أهم أحكام النقض والدستورية والإدارية العليا في مخاصمة القضاة

تعرف علي قواعد مخاصمة القضاة في قضاء النقض والدستورية والإدارية العليا لا سيما ان القضاة في جميع أنحاء العالم وخاصة في مصر يتمتعون بهالة من الهيبة والوقار . يحبها البعض ، بينما يرفضها البعض الآخر ، لكن هذه الهالة هي نتيجة أحكام القانون .

مخاصمة القضاة

المشكلة تكمن في التطبيق وطبيعة الشخص ذاته ، فقد تتجاوز أفعال البعض ما يفرضه الدستور أو ما يقتضيه القانون ومن ثم فإنه وان كان القضاء موضع تقدير واحترام المجتمع وهو واجب الا أن المشرع ولحماية المتقاضين سن جواز مخاصمة القضاة في حالات محددة ولكن هل تطبق أم أنه نص جامد علي الورق وفي هذا البحث نقدم أحكام مخاصمة القضاة في الدستور والنقض والادارية العليا والاحترام واجب، ويطالب به سكانها بأعلى درجات الحياد والصدق والعفة والنزاهة والبعد عن الأهواء والأهواء.

أثر القضاء بصحة مخاصمة القاضي

قضاء المحكمة بصحة المخاصمة. مؤداه. الحكم على القاضي المخاصم بالتضمينات وبطلان تصرفه:

مخاصمة القضاة في قضاء النقض والدستورية والإدارية

  • (1) دعوى المخاصمة. ماهيتها. دعوى مسئولية ترمي إلى تعويض ضرر أصاب المخاصم وتستند إلى قيام القاضي بعمل أو إصدار حكم مشوب بعيب يجيز قبول المخاصمة.
  • (2) قضاء المحكمة بصحة المخاصمة. مؤداه. الحكم على القاضي المخاصم بالتضمينات وبطلان تصرفه.
  • (3) دعوى المخاصمة التي ترفع على دائرة من دوائر القضاء لا تقبل التجزئة. مؤدى ذلك. وجوب إيداع التقرير بها قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها أعضاء هذه الدائرة وقت صدور الحكم في الدعوى واختصاصها بنظرها ولو نقل أعضاء الدائرة المخاصمة إلى محاكم أخرى أو أحيل إلى المعاش.

القواعد:

1 – دعوى المخاصمة هي دعوى مسئولية ترمي إلى تعويض ضرر أصاب المخاصم وتستند إلى قيام القاضي بعمل أو إصدار الحكم مشوب بعيب يجيز قبول المخاصمة.

2 – إذا قضت المحكمة بصحة المخاصمة حكمت على القاضي المخاصم بالتضمينات وبطلان تصرفه أي ببطلان العمل الذي وقع فيه الغش أو الخطأ في المهني الجسيم.

3 – دعوى المخاصمة التي ترفع على دائرة من دائرة القضاء لا تقبل التجزئة، ومن ثم فإن التقرير بها يجب أن يودع قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها أعضاء هذه الدائرة وقت صدور الحكم في الدعوى وتكون هي المختصة بنظر دعوى المخاصمة حتى ولو نقل أعضاء الدائرة المخاصمة إلى محاكم أخرى أو أحيل أحدهم إلى المعاش.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.

وحيث إن الطعن أقيم على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن بالوجه الأول من السبب الأول على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والإخلال بحق الدفاع وفي بيان ذلك يقول:

إن الحكم استبعد المذكرة المقدمة منه والمصرح بتقديمها خلال فترة حجز الدعوى للحكم لأنها لم تعلن أو تسلم صورتها للمطعون ضدهم – المخاصم ضدهم – مع أن قلم الكتاب يعتبر محلاً مختاراً لهم مما يعيبه بالخطأ في تطبيق القانون والإخلال بحق الدفاع الذي يستوجب نقضه.

وحيث إن النعي بهذا الوجه غير مقبول :

ذلك أن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الطعن في الحكم لوقوع بطلان في الإجراءات منوط بأن يكون البطلان قد أثر في الحكم وإذ كان الطاعن لم يبين في سبب النعي ما تضمنته المذكرة السالف بيانها من دفاع جوهري وأثر استبعادها على الحكم المطعون فيه فإن النعي بهذا الوجه يكون مجهلاً ومن ثم غير مقبول.

وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الثاني من السبب الأول على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والإخلال بحق الدفاع وفي بيان ذلك يقول:

إن الحكم المطعون فيه أثبت في مدوناته أن المطعون ضدهم قدموا مذكرة بجلسة 1/ 12/ 1984 وناقش ما جاء بها من دفاع وعول في قضائه مع أن أياً منهم لم يحضر في هذه الجلسة سواءً بشخصه أو بوكيل عنه فإنه يكون معيباً بما يستوجب نقضه.

وحيث إن النعي بهذا الوجه مردود:

ذلك أن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن المشرع أجاز في الفقرة الثانية من المادة 65 من قانون المرافعات للمدعى عليه الذي أعلن بصحيفة افتتاح الدعوى أن يودع مذكرة بدفاعه قبل الجلسة الأولى المحددة لنظر الدعوى بثلاثة أيام على الأقل دون إلزام عليه أو على قلم الكتاب بإعلانها أو إعلام خصمه بها.

إذ كان الثابت أن جلسة 1/ 12/ 1984 كانت الجلسة الأولى التي نظر فيها الطعن وكان الأصل في الإجراءات أنها روعيت ولم يقدم الطاعن دليلاً على أن المذكرة التي أشار إليها قدمت طريق آخر ينال من صحة إجراءات تقديمها فإنه لا على الحكم إن هو اعتد بما جاء فيها من دفاع ويكون النعي عليه بهذا الوجه على غير أساس.

وحيث إن الطاعن ينعى بالسبب الثاني على الحكم المطعون الخطأ في تطبيق القانون وفي بيان ذلك يقول:

إنه أبدى أمام المحكمة دفعاً بعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 170 سنة 1981 بتعديل بعض نصوص قانون الإجراءات الجنائية فيما تضمنه من النص على عدم جواز الطعن بالنقض في قرار غرفة المشورة – محل المخاصمة – إلا أن الحكم رفض هذا الدفع على سند من أنه غير جدي لعدم بيان الأسباب التي يستند إليها مما يعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن النعي بهذا السبب غير مقبول:

ذلك أنه لما كان المشرع قد ناط بالمحكمة التي يبدى أمامها الدفع بعدم الدستورية تقدير مدى جديته فإن تبينت أنه غير جدي رفضته، وكان الحكم المطعون فيه قد قدر عد جدية هذا الدفع الذي أبداه الطاعن لعدم بيان سنده أو أساس تمسكه به من نصوص دستورية أو تشريعية في صحيفة دعواه وانتهى لرفضه، فإن هذا النعي لا يعدو أن يكون جدلاً في تقدير المحكمة لجدية الدفع ومن ثم غير مقبول.

وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الأول من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه الفساد في الاستدلال وفي بيان ذلك يقول:

إن الحكم أقام قضاءه بعدم جواز المخاصمة على خلو الأوراق من دليل على انحراف أي من المطعون ضدهم في أداء واجبه بسوء نية قاصداً هذا الانحراف وإذ كان سوء النية في حد ذاته أمراً خفياً لا يمكن استظهاره بعمل مادي وإنما يستنتج من مجموعة الإجراءات المتعددة الصارخة في الخطأ فإن الحكم يكون مشوباً بالفساد في الاستدلال على نفي سوء نية المطعون ضدهم بما يعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن النعي بهذا الوجه غير مقبول:

ذلك أن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن لمحكمة المخاصمة السلطة التامة في استخلاص قصد القاضي الانحراف في عمله إيثاراً لأحد الخصوم أو نكاية في خصم أو تحقيقاً لمصلحة خاصة للقاضي طالما أقامت قضاءها في ذلك على أسباب سائغة كافيه لحمله.

وكان الحكم المطعون فيه بعد أن استعرض أسباب المخاصمة انتهى إلى نفي قصد الانحراف عن المستشارين المخاصمين على سند مما قرره في أسبابه من أنه “بمطالعة أوراق الدعوى يتبين أنها جاءت برمتها خالية من دليل أو مما يستظهر منه توافر الانحراف بسوء نية وكان هذا الذي أورده الحكم المطعون فيه سائغاً وكافياً لحمل قضائه في هذا الخصوص فإن ما يثيره الطاعن بهذا الوجه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في تقديرها للأدلة المطروحة مما لا يقبل إثارته أمام هذه المحكمة.

وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الثاني من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون، وفي بيان ذلك يقول:

إن الحكم المطعون فيه عرف الخطأ الجسيم الذي ارتكبه القاضي بغلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً مفرطاً، وانتهى الحكم إلى أن ما أسنده الطاعن إلى المطعون ضدهم وبفرض صحته وثبوته لم يتوفر عن سوء النية المستلزم.

ولا يرقى في الجسامة المتطلبة لإعمال الفقرة آنفة البيان، وإذ كان هذا الذي أورده الحكم ينطوي على خلط بين أركان وشروط توافر الخطأ المهني الجسيم وأركان وشروط حالات الغش والتدليس والغدر، وكان الحكم قد أطرح بغير سند ما جاء بأسباب المخاصمة دالاً على وقوع الخطأ الجسيم من المطعون ضدهم فإنه يكون معيباً بالقصور في تطبيق القانون الذي يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي غير مقبول:

ذلك أن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الخطأ المهني الجسيم الذي يجيز مخاصمة القاضي هو الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً مفرطاً ويستوي أن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوى.

وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع، وإذ كان الحكم المطعون فيه بعد أن أورد الوقائع وحصل أدلة المخاصمة وأسبابها خلص إلى استبعاد قصد الانحراف وسوء النية وانتهى إلى عدم توافر الشق الأول من المادة 494 / 1 من قانون المرافعات.

