد من تلقاء نفسه

 يأخذ المشرع الكويتي بهذه القاعدة القانونية في نص المادة 215 في الفقرتين 1 و 2 من القانون المدني  الكويتي

ومفهوم القوة القاهرة نجد أصوله كذلك في نصوص التشريع الداخلي أو الدولي أو مما قدمه لنا القضاء . ولكننا نجده واسع المحتوى وأقرب إلى واقع المعاملات الدولية وظروفها في موقف العرف التجاري الدولي .

القانون الأردني :

تنص المادة 274 من القانون المدني الأردني بأن “في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا  انقضى معه الالتزام المقابل له ، و انفسخ العقد من تلقاء نفسه ، فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل  الجزء المستحيل

و مثل الاستحالة الجزئية الاستحالة الوقتية في العقود المستمرة و في كليهما يجوز للدائن فسخ العقد بشرط علم المدين “

و المعروف في هذا النص عدم وجود تعريف محدد و دقيق لحالة القوة القاهرة و اكتفى المشرع بذكر معيار ” استحالة التنفيذ ” و اعتبره عنصر أساسي في تقييم الحادث على انه حالة من حالات القوة القاهرة . و من الملاحظ أيضا أن المشرع لم يهتم بتشخيص مصدر هذه الاستحالة و ظروفها و مدى تأثيرها الخاص على تنفيذ التزامات المدين

إن موقف القانون هذا يترك المجال واسعا لسلطة القضاء لغرض تحليل الحادث و البت فيما إذا كانت الحالة موضوع الدعوى تتمتع بصفة القوة القاهرة وتقييم ما ينتج عنها من آثار على قدرة المدين بالتنفيذ .

كما أن تقييم الحادث يجب أن يأخذ بعين الاعتبار زمن وقوعه و المكان الذي حصل فيه و الظروف التي رافقته ، وهذه العناصر بحد ذاتها متنوعة و ليست ثابتة وخاصة في ظروف تنفيذ عقد البيع التجاري الدولي . وقد ينتج عن ذلك إصدار قرارات قضائية متباينة و متنوعة وقد تكون أحيانا متناقضة .

و لقد جاء النص مطلقا لمعيار استحالة التنفيذ . ولاشك انه يبقى بهذا التجريد مبهما وغير محدد المعالم ولكنه بنفس الوقت شاملا . رغم ذلك يمكننا تعريفه بأنه “ذلك الحادث الذي يجعل المدين عاجزا بشكل مطلق من إنجاز أو متابعة إنجاز التزامه بصورة دائمة أو مؤقتة “. و استحالة التنفيذ متعددة المصادر ، فقد تنصب الاستحالة على العين محل العقد . فإذا كانت تستند على سبب مادي فتسمى الاستحالة المادية Impossibilité Matérielle .

أو قد تكون ناتجة عن سبب قانوني مصدره التشريع الداخلي أو قرار السلطة فتسمى بالاستحالة القانونيةjuridique   Impossibilité  . وقد يحصل الحادث بفعل الوضع الاقتصادي العام أو الخاص بالمدين بالتنفيذ فتسمى بالاستحالة الاقتصادية Impossibilité Economique . و استحالة التنفيذ مهما كان سببها أو مصدرها تتمتع بقوة الإلزام  أمام  القضاء  إذا حدد الطرفان مضمونها ونطاقها صراحة في العقد .  و بهذه الصيغة فإننا نجدها  مدرجة دائما في الشروط التي يتناولها

العرف التجاري الدولي .ونرى فيه سببا في خلق مفهوم جديد لخصائص القوة القاهرة تنسجم مع حاجة المعاملات و العقود ذات الطابع الدولي كي تجعل الأطراف المتعاقدة أكثر اطمئنانا على مصير العقد وفي ضمان حقوقهم عند النزاع. وهذا ما سنحاول بحثه مفصلا  بعد التعرف على أثر موقف بعض القوانين الأخرى في صياغة مفهوم القوة القاهرة بشكل مباشر أو ضمنيا .

القانون السويسري : تقترب خصائص القوة القاهرة في القانون السويسري من المعايير التي جاء بها القانون الفرنسي . رغم ذلك ، أراد القانون السويسري أن يكون معيار الحادث الذي لا يمكن  مقاومته اكثر واقعية عندما جعله يتصل بمعيار استحالة التنفيذ بصورة غير مباشرة . لقد اعتبر القضاء السويسري بأن حالة القوة القاهرة هي” حدث غير عادي  ، أجنبيا يؤثر في الاستثمار – حدث غير متوقع ، لا يمكن لأحد  تجنبه حتى بعد إعطائه كامل العناية ، دون أن يعرض للخطر بالكامل الاستثمار و مال و مصير المشروع  L’entreprise، إنه حدث لم يحسب حسابه رئيس المشروع حتى وإن كان يحصل غالبا  “

انظر : Lamy contrats internationaux , La vente , Division IV, article 390 .

نجد في ذلك بأن القضاء السويسري قد طور فكرة استحالة التنفيذ و اعتبر وجود هذه الاستحالة متحققة في حالة إن  الاستمرار في التنفيذ سيعرض حتما إلى الخطر الاستثمار و الوضع الاقتصادي النهائي للمشروع شركة أو مؤسسة  . و مثل هذا الموقف يمكن أن يقودنا إلى اعتماد مفهوم نظرية الظرف الطارئ L’imprévision   التي تستند في حجتها على معيار الاستحالة الاقتصادية ، تلك التي  تجعل تنفيذ العقد مرهقا للمدين ويعرضه لخسارة جسيمة وقد تؤدي إلى إفلاسه

انظر : Conseil d’Etat, 14 juin 2000, Bulletin juridique des contrats publics, 01/11/2000, P.434-439

وقد ذهب كذلك الفقه السويسري بنفس الاتجاه حيث اعتبر الفقيه Engel

 إن القوة القاهرة هي ذلك الحدث الذي يجب أن يسبب إكراه لا يمكن تجاوزه . وهذا المعيار يقترب في مضمونه و غرضه من فكرة الحادث الذي لا يمكن تجنبه أو مقاومته Irrésistible والذي تبناه القانونين الفرنسي و البلجيكي كواحد من خصائص القوة القاهرة ، ومثل ذلك من الحوادث التقليدية هي تلك الحالة التي تجعل التنفيذ كليا مستحيلا  ،  بفعل حوادث  الطبيعة  أو الإنسان أو قرار السلطة العامة Le fait du prince   .

Engel M. : Traité des obligations en droit Suisse , p. 528 – 534 .

القانون الألماني :

تطرق القانون الألماني لحالة القوة القاهرة في قانون الالتزامات B .G .B . حيث تنص المادة 275 “

بأن يعفى المدين من التزامه من أداء العمل ، عندما يصبح هذا العمل مستحيلا نتيجة ظرف حصل منذ نشوء الدين والذي لم يكن مسؤولا عنه ” .

و موقف القانون هذا لا يشترط عدم توقع الحادث L’imprévisibilité ، وإنما يستند فقط على معيار استحالة التنفيذ . وقد وجد القضاء الألماني من جانبه  بأن استحالة التنفيذ قد تكون مادية أو قانونية أو اقتصادية و بالتالي فقد جعل من مبدأ المادة 275 من قانون الالتزامات الألماني أساسا للتمتع بمفهوم القوة القاهرة و الظرف الطارئ حسب تقديره إلى حجم طبيعة الحادث و مقدار عدم التوقع في حصوله.

القانون الإنكليزي :

لقد كانت القاعدة العامة في القانون الإنكليزي و لغاية عام 1863 تقضي بأن على أي طرف في العقد مسئولية تنفيذ كامل التزاماته العقدية ولا يتمتع بعد ذلك بأي عذر عند عدم تنفيذه للالتزام بحجة أن هذا التنفيذ قد اصبح لاحقا مستحيلا وغير ممكنا . ويرى القضاء بأنه كان على الطرفين تنظيم نتائج المخاطر ذات السبب الأجنبي ضمن العقد . و نذكر على سبيل المثال قضية Paradieu حيث قررت المحكمة ما يلي :

  • When the party by his own contract create a duty or charge upon himself “
  • , he is bound to make it good , not withstanding any accident by inevitable
  • necessity , because he might have provided against it by his contract  “

وهذا يعني إن ” الطرف الذي أنشأ بإرادته العقدية التزاما ، يفرض عليه تنفيذه ، ولا يتذرع بوجود حادث لا يمكن تجنبه ، لأن عليه توقع ذلك عند التعاقد ” .

ولقد كان موقف القضاء هذا سببا في أن تحتوي أغلب العقود على قائمة طويلة تذكر الحوادث التي تعتبر بأنها مخاطر متوقعة exepted  risks يرغب الطرف المتعاقد تجنبها . إلا أن تغييرا في موقف القضاء قد طرأ في قضية Taylor التي عرضت أمام محكمة Queen’s Bench حيث أعتبر القضاء فيها بأن – في بعض الافتراضات

انظر :   SCHMITTHOFF  M Clive , L’exportation , ses problèmes – leurs solutions ,  p. 168 , éd. Jupiter, Paris 1975

حتى وإن كان العقد لا يتضمن اتفاق صريح يسمح بإبراء الطرف الآخر من الالتزامات ، فمن الممكن تفسير هذا العقد من قبل القضاء و كأنه يحتوي ضمنيا مثل هذا الاتفاق .ولاشك إن مثل هذا الموقف يعطي سلطات تقديرية واسعة للقضاء في إمكانية إعفاء المدين .

و لم يبقى القانون الإنكليزي عند حدود معيار استحالة التنفيذ ، وإنما قدم لنا افتراضا آخر سمي بحالة الإحباط التجاري La Frustration commerciale  التي قد يتعرض لها المدين وقت تنفيذ العقد . وهي تعني حالة إخفاق المدين كليا في قدرته على تنفيذ التزاماته والتي يمكن اعتبارها سببا للإعفاء من المسئولية العقدية .

و حالة الإحباط هذه تقود إلى تحليل العقد موضوعيا و اعتباره شيئا متكاملا ، بحيث لا يتوقف فقط عند معيار التوقع أو عدم التوقع ، أو أن يكون الحادث لا يمكن مقاومته ، إنما ينبغي كذلك النظر إلى تطور الظروف المحيطة بالعقد

و أخذ جميع هذه العناصر بنظر الاعتبار كحوادث تؤدي مجتمعة إلى الإعفاء من المسئولية  .

فإذا فقد العقد غايته  الاقتصادية لطرف من أطرافه ، فهل يستوجب بعد ذلك إكراه المدين على تنفيذ العقد ؟

فعندما يفقد العقد هذه  المحصلة الاقتصادية يمكن القول بان العقد لم يعد وجوده ممكنا . وهذا المفهوم الذي جاء به القانون الإنكليزي ينسجم إلى حد ما مع حاجة العقود التي يطول زمن تنفيذها والتي تسمى بالعقود الطويلة الأمد Les contrats de longue durée

أو في عقود التوريد المستمرة . و بدون شك يبدو موقف القانون الإنكليزي هذا أكثر ملائمة لتطور المعاملات الاقتصادية أو عقود التصنيع ذات التكنولوجيا العالية التي يستهدفها تنفيذ العقد الدولي والتي يطول دائما زمن تنفيذها.

 من ناحية أخرى يبدو هذا الحل اكثر مرونة مقارنة بالمفهوم التقليدي للقوة القاهرة في القانون الفرنسي ، كما انه يقربنا من مبدأ الظرف الطارئ . مع ذلك فإن تطبيق مفهوم القوة القاهرة في القانون الإنكليزي يستوجب بعض  الافتراضات التي اعتبرها الفقه الإنكليزي سببا لاستحالة تنفيذ العقد كليا :

هنالك من الأحداث ما يكون فيها تنفيذ العقد مستحيلا بسبب تدمير عين معينة وجوهرية يقوم عليها تنفيذ العقد ، أو عندما يتضمن العقد تقديم خدمات شخصية تجعل التنفيذ مستحيلا بالوفاة أو العجز أو مرض المدين

انظر : S. 826. 839 .  3B and  1863 Caldwel  Blackbrun  J. in Taylor c

و يحصل هذا الافتراض عندما يتضمن العقد شرطا ضمنيا يكون بموجبه التنفيذ معلقا على قدرة المدين في تنفيذ التزاماته . ويسري نفس الحكم عندما يكون منع السلطات العامة تنفيذ العقد بشكل نهائي أو تتجاوز حدود الفترة الممكنة لتنفيذ العقد

 انظر : SCHMITTHOFF  M Clive , L’exportation , ses problèmes – leurs solutions ,  p. 168 , éd. Jupiter, Paris 1975.

وقد يصبح إنجاز العقد مستحيلا عندما تطرأ تعديلات في القانون الداخلي  لا تسمح للمدين بتنفيذ التزاماته ،أو إعلان حالة الحرب ، وخاصة عندما يكون أحد طرفي العقد من رعايا الدولة المعادية .

موقف القانون الفرنسي

لقد تطرق القانون الفرنسي إلى حادث القوة القاهرة و شبهها بالحادث الجبري Le cas fortuit حيث تنص المادة 1148 من القانون المدني بأن “:

ليس هنالك تعويض عن الأضرار بسبب قوة قاهرة أو حادث جبري  منعت المدين إعطاء أو عمل ما التزم به . أو القيام بعمل كان ممنوعا عليه “:

Il n’ y a lieu à aucun dommages et intérêts , lorsque , par suite d’une force majeure ou d’un cas fortuit ,

 le débiteur a été empêché de donner ou de faire ce à quoi il était obligé , ou a fait ce qui lui était interdit  .

والملاحظ من النص إن المشرع الفرنسي لم يقدم لنا تعريفا لمعنى القوة القاهرة  أو الحادث الجبري و اكتفى فقط بذكر آثارها على المدين كمانع من تنفيذ التزاماته .

كما إنه  من ناحية أخرى أهمل أن يقدم لنا معيارا يمكن القياس عليه لتقييم الحادث و ترك المجال مفتوحا أمام القضاء لتحديد عناصر القوة القاهرة . ومنح هذا الوضع للقضاء كامل الصلاحيات في تقييم طبيعة الحادث أو وصفه قوة قاهرة

حكم محكمة النقض  Cass. Com. 3 oct. 1989 , JCP 1990 , II , 21423, conclusion M. Jéol

حسب ما يحيط بظروف  الواقعة المعروضة أمامه . ولقد كان لزاما على القضاء الفرنسي أن يحدد بالتالي خصائصها و نطاق تطبيقها .eإلى إيجاد الحلول وتبنى في البداية موقفا قانونيا ثابتا بشأن حالة القوة القاهرة . وأصبح موقف القانون الفرنسي هذا يشكل ” النظرية التقليدية ”  التي يسترشد بها الكثير من القضاء في الدول  الأخرى . و رغم ما تضمنته هذه النظرية  من عناصر محددة وصارمة تكون أساسا لتقييم حالة القوة القاهرة

فإنها أصبحت أحيانا تشكل القاعدة التي تستعين بها بعض الاتفاقات العقدية في تدوين معنى  ومضمون شرط القوة القاهرة وتمييزها عن الظروف الطارئة .

أ- النظرية التقليدية للقوة  القاهرة لدى القضاء الفرنسي

إن مفهوم القوة القاهرة لدى القضاء الفرنسي يعني ” ذلك الحادث الأجنبي الذي يعفي المدين من تنفيذ التزاماته شريطة أن يكون ذلك الحادث غير متوقعا و لا يمكن مقاومته “

حكم محكمة النقض Cass. 3e civ. 24 mars 1993 , JCP , 1993 . I . 3727 , n° 12 obs. G. Viney .- Jean Pierre Gridel, note sous Civ.1, 3 juillet 2002, Bulletin, 2002,I, Le Dalloz , 3 octobre 2002, n° 34, Jurisprudence, Page 2631 – 2635.

ومن هذا المفهوم يتبين أن حالة القوة القاهرة يجب أن تتوفر فيها ثلاث عناصر أساسية ، فعندما تجتمع معا فإنها تكون قاعدة  قانونية تسمح بحماية المدين في إعفائه من المسئولية العقدية التي تنتج عند إخلاله بالتزاماته .

وقبل التطرق لخصائص القوة القاهرة في النظرية التقليدية لابد من تحليل السند القانوني الذي  يقوم عليه القضاء الفرنسي عند صنعه لهذه النظرية .

يرتكز المفهوم التقليدي للقوة القاهرة على المبدأ الذي جاء به القانون الروماني بما يتعلق بالقوة الملزمة للعقد المحلي

 Le force obligatoire du contrat . و قد تبنى القانون الفرنسي هذا المبدأ في نص المادة 1134 من القانون المدني حينما أعتبر بأن الاتفاقات التي تكونت شرعيا تكتسب حجة القانون  قبل من أنشأها .

“Les conventions légalement formées tiennent lieu de loi à ceux qui les ont faites .”

ونجد هذه القاعدة القانونية في تفسير الفقه حيث يرى بأن الأصل في العقد هو رضا المتعاقدين والالتزام على ما تم الاتفاق عليه بينهما. و ينتج عن ذلك بأنه من الصعب علي أي طرف في العقد إيجاد الوسيلة القانونية للتحلل من التزاماته العقدية . فكما يعتبر الفقيه Mazeaud  بأن هناك معيارا أخلاقيا ينشأ من التعامل بين الأطراف يقضي بأن ” من أعطى العهد عليه التمسك به ، و الوعد ينبغي تنفيذه مهما كلف الثمن “

( تقضي المادة 196 من القانون المدني الكويتي ، وكذلك المادة 147 فقرة 1 من القانون المدني المصري ، بأن العقد شريعة المتعاقدين . فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين ، أو للأسباب التي يقررها القانون .

انظر :MM. MAZEAUD  H .L.et J.  ” Leçons de droit civil ” , Tome II , n° 721 , p. 655 .

ونحن نرى إن العلاقات التجارية الدولية تخضع لمبدأ القوة الملزمة للعقد الدولي La force obligatoire du contrat international ومن خلال ذلك ، يمكن تشخيص بعض الافتراضات التالية :

 نرى في الحقيقة وجود معيارا اقتصاديا وآخر اجتماعيا يهتم بهما مبدأ القوة الملزمة للعقد ، و مفادهما أن مثل هذا العقد  ينتج أثر مزدوج يدخل في حساب الأفراد والمشروعات Entreprises الاقتصادية الخاصة أو العامة التي تبني تعاملها في الأصل على ما استقرت عليه إرادة الأطراف المتعاقدة في شكلها الخارجي volonté externe .

حيث كلما اشتد النشاط التجاري  صار من الضروري أن نطمئن إلى الظاهر  . وهذه الفكرة تستند على الثقة المشروعة التي من الواجب احترامها حتى لا تضطرب المعاملات .

فإذا كانت القوة الملزمة للعقد ترمي إلى تحقيق العدالة  والمنفعة العامة للمتعاقدين، فإن هذين المعيارين يقضيان أن تكون هذه الثقة الظاهرة والمشروعة التي يولدها العقد أساسا لقيام الالتزام

 (2) د. عبد المجيد الحكيم : المصدر السابق  ، ص 129 .

إن هذه القاعدة ما هي إلا تجسيد لمبدأ العدالة والمبادئ العامة للقانون . إلا أن تطبيقها يتعارض مع ضرورة إعفاء المدين من مسئولية عدم التنفيذ بسبب القوة القاهرة ، وكما يصعب القبول بها ليس فقط في نطاق العلاقات العقدية الدولية و إنما أيضا في حالة العقود المحلية .

ب – خواص النظرية التقليدية للقوة القاهرة

يرى القضاء الفرنسي إن ثمة عناصر ثلاثة يجب أن تتوافر حتى نكون بصدد القوة القاهرة وهي :

 حادث غير متوقع  Impévisible ،  حادث لا يمكن مقاومته (لا يمكن تجنبه ) Irrésistible ،  حادث أجنبي (خارج عن إرادة المدين) Extérieur

فعند تقدير القضاء إعفاء المدين من المسئولية العقدية  لعدم التنفيذ ، لابد أن تكون حالة ” القوة القاهرة  ، أو الحادث الجبري ” مستقلا عن إرادة الطرفين ، غير متوقعا ، وكذلك لا يمكن مقاومته. فعندما تتوفر هذه العناصر   يجوز للمدين كما يرى الفقه أن يتمسك بوجود قوة قاهرة حتى يعفى من مسئوليته

ولكن شريطة أن يكون  الحادث الذي يتمسك به المدين ناشئا بعد تاريخ سريان العقد ، و ذات طبيعة تمنع التنفيذ كليا أو جزئيا للالتزامات الناتجة عنه ، سواء كان هذا المانع مؤقت أم نهائي

CHABAS  F. ” Force majeure ” Rép. Dalloz  , droit civil , 1985 , n°  

         MAZEAUD H. L. ET J. , op. cit . n° 575 à 577 p. 517 ;

Jean Pierre Gridel, note sous Civ.1, 3 juillet 2002, Bulletin, 2002,I,

Le Dalloz , 3 octobre 2002, n° 34, Jurisprudence, Page 2631 – 2635

 LE TOURNEAU  Ph. : La responsabilité civiles , dalloz Droit Civil , 3ème Ed. 1982 , n° 708

MM CADIET et LE TOURNEAU, Droit de la responsabilité , Dalloz Action, 1998 , n° 915 .

إن تعريف القوة القاهرة بهذا المحتوى فيه خاصيتين هما :

حالتي التعميم La généralité و التجريد L’abstraction فهو تعريف عام وشامل . وهذا يعني بأنه ليس من الضروري وضع صورة مسبقة لتحديد نوعية الحوادث التي ممكن أن تعتبر حالة من حالات القوة القاهرة

 Moniteur 1982 , p. 218 . DUBISSON  M. : La négociation des marchés  internationaux

ومن ناحية أخرى يمكن اعتبار هذا المفهوم في تطبيقه ذات نطاق ضيق جدا ومقيدا لظروف موضوع الدعوى لأنه يتطلب في كل مرة تحليل فيما إذا كان الحادث يشتمل فعلا على خصائص القوة القاهرة .

و قد ينتج عن ذلك احتمال الخطأ أو عدم الدقة في  صحة تقييم الحالات المعروضة أمامنا نظرا لاختلافها وتنوع ظروف نشأتها

 ويتأكد ذلك عندما يرى القضاء الفرنسي إنه في الأصل بأن الحادث مهما كان لا يعتبر بحد ذاته حالة من حالات القوة القاهرة كقرار السلطة العامة أو حالة الحرب أو العاصفة

 C A Paris 28 fév. 1990, Gaz. Pal. 1990 . 2 . somm. 461

أو الفيضان أو ارتفاع الأسعار

Cass. 1re civ. 23 fév. 1994 , Dalloz 1995 , 214 note N. Dion

حيث تتأثر كل منها بعامل الزمن والتأريخ وظرف المكان وغيرها…

رغم ذلك نجد تطبيقات للقضاء الفرنسي في أحكامه على بعض الظواهر التي تتعرض لها المعاملات الداخلية يميل  إلى اعتبارها غالبا حالة من حالات القوة القاهرة أو أن تكون مصدرا لنشوئها فقد قضي إن  :

قرار السلطة العامة  Le fait du Prince  يكون من الطبيعي في اغلب الحالات حادث قوة قاهرة

Cass. Civ. 1er , 29 nov. 1965 : D. S. 1966 , 101

 ويرى ذات القضاء إن تقدير وجود حالة عدم التوقع للحادث الجبري يكون وقت انعقاد العقد

(Cass. Civ. 1er, 7 mars 1966 et Cass. Com. 28 fév. 1966 : J. C P 1966 , II , 14878 , note J. Mazeaud   .

يشكل الإضراب حالة القوة القاهرة إذا كانت أسبابه خارجية لا يتمكن صاحب العمل من تجنبها ، و لكن لا يكتسب الحادث خاصية القوة القاهرة إن كانت أسباب الإضراب ترجع في حقيقتها إلى خلل في النظام الداخلي للمشروع حيث يتمكن رب العمل من وضع حد له بالتنازل عن بعض الحقوق لصالح المضربين

Cass. Com. 21 nov. 1967 : J C P 1968 , II , 15462 , note Le Galcher-Baron

 ولكن الإفلاس لا ينشأ عنه حالة القوة القاهرة لصالح المدين

Cass. Civ. 15 mai 1944 : Dalloz 1945 , 15 ; Cass. Civ. 15 mai 1945 : Dalloz 1946 , 35 .

وكذلك حالة الحرب لا يمكن من حيث المبدأ اعتبارها قوة قاهرة ، إلا إن هذه الخاصية يمكن أن تنسب لها استثناء  بفعل الظروف المحيطة بها

 Civ. 2e , 26 janvier  1971: Bull. I , n° 27, p. 22 Cass.

       Cass. Com. 10 oct. 1950 : Gaz. Pal. 1951 , 1 , 20 ;

وفي بعض المعاملات الدولية نرى تحقق حالة القوة القاهرة من خلال أحكام أخرى للقضاء الفرنسي كما تكشف لنا الوقائع التالية 

تتحقق استحالة التنفيذ المادي لمحل العقد فيما إذا تعرضت البضاعة للحريق ، أو غرقت أثناء سفرها أو فقدت في ميناء المغادرة أو ميناء الوصول بسبب قصف عسكري أصاب الميناء . وقد اعتبر القضاء في مثل هذه الحالة وجود

سبب أجنبي لا يعود بصلة للبائع

 Cass. Civ. 27 fév. 1967 : Dalloz 1967 , p. 415 ; TGI Paris 17 oct. 1973 : Gaz. Pal. 5 mars 1975 ; Cass. Civ. 1e 2 juin 1982 : J C P 1982 , IV , p. 285 ; Gaz. Pal. 14 dèc. 1982 .

ويعتبر العقد منقضيا بحكم القانون وبالتالي إعفاء الدائن من ضرورة تقديم  دعوى فسخ العقد

 dr. civ. 1982 , 398 , obs. Chabas F. ;  Cass. Com. 16 juil 1980 : Rev. trim.

       Cass. Com. 28 avril 1982 : Bull . civ. IV n° 145 ; Rev trim. dr. civ. 1982 , 340 .

Gasette de Palais 1998 , n° 78 , Page 18 , Note sous Civ.2, 19 fevrier 1997, Bull 1997, II, n° 56,P.32 ; 1ere Civ. – 18 Octobre 2005 , BICC n° 633 du 1er fevrier 2006.

وبعض أحكام القضاء الفرنسي ترى أنه لا يحق للمشتري المطالبة بتسليم البضاعة نظرا لوجود قرار يمنع تصديرها ،حيث اختلفت ظروف التسليم عن تلك التي كانت في تاريخ الاتفاق

 Trib. Com.  Marseille : 16 janv. 123  : Rec. Marseille 1924 , 250 .

Cass. Civ. 3 juin 1929  : Gaz. Pal. 1929 , 2 , 277 ; Sirey 1929 , 1 , 265 .

وقد يتمسك القضاء بالنتائج المباشرة للحرب واعتبارها قوة قاهرة . مثال ذلك احتلال العدو لبلد آخر تجعل فيه التاجر المدين بالتنفيذ في حالة استحالة مطلقة أن يستمر  في نشاطه الصناعي أو التجاري

Trib. Com. Seine 16 nov. 1917  : Gaz. Pal. 1916 / 1917 , 1032 .

أو تعليق حركة النقل كغلق شبكات السكك الحديدية

Trib. Com. Marseille 15 mai 1918 : Rec Marseille 1918 , 1 203 ; Trib. Com. Nantes , 30 oct. 1924  : Gas. Pal. 1925 , 142  .

وهناك أحكام قضائية مغايرة ،حيث  اعتبرت أن قرار السلطة العامة الذي استهدف مصادرة البضاعة محل

 العقد

 Cass. Com. 16 juin 1953 : Bull. Civ. III, n° 221 .

أو إلغاء إجازة الترخيص

Cass. Com. 18 juin 1958 : Bull. Civ. III , n° 257 .

لا يعفي المدين من تنفيذ التزاماته التعاقدية .

بل قضي أنه كل عمل ناتج عن الحرب لا يعتبر بحد ذاته غير متوقع أو بأنه لا يمكن مقاومته ولا يمكن  تجاوزه

وهذا الموقف القضائي ينسجم مع المبدأ العام بأن “حالة وجود الحرب المعلنة رسميا لا تمنع بحد ذاتها تنفيذ  العقد ، إنما ما يترتب على هذه الحرب ” من نتائج تحول دون تنفيذه مثل غلق الموانئ أو المصانع …

Trib. com. Paris 23 juin 1977 : Gaz. Pal. 1, Somm. 273 .Cass com 2 août 1948 : Bull. Civ. II , 1948 n° 212  TUNC  A. Colloque d’ HELSINKI 1960 : Problèmes de l’inexécution et la force majeure dans les contrats de vente internationale , Discussions , p. 255 .

إن هذا الموقف للقضاء الفرنسي في تكييف حالة القوة القاهرة له ما يبرره في نطاق علاقات القانون الداخلي، وهو يهدف بالأساس إلى حماية السوق المحلية والمستهلك و لغرض تقليل إمكانية الموردين من التحلل من المسئولية العقدية لعدم التنفيذ إلى أقصى ما يمكن وذلك لضمان استقرار المعاملات التجارية المحلية .

إلا أن تطبيق هذه النظرية التقليدية  يكشف عن وضع قضائي متغير ومتفاوت نسبيا في صحة الأحكام بسبب تعدد الحالات التي تمنع تنفيذ الالتزامات و تنوعها . ومثل هذا الاحتمال يمكن أن يتضاعف في نطاق العلاقات العقدية ذات الطابع الدولي حيث تتميز بمعوقات خاصة اكثر تعقيدا تتجاوز في طبيعتها ومصدرها العقود المحلية أو قد لا يكون مثلها موجودا في ظروف تنفيذ العقد المحلي.

إن صرامة مفهوم القوة القاهرة عند القضاء الفرنسي يجعل نطاق تطبيقه ضيقا و مقيدا لأنه يفرض في كل مرة تحديد فيما إذا كان الحادث موضوع الدعوى يتضمن فعلا العناصر المكونة للقوة القاهرة .ومن مساوئ ذلك هو أن تتعرض الحماية

القانونية اللازمة للمدين بالتنفيذ للانتقاص حيث هناك كثير من الوقائع المانعة من تنفيذ الالتزامات العقدية الدولية ، أما بصورة مؤقتة أو بشكل نهائي ، لا تجمع خصائص القوة القاهرة

كما يشدد عليها القضاء الفرنسي رغم أن مثل هذه الحالات المفاجئة لا يمكن مقاومتها و إنها مستقلة تماما عن إرادة المدين ، أي أنها راجعة إلى سبب أجنبي لا يد لأحد المتعاقدين في نشأتها ، إلا إنها تعتبر أحيانا متوقعة الحدوث في تقدير رجال الأعمال و القضاء .

نأخذ مثلا الاستحالة القانونية L’impossibilité juridique التي تمنع المشتري في العقد الدولي تنفيذ التزاماته . و يحصل ذلك عندما يتعرض للموانع الإدارية المتعلقة بتعليمات الاستيراد أو إصدار الأذونات الرسمية في كثير من الدول بنقل العملات اللازمة لتسديد الثمن

و غير ذلك من القرارات الظرفية التي تفرضها السلطة التشريعية أو التنفيذية وتكون بلا شك مصدر لنشوء الاستحالة القانونية . وهي تتعارض أيضا مع مبدأ “القدرة المستقلة ” للمدين بالوفاء وإمكانية تنفيذ الالتزامات في العقود الدولية . فهل من الجائز التساؤل فيما إذا كانت مثل هذه الوقائع تنشئ فعلا معيار الاستحالة في تنفيذ الالتزام كما تطرقت إليها بعض القوانين الداخلية

انظر نص المادة 247 من القانون المدني الأردني

و التي اعتبرتها قوة قاهرة و سببا معفيا من المسئولية لعدم التنفيذ ؟

رغم ذلك ، قدمت إحدى لجان التحكيم الدولي حكما مغايرا  لهذا الافتراض حينما استندت فقط على خصائص المفهوم التقليدي للقوة القاهرة ، معتبرة أن المدين لم يقدم الإثبات في الدعوى بتوفر العناصر الثلاثة للقوة القاهرة وهي

( سبب أجنبي ، لا يمكن مقاومته ، و غير متوقع ) وعليه لا يتمكن المدين بالتنفيذ التمتع بشرط الإعفاء من المسئولية التي جاءت بها الفقرة (1-18) من العقود المبرمة بين الطرفين . أما  الدفع بأن البنك المركزي … لم يضع تحت تصرفه العملات الأجنبية اللازمة لتسديد الفواتير ، فإنها لا تنشأ حالة القوة القاهرة

لحكم  الصادر عن محكمة التحكيم للغرفة التجارية الدولية – باريس

Affaire 3093 : 3100 , 1979 : Clunet 1980 , p. 954       .

من الجائز أن يتعرض هذا الحكم إلى النقد إذا علمنا عدم توفر إهمال أو تقصير متعمد يمكن أن ينسب إلى المدين بالتنفيذ .

فإذا كان القرار الصادر عن السلطة المخولة رسميا بتحويل العملات الصعبة تمنع المدين من تسديد الثمن ، أو تجعل مستحيلا استلام المبيع كغلق ميناء الوصول مكان استلام البضاعة ، فهذا يعني بأن الحادث الذي يجابه المدين لا يمكن مقاومته و لا يسعه تجنبه و يجعله عاجزا تماما و غير قادر على تجاوزه .

أليست هي في طبيعتها وقائع غير عادية و مستقلة عن إرادة المتعاقد ؟ و من ناحية أخرى كيف نتصور بأن الدائن سيتمكن من استيفاء التعويض من المدين بسبب عدم تنفيذه العقد  ، كما إن كسبه دعوى التعويض ليس ضمانا كافيا لتنفيذها .

فمن الخطأ التصور بأن السلطات المالية ستوافق على دفع مبلغ التعويض للدائن ” التاجر الأجنبي ” التي ترتبت على المدين بالتنفيذ في بلدها في الوقت الذي منعت فيه تسديد الثمن  بالعملات الأجنبية لقيمة أصل العقد الذي سبق أن منحته  التخويل الرسمي ‘autorisation   و الموافقة على إبرامه .

و يتميز العقد الدولي بمعيارين أساسيين لهما آثارا مباشرة وغير مباشرة على مبدأ سلطان الإرادة في حرية تكوين العقد وكذلك في تخمين وتقدير نوع الظروف والصعوبات التي سترافق شروط تنفيذه  وهما :

أولا  :  المعيار الاقتصادي  Le critère économique  :

و يمكن استنتاج  هذا المعيار في عقد البيع الدولي عندما نرى انتقال البضاعة محل العقد وتجاوزها حدود الدولة الواحدة  ، وكذلك تحويل مبلغ العقد لتسديد الثمن .وقد عبر القضاء الفرنسي عن هذا المعيار في غرضه الاقتصادي بأنه ” يحقق تدفق البضاعة و عودة قيمتها بالمقابل إلى ما بعد الحدود “

Un flux de marchandises  et  reflux de valeurs  au  déla des frontières 

Cass. Civ. 17 mai 1927 : Dalloz 1928 , I , p.  25 , note Capitain H. ; G. P. 1927 , 2 , 173 ; Cass. Civ. 4 mars 1964 : G. P. 1964 , 2 , 223 .

إن حرية انتقال الثروات بين المجتمعات الدولية لها أولا ضروراتها الإنسانية بالإضافة إلى الحاجة الحضارية  . فمن الطبيعي أن تتسم العلاقات التجارية الدولية بحركة متبادلة للأموال الاقتصادية  بكل أشكالها . لكنها تبقى مشروطة بما ينتج عنها أولا من توازن اقتصادي يخدم الدخل القومي للبلد ذات العلاقة  . وبالتالي فهي تكون خاضعة لضوابط فنية وقواعد قانونية لا يمكن تجاهلها من قبل الطرفين عند تحرير بنود العقد الدولي .

 كما إن هذا المعيار الاقتصادي  يستلزم تحقيق التوازن العقدي بين الطرفين  L  équlibre  contractuel عندما يتم الاتفاق على صياغة شروطه . ومفاده بأن ما يترتب من التزامات  مادية على أحد طرفي العقد ينبغي أن ينشأ ما يعادلها بحق الطرف الآخر من حقوق والتزامات . وينتج تبعا لذلك آثارا اقتصادية متوازنة لصالح كل واحد منهما .

فالتوازن العقدي هو ضمان التوازن الاقتصادي  équlibre  économique  L’ الذي أهم ما يجب أن يحققه العقد هو وقت تحقيق تنفيذ كافة البنود الواردة فيه .

ثانيا  : المعيار القانوني  Le critère juridique  :

وبموجبه يخضع العقد في أحكامه إلى قواعد قانونية تنتمي إلى تشريعات دول متعددة

 Loussouarn Y. et Bredin  J. D. ” Droit du commerce hnternational ” Sirey 1969 , n° 511 et 556 ;

وهذا  يفسر بأن عناصر العقد الدولي ممكن أن ترتبط بأكثر من نظام قانوني وقضائي تخضع لاختصاصه ، إذا ما أخذنا بالاعتبار بعض العوامل مثل مكان إبرام العقد و مكان تنفيذه و جنسية الطرفين المتعاقدين  و محل إقامتهم و منشأ البضاعة

(Batiffol H. ” Contrats et conventions ” , Encyclop. Dalloz – droit international ” , n° 9 , P. 564 .

 والمعيار القانوني له أيضا أهمية جوهرية تؤثر على حياة العقد الدولي لأنه يقرر مصير وضمان تطبيق شروطه وقت التنفيذ أو بشكل خاص بما يتعلق بحالات النزاع القانوني التي قد تنشأ لاحقا بين الطرفين لعدم التنفيذ .

ومن المعروف بان اغلب التشريعات القانونية لن تنظم لنا مثلا حالة القوة القاهرة ، و منها من لا يعترف كليا بمبدأ  الظرف الطارئ L’ imprévision  . و موقف التشريعات الدولية  هذا قد يكون طبيعيا إذا علمنا بان لكل بلد قواعده التشريعية الخاصة به و قانونه الذي يعكس دائما فلسفة ومفهوما للعدالة تتفق مع خصوصية ظروفه

 Goldman V. , note sous Paris 19 juin 1970 : J. C. P. 1971 , II , 16927  Batiffol  H. et Lagarde  P  : Traité de droit international privé , L. G. D. J. , T.II , n° 

إلا إن هذا الموقف يتعارض أحيانا مع ما يتطلبه التعامل التجاري الدولي و ما تمليه الحاجة من قواعد قانونية و شروط خاصة  أقرها العرف ينبغي أن يحتويها العقد في مجال العلاقات التجارية الدولية كشرط القوة القاهرة حينما يصبح تنفيذ العقد مستحيلا، وكما هو أيضا في حالة الظروف الطارئة أي عندما يكون تنفيذ العقد مرهقا لأحد أطرافه حيث يتعرض العقد أيضا لاحتمال عدم التنفيذ .

و برأينا إن العقد الدولي يجمع في آن واحد بين المعيارين الاقتصادي و القانوني ، ولهما آثار جوهرية على بناء العقد الدولي . و بناء على ذلك فان تحرير العقد و تحديد عناصره ينبغي أن يأخذ بالاعتبار أهمية الجانب الاقتصادي  والتقيد في تحديد الأطراف المستفيدة منه ، وكذلك تثبيت النظام القانوني الذي سيحكم العقد عند التنفيذ وعند النزاع المحتمل أو عند الحكم في صحة وشرعية الشروط الواردة فيه .

النظام القانوني الحديث للقوة القاهرة

القوة القاهرة في العقود

اتفاقية فيينا 1980

1-         لم يتطرق المشرع الدولي صراحة لمفهوم القوة القاهرة ، لكنه تدارك وجود مثل هذه الحوادث ضمن هذا المفهوم وما ينتج عنها من آثار . ولقد تناولها بشكل غير مباشر عندما تطرق لأحكام الإعفاءات من المسئولية عند عدم تنفيذ العقد .حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 79 من اتفاقية فينا لعام 1980 بشأن عقود البيع الدولي للبضائع بما يلي :

” لا يسأل أحد الطرفين عن عدم تنفيذ أي من التزاماته إذا ثبت إن عدم التنفيذ كان بسبب عائق يعود إلى ظروف خارجة عن إرادته و إنه لم يكن من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذ العائق في الاعتبار وقت انعقاد العقد أو أن يكون بإمكانه تجنبه أو تجنب عواقبه أو التغلب عليه أو على عواقبه .

” إن تحليل هذا النص يقودنا إلى استنتاج خصائص الحادث كما يراها المشرع الدولي  والتي  يمكن بموجبها إن اجتمعت إعفاء المدين من مسئوليته لعدم تنفيذ التزامه و اعتبار ذلك حالة من حالات القوة القاهرة .و هذه الخصائص هي :

أن يكون الحادث أجنبي أي خارج عن إرادة الطرفين . وأن يكون الحادث غير متوقع وقت انعقاد العقد . وقد أراد المشرع قياس عدم التوقع بصورة معقولة  Raisonnableادراك الحادث ولا يمكن تجاوز هذا الحادث أو تجنبه إن وقع .

ومن الملاحظ على ذلك أن المشرع الدولي لا يشترط بأن ظروف الحادث التي منعت التنفيذ يجب أن تحصل بعد إبرام العقد ، حيث من الممكن التمسك بمبدأ الإعفاء من المسئولية لحادث القوة القاهرة حتى وإن وجدت جذوره في وقت يسبق انعقاد العقد . و لقد اعتمد المشرع الدولي لتحقيق هذه القاعدة على نية الطرفين عند إبرام العقد

حيث يتمكن أي طرف منهما أن يدفع بإعفائه من المسئولية إذا أثبت إن عدم التنفيذ كان بفعل الظروف التي لم يأخذها بعين الاعتبار عند التعاقد ولا يتمكن تجنبها أو تجاوزها أو ما ينتج عنها من آثار . وبهذا فإن المشرع الدولي يتجاوز في مفهومه نطاق تطبيق القوة القاهرة المعمول به في مبدأ القانون الداخلي الذي أعتمد النظرية التقليدية للقضاء الفرنسي

وإنه يقترب نوعا ما من القوانين التي أخذت بمعيار استحالة التنفيذ أيا كان مصدرها لتقييم الحادث كقوة قاهرة . وهذا ما يفسر موقف المشرع الدولي عندما تجاهل النص بشكل صريح في اتفاقية فينا 1980على معنى حادث القوة القاهرة .