ثم أضاف القول إن أسباب المخاصمة لا تنطوي على إهمال مفرط من المطعون ضدهم لخلو الأوراق من دليل على ذلك وانتهى إلى أنه اقتنع بحقيقة مؤداها إن الأوراق قد تجردت من دليل على توافر شروط إعمال الفقرة الأولى من المادة 494 من قانون المرافعات بشقيها وأورد دعامة لاستبعاد كل شق على حده دون ثمة خلط بين الحالتين وبأسباب تكفي لحمل قضائه فإن ما يثيره الطاعن بهذا الوجه لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً في سلطة محكمة الموضوع في تقدير مدى جسامه الخطأ الذي بني عليه الطاعن مخاصمته ومن ثم غير مقبول.

وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الثالث من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه الفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت في الأوراق وفي بيان ذلك يقول:

إن الحكم قرر في مجال نفي مسئولية الهيئة المخاصمة طبقاً للفقرة الثالثة من المادة 494 من قانون المرافعات أن الأوراق برمتها ليس فيها ما يؤدي إلى الحكم بالتعويضات ضدها، رغم أنه قدم المستندات الدالة على الضرر الذي أصابه مما يعيب الحكم بمخالفة القانون والثابت بالأوراق ويستوجب نقضه.

وحيث إن النعي بهذا الوجه مردود:

ذلك أنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل هو عدم مسئولية القاضي عما يصدر منه من تصرفات أثناء عمله لأنه يستعمل في ذلك حقاً خوله له القانون وترك له سلطة التقدير فيه ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا انحرف عن واجبات وظيفته وأساء استعمالها فنص في قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها القاضي عن التضمينات.

والحكمة التي توخاها المشرع في ذلك هي توفير الطمأنينة للقاضي في عمله وإحاطته بسياج من الحماية يجعله في مأمن من كيد العابثين اللذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به، ومن ثم لا يجوز مقاضاته بالتضمينات عن التصرفات التي تصدر منه إبان عمله إلا في هذه الأحوال ….

وإن النص في الفقرة الثالثة من المادة 494 من قانون المرافعات تشترط لجواز المخاصمة أن يكون القانون قد نص على مسئولية القاضي عن المخالفة وعن التعويض عنها، ولا يصح القياس في هذه الحالة على حكم المادة 175 من قانون المرافعات التي تقرر مسئولية القاضي عن التعويض في حالة عدم إيداع مسودة الحكم ملف الدعوة عند صدوره لأن تقرير مسئولية القاضي عن أعماله بدعوى المخاصمة.

وهو على ما سلف القول استثناءً ورد في القانون في حالات معينة على سبيل الحصر فلا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها وإذ لم يبين الطاعن النص القانوني الذي يستند إليه في مسئولية الهيئة المخاصمة طبقاً للفقرة الأخيرة من المادة 494 سالفة البيان والمخالفة المنسوبة إليها والنص على التعويض عنها والتي يتعين بالقطع أن تكون غير الحالات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة، مما يكون معه النعي بهذا الوجه قد جاء على غير أساس.

وحيث إن الطاعن ينعى بالوجه الرابع من السبب الثالث على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون وفي بيان ذلك يقول:

إن الحكم خلط بين الأوامر والأحكام القضائية التي تصدر من المحاكم بسلطتها القضائية وطبق المبادئ التي تسري على الأحكام على الأمر الصادر من الهيئة المخاصمة ومنها أن الأصل في الإجراءات أنها أتبعت وعلى من يدعي العكس إقامة الدليل، وهي كلها أمور إن صحت بالنسبة للأحكام القضائية فإنها لا تسري في شأن القرارات التي تصدرها غرفة المشورة التي يتعين عليها أن تلتزم بشأنها صحيح قانون الإجراءات الجنائية مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.

وحيث إن النعي بهذا الوجه غير مقبول:

ذلك أنه لما كان الطاعن لم يبين الخطأ الذي وقع فيه الحكم وموضعه منه وأثره على ما انتهى إليه من قضاء فإن هذا النعي يكون مجهلاً غير مقبول.

الطعن رقم 410 لسنة 56 القضائية – أحكام النقض – المكتب الفني – مدني – العدد الثاني – السنة 42 – صـ 1823– جلسة 12 من ديسمبر سنة 1991

إثبات أسباب المخاصمة

دعوى المخاصمة الفصل في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها أساسه. ما يرد في تقرير المخاصمة والأوراق المودعة به. المادتان 495، 496 مرافعات. عدم استناد الطاعن في تقرير المخاصمة إلى شهادة الشهود. أثره. لا على المحكمة إن هي لم تستجب إلى طلبه سماع من أشهدهما أمامها.

1 – إذا أوجبت المادة 495 من قانون المرافعات من فقرتها الثانية على طالب المخاصمة أن يودع تقرير المخاصمة مشتملاً على أوجهها وأدلتها ومشفوعاً بالأوراق المؤيدة لها، وكان مقتضى المادة 496 من هذا القانون أن تحكم المحكمة أولاً في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها .

فقد دل ذلك على أن الفصل في دعوى المخاصمة في مرحلتها الأولى هذه لا يكون إلا على أساس ما يرد في تقرير المخاصمة والمستندات المشفوعة به والأدلة التي يرتكن إليها طالب المخاصمة فيه. لما كان ذلك وكان الطاعن لم يستند في الأدلة التي اشتمل عليها تقرير المخاصمة إلى شهادة الشهود ولم يضمنه طلب سماع شهادتهم أمام المحكمة بصدد وقائع تتعلق بأوجه قبول المخاصمة فلا على محكمة الموضوع إن هي لم تستجب إلى طلب سماع أقوال من أشهدهما أمامها.

2 – الأصل هو عدم مسئولية القاضي عما يصدر منه من تصرف في أثناء عمله لأنه يستعمل في ذلك حقاً خوله له القانون وترك له سلطة التقدير فيه ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا انحرف عن واجبات وظيفته وأساء استعمالها فنص في قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها عن التضمينات.

والحكمة التي توخاها المشرع من ذلك هي توفير الطمأنينة للقاضي في عمله وإحاطته بسياج من الحماية يجعله في مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به. ومن ثم فلا يجوز مقاضاته بالتضمينات عن التصرفات التي تصدر منه إبان عمله إلا في هذه الأحوال.

3 – إذ كان النص في الفقرة الأولي من المادة 494 من قانون من قانون المرافعات يجيز مخاصمة القضاة إذا وقع منهم في عملهم خطأ مهني جسيم فإنه يقصد به الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط واضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً مفرطا يستوي لأن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوى. وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع.

4 – لما كان الحكم الذي يصدره قاضي التنفيذ في الإشكال المطلوب فيه اتخاذ إجراء وقتي بوقف التنفيذ أو الاستمرار فيه لا يعد سنداً تنفيذياً على غرار الأحكام المعتبرة كذلك، لأنه مرهون بالظروف التي صدر فيها وما يتبنه القاضي من ظاهر الأوراق من مخاطر التنفيذ وإمكان تداركها دون مساس بأصل الحق المقضي به أو تأثير على المراكز القانونية الثابتة للخصوم  بالسند التنفيذي .

ومن ثم فلا يترتب على الإشكال الوقتي في الحكم الصادر في إشكال سابق وجوب وقف التنفيذ طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 312 من قانون المرافعات إذ المقصود بحكمها الوجوبي هو الإشكال بل يعتبر هو الإشكال الوقتي الأول في السند التنفيذي، مما لا ينطبق على الحكم الصادر في الإشكال بل يعتبر الإشكال الوقتي فيه عن ذات التنفيذ إشكالاً ثانياً لا يترتب عليه بحسب الأصل وقف التنفيذ طبقاً لنص الفقرة الثالثة من هذه المادة.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة وحيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن الوقائع على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق تتحصل في:

أن الطاعن أقام على المطعون ضده الأول – قاضي تنفيذ محكمة الدخيلة الجزئية – الدعوى رقم 344 لسنة 37 قضائية أمام محكمة‌‌‌‌‌ استئناف الإسكندرية بطلب الحكم بجواز قبول المخاصمة تم تحديد جلسة للقضاء ببطلان الأمرين الصادرين منه في 8/ 1/ 1981، 14/ 1/ 1981 بالاستمرار في تنفيذ الحكم الصادر في الدعوى رقم 47 لسنة 1980 تنفيذ الدخيلة.

وقال بياناً لذلك :

أنه اشتري مع آخرين قطعة أرض من…….. الذي سبق أن اشتراها من آخرين وقضى له بصحة التعاقد في الدعوى رقم 2485 لسنة 1973 مدني الإسكندرية الابتدائية وصار الحكم نهائياً.

وقد استشكلت …….. في تنفيذ هذا الحكم بالإشكال رقم 23 لسنة 1979 تنفيذ الدخيلة وقضى برفض إشكالها – غير أن أشخاصاً آخرين أقاموا إشكالاً آخر في تنفيذ هذا الحكم قيد برقم 47 لسنة 1980 الدخيلة تدخلت فيه المستشكلة السابعة منضمة إلى المستشكلين في طلب وقف التنفيذ.

فأصدر المطعون ضده الأول بصفته قاضياً للتنفيذ حكماً بوقف تنفيذ الحكم الصادر في الدعوى رقم 2485 لسنة 1973 مدني الإسكندرية.

فاستأنف الطاعن الحكم الصادر في هذا الإشكال كما استشكل في تنفيذه كل من……..، بالإشكال رقم 2 لسنة 1981 الدخيلة والبائع للطاعن بالإشكال رقم 3 لسنة 1981 الدخيلة وتدخل الطاعن في هذين الإشكالين تدخلاً هجومياً وطلب وقف تنفيذ الحكم المستشكل فيه وأقام إشكالاً آخر في تنفيذه أمام المحضر بتاريخ 15/ 1/ 1981.