ويمكن أن نجد لذلك موقفا متشابها لدى المشرع المصري عندما اعتبر استحالة التنفيذ سببا من أسباب انقضاء المسئولية العقدية ، حيث تنص المادة 373 من القانون المدني بأن ” ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به اصبح مستحيلا عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه “

نظر كذلك نص المادة 425 ق م عراقي .

 وإذا كان نافعا الأخذ بمبدأ استحالة التنفيذ في تقييم حالة القوة القاهرة ، فقد لا يتضمن الحماية اللازمة لحقوق رجال الأعمال في معاملاتهم الدولية إلا بعد تشخيص مضمون هذه الاستحالة من قبل المتعاقدين.

تنوع صياغة القوة القاهرة

يحتل مبدأ سلطان الإرادة مكانا مهما في العقد التجاري الدولي .فإذا افترضنا بان على الطرفين إخضاع العقد إلى أحكام قانون معين واجب التطبيق ، فانهما بدون شك يتمتعون بكامل الحرية في الاتفاق على محتوى شرط القوة القاهرة و اختيار النص الذي يبدو لهم اكثر ملائمة و منفعة لحماية حقوقهم .وهذا الحل يتطابق مع القاعدة القانونية التي تجيز أن يتضمن العقد أي شرط يرتضيه المتعاقدان  ، إن لم يكن ممنوعا قانونا أو مخالفا للنظام العام وحسن الآداب

المادة 175 من القانون المدني الكويتي

فليس على طرفي العقد إلا تحديد مضمون هذا الشرط عند تحرير العقد لمعرفة آثار تطبيقه . وقد يلجأ الطرفين إلى نموذج بند مفضل درج عليه العرف التجاري . وفي كل الأحوال ، يجب أن يحقق مثل هذا الشرط المتفق عليه على قدر مهم من التوازن العقدي الضروري لمصالحهما و حماية حقوقهما عند احتمال عدم تنفيذ العقد .

و بشكل عام يمكن تشخيص أنواع متعددة لشرط القوة القاهرة ، تختلف في صرامتها تبعا لطبيعة العلاقة العقدية أو ما تتطلبه من مرونة يهدف منها الحفاظ على الرابطة التجارية و العلاقات العقدية المستمرة بين المتعاقدين في العقود الدولية . و هكذا فان الحادث المفاجئ يصبح ذلك الحادث الذي لا يمكن تجاوزه عندما نستعمل من الوسائل و الكلفة ما يكون غير معقولا .

و يصح ما ورد في رأي الفقهاء بأنه من الفائدة ملاحظة إن كافة الحوادث التي تعترض تنفيذ العقد يمكن تجاوزها أحيانا إذا وضعنا لها الأموال الضرورية ، أما المعيار الاقتصادي الذي يقيد منفعة مشروع المتعاقد فانه لا يجوز استعمال أية وسيلة مهما تكن كلفتها ، إنما ينبغي  أن تكون  الالتزامات المادية  ما يمكن تحملها دون إن تقود بالمدين العاجز عن الوفاء بالتزاماته إلى تعطيل عمل مشروعه بالكامل

KAHN Ph.. : Force majeure et contrats internationaux de longe durée , Clunet 1975 , p.477.

هنالك ثلاث أنواع أساسية يمكن بموجبها صياغة شرط القوة القاهرة . و لطرفي العقد حق اختيار نوع الصياغة التي تقدم لهم التعريف المتكامل بحيث يغطي المفاجئات التي تعترض ،حسب تقديرهم ، ظروف تنفيذ التزاماتهم .

1- الشرط ذات التعريف العام للقوة القاهرة

يتمكن طرفي العقد إعطاء تعريف عام للحدث الذي سيعتبر حالة من حالات القوة القاهرة . وهذا الاختيار  ما هو  إلا تطبيقا لما جاء به النموذج التقليدي لتعريف الحادث الجبري . و تتميز هذه الصياغة ببساطة النص وضرورة تسهيل محتوى شروط العقد في المعاملات الدولية . و الشرط التالي يعطينا مثالا لهذا الأسلوب :

” يقصد بالقوة القاهرة كل عمل أو حادث غير متوقع ، لا يمكن التغلب عليه يعود إلى ظروف  خارجة عن إرادة الطرفين ، و لا يمكن لهما تجنبه رغم  الجهود الممكنة و المعقولة  ” :

On entend par force majeure pour l’exécution du contrat tout acte ou événement imprévisible , irrésistible , hors du contrôle des parties et qui ne pourra être empêché par ces dernières malgré des  efforts raisonablement possibles

انظر نماذج الشروط العقدية التالية :  Les conditions générales de livraisons de l’équipements mécanique , n° 574 A Les conditions générales de vente-achat de bois conifère , n° 410 .

و لكي يحقق التعريف العام لشرط القوة القاهرة التوازن بين مصلحة طرفي العقد ، ينبغي أن يأخذ بالاعتبار كافة الظروف التي تهم طرفي العقد حين تقييمها لخصائص الحالة الجبرية . إلا انه من الملاحظ في نماذج العقود الجاهزة ، أن هذه الصياغة دائما تكون لمصلحة المجهز أي البائع دون أهمية لمصلحة المشتري .

و مثال على ذلك نص الشرط التالي :

” تعتبر حالة من حالات القوة القاهرة كل الحوادث مهما كانت  طبيعتها ، خارج السيطرة المعقولة (للبائع ) ذات طبيعة تعوق أو تؤخر تنفيذ البيع ” :

Seront considérés comme cas de force majeure tous les événements de quelque nature

qu’ils soient , en dehors du contrôle raisonable du ( vendeur) de nature à entraver ou

 à retarder l’exécution de la vente

و لغرض الحفاظ على التوازن العقدي ، ينبغي عدم إعطاء تعريف للقوة القاهرة ذات ميل لطرف واحد أو تحقيق

مصلحة أحد طرفي العقد دون الآخر . فهنالك من الأحداث التي تعرقل تنفيذ الالتزام سواء من جانب البائع أو من جانب المشتري ، حيث أن لكل طرف الظروف الخاصة به التي ترافق تنفيذ التزاماته العقدية الدولية . و بالتالي فان صياغة الشرط يجب أن تعطي تعريفا محايدا لحالة القوة القاهرة كما هو في نص الشرط التالي :

”  يقصد بالقوة القاهرة أو الحادث الجبري ، كل حادث مستقلا عن أي خطأ أو أي عمل لطرفي العقد غير متوقعا له ، يجعل تنفيذ التزامات المتعاقدين مستحيلا بشكل مطلق فيما عدا  تلك الحوادث التي تجعل التنفيذ اكثر صعوبة أو اكثر كلفة  ” :

Par cas de force majeure ou par cas fortuit , il faut entendre tout événement qui idépendement de toute faute ou de tout fait de la parties , et de façon imprévisible pour elle rend absolument impossible l’exécution des obligations contractuelles , à l’eclusion des événement qui rendent cette exéction plus difficile ou plus onéreuse) .

ومن الملاحظ على هذا الشرط  شموله لطرفي العقد على السواء، ولكن تعريف القوة القاهرة يتمسك أيضا  بنفس الخصائص التي جاءت بها النظرية التقليدية .

فهو لا يمثل حلا مرضيا  للمتعاقدين في إطار العلاقات التجارية الدولية ،حيث هنالك الكثير من الظروف التي هي حادث جبري ، لا يتم اعتبارها إلا بصورة ضيقة و محددة ، إنها قد تعرض حماية حقوق المدين إلى خطر تحمل المسئولية رغم وجود الحادث الذي كان سببا فعليا في منع المدين تنفيذ التزاماته

( 3 ) و من ناحية أخرى فإن احتمال إلغاء العقد يبدو أكيدا بمجرد تخلف أحد عناصر القوة القاهرة لهذا التعريف التقليدي الضيق ،ولا يدع أية فرصة للحفاظ على العقد لفقدانه أية وسيلة  تسمح  بالتفاوض في إعادة توازن العقد.

ومن الشروط ذات المضمون الشامل نجد النص التالي :

” يعد من قبيل القوة القاهرة كل حادثة اتفق عليها القضاء واعتبرها قوة قاهرة “

وهذا الشرط  غير دقيق و جاء مطلقا في مضمونه. كما أنه بتقديرنا حلا لا يخلو من المخاطر ولا يؤمن مطلقا الحماية اللازمة لطرفي العقد عندما يتعرض أحدهما باستحالة تنفيذ التزاماته العقدية .

وإن مجرد الإشارة إلى ما وافق عليه القضاء لتقييم الحادث  باعتباره قوة قاهرة  ، فانه ليس واضحا حيث لا يسمح بمعرفة أي قضاء يقصده هذا الاتفاق . و من المعروف أن موقف القضاء الدولي ليس موحدا و لكل له نظريته الخاصة التي يستند عليها في تقييم حالة القوة القاهرة .

و من المفضل إذن أن لا يتعرض طرفي العقد إلى مثل هذا الغموض في صياغة شروطهم العقدية . كما أن عليهم الابتعاد عن قيود النظرية التقليدية لمفهوم القوة القاهرة . فما عليهم إذن إلا إعطاء تعريفا

وإن كان عاما ، إلا أنه يجب أن يقلل من صرامة معيار اعتبار الحادث الذي يعتبر غير متوقعا Imprévisible كما هو واضح في الشرط التالي :    ”  يقصد بالقوة القاهرة في تنفيذ العقد كل الحوادث مستقلة عن رغبة الطرفين غير متوقعة  ، أو إن كانت متوقعة ، لا يمكن تجنبها

إن مثل هذا الاتفاق الذي يرمي إلى تعديل المفهوم التقليدي للقوة القاهرة ، يتطلب تقييم عدد كبير من الحالات التي ممكن أن تكتسب صفة القوة القاهرة . وهذا الحل يدع المجال واسعا لشمول عدد كبير من الحالات التي ممكن أن تندرج تحت أحكام القوة القاهرة . ولكن رغم المرونة التي يمنحها التعريف العام لشرط القوة القاهرة

فان نطاق تطبيقه يعود أخيرا لتقدير القاضي المختص عند النزاع ، حيث له كامل سلطة التقدير للحكم فيما إذا كان الحادث أو الحوادث التي تعيق المدين من تنفيذ التزامه ممكن اعتبارها أو عدم اعتبارها حوادث جبرية . و بما أن ذلك هي مسألة وقائع فقد تكون النتائج غير أكيدة و غير مرضية لضمان حقوق  الطرفين .

2- شرط يعدد حالات القوة القاهرة Par Enumération

إنه إجراء بسيط يتضمن بأن يتفق الطرفين عند صياغة نص الشرط على ذكر الحوادث بالتحديد ، تلك التي يعتبرونها إن وقعت عند تنفيذ العقد حالة من حالات القوة القاهرة . وهذا الأسلوب يفرض على المتعاقدين التفاوض بجدية

بهدف التوصل إلى الاتفاق الذي يسمح بتحديد تلك العوائق التي قد يتعرض إليها كل منهما وقت تنفيذ العقد .ومثل هذا التطبيق يمكن أن نلاحظه في نص الشرط التالي :

 ” اتفق الطرفان بأن الحوادث التالية هي حالة من حالات القوة القاهرة ، الحرب ، التمرد ، الحريق ، الفيضانات

الهزات الأرضية ، و غيرها من الكوارث الطبيعية ” :

Les parties retiennent d’un commun accord comme cas de force majeure les événements

suivants : guerre , rébellons , incendie , innondiations , tremblements de terre et autre   calamités naturelles

وهذا النوع من الشرط يمثل في الحقيقة النموذج  الذي اقترحه و أوصي به القانون الإنكليزي ، حيث أنه لا يأخذ مباشرة بفكرة القوة القاهرة . كما أن مثل هذا النص يحقق من ناحية أخرى رغبة القضاء الإنكليزي الذي يتقيد حرفيا بما عبرت عنه إرادة الطرفين والنية المعلنة صراحة في العقد دون الحاجة في البحث عن سواها  .

ولاشك بأن صياغة الشرط بهذا المضمون يقدم من حيث المبدأ ضمانا أكيدا لمعرفة حدود مسئولية المدين العقدية و نطاق تمتعه بقاعدة الإعفاء عن المسئولية عند عدم التنفيذ

دون أن يدخل طرفي العقد في نزاع قانوني قد يكون باهظا و غير  أكيد في نتائجه أو يأتي بآثار سيئة على ديمومة العلاقات التجارية بينهما . إن هذا الشرط لا يترك لتقدير القاضي مهمة تقييم الحادث.

أما الاتفاقات العقدية التي تحدد حالات القوة القاهرة ، فأنها تأخذ شكلين رئيسيين. و يرجع لطرفي العقد حرية

الأخذ بذلك الشكل الذي يرونه مناسبا .

أ –  التعداد المحدد بالذات للقوة القاهرة

بموجب هذه الصياغة ، يجهز الطرفان قائمة بالحوادث على سبيل الحصر التي من الممكن أن تحدث أو يقدران وقوعها بأن لو حصلت فأنها تنشأ الحادث الجبري الذي يمنع تنفيذ العقد .

ومن محاسن هذا الاتفاق أنه يستبعد كل نقاش لاحقا لأي حادث قد يطرأ فيما بعد لم ينص عليه الشرط صراحة في العقد . ومن الجدير  بالذكر أن على طرفي العقد أن لا يغيب عن ذاكرتهم النص على كافة الحوادث التي تجعل تنفيذ التزاماتهم مستحيلا .

على البائع مثلا أن يذكر كافة الحوادث التي تهدد نشاط مشروعه ، كتلك التي تنشأ بقرار من السلطة العامة أو تحصل بفعل الأزمات الاقتصادية وكذلك الكوارث الطبيعية وغيرها من الكوارث ذات أثر يجعل تنفيذ التزامه بتسليم المبيع مستحيلا .

وعلى المشتري أن يحدد أيضا نوع الحوادث التي تعيق تنفيذ التزامه باستلام المبيع وكذلك  تلك التي تتصل بدفع مبلغ العقد . ومثال ذلك قرارات منع الاستيراد أو منع تحويل العملات الأجنبية أو غلق ميناء الوصول …. وبمعنى شامل ، ينبغي على طرفي العقد ذكر كافة أنواع الحوادث التي تكون سببا في إثارة المسئولية العقدية لعدم التنفيذ حسبما يرونه نافعا وضروريا لضمان حقوقهم .

ومن مزايا هذا الشرط الذي يحدد حالات القوة القاهرة  هو :

– أن يتمكن البائع الاتفاق على إن حالة الإضراب في منشآته يمكن اعتبارها قوة قاهرة . ومثل هذا النص قد يكون تطورا مهما و عنصرا يساهم في تكوين المفهوم الحديث للقوة القاهرة يستند على مبدأ سلطان الإرادة للمتعاقدين في العقود الدولية .  ولاشك أن هذا الحل يتعارض مع المواقف المتشددة حاليا لكثير من التشريعات المحلية التي لا تعتبر الإضراب سببا معفيا من المسئولية العقدية للمدين عند عدم التنفيذ .

وحتى إذا نظرنا إلى موقف القضاء الفرنسي فإنه محترسا كثيرا في هذا الجانب حيث يدعو إلى تحليل حادث الإضراب بشكل متعمق لتقييمه فيما إذا كان حالة من حالات القوة القاهرة  . أما في الدول ذات الاقتصاد الموجه ، فمن الصعب غالبا القبول بفكرة الإضراب ذاتها ، فكيف الموافقة على تحمل نتائجها واعتبارها قوة قاهرة .

–  إمكانية الاتفاق بين طرفي العقد على اعتبار تدخل السلطة العامة في المعاملات التجارية سببا لإعفاء المدين من المسئولية عند عدم التنفيذ . إن كثير من القرارات السياسية و الصحية  و الاقتصادية ما يؤثر سلبيا على حياة العقد أو قد تعطله نهائيا وتجعل تنفيذه مستحيلا .

وقد يحصل ذلك بسبب الفوضى السياسية و الاقتصادية لذلك البلد الذي يكون المتعاقد أحد رعاياه . رغم ذلك ، ليس صحيحا إطلاق القاعدة باعتبار قرار الدولة في كل الافتراضات حالة من حالات القوة القاهرة . فعندما تكون الدولة نفسها طرفا في العقد وذلك في العقود الدولية التي تبرمها من خلال مؤسساتها في عمليات الاستيراد أو التصدير

فإنه لا يحق لها الدفع بعدم المسئولية لعدم التنفيذ كما حصل في المثال التالي حينما أجازت إحدى الدول عقد تجهيز مع دولة أخرى . ولقد تضمن شرط القوة القاهرة حالة قرار السلطة العامة  Le fait du Prince يعد سبب معفيا  لمسئولية المدين بالتنفيذ

ولقد  أصدرت الدولة المجهزة فيما بعد قرار  اقتصادي يترتب على تطبيقه جعل تنفيذ العقد مستحيلا. وتطبيقا لشرط القوة القاهرة  الذي ورد في العقد ما كان إلا إعفائها من المسئولية إضرارا بالمتعاقد الآخر

إنه من غير الصحيح القبول على اعتبار قرار السلطة حالة من حالات القوة القاهرة عندما يتعلق الأمر بالعقد الذي يكون فيه أحد مشروعاتها ، شركة أو مؤسسة ، طرفا في هذا العقد بشكل مباشر أو من خلال الغير .

إن ذلك يتعارض بدون شك مع القاعدة القانونية التي تقضي بأن استحالة تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد ، يجب ألا تكون بسبب يعزي للمتعاقد (

وحيث إن مثل هذا الوضع يؤدي إلى الإضرار بالتوازن العقدي ، و يعطل مبدأ حسن النية في التعامل بين الطرفين في العقود الدولية . فقد تتعمد الإدارة المالية للطرف المدين إلى خلق الموانع بقصد التخلص من تنفيذ التزاماتها العقدية مع الدائن الأجنبي

إن حرية المتعاقدين في تعداد و تحديد الحالات التي يشملها شرط القوة القاهرة وبما يرونه ضروريا لا يخلو من النقد

حيث قد ينطوي الشرط على إهمال أو إغفال حالة معينة كان يجب أن تندرج ضمن الحالات التي تم إدراجها في النص . و نذكر على سبيل المثال نص الشرط التالي :

” جميع الظروف المستقلة عن رغبة الطرفين تحصل بعد إبرام العقد وتمنع تنفيذه في الظروف الاعتيادية  تعتبر أسباب معفية لالتزامات الطرفين  . و تكون مستقلة عن إرادة الطرفين ضمن مفهوم هذا الشرط ، الحالات التي لا تنتج عن خطأ من الطرف الذي يثيرها ، وخاصة  الحالات مثل الحرب ، التمرد ،  الهزات الأرضية ، نزاع العمل ، …..الخ”

إلا إن من مزايا دقة تحديد الحالات التي يتم الاتفاق عليها في الشرط تسهل عمل القضاء في إصدار أحكامه دون الحاجة للبحث عن مفهوم القوة القاهرة

ب-  عدم الدقة في تعداد حالات القوة القاهرة

 يكون أحيانا ذكر حالات القوة القاهرة غير محدد وينطوي على مجرد الإشارة إلى بعض الأمثلة ، وبالتالي فإن القياس عليها يعتبر مثيل لها و اعتبار ما شابهها حالة من حالات القوة القاهرة التي جاء الاتفاق عليها في العقد . وهنالك نماذج  لمثل هذه الشروط تتضمن دائما أحد التعابير الآتية  : خصوصا   notamment   ”  ، أو مثال ذلك  par exemple أو ، أي ظروف مشابهة أخرى   autres circonstances analogues  .

إن اعتماد هذه الصياغة لتعريف القوة القاهرة من قبل طرفي العقد أساسه الرغبة المزدوجة  في إعطاء شيء من المرونة لمفهوم هذا الشرط ، و أحيانا تضييق نطاق تطبيقه بإعطاء أمثلة محددة كما هو الحال في النص التالي :

  ” نزاعات العمل وغيرها من الظروف كالحرائق ، التعبئة العامة… تعد على وجه الخصوص من قبيل القوة القاهرة إذا وقعت بعد إبرام العقد و منعت تنفيذه ” :

Sont notamment considérés comme cause d’exonération s’ils interviennent après la conclusion du contrat et en empêchant l’exécution : les conflits de travail et toutes autres circonsatnces telles qu’incendies , mobilisation

ومن الملاحظ على هذا النوع من النموذج الغير محدد لحالات القوة القاهرة أنه لا يوفر ضمانا أكيدا للعلاقات التجارية الدولية ، حيث يتمتع القاضي المختص في هذه الحالة بدور كبير في تشبيه الحادث من خلال القياس للأمثلة

التي تضمنها الشرط لتقدير فيما إذا كان الحادث الذي يدفع به المدين يجعل تنفيذ العقد مستحيلا . وقد يكون القرار غير صائبا وينتج عن ذلك خطر أن تتعرض  حقوق طرفي العقد عندما يتعرض حقيقة أحدهما لحادث جبري يجعل تنفيذ التزامه غير ممكنا .

3- التعريف مع التعداد لحالات القوة القاهرة

 في هذا النوع من الشروط  ، نحاول التخلص من مساوئ النص الذي يقدم فقط تعريفا عاما للقوة القاهرة ، أو ذلك النص الذي يحدد فقط حالاتها سواء تلك الحالات التي يذكرها على سبيل الحصر أو على سبيل المثال . وإذا كان مهما أن يتضمن الشرط على تعريف دقيق لحالة الإعفاء من المسئولية العقدية عند عدم التنفيذ ،

فإن ذلك  سيسمح للمتعاقدين معرفة المبدأ القانوني الذي يستقر عليه تسوية خلافاتهما بشأن القوة القاهرة . وفي هذا الاتجاه فإن محتوى الشرط المتفق عليه ينبغي أن يقدم تعريفا عاما للحادث الجبري .

وبقدر ما يتعلق الأمر بالعلاقات التجارية الدولية وما يرافق تنفيذ الالتزامات المترتبة عليها من خصوصية الحوادث التي تعرقل تنفيذها ، فإن معايير المفهوم الحديث للقوة القاهرة هو أكثر ضمانا و ملائمة لظروف العقد الدولي كما هو في نص الشرط التالي

 ” تعتبر حالة من حالات القوة  القاهرة  جميع الظروف غير المتوقعة ، لا يمكن تجنبها ، خارج سيطرة الطرفين ، والتي تجعل مستحيلا بصورة معقولة التنفيذ الكلي أو الجزئي للالتزام العقدي ” :

Sont considérées comme cas de force majeure  toutes les circonstances imprévisibles , irrésistibles , hors du contrôle des parties qui rendet raisonablement impossible l’exéction totale ou partielle de l’obligation contractuelle

لاشك أن هذا التعريف للقوة القاهرة جاء بصياغة أكثر مرونة من تلك التي يقدمها المفهوم التقليدي لها . مع ذلك ، فإن الاكتفاء بإعطاء تعريف للحادث مهما يكن مضمونه يبقى خاضعا لتقدير القاضي المختص حينما لا ترافقه  ذكر بعض الحالات المهمة التي قد يتعرض إليها تنفيذ التزامات المتعاقدين .

ومن حيث المبدأ ، فإن التطرق لتحديد و تعداد بعض الحوادث يعبر في الحقيقة عن قلق الطرفين و الخشية من تعرضهم لموانع و عقبات خاصة بهم عند تنفيذ العقد مما يفترض عليهم التخلص من عواقبها

ومن الشروط التي تعطي تعريفا لحالة القوة القاهرة وتنص بنفس الوقت على ذكر بعض الحالات الخاصة بظروف

المتعاقدين ، نذكر نص الاتفاق التالي :

” لا يكون أي من الطرفين مسئولا عن عدم تنفيذ الالتزامات التي تعهد بها في هذا العقد عندما تمثل ظروف قوة قاهرة  أو حادث جبري . وهذا يعني أي حادث أو ظرف مستقل و خارج سيطرة الطرفين . وتعتبر قوة قاهرة أو حادث جبري حسب الحالة ، ما فيها ، الحرب ( معلنة أو غير معلنة) ، التمرد ….” :

Aucune des parties ne sera responsable de la non-exécution des obligations qu’elle assume par

le présent contrat , s’il se présente des circonstances de force majeure et / ou de cas fortuit , c’est – à – dire n’importe quel événement ou circonstance indépendant et en dehors du contrôle des parties . On considèrera force majeure ou cas fortuit , selon le cas , entre autres , la guerre ( déclarée ou non ) , la rébellion..

لاشك إن هذا النص يفتقر إلى التحديد الدقيق . إلا أنه رغم ذلك يمثل الصياغة المتعارف عليها في أغلب العقود الدولية . وقد يكون سبب ذلك هو إنها تحدد النظام القانوني الذي تتجه إليه نية الطرفين ورغبتهم الخضوع لأحكامه عند النزاع لتعريف القوة القاهرة .

ومن جانب آخر  يقدم النص إيضاحا يسترشد به القاضي لتفسير ما هو اقرب لنية الطرفين عند ذكر بعض الحالات علي سبيل المثال . وقد يجد القضاء أحيانا في ذكر جميع الحوادث المحتمل وقوعها عدم الحاجة في البحث لتحديد حالات القوة القاهرة عندما ينص عليها الشرط صراحة

من ذلك نفضل بأن على المتعاقدين تضمين الشرط جميع الاحتمالات التي يقدرونها ذات أثر يعيق تنفيذ التزاماتهم خاصة تلك التي يكون مصدرها عمل من أعمال الدولة .

ولقد تطرقنا سابقا لأهمية هذا الافتراض وكيف يؤدي تدخل السلطة الدائم من آثار تحد من قدرة المتعاقدين في احترام التزاماتهم في العلاقات التجارية الدولية . ومنها :

– منع التصدير أو الاستيراد  – منع تحويل العملات الأجنبية – غلق المطارات أو محطات السكك الحديدية

أو الموانئ ، وغير ذلك من الأسباب والتي يكون دافعها أما اقتصاديا ، سياسيا ، صحيا ، أمنيا أو فنيا….

ويفترض مبدأ حسن النية ألا يتحمل أي من المتعاقدين مسئولية عدم تنفيذ التزاماته لأسباب خارجة عن إرادته . وإذا افترضنا توفر هذا المبدأ لدى المشتري في علاقاته الدولية ، فإن  قرارات السلطة الرسمية بأنواعها السالفة ، لابد أن تخلق له عقبات تمنعه احترام التزاماته العقدية .

ويصبح من غير العدالة أن تنسب إليه مسئولية عدم التنفيذ لأسباب خارجة نهائيا عن إرادته  . وليس اكثر ضررا بحد  ذاته أن يتحمل ما ينتج عن فقدان عقدا دوليا إذا ما عرفنا مقدار الخسارة الناتجة عن عدم التنفيذ و خطر ذلك الذي قد يهدد نشاطه الاقتصادي إلى الانهيار

وتأثير عدم تنفيذ  العقد بقرارات السلطة يهدد أيضا البائع ويجعله غير قادرا احترام التزاماته العقدية . ينبغي عليه إذن اشتراط الظروف الخاصة به و النص عليها لكي ترافق التعريف العام للقوة القاهرة ، على أن لا يؤثر ذلك  بالتوازن العقدي .

ويعني ذلك ألا يكون متشددا في ذكر بعض الظروف التي يراد منها محاولة التخلص من الالتزام بمتابعة تنفيذ العقد . وفي كل الأحوال ،

فإن محتوى شرط القوة القاهرة لابد أن يخضع لتقييم طرفي العقد عند التفاوض ، ومن ثم الاتفاق على  صياغته بشكله النهائي بهدف الحفاظ على التوازن العقدي بينهما ، رغم أن هذا الافتراض يعتمد تحقيقه على بعض المعايير التي تتصل بوضع المتعاقدين وقوة التفاوض الذي يتمتع به كل واحد منهم وقت تكوين العقد .

وما يؤثر على ذلك أيضا الثقة المتبادلة بين الطرفين و المنافسة التجارية الدولية و كذلك مقدار خضوعهما لمعيار النظام الاقتصادي الدولي ( 1 ) .

تطبيق شرط القوة القاهرة

القوة القاهرة في العقود

عندما يتفق طرفي العقد على تحديد معنى القوة القاهرة في العقد ، فانه من الضروري أيضا وضع الترتيبات  الخاصة لتطبيقه بالشكل الذي يؤمن التوازن العام للعقد بين طرفيه . فما هي إذن شروط التطبيق عندما يتحقق حادث القوة القاهرة ؟ ونظرا لخاصية و طبيعة العقد الدولي

فإن ما يرافقها من الحوادث التي تمنع التنفيذ تشكل  من حيث المبدأ  حالة خاصة بالمدين لهذا التنفيذ ناتجا عن تنوع الأنظمة السياسية و الاقتصادية و القانونية .ومن ناحية أخرى ،

فان ابتعاد طرفي العقد جغرافيا أحدهما عن الآخر يستلزم معرفة طبيعة الموانع التي يتعرض إليها أحدهم  ، مما يترتب على المدين بتنفيذ الالتزام إعلام الطرف الآخر لحالة القوة القاهرة واثبات وقوعها بالوسائل الأكيدة . فوق ذلك ، على المدين أن يبذل جهدا مهما لإيقاف حالة القوة القاهرة  . سنحاول إيضاح ذلك في  الفقرتين الآتيتين .

تؤدي الظروف التي خلقت حالة القوة القاهرة إلى نشوء آثار سلبية مهمة تنعكس على إمكانية تنفيذ العقد الدولي.

فعندما يلاحظ أحد طرفي العقد وجود العائق الذي يمنعه من الاستمرار واحترام التزاماته العقدية ، عليه إعلام

الطرف الآخر بعدم إمكانية تنفيذها . ويبدو هذا الالتزام ضروريا لأنه سيتيح  الفرصة للمتعاقد الذي تم إخباره من

 أن يعمل بدوره تقليل الإضرار التي قد تنتج عن استمرار تنفيذ التزاماته من جانبه .

فإذا افترضنا بان السلطات الإدارية تمنع البائع من تصدير البضاعة محل العقد ، فلم يعد هنالك سببا للمشتري اتخاذ

الإجراءات اللازمة لفتح الاعتماد لصالح البائع لغرض تحويل مبلغ العقد أو الاستمرار بمتابعة هذه الإجراءات إن بدأ

بتنفيذها. وكذلك الأمر عندما يتعرض المشتري إلى قرار السلطة يمنعه من الاستيراد أو استحالة حيازة الموافقة الرسمية اللازمة للوفاء بثمن الشراء

 فلابد من إخطار البائع بالحاث الجبري لكي يتوقف عن شحن البضاعة أو دفع رسوم التصدير أو إجراء عقد النقل وكل ما يتصل بإجراءات تصدير وإرسال المبيع لبلد المشتري حسبما جاءت به بنود العقد الأخرى .

والتقييد بهذا الالتزام من قبل طرفي العقد على السواء أثرا إيجابيا في المحافظة على ديمومة العلاقات التجارية الدولية بينهما، لأنه يؤكد توفر حسن النية في التعامل بين الطرفين .

لقد أعطاها المشرع الدولي هذه الأهمية في نص المادة 79 من اتفاقية فينا لعام 1980 ، حيث تنص الفقرة الرابعة من هذه المادة على ما يلي :

  ” يجب على الطرف الذي لم ينفذ التزاماته أن يوجه إخطارا إلى الطرف الآخر بالعائق و أثره في قدرته على  التنفيذ . وإذا لم يصل الإخطار إلى الطرف الآخر خلال مدة معقولة بعد أن يكون الطرف الذي لم ينفذ التزاماته  قد علم بالعائق أو كان من واجبه أن يعلم به فعندئذ يكون مسئولا عن التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم استلام الإخطار المذكور  ” .

ويبدو من محتوى هذا النص بأن على الطرف الذي لا يتمكن تنفيذ التزاماته ليس فقط إخطار الطرف الآخر بالعائق

وإنما عليه أن يعلم به . وقد اعتبر المشرع الدولي هذا الافتراض التزاما مضافا يقتضيه مبدأ حسن النية في التعامل

التجاري الدولي يجد سنده في افتراض امتلاك الخبرة المهنية لدى المتعاقد ومعرفته لطبيعة الظروف القائمة التي تسمح أو إنها لا تسمح بتنفيذ العقد بمقتضى الشروط التي تم الاتفاق عليها .

وإذا كان إعلام الطرف الآخر  بحادث القوة القاهرة ملزما للمدين بالتنفيذ ، هل يخضع  ذلك إلى ضوابط معينة

تحدد الكيفية و الفترة التي يجب أن يحصل فيها  هذا الإخطار  ؟

عندما يتأكد حدوث القوة القاهرة ، فإن الالتزام بالإخطار يجب أن يخضع إلى احترام بعض الضوابط الشكلية وكذلك الفترة التي ينبغي خلالها تبليغ الإخطار . وهذا ما تؤكده صياغة النصوص التالية :

” على الطرف الذي يدعي حدوث القوة القاهرة أن يوجه حالا إخطار صريح للطرف الثاني ” :

La partie qui invoque un cas de force majeure devra aussitôt adresser une notification expresse à l’autre partie .(1 )

 ” الطرف الذي يدعي بحالة القوة القاهرة ، فبمجرد وقوعها عليه أن يوجه خطابا صريحا ومسجلا للطرف

 الثاني ” :

” على البائع أن يعلم المشتري حالا عند حصول القوة القاهرة ، مبينا الفترة المحتملة لإعاقة التنفيذ ، فإذا لا يراعي

أحد طرفي العقد هذا الالتزام ، فلا يتمكن أن يدعي حالة القوة القاهرة ” :

Le vendeur est tenu à informer immédiatement l’acheteur de l’arivée du cas de force majeure

, en indiquant la durée probable de l’entrave . Si une des parties du contrat n’observe pas cette

                             obligation , elle ne porra pas invoquer le cas de force majeure

ومن حيث المبدأ فإن الإخطار بحالة القوة القاهرة يجب أن يحصل باستخدام الطرق  الملائمة المضمونة و الأكثر سرعة  ضمن الوسائل المتعارف عليها في حقل الاتصالات ونقل المعلومات . وليس أسرع اليوم من اتصالات الفاكس أو البريد الإلكتروني . أما ما يتعلق بمدة إخبار الطرف  الآخر  ، فقد لا تكون لها أهمية إلا عندما نعلم متى بدأت حالة القوة القاهرة .

مع ذلك فإن ما جرى عليه العرف في الاتفاقات العقدية يركز على ضرورة إيصال الخبر بالسرعة القصوى . فلقد درج على ذكر صيغ متنوعة مثل : حالا aussitôt ، في فترة وجيزة dans un bref delai ، بالحال immédiatement  أوفي وقت معقول with in a reasonable time.

ومن المفضل أن يتفق طرفي العقد على تحديد الفترة الزمنية التي في خلالها يجب على من تعرض لحالة القوة القاهرة

إعلام الطرف الثاني بوقوعها . وللطرفين كامل الاستقلالية في تحديد فترة نفاذها كما هو في الشروط التالية :

 ” على البائع في غضون سبعة أيام من تاريخ حصول القوة القاهرة  أن يخطر المشتري وأن يشهد غرفة التجارة المختصة في منطقته . ما عدا ذلك ، لا يستطيع الادعاء بحالة القوة القاهرة ” .

” يجب على البائع إخبار المشتري بالظروف التي تؤخر تنفيذ العقد في حدود خمسة عشر يوما اعتبارا من وقوع حالة القوة القاهرة “

والملاحظ في اتفاقية فينا لعام 1980 ، إنها تلزم في مادتها 79 ضرورة إخطار الطرف الآخر في فترة معقولة   dans un délai raisonnable  ويسري ذلك ابتداء من اللحظة التي يعلم فيها الطرف المدين بالتنفيذ أو كان عليه العلم بوجود العائق .

وإن تنوع هذه الصيغ لتحديد فترة الأخطار لا تمنع طرفي العقد تثبيت المدة التي  يجب أن يحصل فيها الإعلام عن حالة القوة القاهرة  في خلال أيام محددة تسري ابتداء من تاريخ حصولها أو التاريخ الذي ينبغي على المدين بالتنفيذ معرفة وجودها عندما يكون الإخطار خلالها ملزما .

إن مراعاة مبدأ الالتزام بإعلام الطرف الآخر سيحقق المنفعة المتوقعة من مزايا وجود شرط القوة القاهرة . وإن أي إهمال من المدين بعدم مراعاة واحترام هذا الالتزام يؤدي من حيث المبدأ إلى سقوط حقه في المطالبة بالإعفاء من المسئولية ما لم يكن سبب عدم إجراء الإخطار بحادث القوة القاهرة ناتج بحد ذاته عن هذا الحادث .

ويحصل ذلك مثلا عندما تتعرض وسائل الاتصالات إلى الدمار الشامل بسبب الحرب أو غيرها من الأسباب  التي تمنع نهائيا إمكانية إرسال المعلومات من خلال القنوات الإعلامية المتعارف عليها في العرف التجاري الدولي بين المتعاقدين .

أما في غير هذا الافتراض ، سيكون المدين مسئولا عن تعويض الأضرار الناتجة عن عدم التنفيذ . وهذا ما يؤكده الشرط التالي : ” يجب التنبيه عن جميع أسباب التأخير فور ظهورها بطريقة تمكننا من اتخاذ كافة التدابير النافعة ، و بشكل خاص تجاه زبائننا ، وفي غياب ذلك تكون مسئولا عن ما ينتج من أضرار لشركتنا ” :

Vous devez nous signaler de toutes les causes de retard dès qu’ elles apparaîtrons , de manière que

 nous puissions prendre toutes dispositions utiles , en particulier vis-à-vis des clients , faute de quoi vous seriez tenu pour responsables des préjudices qui en résulteraient pour notre société .

ومفاد هذا الشرط إنه يرتب على المدين نوعا من العقوبات مبنيا على افتراض الخطأ La faute من قبله عندما أهمل إخبار الطرف الثاني عن وجود عائق القوة القاهرة . وكما هو واضح أيضا في نص الشرط  التالي :

 ” الطرف  الذي لا يراعي هذا الشرط يتحمل بشكل نهائي تبعة  المخاطر وجميع ما ينتج عن القوة القاهرة “

و من ناحية أخرى ، فان من آثار إخبار الطرف الآخر عن الحادث الجبري هو تعليق تنفيذ التزام المدين طالما يبقى هذا التنفيذ ممكنا بعد زوال العائق . فقد تكون حالة القوة القاهرة طارئة ومؤقتة مرهونة بفترة زمنية فرزت استحالة تنفيذ الالتزام ، فيحق للدائن التمسك بالعقد . إلا أنه ومن مصلحة طرفي العقد الإشارة إلى تعليق التنفيذ عند صياغة اتفاقهم كما هو الحال في النص التالي :

” كل حالة للقوة القاهرة أو ما شابهها …تعلق التنفيذ لهذا العقد ابتداء من اللحظة التي يكون فيها الطرف ذات العلاقة قد أخبر الطرف الآخر ” :

Tout cas de force majeure ou assimilé …suspend l’exécution de la présente convention …à partir du moment où la partie intéressée informe l’ autre …)

ومفهوم هذا النص يعني أن تعليق التنفيذ وإن تم الاتفاق  عليه بين الطرفين ، إلا إنه لا يمكن أن يحصل طوعا ، وإنما هو مشروط بإعلام الطرف الآخر به لاتخاذ  الاحترازات اللازمة لتقليل الأضرار الناتجة عن عدم التنفيذ في الوقت أو التأريخ المقرر .

ولكن كيف نأخذ بعين الاعتبار مثل هذا الأخطار ما لم يكن متضمنا لبعض الإثباتات التي تفيد فعلا وجود حالة القوة القاهرة ؟

إذا كان إعلام الطرف الآخر عن وجود حالة القوة القاهرة في وقتها المناسب يزيل كل اعتراض محتمل حول صحة الموانع التي تعرض لها تنفيذ العقد ، فإنه من المفضل  أن ترافق هذا الإخطار تقديم بعض دلائل  الإثبات .ولا يهم  أن تقدم مثل هذه الإثباتات للطرف الآخر في فترة لاحقة لإعلامه بوجود حالة القوة القاهرة .

و هذا ما تبينه النصوص العقدية التالية :

” الإخطار بحالة القوة القاهرة يجب أن يرافقه كافة المعلومات المفصلة و النافعة  ….” :

أما قيمة الإثبات لهذا الوثائق ، فإنها لا تكتسب قوتها الملزمة إلا بعد خضوعها لإجراءات الجهات ذات العلاقة بإصدارها .و لهذا السبب ، فإن على المدين بالتنفيذ الحصول على وثيقة أو استشهاد يؤكد بدليل قاطع وجود حالة القوة القاهرة ، و بالتالي فإنه سيمنح هذه المعلومات حجة الإثبات في مجابهة الغير .

ومن المسائل التي يثيرها هذا الافتراض هو معرفة نوع الهيئة أو الجهة المؤهلة لإصدار مثل هذه الإثباتات لحادث القوة القاهرة . . ويقضي الإجماع بان الشهادات التي تصدرها أو توثقها الهيئات الرسمية

تشكل إثباتا قاطعا يبعد أي نوع من الاجتهاد أو الاعتراض عليها من قبل القاضي المختص أو المحكم عند النزاع المحتمل . وحول هذه  المسألة ، فإن العرف التجاري يعترف بدور متميز للغرف التجارية و الصناعية المحلية لإصدار مثل هذه الوثائق ، وقد نجد لمثل هذا الافتراض في نص الشرط  التالي :

” هذا الأعلام يجب أن توثقه الغرفة التجارية المحلية للبلد الذي حصلت فيه حالة القوة القاهرة . ” :

Cette communication devra être confirmée par la Chambre locale du pays dans lequel est survenu le cas de force majeure .

ولابد من القول بأن الإهمال أو أي سبب آخر في عدم تقديم الإثبات اللازم لبيان حقيقة الحادث الجبري ، سيخضع المدين لنفس المسئولية المنصوص عليها في حالة غياب مثل هذه المعلومات كليا .