ومع ذلك فقد أصدر المطعون ضده الأول أمرين في تاريخي 8/ 1/ 1981، 14/ 1/ 1981 بالاستمرار في تنفيذ الحكم المستشكل فيه قبل الفصل في موضوع الإشكالات آنفة الذكر مما ينطوي على مخالفة صريحة لنص المادة 312 من قانون المرافعات التي توجب وقف التنفيذ إذا رفع إشكال في التنفيذ قبل إجرائه أو قبل تمامه، وذلك منه يعد خطأ جسيماً يجيز مخاصمته.

وبتاريخ 30 من يونيه سنة 1981 حكمت المحكمة بعدم جواز المخاصمة وبتغريم الطاعن مائتي جنيه. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.

وحيث إن الطعن أقيم على ثلاثة أسباب ينعى الطاعن بأولها على الحكم المطعون فيه الإخلال بحق الدفاع:

وفي بيان ذلك يقول أنه طلب من محكمة الموضوع سماع أقوال السيد المستشار رئيس المحكمة الابتدائية والمحضر الأول بشأن الدوافع التي حدث بالمطعون ضده الأول إلى إصدار أوامره الخاطئة بالاستمرار في تنفيذ الحكم المستشكل فيه إلا أن المحكمة رفضت هذا الطلب قولاً منها بأن نص المادة 495 من قانون المرافعات يوجب على المخاصم إيداع أدلته وقت التقرير بالمخاصمة في حين أن شهادة الشهود من الأدلة التي يستحيل إعدادها في ذلك الوقت ولهذا فإنها لا تخضع لحكم هذا النص والميقات المحدد به، خلافاً لما ذهب إليه الحكم المطعون فيه مما يعيبه.

وحيث إن هذا النعي مردود :

ذلك بأن المادة 495 من قانون المرافعات إذ أوجبت في فقرتها الثانية على طالب المخاصمة أن يودع تقرير المخاصمة مشتملاً على أوجهها وأدلتها ومشفوعاً بالأوراق المؤيدة لها، وكان مقتضى المادة 496 من هذا القانون أن تحكم المحكمة أولاً في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها فقد دل ذلك على أن الفصل في دعوى المخاصمة في مرحلتها الأولي هذه لا يكون إلا على أساس ما يرد في تقرير المخاصمة والمستندات المشفوعة به والأدلة التي يرتكن إليها طالب المخاصمة فيه .

لما كان ذلك وكان الطاعن لم يستند في الأدلة التي اشتمل عليها تقرير المخاصمة إلى شهادة الشهود ولم يضمنه طلب سماع شهادتهم أمام المحكمة بصدد وقائع تتعلق بأوجه قبول المخاصمة فلا على محكمة الموضوع إن هي لم تستجب إلى طلبه سماع أقوال من أشهدهما أمامها، ومن ثم يكون النعي على الحكم المطعون فيه لهذا السبب على غير أساس.

وحيث إن الطاعن ينعى بالسببين الثاني والثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وفي بيان ذلك يقول:

أنه أقام قضاءه في الدعوى على نفي الخطأ المطعون ضده الأول بشأن عدم وقف تنفيذ الحكم الصادر في منازعة التنفيذ رقم 47 لسنة 1980 – الداخلية رغم الاستشكال فيه بالإشكالات الأولى أرقام 2، 3، 7 لسنة 1981 تنفيذ الداخلية، وذهب تبريراً لذلك إلى القول بأن العبرة في تمييز الإشكال الوقتي الأول الموجب لوقف التنفيذ عن الإشكال الثاني الذي لا يوقفه تكون بالنظر إلى وحدة التنفيذ ومحله مجرداً عن اختلاف السندات التنفيذية.

منتهياً إلى أن المنازعة التي صدر فيها الحكم المستشكل في تنفيذه بالإشكالات آنفة البيان هي في حقيقتها إشكال في تنفيذ الحكم الثاني الصادر في الدعوى رقم 2485 لسنة 1973 مدني الإسكندرية الابتدائية، فلا يترتب على رفع الطاعن وآخرين لتلك الإشكالات عن ذات التنفيذ الأثر الموجب لوقف التنفيذ باعتبارها إشكالاً ثانياً.

وهذا القول من الحكم غير سديد ذلك بأن الإشكال في التنفيذ يستهدف السند التنفيذي ذاته وليس محله بقصد إيقاف مفعول هذا السند والآثار القانونية المترتبة عليه حماية للحق محل التنفيذ من خطر يتهدده.

كما يترتب على هذا المذهب الخاطئ للحكم اعتبار حجية الحكم الصادر في منازعة التنفيذ مطلقة في أية منازعة أخرى في التنفيذ ولو كانت بصدد حكم آخر وعلى الرغم من اختلاف أطراف المنازعة وسببها اكتفاءً بوحدة المحل في المنازعتين، خلافاً لما تقرره المادة 101 من قانون الإثبات من أن الأحكام ذات حجية نسبية.

أما النظر الصحيح فيدل على أن الحكم الصادر في منازعة التنفيذ رقم 47 لسنة 1980 الدخيلة يعتبر سنداً تنفيذياً لما تضمنه من إعادة الحال إلى ما كانت عليه قبل التنفيذ كما أصدر المطعون ضده الأول قرارين بتاريخي 1، 14/ 1/ 1986 بالاستمرار في تنفيذه،

فيترتب على  الاستشكال  فيه بالإشكالات الأولى أرقام 2، 3، 7 لسنة 1980 وقف تنفيذه إعمالاً للأثر الواقف للإشكال الأول طبقاً لنص المادة 321 من قانون المرافعات،

ومن ثم فإن المطعون ضده الأول وقد خالف هذا النص وأمر بالاستمرار في تنفيذ الحكم المستشكل فيه قبل الفصل في موضوع هذه الإشكالات يكون قد ارتكب خطأ مهنياً جسيماً خلافاً لما انتهى إليه الحكم المطعون فيه مما يعيبه.

وحيث إن هذا النعي مردود:

ذلك بأن الأصل هو عدم مسئولية القاضي عما يصدر منه من تصرف في أثناء عمله لأنه يستعمل في ذلك حقاً خوله له القانون وترك له سلطة التقدير فيه، ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا انحرف عن واجبات وظيفته وأساء استعمالها .

فنص في قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها عن التضمينات والحكمة التي توخاها المشرع من ذلك هي توفير الطمأنينة للقاضي في عمله وإحاطته بسياج من الحماية يجعله في مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به.

ومن ثم فلا يجوز مقاضاته بالتضمينات عن التصرفات التي تصدر منه إبان عمله إلا في هذه الأحوال. وإذ كان النص في الفقرة الأولى من المادة 494 من قانون المرافعات يجيز مخاصمة القضاة إذا وقع منهم في عملهم خطأ مهني جسيم فإنه يقصد به الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً مفرطاً.

يستوي أن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوى وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع، ولما كان الحكم الذي يصدره قاضي التنفيذ في الإشكال المطلوب فيه اتخاذ إجراء وقتي بوقف التنفيذ أو الاستمرار فيه لا يعد سنداً تنفيذياً على غرار الأحكام المعتبرة كذلك.

لأنه مرهون بالظروف التي صدر فيها وما يتبينه القاضي من ظاهر الأوراق من مخاطر التنفيذ وإمكان تداركها دون مساس بأصل الحق المقضي به أو تأثير على المراكز القانونية الثابتة للخصوم بالسند التنفيذي. ومن ثم فلا يترتب على الإشكال الوقتي في الحكم الصادر في إشكال سابق وجوب  وقف التنفيذ  طبقاً لنص الفقرة الأولي من المادة 312 من قانون المرافعات.

إذ المقصود بحكمها الوجوبي هو الإشكال الوقتي الأول في السند التنفيذي مما لا ينطبق على الحكم الصادر في الإشكال بل يعتبر هو الإشكال الوقتي فيه عن ذات التنفيذ إشكالاً نهائياً لا يترتب عليه بحسب الأصل وقف التنفيذ طبقاً لنص الفقرة الثالثة من هذه المادة.

لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد استخلص فيها مما له أصله الثابت بالأوراق نفي خطأ المطعون ضده الأول حين أمر بالاستمرار في التنفيذ رغم رفع الإشكالات أرقام 2، 3، 7 لسنة 1981 تنفيذ الدخيلة في الحكم الصادر في الإشكال الوقتي السابق رقم 47 لسنة 1980 الداخلية بوقف تنفيذ الحكم المنفذ به رقم 2485 لسنة 1973 مدني الإسكندرية الابتدائية.

مطبقاً بذلك حكم الإشكال الثاني على تلك الإشكالات المرفوعة من الطاعن وآخرين تالية على الإشكال الأول المتعلق بذات التنفيذ .

مما مقتضاه عدم اعتبار الحكم الصادر في هذا الإشكال سنداً تنفيذياً آخر يتعلق بذات التنفيذ، انتفاء تعدد السندات التنفيذية فيه فمن ثم يكون الحكم قد أصاب صحيح القانون فيما انتهى إليه من نتيجة فلا يعيبه من بعد ما استطرد إليه تزيداً من القول في معرض التفرقة بين الإشكال الأول الموقف للتنفيذ عن الإشكال الثاني الذي لا يوقفه أن العبرة في ذلك تكون بالنظر إليه وحدة التنفيذ ومحله مجرداً عن اختلاف السندات التنفيذية طالما أن نافلة قوله هذا لا أثر لها على نتيجته الصحيحة، ويكون النعي عليه بهذين السببين على غير أساس.

وحيث إنه لما تقدم يتعين رفض الطعن.

الطعن رقم 2333 لسنة 51 القضائية – أحكام النقض – المكتب الفني – مدني الجزء الأول – السنة 41 – صـ 204 – جلسة 18 من يناير سنة 1990

ماهية الغش في العمل

النص في الفقرة الأولى من المادة 494 مرافعات يجيز مخاصمة القضاة إذا وقع منهم في عملهم غش أو خطأ مهني جسيم فإن يقصد بالغش انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون قاصداً هذا الانحراف وذلك إما إيثاراً لأحد الخصوم أو نكاية في خصم أو تحقيقاً لمصلحة خاصة للقاضي:

1 – الأصل هو عدم مسئولية القاضي عما يصدر منه من تصرفات أثناء عمله لأنه يستعمل في ذلك حقاً خوله القانون وترك له سلطة التقدير فيه ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا انحرف عن واجبات وظيفته وأساء استعمالها فنص في قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها القاضي عن التضمينات.

والحكمة التي توخاها المشرع من ذلك هي توفير الطمأنينة للقاضي في عمله وإحاطته بسياج من الحماية يجعله في مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به ومن ثم فإنه لا يجوز مقاضاته بالتضمينات عن التصرفات التي تصدر منه إبان عمله إلا في هذه الأحوال

نقض 7/ 5/ 1974 مجموعة المكتب الفني السنة 25 ص 813

2 – النص في الفقرة الأولى من المادة 494 مرافعات يجيز مخاصمة القضاة إذا وقع منهم في عملهم غش أو خطأ مهني جسيم فإن يقصد بالغش انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون قاصداً هذا الانحراف وذلك إما إيثاراً لأحد الخصوم أو نكاية في خصم أو تحقيقاً لمصلحة خاصة للقاضي.

أما الخطأ المهني الجسيم فهو الخطأ الذي يرتكب القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساق إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً مفرطا.

ويستوي أن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوى وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع.

3 – النص في المواد 167 و170 و178 من قانون المرافعات يدل على أنه إذا اشترك أحد القضاة في المداولة ولم يكن قد سمع المرافعة في الدعوى، أو إذا تخلف أحد القضاة الذين أصدروا الحكم في جلسة النطق به بسبب مانع قهري ولم يثبت في الحكم أنه وقع على مسودته المشتملة على منطوقه وأسبابه.

وأن غيره حل محله وقت النطق به فإن الأمر المترتب على هذا العوار الذي يلحق بالحكم هو البطلان، بيد أن المشرع لم يقرر بصريح هذه النصوص مساءلة القاضي عن التعويضات، بينما النص في الفقرة الثالثة من المادة 494 من هذا القانون تشترط لجواز المخاصمة أن يكون القانون قد نص على مسئولية القاضي عن المخالفة وعن التعويض عنها.

ولا يصح القياس في هذه الحالة على حكم المادة 175 من قانون المرافعات التي تقرر مسئولية القاضي عن التعويض في حالة عدم إيداع مسودة الحكم ملف الدعوى عند صدوره، لأن تقرير مسئولية القاضي عن أعماله بدعوى المخاصمة هو استثناء ورد في القانون في حالات معينة على سبيل الحصر فلا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها.

4 – إيجاب إيداع مسودة الحكم على النحو المبين بالمادة 175 من قانون المرافعات مقصود به ضمان أن يكون الحكم قد صدر بعد مداولة شملت أسبابه ومنطوقه واستقرت عقيدة المحكمة بشأنه على أساس ما ورد بالمسودة التي وقعت وأودعت وقت النطق به .

مما مفاده أن المشرع قد رتب البطلان على عدم إيداع المسودة وقت صدور الحكم بحيث لا يكون ثمة محل للبطلان إذا أودعت المسودة الملف عند صدور الحكم ثم تبين في تاريخ لاحق عدم وجودها به. يؤيد ذلك أن المادة 177 من القانون ذاته التي أوجبت حفظ المسودة بالملف لم ترتب البطلان جزاء على مخالفة حكمها

نقض 29/ 3/ 1962 مجموعة المكتب الفني السنة 13 ص 360.

5 – تقدير مدى جسامة الخطأ الموجب لمسئولية المخاصم ضده من الأمور الموضوعية التي تستقل بتقديرها محكمة الموضوع، وإذ كان الحكم المطعون فيه قد خلص – في حدود سلطته التقديرية – أن الطعون الموجهة على القضاء الصادر في موضوع الدعوى محل المخاصمة طعون موضوعية مجالها الطعن في الحكم المشار إليه سواء ما تعلق منها بالقصور في الأسباب أو الخطأ في تفسير التعاقد المبرم بين طرفي الخصومة.

ولا ترقى إلى الخطأ المهني الجسيم فإن النعي على هذا الحكم والمنازعة في جسامة الخطأ المنسوب إلى المطعون ضده يكون مجادلة موضوعية فيما تستقل بتقديره محكمة الموضوع تنحسر عنها رقابة محكمة النقض.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة وحيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن الوقائع على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن تتحصل في:

أن الطاعن بصفته كان قد أقام الدعاوى أرقام 1659، و1711، 1752 لسنة 1971 تجاري كلي الإسكندرية ضد ربان السفينة “برايت سكاي” وملاكها مطالباً بقيمة نولون الشحن وبتعويض عن الأضرار التي لحقت بضاعته المتفق على نقلها بموجب مشارطة إيجار بحرية .

وذلك نتيجة عدم شحن بعضها والإهمال في تفريغ بعضها الآخر وقدم ملاك السفينة خطاب ضمان من البنك الأهلي لصالح المذكور على ذمة الفصل في هذه الدعاوى التي نظرت أمام الدائرة التاسعة  تجاري  كلي برئاسة المطعون ضده وقضى برفضها جميعاً في 3/ 2/ 1976 .

فأقام الطاعن على المطعون ضده دعوى المخاصمة رقم 170 لسنة 32 ق أمام الدائرة السادسة التجارية لمحكمة استئناف الإسكندرية طالباً الحكم عليه بالتضامن مع وزارة العدل بالتعويضات وببطلان الحكم الصادر في الدعاوى المذكورة ناسباً إليه الغش والخطأ المهني الجسيم .

وبتاريخ 13/ 6/ 1976 حكمت محكمة الاستئناف بعدم جواز قبول المخاصمة، وألزمت الطاعن بالمصاريف وبتغريمه مائتي جنيه. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن وبعرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة رأت أنه جدير بالنظر وحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.

وحيث إن الطعن أقيم على خمسة أسباب ينعى الطاعن بأولها على الحكم المطعون فيه القصور والإخلال بحقه في الدفاع وفي بيان ذلك يقول:

إنه تمسك بأن المطعون ضده قضى برفض دعواه لوجود صداقة وطيدة تربطه بمحامين خصومة ولكن الحكم المطعون فيه رتب قضاءه بعد جواز قبول المخاصمة على أنه لم يبين مصدر الصداقة التي يدعي وجودها، وأنه لم يقم الدليل عليها فيكون الادعاء بالغش منتقيا.

بينما كان يتعين على محكمة الاستئناف أن تأمر باستجواب الخصوم أو تحيل الدعوى إلى التحقيق من تلقاء نفسها لإثبات هذه الصداقة عملاً بالرخص المخولة لها بمقتضى المواد 70، 105، 106 من قانون الإثبات إذ هي لم تفعل فإنها تكون قد أخلت بحقه في الدفاع ويكون حكمها المطعون فيه مشوباً بالقصور المبطل مما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي غير سديد:

ذلك أن الطاعن هو المكلف قانوناً بإثبات دعواه وتقديم الأدلة التي تثبت ما يدعيه، ولما كان الحكم المطعون فيه قد أورد في خصوص سبب النعي أنه لا دليل في الأوراق على ما يدعيه المذكور من صداقة وطيدة بين المطعون ضده وبين محامي خصومه.

فضلاً عن أن الطاعن لم يبين مصدره في هذا الصدد ومظاهر هذه الصداقة، وأنه لا يعقل وقد أصدر المطعون ضده الحكم ضد الطاعن أن يتسبب في بطلانه إن كان لهذه الصداقة المدعاة وجود بل على العكس لحرص على صدوره في شكله القانوني السليم ولجنبه مواطن البطلان مما يقطع بعدم صحة ما نسبه الطاعن للمطعون ضده في الشأن.

وكان الطاعن لم يطلب من محكمة الموضوع إجراء من إجراءات الإثبات تحقيقاً لما يثيره في هذا الخصوص فليس له أن يعيب على المحكمة سكوتها عن اتخاذ إجراء لم يطلب منها طالما أنها لم تر من جانبها ما يدعو لذلك، وإذ كان ذلك فإن ما استخلصه الحكم يكون استخلاصاً موضوعياً سائغاً لا إخلال فيه بحق الطاعن في الدفاع ويكون على غير أساس.

وحيث إن حاصل السبب الثاني للنعي بأن الحكم المطعون فيه خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وفي بيان ذلك يقول الطاعن:

أنه تمسك بين أسباب الخصومة بنسبة الخطأ المهني الجسيم إلى المطعون ضده لتسببه في بطلان الحكم بسبب عدم توقيع عضو الدائرة الذي سمع المرافعة مسودة الحكم ولكن الحكم المطعون فيه قد أسس قضاءه بنفي الخطأ الجسيم عن المطعون ضده في شأن توقيع قاض لم يسمع المرافعة على مسودة الحكم بما قرره من أن هذا الخطأ يحدث كثيراً بسبب تكدس القضايا المحجوزة للحكم وإرهاق القضاة.