و أساس هذه المسئولية في كلا الافتراضين قائم على وجود الخطأ لدى المدين بعدم تنفيذ التزاماته والذي سينتج عنها أضرار مماثلة بحق الدائن .

وإذا كان من أولويات  المتعاقدين هو تحقيق تنفيذ العقد ، لماذا لا يسعيان إلى إيقاف حالة القوة القاهرة إن كان ذلك ممكنا ؟

إن الحفاظ على ديمومة حياة العقد هو الهدف الأساسي في العلاقات التجارية الدولية . وهذا الباعث يفرض أولا على المدين بالتنفيذ بذل الجهود اللازمة لإيقاف حالة القوة القاهرة ، ويفرض ثانيا قدر من التعاون بين الطرفين .

1 – مضمون هذا الالتزام :

إن ما يميز النظام القانوني لشرط القوة القاهرة هو أنه يوفر لطرفي العقد إمكانية تعليق التنفيذ خلال الفترة التي يبدو فيها هذا التنفيذ مستحيلا بصفة مؤقتة . وهذه القاعدة توجب على المدين التصرف بجدية مع حسن النية للحفاظ ومواصلة تنفيذ التزاماته . ومن جانب آخر ،فإن التزام المدين بإيقاف حالة القوة القاهرة له أثر إيجابي ينفع مصير العلاقة العقدية حيث لا تؤدي دائما حالة القوة القاهرة إلى انقضاء العقد

إنما تقود إلى تعليق تنفيذه عندما يكون هذا التنفيذ مستحيلا استحالة طارئة ومؤقتة. وهي تكون كذلك حينما يستقر مصدرها في قرار السلطة أو

حالات الإضراب العام أو التمرد أو الحظر على الاستيراد و التصدير لبعض المواد لأسباب صحية . كما إن تطبيق هذه القاعدة يستلزم حسن النية والعمل الجاد من قبل المدين بالتنفيذ وكافة الأطراف المعنية بهذا التنفيذ ، لغرض أن يتحقق الهدف الأساسي وهو العودة لتنفيذ العقد بتوفير الظروف الملائمة له .

إن مضمون هذا الالتزام يفرض على المدين عمل ما هو ضروريا في تقليل الأضرار التي قد يتعرض إليها الطرف الآخر إلى أقصى ما يمكن . ويحصل ذلك باستئناف تنفيذ العقد بمجرد أن يكون ممكنا وذلك بالعمل في إعادة مستلزمات التنفيذ والعودة إلى الوضع الاعتيادي للعقد .  ومثال ذلك ما جاء في صياغة الشرط التالي :

” في جميع الأحوال ، يجب على الطرف المعني بالتنفيذ ، أن يأخذ جميع الترتيبات النافعة في فترة وجيزة لتأمين العودة إلى التنفيذ الطبيعي للالتزامات التي شملتها حالة القوة القاهرة ، و تقليل ما أصابها من تأخير إلى أقصى درجة ” :

Dans tous les cas , la partie  concernée devra prendre toutes dispositions utiles pour assurer

 dans le bref delai la reprise normale de l’exécution des obligations affectées par le cas de force    majeure  et réduire au maximum le retard subi  ( 1 )

2- التعاون بين طرفي العقد

لقد حرص العرف التجاري الدولي الحفاظ على الرابطة التجارية بين المتعاقدين  ، معتبرا أن حالة القوة القاهرة ما هي إلا ظرفا استثنائيا تعرضت لها بنود تنفيذ العقد كما اتفق عليها الطرفين .

وإن تجديد العلاقات العقدية بينهما وديمومتها تفرض نوعا من التعاون الضروري بينهما . ومن الممكن اعتبار ذلك نوعا من الالتزام الذي ينبغي احترامه لأنه يثبت حسن النية في التعامل و يعزز استمرار العلاقات التجارية بين المتعاقدين . ينص الشرط التالي :

” في حالة القوة القاهرة ، على الطرفين المتعاقدين المساهمة في بذل كافة جهودهم من أجل إزالة أو تقليل الصعوبات و الأضرار التي تسببها  ” .

En cas de force majeure , les parties contractantes sont tenues de conduire tous les efforts nécessaires dans le but de supprimer et/ ou de  diminuer les difficultés et les dommages provoqués ,…

ومن الملاحظ على هذه القاعدة بأن الالتزام بالتعاون بين الطرفين المتعاقدين لا يكون ناجحا وممكنا في جميع الافتراضات إذا علمنا اختلاف الظروف الجغرافية التي تحصل عندها حالة القوة القاهرة

و كذلك الإقامة المتباعدة بينهما . فقد يقع الحادث الجبري في بلد البائع ، أو في بلد المشتري فقط عند ذلك كيف نتصور تطبيق مبدأ التعاون بينهما لإزالة آثار الحادث عندما تقع بظروف وحدود بلد واحد .

فنحن لا نرى  لهذه القاعدة إمكانية تطبيقها إلا من خلال إخطار الطرف الآخر فورا بحصول القوة القاهرة ، أو استئناف التنفيذ حالما تنتهي

استحالة التنفيذ المؤقتة . ولهذا التصرف آثاره الإيجابية لتقليل الأضرار الناتجة عن عدم تنفيذ العقد ، حيث سيسمح للدائن ترتيب وضعه التجاري أو الصناعي بعودة علاقاته العقدية مع الآخرين لوضعها الطبيعي .

وتبقى دائما فرضية تعاون المدين بالتنفيذ مسألة وقائع قد تجعله في كثير من الأحيان عاجزا عن إزالة أسباب حالة القوة القاهرة طالما هي خارجة عن إرادته ومن المستحيل تجاوزها .

أما استئناف تنفيذ العقد بعد زوال المانع ، فإنه سيسمح لطرفي العقد تحقيق الغرض الذي من أجله تم إبرام العقد . وكل إهمال أو سوء النية من أي طرف في العقد تعرضه للعقوبات اللازمة لإصلاح الضرر . وفي هذا الموضوع نستطلع نص الشرط التالي :

 ”  على طرفي العقد في حالة القوة القاهرة بذل كل الجهود الضرورية لغرض إنهاء أو تقليل الصعوبات والأضرار التي تسببت ، وفي هذه الحالة ينبغي أن يكون الطرف الآخر دائما على علم بهذا الوضع . وبخلاف ذلك ، قد يتعرض الطرف المتخلف للمطالبة بدفع التعويضات اللازمة من قبل الطرف الآخر ” :

En cas de force majeure , les parties contractantes sont tenues de conduire tous les efforts nécessaires dans le but de supprimer et/ ou diminuer les difficultés et les dommages provoqués , auquel cas l’ autre partie sera constamment tenue au courant de la situation . Dans le cas contraire , la partie défaillante pourra se voir réclamer des dommages – intérêts par l’ autre partie

إن صياغة الشرط بهذا المضمون يبين في الواقع الافتراض التالي وهو :

  إما إن تكون حالة القوة القاهرة حادثا لا يمكن تجاوزه مطلقا ، وعند ذلك ينبغي إخبار الطرف الآخر بضرورة فسخ العقد . أو إعادة التفاوض من جديد للنظر في شروط تنفيذه إن كان ذلك ممكنا. وعليه ينبغي استخدام الوسائل الفعالة التي بواسطتها يمكن تجاوز سبب عدم التنفيذ ،و يستمر العقد في صياغته الأساسية أو تعديلها نسبيا بما يتعلق مثلا بفترة التنفيذ .

ولهذا السبب ، يجب العلم دائما  بتطور الأحداث المحيطة بتنفيذ العقد وإخبار الأطراف المعنية حال انتهاء حادث القوة القاهرة . أما استمرار هذه الحالة ، يترتب عليها آثار متنوعة على التزامات الطرفين حيث أول ما تستهدف مصير الرابطة العقدية و ما ورد في العقد من بنود أخرى .فما هو القاعدة القانونية لهذه الآثار ؟

آثار القوة القاهرة

القوة القاهرة في العقود

تتحقق آثار القوة القاهرة بسبب توفر معيارين أساسيين في حالة عدم تنفيذ الالتزامات العقدية . وهذه القاعدة تنطبق سواء كان العقد محليا أم ذات طابع دولي  .

المعيار الأول :

أنه في حالة تخلف أي طرف من الأطراف تنفيذ التزاماته العقدية   ، فإن إخفاق المدين بسبب الحادث الجبري ينشأ عنه بالضرورة آثارا سلبية مباشرة على مصير العقد . وإذا كان مبدأ القانون المحلي أو الدولي يقضي بفسخ العقد وانحلال الرابطة بين المتعاقدين عند استحالة التنفيذ المطلق

فإنه ليس هنالك ما يمنع تعليق تنفيذ العقد لمدة معقولة يقبل بها الطرفين  إذا تبين احتمال زوال ظروف القوة القاهرة وإمكانية استئناف تنفيذ العقد

ضمن شروطه الطبيعية من جديد . وهذا الحل يتطابق مع مصلحة طرفي العقد الدولي حيث المهم لهم ليس فقط في تكوين العقد ، وإنما في تمام تنفيذه وتحقيق الغرض الذي يرميان إليه من إبرامه .

المعيار الثاني :

تطبيقا للقاعدة العامة في الالتزامات العقدية ، هو إن عدم تنفيذ الالتزام يرتب على المدين المسئولية العقدية ودفع التعويض عن الأضرار الناجمة عن فسخ العقد لعدم الوفاء بالتزامه . إلا أن حالة القوة القاهرة تعطل العمل بهذه القاعدة استنادا إلى القواعد القانونية التي تحكم الآثار المعفية لمسئولية المدين عند عدم وفائه بالتزاماته العقدية لأسباب خارجة عن إرادته ولا يد له فيها

ولقد حاول العرف التجاري الدولي تأكيد العمل بهذا المبدأ من خلال النص عليه صراحة في الشروط الاتفاقية بين المتعاقدين . تلك هي الآثار المباشرة لحالة القوة القاهرة . ونرى الآن ضرورة التعرف على موقف القواعد القانونية والاتفاقية لتقرير آثارها على حياة العقد ، وما هي حدود مسئولية المدين عن المخاطر الناجمة عن عدم تنفيذ التزاماته في العقد الدولي

تعليق تنفيذ العقد

لا يمكن القبول بتعليق تنفيذ العقد دون أن يكون هنالك أمل في إمكانية العودة الطبيعية لظروف التنفيذ . ومن جانب آخر ، هل يجوز أن يبقى هذا التعليق إلى أجل غير معلوم تنتفي عنده منفعة الطرفين ؟ .

1- الباعث لتعليق تنفيذ العقد

يجد أحيانا طرفي العقد بأن الحادث الجبري يعيق تنفيذ التزاماتهما لفترة زمنية مؤقتة . وطبقا لتقديراتهما ، فانه بعد مرور هذا الظرف العائق ، فانه سيكون ممكنا العودة للظروف الطبيعية التي تسمح لتنفيذ العقد .

ومن حيث المبدأ ، فإن هذا الافتراض يرجع تقديره أولا للطرف المدين بالتنفيذ لأنه الطرف المباشر الذي يقدر بأن تنفيذ العقد في هذه الفترة أصبح مستحيلا ، كما أنه الأكثر دراية لتخمين حجم  الظروف الغير اعتيادية و أثرها على حياة العقد .

ومن المؤكد لمنفعة طرفي العقد الدولي هو التمسك بالعقد وعدم الإسراع بطلب الفسخ بمجرد وجود الحادث الجبري .ومن الصواب القول بأنه من مصلحة المشتري  التريث بعض الوقت ،حيث سيكون له اكثر نفعا  فيما لو حاول البحث من جديد على مورد آخر للحصول على المبيع بنفس المواصفات والصنف

من ناحية أخرى ، فإن من محاسن تعليق العقد على فسخه هو إن إبرام عقد جديد سيتطلب أيضا فترة من الوقت قد تطول حتى يتم تنفيذه .

وقد يكون من الصعب الحصول على نوعية  المبيع بالثمن الملائم .فقد يكون أكثر كلفة ويرتب أعباء مالية جديدة .ويصح هذا الافتراض بما يتعلق بالبائع . حيث عليه أن يأخذ بالاعتبار تفضيل تعليق تنفيذ العقد على فسخه عند تقديره بان حالة القوة القاهرة مؤقتة   ، خاصة عندما يعلم بأن  الطرف الآخر تتوفر عنده حسن النية في التعامل معه ولكنه حاليا سيئ الحظ بسبب الحادث الجبري .

فمن مصلحة الطرفين أن يتضمن الاتفاق في شرط القوة القاهرة حق تعليق تنفيذ الالتزام لأي طرف منهما عندما يتعرض العقد لمثل هذه الحالة . ويلتزم الطرفان بنفس الوقت باستئناف التنفيذ التام حال انتهائها .  ولقد أوجد لنا العرف التجاري الدولي نماذج كثيرة تبين أهمية هذا الافتراض نذكر منها ما يلي :

 ” حالات القوة القاهرة ومنها أيضا حالة الإضراب ،غلق المصنع ، الحرب ، قرارات السلطة العامة ، تعفي الطرفين المتعاقدين من الوفاء بالتزاماتهما للمدة التي يضطرب فيها التنفيذ وفي حدود آثارها . ومجرد ظهور علامة تنذر بوجود حالة من الحالات المذكورة أعلاه

يلزم على أي طرف إعلام الطرف الآخر حالا والتشاور معه حول الآثار التي قد تصيب  هذا العقد وما ينبغي اتخاذه من تدابير . وعلى الطرفين عمل ما هو افضل لديهما لتجنب أو حصر النتائج الضارة المحتملة ، وعليهما استئناف التنفيذ الكامل للعقد حالما يكون ذلك ممكنا . ” :

Le cas de force majeure parmi lesquels il faut compter également la grève , le lock-out , la guerre , les dispositions des autorités , libèrent pour la durée des perturbations et dans l’ étendue de leurs effets , les parties contractantes de l’ accomplissement de leurs obligations contractuelles

 Dès l’ apparition de signes précurseurs d’un des cas mentionés ci-dessus , chaque partenaire est obligé de le communiquer immédiatement à l’ autre et de délibérer avec lui de des effets qu’il  peut avoir sur le présent contrat et des mesures à prendre . les parties feront de leur mieux pour éviter ou limiter les conséquences nuisible éventuelles . Elles sont tenues à reprendre , dès que possible , l’exécution complète du contrat

” جميع حالات القوة القاهرة ، وما شابه ذلك التي قد تحصل في وقت تنفيذ هذا العقد تعفي الطرف الذي تعرض لها من كل مسئولية مهما كانت ، وتعلق تنفيذ التزاماته حتى وإن طالت المدة طالما يكون فيها أثر لحالات القوة القاهرة تمنع تنفيذ هذه الالتزامات ” .

وإذا كان تعليق تنفيذ العقد لأسباب القوة القاهرة يجد له ما يبرره في علاقات المتعاقدين ،  إلا إنه لابد أن يخضع  لبعض الضوابط لضمان الوصول إلى نتائج مرضية ومنطقية يقرها مبدأ القانون والعرف التجاري المعمول به في هذا المجال .

2- أن تكون فترة التعليق ثابتة أو محددة نسبيا  :

لقد رأينا كيف أن الباعث الحقيقي لتعليق تنفيذ العقد الدولي هو الحفاظ على حياته وتنفيذه بالكامل  نضرا لأهميته في اقتصاد مشروعات الأطراف المتعاقدة. فليس هنالك ما يمنع  ،إن كان ذلك ممكنا، تعليق إجراءات التنفيذ وأن يعود الطرفين لتنفيذ العقد بشكله الطبيعي في الوقت الذي تنتهي فيه حالة القوة القاهرة .

وإذا كانت هذه هي القاعدة العامة ، فإن تعليق تنفيذ العقد يجب أن يخضع لمعيار الوقت الجائز منطقيا .ويعني ذلك أن لا يستمر عدم التنفيذ لفترة لا حدود لها حيث يستنفذ الالتزام بين المتعاقدين الفائدة منه .ولهذا السبب يجب أن تقترن إمكانية تعليق تنفيذ بالمدة التي تعتبر نسبيا محددة أو معلومة بالدقة ، وتجاوزها يؤدي إذن إلى إنهاء العقد .

إن هذا الحل كما جرى عليه العرف يسمح بإزالة المساوئ لحالة غياب القواعد القانونية في القانون الداخلي التي تجيز إمكانية العودة إلى تنفيذ العقد في مثل هذه الافتراضات . حيث أن أغلب التشريعات المحلية تنص فقط على إنهاء العقد و المطالبة بالتعويض لعدم التنفيذ

وهذا الموقف هو انعكاس لتطبيق آثار المفهوم التقليدي للقوة القاهرة . مع ذلك فان أحكامه تعرضت لبعض التطور حيث أن كثير من التشريعات التي أخذت بهذا المفهوم تعترف بخصوصية ظروف تنفيذ العقود الدولية ذات الأمد الطويل à long terme  . إنها تنص على مبدأ الأثر الموقف l’effet suspensif  لتنفيذ العقد عند استحالة التنفيذ المؤقتة

وغني عن البيان أن تعليق العقد حينما يتم الاتفاق عليه بين الطرفين لا يكون نافذا إلا في حالة التيقن بأن وجود المانع لتنفيذ العقد وجودا مؤقتا .

وهذا يعني بأن المدة التي يحصل فيها تأجيل التنفيذ يجب أن لا تكون مفتوحة بشكل لا نهاية لها . و تطبيقا لذلك ينبغي على طرفي العقد الاتفاق و النص بأن لكل واحد منهما الخيار، بعد مرور فترة محددة ، الإفصاح عن رغبته في أية لحظة عن انقضاء الرابطة العقدية بما يتعلق بالجزء الذي تعرض لحادث القوة القاهرة أو إنهاء العقد كليا

.ويتبع العرف التجاري الدولي دائما الرأي الذي يقضي بتثبيت حدودا قصوى عندها يمكن فقط استمرار حياة العقد .

وفي هذا المعني يمكن الإشارة إلى الاتفاقات العقدية التالية :

-”  إذا استمرت ظروف القوة القاهرة أكثر من ثلاث أشهر ، يحق لكل طرف من أطراف العقد العدول لاحقا عن تنفيذ  الالتزامات العقدية .” :

Si les circonstances durent plus de  3  mois , chacune des deux parties aura le droit de renoncer à l’exécution ultérieure des engagements contractuelles

-” إذا كانت حالة القوة القاهرة تسبب تأخيرا يتجاوز ستة أشهر ، للمشتري الحق في طلب انهاء العقد ” :

Si le cas de force majeure cause un retard de plus de  6  mois , l’acheteur a le droit de se retirer du contrat  ( 2 ) .

ومن الخطورة وجود بعض النصوص الاتفاقية التي تغفل تثبيت فترة محددة لتعليق التنفيذ . وحالة كهذه ممكن أن تتسبب في إثارة النزاع القضائي بين الطرفين لتحديد المسئولية عند عدم التنفيذ . ومثال ذلك الشرط التالي :

-” تعلق آثار العقد خلال فترة القوة القاهرة إلى حين زوالها وعودة الحياة الطبيعية ،…”:

Pendant la durée de la force majeure , la présente convention suspendera ses effets jusqu’ à rétablissement normal de la situation , …

إن مثل هذا النص لا يقدم لنا دليلا قاطعا على المدة المسموح عندها بقاء  العقد بعد زوال المانع . من ناحية أخرى ، فانه يثير التساؤل لمعرفة الجهة التي يعهد إليها البت في تاريخ انتهاء حالة القوة القاهرة  . وكذلك الحال في نص الشرط التالي :

” الالتزامات التي تعرضت لحالة القوة القاهرة تؤجل من تلقاء نفسها لمدة مساوية للتأخير الناجم من حصول حالة القوة القاهرة “

…les obligations affectées par le force majeure sont prorogées automatiquement d’ une durée égale au retard entrainé par la survenance du cas de force majeure

من جميع ما تقدم يصبح من مصلحة الطرفين النص في  العقد على إنه في حالة وجود عائق يمنع التنفيذ  ، سيتم تأجيل مواعيد التنفيذ لتاريخ محدد . وإن تجاوز هذا الوقت يعطي الحق لكل منهما فسخ العقد .

على أن يثبت المدين   حسن النية ويعلن رغبته في إيقاف حالة القوة القاهرة و إعلام الطرف الآخر بوقوعها . ويسري نفاذ مدة التعليق ابتداء من تاريخ هذا الإعلام كما نرى ذلك في نص الشرط التالي :

” في حالة للقوة القاهرة أو ما شابهها …يعلق تنفيذ هذا العقد ..ابتداء من تاريخ  إعلام الطرف الآخر عن حصول القوة القاهرة  ” :

Tout cas de force majeure ou assimilé .. suspend l’exécution de la présente convention ..à partir du moment où la partie intéressée a informé l’ autre …

من ناحية أخرى ، فإن فترة تعليق العقد تعتمد على طبيعة محل العقد  l’objet du contrat  حيث يثير موضوع التعليق  التساؤل في إمكانية تأجيل هذا التنفيذ لوقت آخر، وقد يكون عامل الزمن معيارا أساسيا يحدد المنفعة الاقتصادية للمتعاقد  والذي يأمل أن يحققها تنفيذ العقد فيما لو تم ذلك في وقته المثبت ابتداء .