وأن القاضيين الآخرين في الهيئة وقعا في نفس الخطأ ولم توجه إليهما دعوى المخاصمة فضلاً عن أن هذا الخطأ رغم وقوعه وترتب البطلان عليه لا يجوز تأسيس دعوى المخاصمة عليه لأن القانون لا يرتب أية تضمينات بسببه على القاضي وفقاً لما تقضي به المادة 494/ 3 مرافعات – على حين أنه وفقاً للقواعد العامة فإن المسئولية عن البطلان ترتب التعويض في حق من تسبب في هذا البطلان وإذ كان المشرع قد رتب البطلان في حالات أهون من الحالة المعروضة ومنها المادة 175 الخاص بعدم إيداع مسودة الحكم عند النطق به والمواد 174 و176 و178 .

فمن باب أولى يجوز مخاصمة رئيس الهيئة لبطلان حكمه بسبب عدم توقيع العضو الذي سمع المرافعة على مسودة الحكم وتوقيع عضو آخر لم يشترك في المداولة، وأن الحكم المطعون فيه إذ خالف هذا النظر فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه بما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي غير سديد :

ذلك أن الأصل هو عدم مسئولية القاضي عما يصدر منه من تصرف في أثناء عمله لأنه يستعمل في ذلك حقاً خوله له القانون وترك له سلطة التقدير فيه ولكن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء إذا انحرف عن واجبات وظيفته وأساء استعمالها فنص في قانون المرافعات على أحوال معينة أوردها على سبيل الحصر يسأل فيها القاضي عن التضمينات.

والحكمة التي توخاها المشرع من ذلك هو توفير الطمأنينة للقاضي في عمله وإحاطته بسياج من الحماية يجعله في مأمن من كيد العابثين الذين يحاولون النيل من كرامته وهيبته برفع دعاوى كيدية لمجرد التشهير به، ومن ثم فإنه لا يجوز مقاضاته بالتضمينات عن التصرفات التي تصدر منه إبان عمله إلا في هذه الأحوال.

وإذ كان النص في الفقرة الأولى من المادة 494 مرافعات يجيز مخاصمة القضاة إذا وقع منهم في عملهم غش أو خطأ مهني جسيم فإنه يقصد بالغش انحراف القاضي في عمله عما يقتضيه القانون قاصداً هذا الانحراف وذلك إما إيثاراً لأحد الخصوم أو نكاية في خصم أو تحقيقاً لمصلحة خاصة للقاضي أما الخطأ المهني الجسيم فهو الخطأ الذي يرتكبه القاضي لوقوعه في غلط فاضح ما كان ليساور إليه لو اهتم بواجباته الاهتمام العادي أو لإهماله في عمله إهمالاً مفرطا، ويستوي أن يتعلق بالمبادئ القانونية أو بوقائع القضية الثابتة في ملف الدعوى وتقدير مبلغ جسامة الخطأ يعتبر من المسائل الواقعية التي تدخل في التقدير المطلق لمحكمة الموضوع.

لما كان ذلك وكان النص في المادة 167 من قانون المرافعات أنه :

“لا يجوز أن يشترك في المداولة غير القضاة الذين سمعوا المرافعة وإلا كان الحكم باطلاً”

وفي المادة 170 من القانون المذكور على أنه:

“يجب أن يحضر القضاة الذين اشتركوا في المداولة تلاوة الحكم فإذا حصل لأحدهم مانع وجب أن يوقع على مسودة الحكم” وفي المادة 178 على أنه يجب أن يبين في الحكم.. أسماء القضاة الذين سمعوا المرافعة واشتركوا في الحكم وحضروا تلاوته وأن عدم بيان أسماء القضاة الذين أصدروا الحكم يترتب عليه بطلان الحكم.

تدل على أنه إذا اشترك أحد القضاة في المداولة ولم يكن قد سمع المرافعة في الدعوى، أو إذا تخلف أحد القضاة الذين أصدروا الحكم في جلسة النطق به بسبب مانع قهري ولم يثبت في الحكم أنه وقع على مسودته المشتملة على منطوقه وأسبابه وأن غيره حل محله وقت النطق به .

فإن الأثر المرتب على هذا العوار الذي يلحق بالحكم هو البطلان بيد أن المشرع لم يقرر بصريح هذه النصوص مساءلة القاضي عن التعويضات.

بينما النص في الفقرة الثالثة من المادة 494 من هذا القانون:

يشترط لجواز المخاصمة أن يكون القانون قد نص على مسئولية القاضي عن المخالفة وعن التعويض عنها، ولا يصح القياس في هذه الحالة على حكم المادة 175 من قانون المرافعات التي تقرر مسئولية القاضي عن التعويض في حالة عدم إيداع مسودة الحكم ملف الدعوى عند صدوره.

لأن تقرير مسئولية القاضي عن أعماله بدعوى المخاصمة – وهو على ما سلف القول استثناء ورد في القانون في حالات معينة على سبيل الحصر فلا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها. إذ كان ذلك، وكان من حق المحكمة عملاً بالمادة 496 من قانون المرافعات أن تبحث مدى تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى لتقضي بقبولها أو عدم قبولها فإن هذا لا يتأتى لها إلا باستعراض أدلة المخاصمة لتتبين مدى ارتباطها بأسبابها.

لما كان ذلك كذلك

وكان الحكم إذ قرر أن ما نسب إلى المطعون ضده لا يعتبر غشاً ولا خطأ مهنياً جسيماً قد أقام قضاءه على قوله “أن المخاصم – الطاعن – لم يفصح عن مصدر علمه باشتراك الأستاذ….. القاضي في المداولة إذ لو كان قد اشترك فيها فعلاً لأثبت اشتراكه هذا بتوقيعه على مسودة الحكم وهو ما لم يحدث.

ومن الثابت لدى المحكمة أن الأستاذ/ ….. القاضي والذي كان ضمن الهيئة التي سمعت المرافعة لم يشترك في المداولة ولا في التوقيع على مسودة الحكم وإذ كان القانون يرتب البطلان على هذا الخطأ إلا أنه لم يرتب أية تضمينات على القاضي وبالتالي لا تتدرج هذه الحالة ضمن الفقرة الثالثة من المادة 494 مرافعات.

كما أنها لا تشكل خطأ مهنياً جسيماًذلك أنها كثيراً ما تحدث في العمل وترجع في المقام الأول إلى تكدس القضايا المعروضة والمحجوزة للحكم وإرهاق رجال القضاء من وطأة العمل بما ينوء به عاتق خيارهم لا الذين يهتمون اهتماماً عادياً بعلمهم فحسب ولعل أبلغ دليل على ذلك وقوع الأستاذين عضوي الدائرة …. و …. القاضيين في نفس الخطأ وقبول أولهما التوقيع على الحكم والاشتراك في المداولة فيه رغم عدم حضوره بجلسة المرافعة الأخيرة وعدم ملاحظة الثاني لحضور زميله بالمداولة واشتراكه بالتوقيع على المسودة رغم عدم حضوره بجلسة المرافعة.

وبالرغم من ذلك فإن الخاصم – الطاعن – لم يوجه دعواه إلا للسيد رئيس الدائرة المخاصم ضده معللاً ذلك في مذكرته بأنه يوجه دعواه للمخاصم ضده فقط بوصفه رئيساً للدائرة والمستأثر بكتابة الحكم في الدعاوى سالفة الذكر والحقيقة التي لا مرء فيها أنه لم يختصم عضوي الدائرة في هذا الخصوص إلا ليقينه بأن عدم توقيع الأستاذ…. القاضي على الحكم وتوقيع الأستاذ…. القاضي بدلاً منه كان بطريق السهو والنسيان لا أكثر وهو سهو شمل أكثر من واحد .

مما يدل على أنه محتمل الوقوع ويعتبر خطاً عادياً” وكانت هذه الاعتبارات التي ساقها الحكم تكفي لحمل قضائه فإن النعي لا يعدو أن يكون جدلاً موضوعياً مما يستقل به قاضي الموضوع من تقدير مدى جسامة الخطأ تنحصر عنه رقابة محكمة النقض ويكون النعي عليه بهذا السبب على غير أساس.

وحيث إن حاصل السبب الثالث النعي بأن الحكم المطعون فيه شابه فساد في الاستدلال :

إذ استبعد علاقة الصداقة بين المطعون ضده وبين خصوم الطاعن بأن الحكم صدر لمصلحة هؤلاء الخصوم وأنه لا يعقل أن يتسبب رئيس الهيئة في بطلانه بعدم حرصه على إصداره في الشكل القانوني على حين أن الشخص مهما كان حريصاً لا يأمن شر خطئه.

وحيث عن هذا النعي مردود:

بما هو مقرر في قضاء هذه المحكمة من أن تقدير القرائن مما يتعلق بفهم الواقع في الدعوى فلا يخضع فيه قاضي الموضوع لرقابة محكمة النقض متى كان استخلاصه في ذلك سائغاً، ولما كان الحكم قد استدل على انتفاء علاقة الصداقة المدعاة ما بين المطعون ضده وبين محامين الطاعن .

وعلى ما سلف البيان – بأن الحكم صدر لمصلحة هؤلاء الخصوم وأنه لا يعقل أن يتسبب رئيس الهيئة في بطلانه إن كان هناك صداقة تربطه بمحاميهم وكان هذا الحكم سائغاً ومن شأنه أن يؤدي إلى النتيجة التي انتهى إليها من نفي صلة الصداقة المدعاة فإن ما يثيره الطاعن يكون جدلاً موضوعياً تنحسر عنه رقابة محكمة النقض ويكون النعي على غير أساس.

وحيث إن حاصل السبب الرابع النعي بأن الحكم المطعون فيه خالف الثابت في الأوراق وشابه الفساد في الاستدلال:

حين رد على ادعاء الطاعن بأن مسودة الحكم لم تودع ملف الدعوى يوم النطق به في 3/ 2/ 1976 بقوله أن هذا يتعارض مع ما سطره في تقدير المخاصمة ويتخاذل إزاء ما قرره أمام المحكمة بجلسة 11/ 5/ 1976 حيث استخلص الحكم من قوله “أن المسودة لم تودع ملف الدعوى.

وأنها موجودة بمكتب محامي الخصم بناء على أمر المطعون ضده وأنه بعد أن تقدم بشكواه للسيد رئيس المحكمة في 7/ 2/ 1976 أحضر سكرتير الجلسة الذي قرر أن المسودة بمكتب الأستاذ….. بناء على تعليمات المطعون ضده استخلص الحكم أن قوله هذا” مما يقطع بأن المطعون ضده نطق بالحكم وأودع أسبابه عند النطق به.

خاصة بعد ما ثبت من فحص الشكوى ومذكرة رئيس القلم في ذات التاريخ أن المسودة كانت موجودة في ملف الدعوى وأن الطاعن أطلع عليها على حين أن هذا الذي استخلصه الحكم من تقرير المخاصمة يخالف الواقع لأن ما جاء بتقرير المخاصمة يفيد أن المسودة لم تكن مودعة ملف الدعوى وقت النطق بالحكم، كما أن قول سكرتير الجلسة لا يدل على حصول الإيداع وقتئذ

وكذلك لا يدل عليه ما ورد بمذكرة رئيس القلم المؤرخة 8/ 2/ 1976 ومن ثم يكون الحكم قد خالف الثابت في الأوراق وشابه  فساد في الاستدلال  مما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي غير صحيح فضلا عن أنه مردود:

ذلك أن الحكم المطعون فيه قد دل على أن مسودة الحكم أودعت يوم النطق به في 3/ 2/ 1976 بقوله:

“أما في ادعاء المخاصم – الطاعن – بأنه لاحظ أن مسودة الحكم لم تودع ملف الدعوى يوم النطق به. فإنه يتعارض مع ما سطره بنفس تقرير المخاصمة ويتخاذل إزاء ما قرره أمام المحكمة بجلسة 11 مايو سنة 1976 – فقد ورد في تقرير المخاصمة”

أنه لاحظ أن مسودة الحكم لم تودع ملف الدعوى يوم النطق به وأنها موجودة طرف مكتب الأستاذين …. و …. المحامين بناء على أمر من السيد المخاصم ضده ويزيد الأمر إيضاحاً فيقول أنه تقدم بشكوى إلى الأستاذ المستشار رئيس المحكمة في 7/ 2/ 1976 أوضح فيها عدم وجود مسودة الحكم بالملف فأحضر سيادته سكرتير الجلسة أمامه …

حيث قرر سكرتير الجلسة أن مسودة الحكم موجودة طرف الأستاذ….. المحامي بناء على تعليمات من الأستاذ المخاصم ضده الذي أصدر إليه تعليماته بأنه يسلمها بشخصه إلى مكتب المحامي المذكور مما يقطع بأن السيد المخاصم ضده – المطعون ضده – نطق بالحكم وأودع أسبابه عند النطق به…

أما الزعم بأنه أصدر تعليماته إلى سكرتير الجلسة بتسليم المسودة إلى الأستاذ…. المحامي وأنه سلمها له بناء على هذه التعليمات فهو ما لا دليل عليه في الأوراق، فضلاً عن أنه لو كان السيد سكرتير الجلسة قد سلم المسودة فعلاً إلى المحامي المذكور فإنما كان ذلك بعد إيداعها .

أما الاحتماء بتعليمات السيد رئيس الدائرة وأنه أمر بعدم تسليمها للطالب – الطاعن – وتسليمها للأستاذ…. المحامي – فقد يكون تبريراً كاذباً من الموظف لفعله الخاطئ ومخالفته القانون إذ أنه بمجرد إيداع مسودة الحكم يكون مسئولاً عن الاحتفاظ بها، ولا شأن للسيد المخاصم ضده في المحافظة عليها .

وقد أكد طالب المخاصمة – الطاعن – ما ذكره بتقريره في هذا الخصوص بمحضر جلسة 11/ 5/ 1976 مندداً بسكرتير الدائرة قائلاً أن هذا الأخير أخبره أن تعليمات السيد رئيس الدائرة أن يسلم المسودة لمكتب….. وتستخلص المحكمة من جماع ما تقدم أن المسودة أودعت يوم النطق بالحكم .

وبالتالي يضحى ادعاء المخاصم في هذا الصدد على غير أساس سليم من الواقع أو القانون خاصة بعد أن ثبت من صدوره شكواه المؤرخة 8/ 2/ 1976 والمقدمة بحافظته رقم 4 حافظة – بخصوص عدم إيداع المسودة – ما ورد بها من السيد رئيس القلم في ذات التاريخ أنه بفحص الشكوى والقضايا المتعلقة بها اتضح أن مسودة الحكم في القضية 1659 سنة 1971 تجاري المنضمة إليها القضايا 1711 سنة 1971، 1752 لسنة 1971 تجاري كلي مودعة بملف الدعوى وقد تم إطلاع مقدم الشكوى – الطاعن – على مسودة الحكم “

ولما كانت هذه القرائن التي أوردها الحكم المطعون فيه مستمدة من وقائع ثابتة ولا تخالف الثابت في الأوراق ومن شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه عليها من أن مسودة الحكم قد أودعت يوم النطق به وكان إيجاب إيداع مسودة الحكم على النحو المبين بالمادة 175 من قانون المرافعات مقصود به ضمان أن يكون الحكم قد صدر بعد مداولة شملت أسبابه ومنطوقة واستقرت عقيدة المحكمة بشأنه على أساس ما ورد بالمسودة التي وقعت وأودعت وقت النطق به .

مما مفاده أن المشرع قد رتب البطلان على عدم إيداع المسودة وقت صدور الحكم بحيث لا يكن ثمة محل للبطلان إذا أودعت المسودة الملف عند صدور الحكم ثم تبين في تاريخ لاحق عدم وجودها به يؤيد ذلك أن المادة 177 من القانون ذاته التي أوجبت حفظ المسودة بالملف لم ترتب البطلان جزاء على مخالفة حكمها.

لما كان ذلك وكان تقدير القرائن مما يستقل به قاضي الموضوع ولا شأن لمحكمة النقض فيما يستنبطه من هذه القرائن متى كان استنباطه سائغا  وكان لمحكمة الموضوع وهي تباشر سلطتها في تقدير الأدلة أن تأخذ بنتيجة دون أخرى ولو كانت محتملة متى أقامت قضاءها على أسباب سائغة كافية لحمله فإن ما يثيره الطاعن بسبب النعي لا يعدو أن يكون مجادلة موضوعية في تقدير محكمة الموضوع للقرائن بغية الوصول إلى نتيجة أخرى غير التي أخذت بها تلك المحكمة وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض ويكون النعي على غير أساس.

وحيث إن حاصل السبب الخامس النعي بأن المطعون ضده لم يلتزم في قضائه حجية الحكم الصادر في الاستئناف رقم 197 تنفيذ الإسكندرية:

الذي وصف تعاقد الطاعن مع الشركة التي استأجرت السفينة لحسابه” شركة سانتا ماريا بأنه مشارطة إيجار وقضى على خلاف ذلك بأنه مشارطة زمنية وبذلك يكون قد خالف حكم المادة 101 من قانون الإثبات بما يعد خطأ جسيماً يجيز مخاصمته.

وحيث إن هذا النعي مردود:

ذلك أنه لما كان تقدير مدى جسامة الخطأ الموجب لمسئولية المخاصم ضده من الأمور الموضوعية التي تستقل بتقديرها محكمة الموضوع، وكان الحكم المطعون فيه قد خلص – في حدود سلطته التقديرية – أن الطعون الموجهة إلى القضاء الصادر في موضوع الدعوى محل المخاصمة طعون موضوعية مجالها الطعن في الحكم المشار إليه .

سواء ما تعلق منها بالقصور في الأسباب أو الخطأ في تفسير التعاقد المبرم بين طرفي الخصومة ولا ترقى إلى الخطأ المهني الجسيم فإن النعي على هذا الحكم والمنازعة في مدى جسامة الخطأ المنسوب إلى المطعون ضده يكون مجادلة موضوعية فيما تستقل بتقديره محكمة الموضوع تنحسر عنها رقابة محكمة النقض.

الطعن رقم 920 لسنة 46 القضائية – أحكام النقض – المكتب الفني – مدني – الجزء الأول – السنة 31 – صـ 514 – جلسة 14 من فبراير سنة 1980

عدم قبول الطعن في دستورية مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة

مخاصمة القضاة في قضاء النقض والدستورية والإدارية

الطعن 65 لسنة 39 ق دستورية عليا جلسة 4 / 12 / 2021

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الرابع من ديسمبر سنة 2021م، الموافق التاسع والعشرين من ربيع الآخر سنة 1443 هـ .

  • برئاسة السيد المستشار / سعيد مرعى عمرو رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين: محمد خيرى طه النجار ورجب عبد الحكيم سليم ومحمود محمد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد نواب رئيس المحكمة
  • وحضور السيد المستشار الدكتور/ عماد طارق البشرى رئيس هيئة المفوضين
  • وحضور السيد / محمد ناجى عبد السميع أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

فى الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 65 لسنة 39 قضائية “دستورية”.

المقامة من

أحمد مصطفى أحمد على

ضد

1- رئيس الجمهورية

2- رئيس مجلس النواب

3- رئيس مجلس الوزراء

4- النائب العام

5- رئيس محكمة الاستئناف العالي بالمنصورة – الدائرة الخامسة

الإجراءات

بتاريخ العشرين من مايو سنة 2017، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص المادة (494) من قانون المرافعات المدنية والتجارية.

وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم:

أصليًّا: بعدم قبول الدعوى

واحتياطيًّا: برفضها. وبعد تحضير الدعوى

أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها. ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 المحكمة

حيث إن الوقائع تتحصل على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق في:

أنه بتاريخ 12/ 3/ 2017، أقام المدعى، أمام محكمة استئناف المنصورة – الدائرة الخامسة مدنى – دعوى المخاصمة رقم 368 لسنة 69 قضائية المنصورة، ضد المستشار ……، المحامي العام لنيابات جنوب الدقهلية، وذلك بموجب تقرير في قلم كتاب تلك المحكمة، على سند من أن المذكور أصدر بتاريخ 2/ 1/ 2017، قرارًا بإحالة الدعوى رقم 20415 لسنة 2016 جنايات السنبلاوين، المقيدة برقم 4284 لسنة 2016 جنايات كلى جنوب الدقهلية إلى محكمة الجنايات.

وأن هذا القرار صدر بطريق الغدر من المُخاصم، لانتهاء تحقيقات نيابة السنبلاوين الجزئية إلى حفظ التحقيقات، كما صدر دون إعادة الأوراق للاستيفاء، وقام بإخفاء حافظة مستندات تكشف عن وجود خلاف بين المدعى ورئيس مباحث السنبلاوين، الذي أجرى التحريات ضده.

ولم يستوف الأوراق بإحالتها إلى إدارة البحث الجنائي، وقام بعرض الأوراق على المحامي العام الأول، دون حافظة المستندات. فضلاً عن تناقض إحالته للمحاكمة الجنائية مع سبق إصدار المخاصم أمرًا بألا وجه لإقامة الدعوى الجنائية في المحضر رقم 4250 لسنة 2016 جنايات كلى جنوب الدقهلية.

وأضاف المدعى بمذكرته المقدمة بجلسة 2/ 5/ 2017، أمام محكمة الموضوع، بأن قرار الإحالة المشار إليه صدر بناء على غش وتدليس وخطأ مهني جسيم، لصدوره عن وجهة نظر شخصية للمُخاصم، وبغرض الإضرار به للخلاف السابق بينهما، كما صدر بالمخالفة لتعليمات النائب العام، وخروجًا عن الحياد بالميل لخصم على حساب الآخر.

وأثناء نظر دعوى المخاصمة دفع المدعى بعدم دستورية نص المادة (494) من قانون المرافعات المدنية والتجارية ، وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، وصرحت له برفع الدعوى الدستورية.

فقد أقام دعواه المعروضة بطلب القضاء بعدم دستورية هذا النص، على سند من:

مخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية ، ومبدأي المساواة وتكافؤ الفرص ، التي كفلها الدستور في المواد (2 ، 9 ، 53 ) منه وحيث إن المادة (494) من قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالقانون رقم 13 لسنة 1968 تنص على أنه:

تجوز مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة في الأحوال الآتية:

1- إذا وقع من القاضي أو عضو النيابة في عملهما غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم.

2- إذا امتنع القاضي من الإجابة على عريضة قدمت له أو من الفصل في قضية صالحة للحكم وذلك بعد إعذاره مرتين على يد محضر يتخللهما ميعاد أربع وعشرين ساعة بالنسبة إلى الأوامر على العرائض، وثلاثة أيام بالنسبة إلى الأحكام في الدعاوى الجزئية والمستعجلة والتجارية، وثمانية أيام في الدعاوى الأخرى. ولا يجوز رفع دعوى المخاصمة في هذه الحالة قبل مضى ثمانية أيام على آخر إعذار.

3- في الأحوال الأخرى التي يقضى فيها القانون بمسئولية القاضي والحكم عليه بالتعويضات”.

وحيث إنه عن الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة بعدم قبول الدعوى لسابقة حسم أمر دستورية نص المادة (494) المشار إليه، بالحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا بجلسة 14/ 2/ 2015، في الدعوى رقم 178 لسنة 32 قضائية “دستورية”:

فإن الثابت أن نطاق تلك الدعوى الدستورية والمصلحة فيها قد تحددا بنص الفقرة الثانية من المادة (495) والفقرة الأولى من المادة (496) من قانون المرافعات، وقضت المحكمة برفض الدعوى المقامة طعنًا على هذين النصين، ونشر هذا الحكم بالجريدة الرسمية بالعدد رقم 8 مكرر(و) بتاريخ 25/ 2/ 2015. ولم يتعرض قضاء المحكمة المتقدم لدستورية نص المادة (494) من قانون المرافعات.

ومن ثم لا تمتد إليه الحجية المطلقة الثابتة لهذا الحكم، والمقررة له بمقتضى نص المادة (195) من الدستور، ونصى المادتين (48 و49) من قانون هذه المحكمة الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979، التي يقتصر نطاقها – على ما جرى به قضاؤها – على النصوص التشريعية التي كانت مثارًا للمنازعة حول دستوريتها، وفصلت فيها المحكمة فصلاً حاسمًا بقضائها، ولا تمتد إلى غير تلك النصوص، الأمر الذي يتعين معه الالتفات عن هذا الدفع.

وحيث إنه عن طلب المدعى كما ضمنه صحيفة دعواه المعروضة تعديل المادة (494) من قانون المرافعات بتضمينها النص على:

أن تكون المحاكمة بالنسبة لرد ومخاصمة أعضاء النيابة العامة والقضاة أمام محكمة خاصة مكونة من مستشارين عاملين بالتفتيش القضائي يتم اختيارهم طبقًا للقانون وأن يكون من بين أحوال ردهم ومخاصمتهم إبداء الرأى في الدعوى قبل الفصل في موضوعها وأن يتم إثبات الخصومة في هذه الأحوال بكافة طرق الإثبات ومنها شهادة الشهود.

فقد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا على أنها هي وحدها التي تُهيمن على تكييف الدعوى الدستورية والطلبات بها، وإضفاء الوصف القانوني الصحيح عليها، والعبرة في ذلك بما قصد إليه المدعى حقيقة من دعواه، ولا اعتداد بالعبارات التي أفرغ طلباته فيها، إذا كانت مجافية في مبناها، للمعاني التي أراد حملها عليها.

وحيث إن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا تثبيتًا للشرعية الدستورية، مناطها تلك النصوص القانونية التي أقرتها السلطة التشريعية، أو التي أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي بينها الدستور، وبالتالي يخرج عن نطاقها إلزام هاتين السلطتين بإقرار قانون أو إصدار قرار بقانون في موضوع معين، إذ إن ذلك مما تستقل بتقديره تلك السلطتان وفقًا لأحكام الدستور، ولا يجوز بالتالي حملهما على التدخل لإصدار تشريع في زمن معين أو على نحو ما.

وحيث إن من المقرر أن الدستور كفل لكل حق أو حرية نص عليها، الحماية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وتتمثل هذه الحماية في الضمانة التي يكفلها الدستور لحقوق المواطنين وحرياتهم، التي يعتبر إنفاذها شرطًا للانتفاع بها في الدائرة التي تصورها الدستور نطاقًا فاعلاً لها.

وهذه الضمانة ذاتها هى التي يفترض أن يستهدفها المشرع، وأن يعمل على تحقيقها من خلال النصوص القانونية التي ينظم بها هذه الحقوق وتلك الحريات، باعتبارها وسائله لكفالتها، وشرط ذلك – بطبيعة الحال – أن يكون تنظيمها كافلاً تنفسها في مجالاتها الحيوية، وأن يحيط بكل أجزائها التي لها شأن في ضمان قيمتها العملية، فإذا نظمها المشرع تنظيمًا قاصرًا، بأن أغفل أو أهمل جانبًا من النصوص القانونية التي لا يكتمل هذا التنظيم إلا بها، كان ذلك إخلالاً بضمانتها التي هيأها الدستور لها، وفى ذلك مخالفة للدستور.

وحيث إن من المقرر كذلك في قضاء هذه المحكمة أن الخطأ في تأويل النصوص القانونية لا يوقعها في حمأة المخالفة الدستورية إذا كانت صحيحة في ذاتها وأن الفصل في دستورية النصوص القانونية المدعى مخالفتها للدستور، لا يتصل بكيفية تطبيقها عملا ولا بالصورة التي فهمها القائمون على تنفيذها وإنما مرد اتفاقها مع الدستور أو خروجها عليه إلى الضوابط التي فرضها الدستور على الأعمال التشريعية.

وحيث إن دعوى المخاصمة هي دعوى مسئولية ترمى إلى تعويض ضرر أصاب المخاصم، وتستند إلى قيام القاضي أو عضو النيابة العامة بعمل أو إصدار حكم مشوب بعيب يجيز مخاصمته وكان الأصل هو عدم مسئولية القاضي عما يصدره من تصرفات في عمله، لأنه يستعمل في ذلك حقًا خوله له القانون، وترك له فيه سلطة تقديرية، إلا أن المشرع رأى أن يقرر مسئوليته على سبيل الاستثناء في حالات أوردها على سبيل الحصر في نص المادة (494) من قانون المرافعات، فلا يجوز القياس عليها، أو رفع دعوى المخاصمة لغيرها من الأسباب.

ولم يتعرض نص هذه المادة للاختصاص القضائي بالفصل في دعوى المخاصمة وإثباتها، وكانت المادتان (146، 148) من قانون المرافعات قد عينت على سبيل الحصر الأحوال التي يكون فيها القاضي غير صالح لنظر الدعوى ممنوعًا من سماعها، ولو لم يرده أحد الخصوم.

وكذا الأحوال التي يجوز فيها رد القاضى التي تسرى في شأن عضو النيابة العامة إذا كان طرفًا منضمًا في الأحوال الخاصة التي يوجب فيها المشرع على النيابة العامة أن تتدخل أمام المحاكم المدنية في القضايا – على ما أوضحت المذكرة التفسيرية لقانون المرافعات – وذلك بحكم الإحالة عليها بمقتضى نص المادة (163) من ذلك القانون، ومن بينها الحالة الواردة بالبند رقم (5) من المادة (146) من قانون المرافعات

التي بموجبها يكون القاضي أو عضو النيابة العامة على حسب الأحوال، غير صالح لنظر الدعوى وممنوعًا من سماعها، إذا كان قد أفتى أو ترافع عن أحد الخصوم في الدعوى، أو كتب فيها ولو كان ذلك قبل اشتغاله بالقضاء، أو كان قد سبق له نظرها قاضيًا أو خبيرًا أو محكمًا أو كان قد أدى شهادة فيها.