فإذا نظرنا إلى وضع المشتري الذي يتعاقد على شراء مواد من المثليات كالحبوب أو الأخشاب أو الفواكه والخضار مخصصة لفصل من فصول السنة أو الغرض منها هو لمناسبة محلية كالأعياد أو المهرجانات ، فإن مرور هذا الفصل أو تلك المناسبة يفقد البضاعة جزءا كبيرا من قيمتها التسويقية .

وكذلك الحال عندما يكون محل العقد من غير المثليات ، فإن تعليق التنفيذ قد يؤدي أيضا إلى آثار سلبية تضر بمصلحة المشتري ، كأن يتصف المبيع بنوع أو طراز يتعلق بسنة الصنع كالسيارات أو الأجهزة الإلكترونية المنزلية وغيرها من الأجهزة التي تتحدد قيمتها السوقية بوقت ترويجها في سوق المنافسة .

ولغرض الحكم فيما إذا كانت طبيعة السلعة تسمح أو أنها لا تقبل بتأجيل تنفيذ العقد ، لابد من الرجوع إلى اتفاق الطرفين للوقوف على شروطهما بما يتعلق في تأريخ التنفيذ حيث أن هنالك احتمالين :

الأول هو الذي يقضي بأن يكون تسليم محل العقد محددا ومحصورا بأجل معين يلزم التقيد به. Le délai  de rigueur . في هذا الافتراض يجب على المدين بالتنفيذ تسليم المبيع في هذا الأجل لا غيره .

ويرى القضاء الفرنسي بأن مجرد عدم التقيد بتمام التنفيذ في الوقت المتفق عليه يؤدي إلى انحلال الرابطة العقدية لإخلال المدين بالوفاء بتقصير منه حتى وإن لم ينذره الدائن

والاحتمال الآخر هو أن يكون تسليم المبيع خاضعا لأجل غير محدد كأن يقضي تنفيذ الالتزام في زمن معين أو خلال مدة معينة يمكن أن نطلق عليها بالفترة الدالة un délai indicatif   . وفي هذه الحالة اتفق الطرفان على إمكانية تأجيل التنفيذ حسبما تقتضيه ظروف المدين و إمكانيته بالتوريد . ولاشك أن التأخير في تاريخ التسليم لا يعتبر تصرف المدين في هذا الافتراض إخلال بمسئوليته العقدية .

فيسخ عقد النقل الدولي

القوة القاهرة في العقود

1- السند القانوني لفسخ العقد

علمنا بأن تعليق تنفيذ العقد في حالة القوة القاهرة ما هو إلا حلا استثنائيا و إنه مقيدا و محددا بفترة العائق التي قد تطول أو تقصر . ولكن عند استمرارها فلابد من اعتبار ذلك عائقا نهائيا يستلزم فسخ العقد . كما تعتبر حل الرابطة القانونية بين المتعاقدين عند استحالة التنفيذ انتهاء طبيعي وقانوني لتحرير ذمة الطرفين من التزاماتهم العقدية التي

أصبحت لا ضرورة لبقائها وغير نافعة لهم ولم تعد بعد تمتلك السبب القانوني لاستمرارها. إن حالة القوة القاهرة ينعكس أثرها مباشرة عل مصير العقد . وهذا الأثر يقوم على معيارين أساسين يحكمان شرعية بقاء التزام الطرفين واستمرار الرابطة العقدية بينهما .

المعيار الأول :

يستند على انقضاء سبب الالتزام لكل من المتعاقدين  La cause   لأنه من الأركان الأساسية لصحة العقد . فعندما يتخلف أحد الطرفين الوفاء بالتزامه مهما كان المانع لذلك ، فلن يبقى سببا بعد لاستمرار التزام الطرف الآخر . كما أنه لا يصح أن يبقى أحد الالتزامين قائما طالما يصبح تنفيذ الالتزام المقابل مستحيلا

كما هو في حالة القوة القاهرة .وتطبيقا لذلك مثلا انتهاء التزام المشتري بدفع الثمن إذا اصبح تسليم المبيع مستحيلا . وكذلك الحال للبائع  ، حيث ينقضي التزامه بتسليم المبيع إذا تبين بأن الحادث الجبري يمنع المشتري الوفاء بتسديد الثمن طبقا لشروط العقد . لاشك أن فكرة السبب تحقق لنا منطق توازن الالتزامات بين الطرفين .

وكما يرى الفقيه كابيتان ” بأن سبب الالتزام في العقد الملزم للجانبين ليس هو وجود الالتزام المقابل له وإنما تنفيذه “

( 1 ) انظر التحليل في نظرية السبب ، د. الحكيم ، المصدر السابق ، ص 433. انظر أيضا نص المادة 215 من القانون المدني الكويتي .

فعندما تثبت استحالة التنفيذ لالتزامات أحد طرفي العقد تنتهي عند ذلك التزامات الطرف الآخر لاعتماد أحدهما على إمكانية الطرف الآخر تنفيذ الالتزام المقابل.

المعيار الثاني :

فانه يدور مع وجود محل العقد L’objet du contrat .  . حيث أن فسخ العقد يجد ما يبرره في العلاقات التجارية الدولية لازالت استحالة التنفيذ تنصب على العين محل العقد . وفي هذا الافتراض تصبح علاقة الطرفين العقدية فاقدة  إلى ركن أساسي من أركانها لانعدام وجود الشيء محل العقد حيث يصبح الالتزام غير قابلا للتنفيذ ويتخلف عند ذلك الغرض الذي قصد إليه المتعاقدين من التعاقد .

وبمعنى آخر هو إن أثر هذا المعيار يمكن أن نستنتجه من القاعدة العامة في العقود الملزمة للجانبين التي تقضي بأنه لا يصح استمرار حياة العقد عندما ينعدم محله ، ولو كان هذا الافتراض حاصلا قبل الانعقاد لأصبح العقد باطلا تطبيقا للمبدأ القائل بأنه لابد لكل التزام نشأ عن العقد من محل يضاف إليه يكون قابلا لحكمه – انظر المادة 157 ، قانون مدني أردني ؛ المادة 126 قانون مدني عراقي .

فمن الشروط اللازمة في المحل هو أن يكون موجودا وقت التعاقد أو ممكن الوجود  بعد إبرام العقد حيث يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا – انظر المادة 131 قانون مدني مصري – ويصح تطبيق هذه القاعدة سواء انصبت استحالة التنفيذ على محل العقد أو محل التزام الطرفين خلال الفترة اللاحقة لانعقاد العقد بسبب القوة القاهرة

و سواء اعتبرنا المحل ركنا في الالتزام أم في العقد . فلابد للمحل أن يظل قائما كي يبقى العقد صحيحا والالتزام نافذا . فمن المعروف لدى الفقه أن محل العقد في البيع هو الشيء المبيع والثمن . و محل التزام البائع هو تسليم المبيع ومحل التزام المشتري هو دفع الثمن فانعدام محل التزامات الطرفين بسبب القوة القاهرة

د. الحكيم ، المصدر أعلاه ، ص 362 .

يؤدي بالنتيجة إلى فسخ العقد من تلقاء نفسه ويتحقق ذلك بحكم القانونipso facto   عندما يتخلف البائع بتسليم المبيع أو يتخلف المشتري بدفع الثمن لوجود قوة قاهرة .

2- طرق فسخ العقد :

أ – الفسخ باتفاق طرفي العقد

تطبيقا لمبدأ حرية التعاقد و مبدأ سلطان الإرادة في تحرير شروط العقد الدولي ، فلا يوجد ما يمنع الطرفين  من تحديد الطريقة التي يتم فيها فسخ العقد بالشكل الذي يرونه مناسبا .

ولقد درج العرف التجاري الدولي على أن يتضمن شرط القوة القاهرة نصا صريحا يجعل فسخ العقد من تلقاء نفسه في حالة حصول القوة القاهرة دون حاجة لتقديم طلب للقضاء المختص لإصدار حكمه بالفسخ .

إن هذا الحل يبدو ملائما لظروف المتعاقدين و يؤمن لهم تحديد الآثار المباشرة لاستحالة تنفيذ العقد . كما إنه من ناحية أخرى يزيل المساوئ التي قد تحصل عند تدخل القضاء لأنه يتطلب النظر في القواعد التي يفرضها قانون العقد الواجب التطبيق  . وقد ينتج عن ذلك تعارض في الأحكام وتنازع في القوانين و اختلاف موقفها من آثار فسخ العقد .

ولربما تكون هذه الإجراءات طويلة و بطيئة ، كما أنه لا ينكر مدى ما يتمتع به القاضي أو المحكم من سلطات تقديرية في تقييمه مدى تحقق شرط القوة القاهرة و اعتباره قائما

إن فوائد شرط القوة القاهرة الذي ينص صراحة على طريقة فسخ العقد يعزز أيضا حالة التوازن العقدي بين الطرفين و يؤكد مساواتهم في ممارسة حق إنهاء العقد من جانب واحد . ولقد تأكد هذا الموقف في الشروط العامة للبيع الخاصة بمنظمة السوق الأوربية المشتركة حيث تنص على أنه عندما يصبح مستحيلا تنفيذ العقد في مدة معقولة :

  ” للطرفين الحق في أن يتحلل من العقد بمجرد الإخطار كتابة دون الحاجة للمطالبة بالفسخ لدى المحكمة “

إلا أن مثل هذا الحق لفسخ العقد يتطلب حذرا كثيرا والتأكد من قبل طرفي العقد بتحقق حالة القوة القاهرة بحيث لا يسمح للطرف المقابل الطعن في صحة الفسخ و المطالبة بالتعويض لعدم التنفيذ .

أما عند عدم وجود الاتفاق بين الطرفين لكيفية فسخ العقد في حالة القوة القاهرة ، فانه لابد من الرجوع إلى قواعد القانون المحلي أو الدولي التي تحكم ذلك . فما هو مبدأ القانون الساري على العقد الدولي في فسخ العقد ؟

ب-فسخ العقد تبعا لأحكام القانون :

ليس غريبا أن يحصل تباين في موقف التشريعات من مبدأ فسخ العقد و تحديد شروط هذا الفسخ . فكثير من هذه القوانين تفرض تدخل القضاء لإصدار حكمه وإعلان فسخ العقد .، حيث تنص المادة 1184 من القانون المدني الفرنسي  ” بان فسخ العقد يجب أن يحصل بطلب لدى القضاء “. وينتج عن هذا المبدأ بأن أية حالة تكشف عن

عجز المدين عن تنفيذ التزاماته مهما كانت أهميتها و مصدرها لا تؤدي إلى فسخ العقد من تلقاء نفسه ، إنما ينبغي إقامة دعوى الفسخ   action résolutoire  أمام القضاء وعند ذلك تخضع هذه الدعوى لتقدير القاضي المختص .

وجدير بالذكر إن  للقضاء في هذه الحالة كامل الصلاحيات لتقييم مقدار وأهمية استحالة التنفيذ و مدى تأثيرها على مصير العقد وتقدير فيما إذا كانت سببا كافيا يتطلب عنده إنهاء العقد

إن ما يدعو المشرع الفرنسي في موقفه هذا هو حذره الشديد واحترازه تجاه كافة حالات فسخ العقد لأنه يقدر مقدار ما يتضمنه إنهاء العقد من نتائج ضارة تترتب على من تقع عليه أعباء المسئولية لعدم تنفيذ التزاماته العقدية .ولهذا اشترط المشرع بان تؤسس المحكمة صحة حكمها تبعا لظروف الحادث التي استحال فيها تنفيذ العقد .

وقصد من ذلك إزالة كافة احتمالات التعسف في استعمال هذا الحق فيما لو تركت حرية اتخاذه من طرف واحد .

مهما يكن من أمر ، فان قرار القاضي سيكون اختياريا وخاضعا لتقديره الخاص لظروف الدعوى ، حيث أنها مسألة وقائع تتأثر بعامل الزمن وظرف المكان ووضع المتعاقدين . وقد لا يقضي بفسخ العقد ويكتفي فقط بإعطاء مهلة للمدين بتنفيذ التزاماته وتعليق مصير العقد للفترة التي يراها مناسبة

فالقاضي لا يتمسك مطلقا بما اختاره الدائن من حل مستعجل لأجل إنهاء العقد

إذا كانت هذه القاعدة في  إنهاء العقد لها تبريرها في نطاق العقود المحلية ، لكنها تتعارض دائما مع الوضع الخاص للعلاقات التجارية الدولية وتشكل عائقا لما يجب أن يتمتع بها المتعاقدين ومنها سرعة التعامل والحرص على تنفيذ الالتزامات في وقتها الصحيح ، أو التخلي عنها وإنهائها عند حصول القوة القاهرة بمليء إرادة الطرفين دون الحاجة لانتظار إصدار حكم قضائي .

وكذلك إن الانتظار لغاية إصدار هذا الحكم لا يتفق  مع بعض المعايير التي تشخص البيع التجاري الدولي ومنها تقلبات الأسعار للبضائع في السوق الدولية والحاجة السريعة للحصول على المبيع من مورد آخر .

كما إن إنهاء العقد من خلال الإجراءات القضائية لها مساوئها التي لا تتفق مع اقتصاد العقد الدولي لأنها في جميع الافتراضات بطيئة و مكلفة للطرفين . وهو ما يبرر دائما لجوء طرفي العقد إلى الاتفاق على شرط التحكيم التجاري الدولي الذي يتسم بالسرعة في حسم النزاع العقدي بين الأطراف

ولقد خرج المشرع الفرنسي عن هذه القاعدة حيث أجاز إمكانية انقضاء العقد من تلقاء نفسه عند عدم تنفيذ الالتزامات في مواضع معينة كما جاء في نص المادة 1657 من القانون المدني التي تنص بأنه ” في بيع الغلل والأموال المنقولة ينفسخ العقد من تلقاء نفسه ، لصالح البائع ، دون حاجة للإنذار بعد نفاذ الموعد المقرر للاستلام “

ولاشك في أن الجواز للبائع فقط حق فسخ العقد عند عدم التنفيذ دون منح المشتري هذا الحق  يؤدي إلى الإخلال بمبدأ التوازن العقدي بين حقوق كلا الطرفين التي يجب أن يتضمنها العقد سواء وقت انعقاده أو عند فسخه مهما كان سبب عدم التنفيذ

ولقد حاول القضاء الفرنسي إزالة هذا التباين في حقوق الطرفين والحفاظ على مبدأ التوازن في ممارستها حينما تتعرض التزامات الطرفين على السواء لحالة القوة القاهرة حيث أصدرت محكمة النقض حكمها الذي يتضمن

  ” إن طلب الفسخ القضائي للعقد  عند استحالة التنفيذ ليس ضروريا “

 وهذا الحكم يقضي إعفاء الطرفين من تقديم طلب الفسخ عند حصول القوة القاهرة . وحلا كهذا ينسجم مع ما يتطلبه مستوى التعامل في العلاقات التجارية الدولية لتحديد مسئولية طرفي العقد عند عدم التنفيذ دون تمايز بينها ونرى فيه اكثر نفعا لو يتضمن مبدأ القانون المحلي صراحة إمكانية فسخ العقد من قبل الطرفين على حد سواء عند استحالة تنفيذ العقد كما حاولت بعض التشريعات .

فلقد أجاز مبدأ القانون السويسري و الألماني  إعلان إنهاء العقد من جانب واحد بشرط أن يستهدف عدم التنفيذ  إحدى الالتزامات الرئيسية في العقد .

ولاشك في سريان هذه القاعدة  عند حالة القوة القاهرة لاستحالة التنفيذ المادية أو الاقتصادية أو القانونية . وتعتبر من المخالفات الجوهرية للعقد حينما لا يتم مثلا تسليم المبيع أو تسديد الثمن ، فكلاهما من الالتزامات الرئيسية في العقد .

كما أن تطبيق هذه القاعدة لا تمنع أي طرف في العقد الطعن أمام القضاء أو لبيان صحة إعلان إنهاء العقد من قبل المدين بالتنفيذ .وقد يؤدي هذا الطعن إلى إلغاء إعلان الفسخ والاستمرار بتنفيذ الالتزامات من قبل الطرفين حينما لا يثبت أمام المحكمة تحقق استحالة التنفيذ .

وطريق الطعن يقلل أيضا من محاولة أي طرف في العقد التعسف في استعمال حقه في فسخ العقد  أو التسرع في ممارسته تقديرا منه لوجود حالة القوة القاهرة ، والتي قد يعتبرها القضاء حالة مؤقتة يمكن تجاوزها تبعا لظروف الحادث كما ذكرنا ذلك في أعلاه .

لقد أخذ المشرع الدولي أيضا بمبدأ إنهاء العقد من جانب واحد حيث تنص المادة 72 من اتفاقية فينا بأنه ” إذا تبين بوضوح قبل حلول ميعاد تنفيذ العقد أن أحد الطرفين سوف يرتكب مخالفة جوهرية للعقد جاز للطرف الآخر أن يفسخ العقد ” .

كما تأكد العمل بمبدأ حق فسخ العقد لأي طرف من طرفي العقد عندما تعرضت الاتفاقية الدولية في أحكامها إلى التزامات كل من المشتري و البائع في نص المادة 49 والمادة 64 .حيث أجازت كل منهما إنهاء الرابطة العقدية وذلك عندما يكون عدم تنفيذ إحدى الالتزامات التي يرتبها العقد أو نصوص الاتفاق على المدين ،البائع أو المشتري ، يشكل مخالفة جوهرية للعقد .

ولاشك في أن هذا المبدأ يجد له تطبيقا  أكيدا في ظروف القوة القاهرة حيث يتعذر على طرفي العقد تنفيذ التزاماتهما

العقدية مما يؤدي إلى اعتباره إخلالا جوهريا لاتفاق الطرفين . وكما تنص المادة 25 من الاتفاقية الدولية هذه المخالفة الجوهرية تتحقق “إذا تسببت في إلحاق ضرر بالطرف الآخر من شأنه أن يحرمه بشكل أساسي مما كان يحق له أن يتوقع الحصول عليه بموجب العقد …”

ولكي ينتج إعلان فسخ العقد أثره ، اشترط المشرع الدولي في نص المادة 26 من اتفاقية فينا  إعلام الطرف الآخر بفسخ العقد . ولقد أراد المشرع من هذا القيد تقليل الأخطار التي قد يتعرض لها الدائن عند عدم تنفيذ الالتزامات من قبل المدين بالتنفيذ بسبب حالة القوة القاهرة .

ج- فسخ العقد من تلقاء نفسه :

تبنى المشرع الدولي وكذلك بعض القوانين المحلية مبدأ انقضاء العقد من تلقاء نفسه عندما يتعرض تنفيذه إلى حالة من حالات القوة القاهرة . ولقد اعتبر المشرع هذا الحل من باب الإعفاءات من المسئولية لعدم تنفيذ الالتزام .تنص

المادة 79 من اتفاقية فينا لعام 1980 بأنه

” لا يسأل أحد الطرفين عن عدم تنفيذ أي من التزاماته إذا اثبت أن عدم التنفيذ كان بسبب عائق يعود إلى ظروف خارجة عن إرادته وانه لم يكن من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذ العائق في الاعتبار وقت انعقاد العقد أو أن يكون بإمكانه تجنبه أو تجنب عواقبه أو التغلب عليه أو على عواقبه “.

ونرى  لهذه القاعدة أثرا في نص المادة 373 من القانون المدني المصري بأنه

” ينقضي الالتزام إذا اثبت المدين إن الوفاء به اصبح مستحيلا عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه ” . وقدم كذلك المشرع الأردني موقفا اكثر وضوحا يستهدف حالة القوة القاهرة في نص المادة 274 من القانون المدني وهو :

” في العقود الملزمة للجانبين إذا طرأت قوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا انقضى معه  الالتزام المقابل له وانفسخ العقد من تلقاء نفسه فإذا كانت الاستحالة جزئية انقضى ما يقابل الجزء المستحيل … “

 هذه هي القاعدة أيضا عند المشرع الكويتي : انظر نص المادة 215 من القانون المدني رقم 67 لسنة 1980 .

ومحتوى هذه النصوص ينفع في منح كل من طرفي العقد على السواء الحق في فسخ العقد عندما يثبت لديه استحالة تنفيذ التزاماته العقدية تحت تأثير القوة القاهرة .

لاشك إن انقضاء العقد بسبب القوة القاهرة ينسجم مع مبدأ العدالة والاتجاه الصحيح الذي يتطلب استقرار المعاملات التجارية محلية أو دولية . ولكن تطبيق هذه القاعدة لابد أن يخضع لمبدأ القانون الذي يحكم العقد .

فإذا كان قانون العقد يقضي وجوب إعلان الفسخ من قبل القضاء ، فلابد من مراعاة الإجراءات والالتزام بمراعاتها لضمان حقوق الطرفين . ولتحقيق ذلك لابد إذن من قيام دعوى فسخ العقد  action en résolution  .

وهنالك موقف آخر يستند على قواعد قانون العقد ذاته في جواز فسخه من طرف واحد أو من تلقاء نفسه في حالة القوة القاهرة . وينتج هذا الحل أما عن اتفاق الطرفين بنص صريح في شرط القوة القاهرة ، أو بتطبيق قواعد القانون المختص الذي يخضع إليه العقد كما رأينا ذلك في أعلاه.

عند ذلك يحق لأي من الطرفين أن يعلن من جانب واحد نيته في إنهاء العقد وإخطار الطرف الآخر عن هذه النية في الوقت المناسب لكي تنتج أثرها على مصير العقد .

ومثل هذا الموقف القانوني نجده في نص المادة 158 من القانون المدني المصري الذي أجاز الاتفاق على اعتبار العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم قضائي عند عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عنه ، بشرط اعذار الدائن إن لم يتفق الطرفين على خلاف ذلك .

انفساخ العقد

عندما ينفسخ العقد بسبب القوة القاهرة ، يختلف اثر ذلك حسب طبيعة محل الالتزام وقصد المتعاقدين . ومن المهم التفرقة بين افتراضين

  • الأول هو أن يكون محل الالتزام عينا لا تقبل التعدد أو التجزئة .
  • والحالة الثانية حينما يكون محل التزام المتعاقدين متعددا في عناصره . فما هي إذن أحكام آثار الفسخ على محل العقد ؟

عندما ينصب محل الالتزام على عين واحدة فقط متحدة بكامل عناصرها وأجزاؤها ، فإن حالة القوة القاهرة تصيب محل العقد بكامله . ويتبين لنا عند هذه الحالة إن التزام الطرفين لا يقبل التجزئة والتبعيض  indissociable.

ومن الطبيعي أن يفسخ العقد كليا بكامل عناصره لاستحالة التنفيذ طالما إن المعقود عليه يعبر عن التزام واحد متحد العناصر والاستعمال كما تقضي به طبيعة الأشياء وقصد المتعاقدين  .

ولاشك إن عدم التنفيذ في أي عنصر من العقد يشكل مخالفة جوهرية لتنفيذه تعطي الحق للمشتري بفسخ العقد كما نصت  على ذلك المادة 49 من اتفاقية فينا.

وكما هو أيضا في المفهوم المقابل للمادة 51 فقرة 2 من هذه الاتفاقية حيث لا يجوز للمشتري أن يفسخ العقد برمته إلا إذا كان عدم التنفيذ الجزئي يشكل مخالفة جوهرية للعقد . فحينما يجعل الحادث الجبري تنفيذ هذا النوع من الالتزام مستحيلا حتى في جزء منه فهو مخالفة جوهرية للعقد .

فلابد أن يفسخ العقد ليشمل التزام الطرفين بكامله  وينقضي عندئذ الاتفاق لاستحالة التنفيذ . ويجري تطبيق هذه القاعدة أيضا لصالح البائع عندما تصيب حالة القوة القاهرة قدرة المشتري في تسديد الثمن .

إن الحكم  بأن استحالة التنفيذ حالة ينفسخ بها العقد تتفق عليه التشريعات الداخلية . وحيث القاعدة العامة هو إن هلاك المعقود عليه بسبب القوة القاهرة في العقود الملزمة للجانبين حالة تؤدي إلى أن ينفسخ العقد

المادة 179 قانون مدني عراقي ، المادة 247 قانون مدني أردني .المادة 215 فق1 قانون مدني كويتي .

 وتقضي كذلك المدة 159 من القانون المدني المصري بأنه ” في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة له وينفسخ العقد من تلقاء نفسه ” .

وكما تجيز  المادة 438 من هذا القانون للمشتري أن يطلب فسخ البيع إذا كان النقص جسيما بحيث لو وجد قبل العقد لما تم البيع .ومضمون هذه القاعدة ينطبق عندما يكون المعقود عليه غير قابل للتجزئة و التبعيض لأنه يفقد قيمته كليا بغياب جزء جوهري منه يؤثر على طبيعة الشيء ويعدم الانتفاع منه.

وقد يكون محل العقد قابلا للتجزئة والتبعيض dissociable حينما يشمل عناصر متعددة الاستعمال وقصد المتعاقدين . في هذه الحالة ينشأ اتفاق الطرفين التزامات متعددة .

ومع ذلك هنالك احتمالين . الأول هو إن محل العقد وإن كان متعدد العناصر ، إلا إنه لا يقدم المنفعة التامة للدائن إلا بعد تنفيذ كافة عناصره .وإذا تخلف أي جزء من المعقود عليه يفسد الفائدة ويلغي قصد المتعاقد . فعندما تتعرض إحدى عناصره لحالة القوة القاهرة ، انفسخ العقد

ويأخذ حكم الفسخ الذي يصيب  العقد باعتباره عين واحدة غير قابل للتجزئة لانتفاء منفعة المعقود عليه. وبمعنى آخر هو انتفاء الحاجة للأجزاء الأخرى وإن كان من الممكن تنفيذها .

وهذا الموقف يتطابق مع المبدأ القائل بأن مع الاستحالة الجزئية ينقضي ما يقابل الجزء المستحيل من التزام ، وللدائن بحسب الأحوال ، أن يتمسك بالعقد فيما بقي ممكن التنفيذ ، أو أن يطلب فسخ العقد  عندما لا يكون نافعا تنفيذ جزء من العقد .

انظر المادة 215 ق2  قانون مدني كويتي  ؛ المادة 247 من القانون المدني الأردني  .

أما قاعدة انقضاء الالتزام بما يقابل الجزء المستحيل فمن منفعة المتعاقد التمسك بها حينما يكون محل العقد متعددا وانه قابل للتجزئة والتبعيض بحيث إن عدم تنفيذ أحد أجزائه ، وإن كان ينقص من مقدار المنفعة التي ينتظرها المتعاقد من وراء التزامه ، إلا إن التنفيذ الجزئي لا يلغيها بالكامل .

عند ذلك لا يسري فسخ العقد إلا على الجزء الذي تعرض لحالة القوة القاهرة حيث اصبح تنفيذه مستحيلا، وذلك مثلا عندما يكون محل العقد كمية من المكائن  الصناعية أو الحاسبات الإلكترونية أو التجهيزات المنزلية .حينما يتعرض جزء من الكميات المتفق عليها لحالة القوة القاهرة

فإن ذلك لا يلغي الالتزام بتنفيذ باقي الكمية طالما لا يؤثر عدم التنفيذ الكلي على الجانب الوظيفي الفني أو المنفعة الجوهرية  عند تشغيل هذا الجزء ، ولازال من الممكن التزود به فنيا وتجاريا من مصادر أخرى في السوق الدولية.

ويبقى العمل بهذه القاعدة ملزما إلا في حالة اتفاق الطرفين على خلاف ذلك حيث إن هذا الواقع الجديد بسبب القوة القاهرة يجعل تنفيذ الالتزام حكمه هو حكم التنفيذ الجزئي للمبيع  La livraison patielle .

ومن الملاحظ أيضا في العرف التجاري الدولي إنه لا يبرر فسخ العقد كليا بسبب القوة القاهرة طالما إن محل التزام الطرفين قابلا للتجزئة أي عندما لا يؤثر عدم تنفيذ الجزء بكثير في منفعة الطرف الدائن في العقد عملا بقاعدة استقرار المعاملات والتقيد بمبدأ حسن النية في العقود التجارية الدولية .

وتسري أحكام الفسخ الجزئي كذلك على ملحقات المبيع Les accessoires  وتقييم فيما إذا كانت قابلة للتجزئة أو إنه لا يمكن الاستغناء عنها أحيانا ولا يصح تنفيذ العقد دونها لانعدام الفائدة في الانتفاع بالشيء محل العقد .

تبعة هلاك المبيع

من المسائل المهمة التي يثيرها فسخ العقد هو معرفة على من تقع تبعة هلاك المبيع عندما يتعرض كله أو جزء منه لحالة القوة القاهرة كالحريق أو الغرق أو التلف وغير ذلك من الحالات التي تصيب محل العقد .

 في العقود الاتفاقية ومنها عقد البيع التجاري الدولي تقضي القاعدة العامة بأن هلاك محل العقد يقع على عاتق المدين بالتنفيذ قبل تسليم المبيع . وبعبارة أخرى ، يتحمل المدين بالتنفيذ تبعة استحالة تنفيذ التزامه عند هلاك المبيع بسبب القوة القاهرة.

 ومن المؤكد من ناحية أخرى بأن تبعة هلاك المبيع تدور مع وقت نقل ملكية الشيء محل العقد  transfert de propriété   وليس في تاريخ تسليمه للدائن date de livraison  إلا في حالة أن يكون فعل التسليم شرطا لانتقال الملكية من ذمة المدين إلى ذمة الدائن .

ولمعرفة وقت انتقال الملكية لابد إذن من النظر إلى القواعد التي تحكم شروط العقد الدولي . ينبغي عند هذه الحالة معرفة القانون الواجب التطبيق على العقد حيث تختلف القوانين الداخلية في أحكامها لتحديد وقت انتقال ملكية المبيع محل العقد .

تقضي قواعد القانون الفرنسي بأن انتقال ملكية المبيع تتم بمجرد التقاء إرادة طرفي العقد solo consensu  . وبموجب ذلك فإنه عند هذه اللحظة يعتبر العقد قائما وينشأ أثره على المعقود عليه . حيث تقضي المادة 1583 من القانون المدني بأنه يعتبر البيع تاما بين الطرفين ويكتسب المشتري حق الملكية قبل البائع بمجرد الاتفاق على الشيء المبيع والثمن  حتى وإن لم يتم بعد تسليم المبيع أو دفع الثمن .

ومن مبدأ القانون فإن وقت انتقال ملكية الشيء يشمل  بنفس الوقت انتقال المخاطر التي قد يتعرض لها . وهذا الحكم ما هو إلا تطبيقا للقاعدة التي تقضي بأن الشيء يهلك على المالك res perit dominus    التي يأخذ بها النظام القانوني الفرنسي ومفاده بأن الشيء يهلك في أموال من كان مالكا له .

وتطبيقا لذلك يتحمل المشتري المخاطر التي يتعرض لها المبيع منذ وقت إبرام العقد .فإذا هلك الشيء بفعل حالة القوة القاهرة ق بل أن يتم التسليم ، يبقى المشتري ، باعتباره مالكا للمبيع ، مدينا بدفع الثمن حيث يندمج انتقال المخاطر مع انتقال الملكية وهو تاما ونافذا منذ أن تم انعقاد العقد .

إلا إن للقضاء الفرنسي موقفا معتدلا حينما يكون المبيع من المثليات  une chose de genre  حيث يقضي بعدم انتقال الملكية للمشتري إلا من لحظة فرز المبيع  individualisation

تنص المادة 531 من القانون المدني العراقي بأنه إذا كان المبيع لم يعين إلا بنوعه فلا تنتقل الملكية إلا بالإفراز .انظر : Cass. Com . 28 fèvrier 1950 : Rev. Trim. Dr. Com. 1950 , note Hemard .

انظر أيضا نص المادة 463 من القانون المدني الكويتي : في نقل ملكية المبيع ، فإن لم يعين إلا بنوعه ، لا تنتقل ملكيته إلا بالإفراز .

وموقف القضاء هذا ما هو إلا تطبيقا لمضمون المادة 1585 من القانون المدني التي تنص بأن بيع البضائع من الموزونات أو المعدودات أو القابلة للقياس لا

يكون تاما وتهلك على البائع قبل وزنها أو عدها أو قياسها . ولقد أخذ المشرع الدولي بهذه القاعدة في نص المادة  67 – فقرة 2 من اتفاقية فينا التي تقضي بأن :

” لا تنتقل تبعة الهلاك إلى المشتري ما لم تكن البضائع معينة بوضوح بأنها المشمولة بالعقد ، سواء بوجود علامات مميزة على البضائع ، أو بمستندات الشحن ،

… ” وهذا الموقف ينطبق تماما مع ما درج عليه العرف التجاري الدولي حيث يتم في العقود الدولية الاتفاق على نموذج وبالتالي لا يمكن أن تتحدد تبعة هلاك المبيع قبل صنعه مطابقا للنموذج في النوعية والكمية المتعاقد عليها . فيبقى البائع ضامنا لكل المخاطر التي يتعرض لها محل العقد قبل فرزه وتشخيصه باعتباره المشمول بالعقد .

أن مبدأ انتقال الملكية بمجرد انعقاد العقد وما ينتج عنه من انتقال المخاطر للمالك الجديد ، لم يحظى بقبول عام في مجال العلاقات التجارية الدولية لأسباب كثيرة منها . إن هنالك من القوانين التي تحكم قواعدها العقد الدولي تؤخر في الواقع انتقال الملكية إلى الوقت الذي تتم عنده الحيازة المادية للمبيع والفعلية في يد المشتري .وهذا الموقف يجد جذوره في القانون الجرماني

حيث يعتبر وقت تسليم المبيع هو الفاصل لتحديد تبعة هلاك الشيء . وكثير من القوانين العربية تبنت هذا المعيار ، حيث ورد في المادة 547  من القانون المدني العراقي بأن  تبعة هلاك المبيع تدور مع القبض حيث تنص هذه المادة بأن ” إذا هلك المبيع في يد البائع قبل أن يقبضه المشتري يهلك على البائع ولا شيء على المشتري ، إلا إذا حدث الهلاك بعد إعذار المشتري لتسلم المبيع … ” .

فهلاك المبيع إذن قبل القبض على عاتق البائع وإن كان قضاءا و قدرا . ونجد هذا الحكم في محتوى المادة 437 من القانون المدني المصري التي تنص بأنه ” إذا هلك المبيع قبل التسليم لسبب لا يد للبائع فيه انفسخ البيع واسترد المشتري الثمن إلا إذا كان الهلاك بعد اعذار المشتري لتسليم المبيع ” .

وكذلك ما جاء في نص المادة 472 من القانون المدني الأردني التي تقضي بأنه ” إذا هلك المبيع في يد المشتري بعد تسلمه لزمه أداء الثمن المسمى للبائع وإذا هلك قبل التسلم لسبب لا يد للمشتري فيه يكون مضمونا على البائع “

 وهذه هي القاعدة أيضا في القانون الكويتي : نص المادة 478 من القانون المدني .

ولابد من القول بأن استخدام كلمة ” التسليم ” من قبل المشرع تعطي دلالة  تعبر عن الأثر القانوني لهذا الالتزام أوسع شمولا من مصطلح ” القبض “، ولهذا فهو أكثر استعمالا في التعامل التجاري . وكما عرف المشرع المصري في نص المادة 435 فقرة1 من القانون المدني ” التسليم ” بأنه وضع المبيع تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته  والانتفاع به دون عائق ولو لم يستولي عليه استيلاء ماديا ما دام البائع قد اعلمه بذلك

 انظر أيضا نص المادة 472 من القانون المدني الكويتي .

وهذا الحل يتطابق دائما مع ما هو معمول به في العرف التجاري الدولي الذي يعتبر  التسليم صحيحا بإرسال سند الشحن للمشتري أو شهادة النقل الجوي . وإن استلام هذه الوثائق تعوض عن التسليم المادي ، أي القبض ، وتؤكد بنفس الوقت الحيازة القانونية للمبيع وحرية التصرف به في بيعه أو التنازل عنه قبل وصوله لمخازن المشتري .

وقد تبنى المشرع الدولي هذا الموقف وأعتبر انتقال تبعة الهلاك تدور مع الالتزام بالتسليم ، حيث تنص المادة 67 فقرة 1 من اتفاقية فينا عندما يتضمن عقد البيع نقل المبيع  بأن ” تنتقل التبعة إلى المشتري عند تسليم البضائع إلى أول ناقل لنقلها إلى المشتري . وإذا كان البائع ملزما بتسليم البضائع إلى ناقل في مكان معين ، لا تنتقل تبعة الهلاك إلا عند تسليم البضائع إلى الناقل في ذلك المكان ” .

إن القاعدة في العرف التجاري الدولي هو الفصل دائما بين انتقال الملكية و انتقال المخاطر . وإذا أخذنا مثلا نوع من أنواع البيوع الدولية C & F  أو C A F  أو البيع EX – SHIP  التي تعني شرط تسليم المبيع في ميناء الوصول

 حيث تنتقل ملكية المبيع في هذه البيوع مباشرة بعد شحنها ، بينما تبقى مخاطر الهلاك والتلف التي قد يتعرض لها لمبيع على عاتق البائع لأن حقه في الثمن لا ينشأ إلا بعد وصول الشيء  إلى المكان المتفق عليه في العقد  .ويمكن أن نذكر مثلا على ذلك الشرط التالي :

                            le vendeur s’engage à livrer les marériels et équipements complets spécifiés

    dans les annexes C.I.F./Alger ou tous les autres ports algériens à ses

  risques et périls avec l’emballage maritime appropié au moyen de transport .)

وإذا نظرنا إلى نماذج البيوع الدولية Les incoterms   بشكل عام نجدها أهملت مبدأ نقل الملكية معتبرة بأنه لا يعطي حلا ينفع عمليا لتنظيم موضوع نقل المخاطر و تحمل تبعة الهلاك .ولكنها اهتمت بتقديم قواعد متنوعة ، تلزم أحيانا المشتري وأحيانا أخرى البائع ، مسئولية تحمل المخاطر وتبعة هلاك المبيع كما يقرره نوع البيع الدولي الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين .

ويستقر معيار نقل المخاطر في  البيوع الدولية على مبدأ التزام البائع بتسليم المبيع للدائن .وقد يكون هذا التسليم مباشرا ، عندها تقع تبعة الهلاك على المشتري بمجرد فرز المبيع أو تعيينه كما هو الحال في البيوع :

 à l’usine  , Ex – Ship  , à quai  , Rendu Frontière

وعندما يكون تسليم المبيع للدائن غير مباشر كما  هو الحال في البيوع التي تستوجب تدخل الناقل البري أو البحري أو الجوي لنقل المبيع من دولة إلى أخرى كما هو الحال في البيوع التالية :

CAF ,  C & F , FAS ,  FOB ,  Fret/ Port payé .

في هذه البيوع يبدأ انتقال المخاطر على عاتق المشتري من الوقت الذي توضع البضاعة في يد الناقل .في هذا المعنى ترى المحكمة في أحد القضايا بأن نوع البيع هوFOB  عند الشحن ، وبموجبه تكون نتائج فقدان البضاعة  التي وقعت أثناء النقل البحري  على عاتق المشتري

وهذه هي القاعدة التي أخذ بها المشرع الدولي في نص المادة 67 من اتفاقية فينا كما ذكرنا ذلك في أعلاه . ويستنتج من ذلك بأن تبعة هلاك المبيع تكون على عاتق البائع قبل التسليم للناقل وتنتقل للمشتري عند التسليم للناقل فيصبح المبيع في رقابته أو رقابة مستخدميه حتى يتم تسليمه للمشتري .

ومفهوم تسليم المبيع في البيع الدولي جاء واضحا في  المادة 436 من القانون المدني المصري حيث تنص بأنه

” إذا وجب تصدير المبيع للمشتري فلا يتم التسليم إلا إذا وصل إليه ما لم يوجد اتفاق يقضي بغير ذلك ” .  وتنطبق هذه القاعدة على البيع CAF   حيث يتضمن مبلغ العقد ثمن الشيء المبيع ، وبدل التأمين ، والنقل لغاية وصول المبيع للدائن .

مسئولية المدين

من المبدأ العام في العلاقات العقدية هو التزام المدين بتنفيذ الشروط التي وردت في العقد . أما الإخلال بعدم تنفيذ أي من هذه الشروط يعرض المدين للمسئولية العقدية ويلزمه بالتعويض عن الأضرار التي قد  يتعرض لها الطرف الآخر لما فاته من كسب أو ما لحقه من خسارة .

إلا إن حالة أن ينفسخ العقد بسبب القوة القاهرة يعطي استثناء  لهذه القاعدة بإعفاء المدين cause exonératoire   من المسئولية لعدم تنفيذ الالتزامات التي رتبها العقد وما ينتج عنها من أضرار  .

ومصدر الإعفاء من المسئولية يستقر أولا في  الظروف التي  أفرزت استحالة التنفيذ والتي تفيد بعدم وجود الخطأ من قبل المدين ، ويتأكد من ناحية أخرى في انعدام العلاقة السببية Lien de causalité  بين عدم تنفيذ تلك الالتزامات والأضرار الناتجة عنها .

ولكي يتمتع المدين بأثر الإعفاء effet exonératoire  عليه أن يثبت حالة القوة القاهرة لدفع المسئولية لعدم التنفيذ .

وهذه هي القاعدة العامة في كافة التشريعات المحلية أو الدولية  حيث تنص المادة 1148 من القانون المدني الفرنسي بأنه ” لا يوجد أي تعويض في حالة وجود القوة القاهرة أو الحادث الجبري منعت المدين إعطاء أو عمل ما التزم القيام به ….”.

كذلك تنص المادة 165 من القانون المدني المصري بأنه “إذا اثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه ، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة …. كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر ، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك “

أما المشرع الدولي ، فتقضي المادة 79 من اتفاقية فينا لعام 1980 بأنه

” لا يسأل أحد الطرفين عن عدم تنفيذ أي من التزاماته إذا أثبت أن عدم التنفيذ كان بسبب عائق يعود إلى ظروف خارجة عن إرادته وانه لم يكن من المتوقع بصورة معقولة أن يأخذ العائق في الاعتبار وقت انعقاد العقد أو أن يكون بإمكانه تجنبه أو تجنب عواقبه أو التغلب

عليه أو على عواقبه ” . ولقد أراد المشرع بهذا النص الواسع أن يذكر في آن واحد خصائص حالة القوة القاهرة ، وإنها من جانب آخر سببا معفيا  للمدين عند عدم تنفيذ التزاماته التعاقدية .

إن مبدأ الإعفاء من المسئولية بسبب القوة القاهرة يقدم حلا ملائما لعلاقات الأطراف في البيع التجاري الدولي لأن مجرد فسخ العقد  سواء كان جزئيا أم كليا  يؤدي إلى أضرار جسيمة على مصالح طرفي العقد . فمن باب أولى إعفاء المدين أيضا من مسئولية إصلاح الضرر الناتج عن حالة القوة القاهرة .

ورغم وجود هذا المبدأ العام للإعفاء في القانون المحلي والدولي على السواء ، نرى من مصلحة الطرفين أن يتضمن العقد صراحة هذا الأثر المعفي للمسئولية  في حالة وقوع الحادث الجبري أو القوة القاهرة كما هو واضح في نص الشرط التالي :

” لأي تأخير أو عدم تنفيذ الالتزامات بسبب القوة القاهرة ، لا يحق لأي طرف من الطرفين مطالبة الطرف الآخر بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به نتيجة انقضاء العقد بسبب القوة القاهرة ” :

Pour le retards et non exécution des obligations dus à la force majeure , aucune des parties ne peut réclamer à l’ autre des pénalités , des intérêts ou tout autre dédommagement ou participation au préjudice souffert par elle à cause de la force majeure . ( 1 )

كما إنه ينبغي تحرير الأثر المعفي  للمسئولية في النص الذي يعرف حالة القوة القاهرة كما اتفق عليه طرفي العقد . وبالتالي يتمكن البائع أو المشتري الدفع بعدم المسئولية عند عدم التنفيذ لحصول أي حادث أو عائق تضمنه النص ذات طبيعة تمنع الوفاء بالالتزامات .

وهذا الحل يقيد سلطة القاضي في اتخاذ حكم مغاير لما اتفق عليه صراحة طرفي العقد وذلك تطبيقا للقاعدة بأن  ” المتعاقدين عند شروطهم “وكذلك احترام مبدأ سلطان الإرادة في العقود التجارية.

الأثر الرجعي لفسخ عقد النقل

القوة القاهرة في العقود

عندما ينفسخ العقد بسبب القوة القاهرة ، لا يعني فقط بأن العقد قد توقف في انتاج أثره في المستقبل، وإنما يلغي أثره أيضا في الماضي . وينتج عن ذلك بأن على البائع إعادة مبلغ العقد أو ما قبضه من هذا الثمن . وفي حكم لمحكمة النقض الفرنسية يقضي بأن فسخ البيع له أثر مادي هو إعادة طرفي العقد إلى نفس و عين الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد

وهذا الحكم ما هو إلا تطبيقا لمبدأ القانون بشكل عام حيث تنص المادة 160 من القانون المدني المصري على ما يلي : ” إذا فسخ العقد أعيد المتعاقدان إلى الحالة التي كانا عليها قبل العقد ، فإذا استحال ذلك جاز الحكم بالتعويض “

وفي أحكام آثار الفسخ لعقد البيع الدولي تنص كذلك الفقرة الأولى من المادة 81 فقرة1 من اتفاقية فينا على ما يلي : ” بفسخ العقد يصبح الطرفان في حل من الالتزامات التي يرتبها عليهما العقد ، مع عدم الإخلال بأي تعويض مستحق ،…”

 ولقد جرى العرف في العقود التجارية الدولية تسديد جزء من الثمن كشرط لإبرام العقد كي يكون نافذا قبل البائع. ولهذا يكون طبيعيا أن يتم إعادة ما قبضه البائع من الثمن عند استحالة تنفيذ العقد . ولأجل ذلك فإنه من منفعة المشتري تضمين العقد شرطا “ضمان إعادة تسديد ما تم قبضه من ثمن ” .

من ناحية أخرى ، فإن مبدأ العدالة يقضي دفع فوائد  يقررها السوق المالية تكون واجبة على البائع لما قبض من ثمن العقد لأهمية هذا المبلغ من حيث القيمة في العقود التجارية الدولية  وما له من آثار اقتصادية على استثمارات المشتري . ولم تغفل اتفاقية فينا لعام 1980 أهمية هذه القاعدة لتحقيق العدالة بين مصلحة المتعاقدين

حيث تنص المادة 84 فقرة1 بما يلي : ” إذا كان البائع ملزما بإعادة الثمن وجب عليه أن يرد الثمن مع الفائدة محسوبة اعتبارا من يوم تسديد الثمن “.

وإذا جاء النص مطلقا بهذه الصيغة عند ذكره الثمن ، نعتقد بأن المشرع الدولي أراد من هذه القاعدة أن تنطبق سواء كان تسديد الثمن كليا أو جزئيا كما هو الحال عندما يتضمن العقد دفع العربون للبائع عندما يتم إبرام العقد .

أثر الفسخ علي الشرط الجزائي

وهو الشرط الذي يقضي بأن على المدين بالتنفيذ دفع مبلغا معينا للدائن عند عدم تنفيذ إحدى الالتزامات العقدية . ولهذا تم اعتبار حالة عدم التنفيذ من قبل المدين لالتزاماته العقدية هي سببا لوجود الشرط الجزائي . فهل ينطبق ذلك عند استحالة التنفيذ بسبب حالة القوة القاهرة ؟

إذا رجعنا إلى مبدأ القانون الفرنسي ، نجد أولا بأن المادة 1226 من القانون المدني تعرف لنا الشرط الجزائي بأنه “الشرط الذي يلتزم به شخص لتأمين تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مقابل دفع شيء عند عدم التنفيذ “:

La clause pénale est celle par laquelle une personne , pour assurer l’exécution d’une convention ,

   s’ engage à quelque chose en cas d’inexécution .

 أما المادة 1126 من هذا القانون ، فقد وردت بتعريف آخر للشرط الجزائي لبيان آثاره على المدين و اعتبرته بأنه “التعويض عن الأضرار والفوائد التي تحملها الدائن لعدم تنفيذ الالتزام الأصلي في العقد ” :

La compensation des dommages et intérêts que le créancier souffre de l’inexécution de l’obligation principale .

ولقد حدد العرف التجاري الدولي مفهوما  للشرط الجزائي لا يختلف في مضمونه وآثاره مع ما ورد في مبدأ القانون الفرنسي . واعتبره ذلك الاتفاق  ” الذي يشترط دفع مبلغ من المال عند عدم تنفيذ الالتزام العقدي ” :

Celle qui stupile le paiement d’une somme d’argent en cas d’inexécution d’une obligation

لاشك بأن هناك دوافع متعددة للنص على الشرط الجزائي في الاتفاقات العقدية المحلية أو الدولية و منها :

محاولة طرفي العقد ترتيب حدود آثار عدم تنفيذ الالتزامات العقدية . فقد يهدف تطبيق الشرط الجزائي إلى تخفيف مسئولية المدين العقدية من خلال التسوية الاتفاقية المسبقة بين الطرفين حول مقدار التعويض والفوائد لتغطية الأضرار

والخسائر التي يتعرض لها الدائن . وقد يكون الشرط الجزائي نوعا من العقوبة المالية التي تهدد المدين وذلك في تشديد مسئوليته العقدية لكي تدفعه في الحرص على احترام تنفيذ التزاماته .

  وإننا نرى  أيضا بأن القصد من هذا الشرط هو محاولة طرفي العقد حجب سلطة القضاء المختص في تقدير مبلغ التعويض والفوائد عن الأضرار الناتجة لإخلال المدين بالتزاماته  .

كما إن الاتفاق العقدي للطرفين في دفع مبلغ يتم تحديده مسبقا عند إبرام العقد ،  سيحل محل ما يقرره مبدأ القانون للدائن من حق في التعويضات والفوائد عند عدم الوفاء بالالتزامات من أي طرف في العقد .

وإذا كانت خاصية الشرط الجزائي هي مجرد التعويض عن الأضرار الناتجة عن عدم التنفيذ ، فإن انقضاء العقد بسبب  القوة القاهرة يلغي تماما أثر الشرط الجزائي استنادا إلى مبدأ الإعفاء من المسئولية التي تطرقنا إليها سابقا . فيصبح الشرط لا قيمة قانونية له ويتوقف في أن ينتج أي أثر على المدين لاستحالة التنفيذ بسبب القوة القاهرة .ولقد عمل  العرف التجاري الدولي بهذه القاعدة كما هو واضح في نص الاتفاق الذي ورد سابقا

ضمان استرجاع ما دفع من ثمن

في أغلب  العقود الدولية يشترط على المشتري تقديم جزء من ثمن العقد وذلك في فترة قد تطول أو تقصر تسبق التنفيذ الفعلي لالتزامات البائع .

وهذا الشرط يستند في الواقع على مفهوم طبيعة العربون في العقود الدولية وحتى المحلية لغرض أن يسهل ويساعد البائع في تنفيذ التزاماته حيث يعطي الإمكانيات المالية الضرورية لنشاطه وتلزمه من جانب آخر احترام تنفيذ العقد في المدة المتفق عليها. وقد يهدف هذا الشرط إلى تقليل أثر المخاطر التي لربما يتعرض إليها نشاط مشروع البائع إلى التوقف أو الإفلاس .

 وهذا الشرط الاحترازي هو نوع من الضمان المالي للمشتري بأن يسترجع ما تم دفعه من الثمن عند عجز البائع عن الوفاء بالتزاماته بتنفيذ العقد الدولي وعدم قدرته إعادة مبلغ العربون من خلال الضمان الذي يوثقه البنك الضامن .

ولقد قدمت لنا الغرفة التجارية الدولية في باريس تعريفا خاصا لهذا الشرط يبين مضمونه وآلية تنفيذه مفاده بأن  ضمان التسديد يرتب التزاما يقدمه الضامن ،

  المصرف أو أي مشروع مالي أو شركة تأمين ،  يلتزم  بموجبه عوضا عن الآمر بالضمان وهو البائع الذي لا يقوم  برد ما قبضه من مبلغ العقد إلى المستفيد وهو المشتري . ويتعين على الضامن السداد في حدود الثمن المشار إليه في الشرط .

 والواضح في هذا الشرط هو أن يدخل الضامن كشخص ثالث لسداد ما قبضه البائع من الثمن عند عدم تنفيذ التزاماته العقدية ولأي سبب حتى في حالة القوة القاهرة . أما التزام الضامن فإن مصدره العلاقة التعاقدية بينه وبين البائع وهو الآمر بالضمان الساحب donneur d’ordre   .

إن وجود طرف ثالث في العقد الدولي باعتباره مقتدرا ماليا  وأجنبي عن عقد البيع ، فيه تأكيد لحماية حقوق المشتري في استرجاع العربون الذي تم دفعه للبائع بضمن الوسائل .

إن هذا النوع من الضمان يخلق حقا مؤكدا لمصلحة المستفيد منه وهو المشتري لأن التزام الضامن ذات قوة تنفيذ أكيدة  ومستقلة عن رغبة البائع بمجرد الموافقة على إصدار خطاب الضمان La lettre de garantie

ولا يتمكن الضامن بعد ذلك الانسحاب منه طالما تمت الموافقة بشأنه بطلب من البائع وهو الآمر بهذا الضمان لمنفعة المشتري .

و إذا تضمن عقد البيع على مثل هذا الشرط ، فإن قيمته التعاقدية تبقى قائمة ويستمر في أن ينتج أثره قبل الضامن  حتى عندما ينفسخ عقد البيع بسبب القوة القاهرة لازال الغرض الرئيسي لقيام هذا الضمان باقيا وهو عدم قيام البائع سداد ما قبض من ثمن لعدم تنفيذه العقد . فيبقى الشرط صحيحا وقائما قبل الضامن

إلا إذا ثبت قيام البائع برد ما قبض من الثمن للمشتري ، فينتهي العمل بهذا الشرط . ونجد لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة عند القضاء الفرنسي

ضمان حبس التنفيذ

يلجأ دائما طرفي العقد إلى هذا الشرط في معاملاتهم الدولية سواء كان العقد بيعا أو من عقود تنفيذ المشاريع الصناعية أو التجارية أو الخدمات. ويهدف في مضمونه إلى تغطية المخاطر المحتملة الناتجة عن عدم التنفيذ كليا أو إن هذا التنفيذ  ناقصا وغير صحيحا أو مخالفا لبنود العقد .

ويتم إدراج هذا الشرط في العقود الدولية  لغرض تحديد ومعرفة مقدار التعويض الذي سيحصل عليه الدائن عند مخالفة تنفيذ العقد من قبل الطرف الآخر . كما إنه يؤدي بالنتيجة إلى التخلص من سلطة القضاء التقديرية للحكم بمقدار التعويض اللازم. وهذا الشرط يستبدل في الحقيقة الحق الذي يقرره مبدأ القانون لدفع التعويضات والفائدة عن الخسائر والأضرار التي يسببها عدم تنفيذ العقد.

وفي عقد البيع ، نعتبر مثل هذا الشرط أيضا وسيلة ضغط مصدره اتفاق الطرفين الذي سيحدد صيغته وشروط تطبيقه التي تهدد المدين وتدفعه إلى احترام تنفيذ شروط العقد كما يلزم .

ولأهمية وجود شرط ضمان جودة تنفيذ العقد وتكرار العمل به في العرف التجاري الدولي ، اهتمت  الغرفة التجارية الدولية في باريس C C I  في أن تقدم تعريفا له  بمعنى ” إنه الالتزام الذي يتعهد به المصرف باعتباره الضامن ، عند عدم تنفيذ الساحب Le donneur d’ordre  وهو البائع ، لما فرض عليه العقد بينه وبين المستفيد وهو المشتري ، في حدود مبلغ معين أو كما نص عليه الضمان الذي قبله الضامن لتأمين تنفيذ العقد ” :

ومن خصائص هذا النوع من الضمان أولا خلق علاقة قانونية جديدة بين المصرف باعتباره الضامن وبين المشتري المستفيد من الضمان . وهذه الرابطة القانونية مستقلة وتتمتع بانفصال التزامات الضامن عن المخاطر التي قد تصيب نشأة أو تنفيذ العقد الأصلي بين البائع و المشتري

 Cour de Bruxelles 18 déc. 1981 : Rev. Banque 1982 , p.118 ; Grenoble 12 nov.1987, Dalloz 1988, Som.247 , obs. Vasseur .

و ما يؤخذ على هذا النوع من الضمان التعاقدي بأنه محدد ومقيد بمقدار ما تم الاتفاق عليه في شرط الضمان من تعويض . فهو لا يتجاوز هذا المبلغ حتى وإن كانت الخسائر والأضرار التي تعرض لها الدائن عند الإخلال في تنفيذ التزامات الطرف الآخر تفوق كثيرا ما نص عليه الشرط .

وهذا الأثر المقيد للضمان يستند على عدم اعتباره ضمانا عاما وإنما مجرد ضمان تنفيذ محدد يستهدف فقط حسن تنفيذ العقد . إن تطبيق هذا الضمان يستند على مسئولية المدين العقدية في عقد البيع وما ينتج عن هذه المسئولية من آثار في تحمله إصلاح الضرر عند عدم التنفيذ

إلا إن هذا المبدأ يتوقف أثره طبقا لقاعدة الإعفاء من المسئولية التي تطرقنا إليها سابقا عندما يصبح تنفيذ العقد مستحيلا بسبب الحادث الجبري أو القوة القاهرة  . وينتج عن ذلك إمكانية إبراء المدين من مسئولية عدم تنفيذ العقد . ويتبع  ذلك أيضا إعفاء الضامن لانتهاء السبب  وعدم دفع مبلغ الضمان لاستحالة تنفيذ العقد الأصلي من قبل المدين أي الساحب لأمر الضمان .

Cour d’appel de Paris , 15 Juin 1973 : Rev de jurisprudence commerciale 1973 , p.273 .

شرط تسوية المنازعات

يبين لنا العرف التجاري الدولي رغبة المتعاقدين دائما على الاتفاق في تحديد القانون و نوع القضاء المختص لتسوية خلافاتهم العقدية . وكثير من العقود الدولية تتضمن هذا الشرط وفيه يتفق الطرفين على إحالة صلاحية النظر في المنازعات العقدية المحتملة إلى قضاء معين .

ويقصد طرفي العقد في ذلك امتلاك وسائل حماية كافية لضمان حقوقهم ند احتمال تعرض التوازن العقدي للخطر . وهذا ما يفسر اللجوء إلى نظام التحكيم التجاري في أغلب العقود الدولية لما له من مزايا الاطمئنان والسرعة في تسوية المنازعات العقدية مقارنة بالقضاء التقليدي. وكما يجمع عليه الفقه على اعتباره نظام قضائي متخصص ومستقل  للعلاقات الدولية .

 DAVID R. : L’arbitrage dans le commerce international , Ed. Economica , Paris 1982 .

إن أهمية شرط تسوية منازعات الطرفين تكمن في ضرورة نفاذه حتى بعد فسخ العقد لأي سبب كان ومنها حالة القوة القاهرة وذلك للحكم في إعادة وضع الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد .

ومما يساعد على ذلك هو  إن على طرفي العقد  تحديد الاختصاص القانوني والقضائي الذي يرونه مناسبا للحكم في المنازعات التي قد تنشأ عن العقد حتى في تطبيق آثاره بعد فسخه . ومن نماذج الشروط المعمول بها في العرف التجاري الدولي هو هذا النص الذي قدمته غرفة التجارة الدولية في باريس وهو بأن :

” جميع الخلافات التي قد تنشأ عن العقد يتم حسمها نهائيا وفقا لنظام المصالحة والتحكيم لغرفة التجارة الدولية بواسطة حاكم أو عدة حكام يتم تعيينهم طبقا لذلك النظام ” .

ولقد اعتبر القضاء الفرنسي شرط تسوية المنازعات شرطا صحيحا في العقد واعتبره نافذا حتى بعد فسخ العقد. وتأكد هذا المبدأ في إحدى القضايا بين شركة فرنسية وأخرى سويدية ، فيها تم طلب فسخ العقد لأنه ظهر ،بعد تكوين هذا العقد، إجراء تنظيمي قد يكون مانعا لتنفيذه . اعتبرت محكمة النقض الفرنسية بأن ” فسخ هذا العقد ليس في طبيعته أن يكون عائقا لتطبيق شرط التسوية الرضائية الذي ورد فيه “

انظر بحثنا بالفرنسية المنشور في مجلة الحقوق، الكويت لسنة 2001، La clause de l’arbitrage dans le contrats internationaux    Cass.. com. 12 nov. 1968 : Bull. Civ. 1968, IV, n° 316.

ولقد كرر القضاء العمل بهذه القاعدة حيث حكم في إحدى القضايا بأن

” فسخ العقد لعدم تنفيذ التزامات المشتري ليس من طبيعته أن يعرقل تطبيق شرط الاختصاص القضائي الذي اختاره الطرفين للنظر في المشاكل الناجمة عن عدم تنفيذ هذا العقد “

 Cass. Civ. II, janv. 1978 : Bull. Civ. 1978, II, n° 13 .

أما اتفاقية فينا لعام 1980، فإنها قدمت حلا موضوعيا حاول فيه المشرع الدولي أن يبعد التحايل على مصير بعض الشروط العقدية التي يتضمنها البيع الدولي .حيث تنص الفقرة الأولى من المادة 81  على ما يلي :

” بفسخ العقد يصبح الطرفان في حل من الالتزامات التي يرتبها عليهما العقد ، مع عدم الإخلال بأي تعويض مستحق ، ولا يؤثر الفسخ على أي من شروط العقد المتعلقة بتسوية المنازعات أو أي من أحكامه الأخرى التي تنظم حقوق الطرفين والتزاماتهما المترتبة على فسخ العقد ” .

أما هذا النص ، فهو يوضح من ناحية العمل بمبدأ الأثر الرجعي لفسخ العقد الذي يقصد منه إعادة الطرفين إلى الحالة التي كانا عليها قبل إبرام العقد كما ذكرنا ذلك سابقا ، ومن جانب آخر يؤكد على أن لا تؤثر انتهاء الرابطة العقدية بين الطرفين إلى التحلل من تطبيق شرط تسوية المنازعات لأن فيه ضمان

لتنظيم حقوق المتعاقدين بسبب  فسخ العقد . ويتبين من كل ما تقدم بأن هذا الشرط هو إجراء احترازي لا يمكن الاستغناء عنه في العقود الدولية لضمان حقوق المتعاقدين .

أما ضرورته فهي ليست فقط عندما يكون التنفيذ ناقصا أو معيبا وإنما أيضا بعد فسخ العقد لأي سبب كان ومنها حالة القوة القاهرة . وتزداد أهميته مع تعقد المعاملات التجارية الدولية  وتوفر سوء النية لدى كثير من الأطراف المتعاقدة ، وكذلك تدخل السلطات العامة أحيانا في عرقلة تنفيذ العقد الدولي وبالتالي لا بد من تضمينه مثل هذا الشرط .

Print Friendly, PDF & Email
عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 838

شاركنا برأيك