ورتبت المادة (147) من قانون المرافعات على مخالفة ذلك بطلان العمل. وعرضت المادتان (247، 248) من قانون الإجراءات الجنائية لأحوال رد القضاة وذلك إذا كانت الجريمة قد وقعت على القاضي شخصيًّا، أو إذا كان قد قام في الدعوى بعمل مأمور الضبط القضائي أو بوظيفة النيابة العامة أو المدافع عن أحد الخصوم أو أدى فيها شهادة أو باشر عملاً من أعمال أهل الخبرة

أو إذا قام في الدعوى بعمل من أعمال التحقيق أو الإحالة أو كان الحكم المطعون فيه صادرًا منه وذلك كله إلى جانب سائر حالات الرد الواردة بقانون المرافعات. ولم تجز الفقرة الثانية من المادة (248) المشار إليها رد أعضاء النيابة العامة، وأوجبت المادة (250) من قانون الإجراءات الجنائية إتباع القواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات في نظر طلب الرد والحكم فيه. كما عرضت المادة (153) من قانون المرافعات، للاختصاص القضائي بنظر طلب الرد والفصل فيه.

فعقدت الاختصاص بذلك بالنسبة لرد أحد قضاة المحاكم الجزئية أو الابتدائية لإحدى دوائر محكمة الاستئناف التي تقع في دائرة اختصاصها المحكمة الابتدائية التي يتبعها القاضي المطلوب رده، وتختص بنظر طلب رد المستشار بمحكمة الاستئناف أو بمحكمة النقض، دائرة بمحكمة الاستئناف أو بمحكمة النقض حسب الأحوال غير الدائرة التي يكون المطلوب رده عضوًا فيها.

كما حددت المواد من (154 إلى 165) من قانون المرافعات، القواعد والإجراءات التي تُتبع في نظر طلب الرد والفصل فيه وإثباته، فخص المشرع هذا الطلب بالنظر لطبيعته بإجراءات تختلف عن الإجراءات العادية، ضمنها الباب الثامن من الكتاب الأول من قانون المرافعات. وخصص المشرع الباب الثاني من الكتاب الثالث من قانون المرافعات لمخاصمة القضاة وأعضاء النيابة العامة، وتناولت المواد (495، 496، 497) منه.

الإجراءات الخاصة برفع الدعوى وإثباتها، والاختصاص القضائي بنظرها والفصل فيها، فترفع الدعوى بتقرير في قلم كتاب محكمة الاستئناف التابع لها القاضي أو عضو النيابة العامة، على أن تعرض الدعوى على إحدى دوائر محكمة الاستئناف بأمر من رئيسها، بعد تبليغ صورة تقرير المخاصمة إلى القاضي أو عضو النيابة المُخاصم، وتنظر الدعوى في غرفة مشورة، في أول جلسة تعقد بعد ثمانية الأيام التالية للتبليغ، ويقوم قلم الكتاب بإخطار الطالب بالجلسة.

وتحكم المحكمة في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها، وذلك بعد سماع الطالب أو وكيله والقاضي أو عضو النيابة المُخاصم حسب الأحوال، وأقوال النيابة العامة إذا تدخلت في الدعوى، فإذا كان القاضي المُخاصم مستشارًا بمحكمة النقض، تولت الفصل في جواز قبول المخاصمة إحدى دوائر محكمة النقض في غرفة مشورة.

فإذا حكم بجواز قبول المخاصمة فإن الاختصاص بالفصل في موضوع المخاصمة بالنسبة لقضاة المحكمة الابتدائية أو أعضاء النيابة العامة لديها يكون لدائرة أخرى من دوائر محكمة الاستئناف، فإذا كان المُخاصم مستشارًا بمحكمة الاستئناف أو النائب العام أو المحامي العام كان الاختصاص بالفصل في الموضوع لدائرة خاصة مؤلفة من سبعة من المستشارين بحسب ترتيب أقدميتهم، أما إذا كان المُخاصم مستشارًا بمحكمة النقض فيكون الاختصاص إلى دوائر المحكمة مجتمعة. ويحكم في الدعوى بعد سماع الطالب والمُخاصم وأقوال النيابة العامة إذا تدخلت في الدعوى.

متى كان ذلك

وكان من المقرر أن نطاق الدعوى الدستورية يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية، وفى حدود النصوص التي صرحت محكمة الموضوع للمدعى بالطعن عليها، واختصامها المدعى بصحيفة دعواه الدستورية، وكان المشرع قد حدد الاختصاص القضائي بنظر دعوى المخاصمة بمرحلتيها وإثباتهما والفصل فيهما، على النحو المتقدم بيانه، وقصر نطاق نص المادة (494) من قانون المرافعات على تحديد أحوال مخاصمة القضاة وأعضاء النيابة العامة.

فإن التعرض فيه لتعديل الاختصاص بالفصل في طلب الرد ودعوى المخاصمة للقضاة وأعضاء النيابة العامة، والنص فيه على حالة رد القاضي أو عضو النيابة العامة إذا أبدى رأيًّا مخالفًا في الدعوى، قبل الفصل في موضوعها، وإثبات ذلك بكافة طرق الإثبات، بما فيها شهادة الشهود.

كما ذهب المدعى، يكون إقحامًا لهذا النص في غير الدائرة التي قصدها المشرع بالتنظيم الذي ضمنه هذا النص، ويناقض الإطار الذي تناولته المواد (من 146 إلى 165) و(495 و496، 497) من قانون المرافعات، والمواد من (247 إلى 250) من قانون الإجراءات الجنائية، الذي يدخل تقريرها في إطار السياسة التشريعية التي ينتهجها المشرع في تنظيم هذه المسألة.

وحيث كان ذلك

وكان نطاق الدعوى المعروضة يقتصر على نص المادة (494) من قانون المرافعات، دون غيرها من النصوص المتقدمة، إذ اقتصر الدفع بعدم الدستورية المبدى من المدعي أمام محكمة الموضوع على ذلك النص، ولم يشمل أيًّا من هذه النصوص، ومن ثم لم ينصب عليها تقدير محكمة الموضوع لجدية الدفع، وتصريحها للمدعى برفع الدعوى الدستورية، ولم يضمنها المدعى طلباته الختامية الواردة بصحيفة دعواه الدستورية المعروضة.

كما سبق للمحكمة الدستورية العليا أن حسمت المسألة الدستورية التي تتصل بالفقرة الثانية من المادة (495) والفقرة الأولى من المادة (496) من قانون المرافعات – كما تقدم البيان – بحكمها الصادر في الدعوى رقم 178 لسنة 32 قضائية “دستورية” المشار إليه.

وقضت بحكمها الصادر بجلسة 2/ 3/ 2019 في الدعوى رقم 179 لسنة 37 قضائية “دستورية” برفض الدعوى المقامة طعنًا على نصى الفقرتين الأولى والثالثة من المادة (495) من قانون المرافعات، ونشر هذا الحكم بالجريدة الرسمية بالعدد رقم 10 مكرر (ب) بتاريخ 11/ 3/ 2019، وهو قضاء ملزم للكافة، وجميع سلطات الدولة.

وتكون له حجية مطلقة بالنسبة لهم، طبقًا لنص المادة (195) من الدستور ونصى المادتين (48، 49) من قانون هذه المحكمة المشار إليه، ليغدو ما أثاره المدعى – على النحو السالف ذكره – مرده إلى الخطأ في تأويل نص المادة (494) من قانون المرافعات، وفهمه على غير معناه الحقيقي، والتطبيق غير الصحيح له.

وفي غير مجال إعماله. فضلاً عن أن ما طرحه المدعى في الحدود المتقدمة، وطلبه إضافة حالة إبداء القاضي أو عضو النيابة العامة رأيًّا مخالفًا في الدعوى، قبل الفصل في الموضوع، إلى أحوال مخاصمتهما، الواردة حصرًا بنص المادة (494) من قانون المرافعات المشار إليه، إنما ينحل في حقيقته إلى طلب استحداث لحكم تشريعي

ويتضمن تعديلاً للتنظيم القانوني القائم لهذه المسألة، يجاوز نطاق الولاية المقررة لهذه المحكمة، ويُعد تدخلاً في عمل السلطة التشريعية، بالمخالفة لنص المادة (101) من الدستور، مما يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى في خصوص هذا الشق منها.

وحيث إنه عن طلب المدعى القضاء بعدم دستورية نص المادة (494) من قانون المرافعات المشار إليه برمته:

فمن المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه لا يجوز قبول الدعوى الدستورية إلا بتوافر الشروط اللازمة لاتصالها بها وفقًا للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، ويندرج تحتها شرط المصلحة التي حددتها المحكمة الدستورية العليا بأنها المصلحة الشخصية المباشرة التي لا يكفى لتحققها أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفًا للدستور، بل يجب أن يكون هذا النص – بتطبيقه على المدعى – قد ألحق به ضررًا مباشرًا.

وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن مفهوم المصلحة الشخصية المباشرة – وهى شرط لقبول الدعوى الدستورية – إنما يتحدد على ضوء عنصرين أولين يحددان معًا مضمونها ولا يتداخل أحدهما مع الآخر أو يندمج فيه، وإن كان استقلالهما عن بعضهما البعض لا ينفى تكاملهما، وبدونهما مجتمعين لا يجوز لهذه المحكمة أن تباشر رقابتها على دستورية القوانين واللوائح:

أولهما: أن يقيم المدعى – في حدود الصفة التي اختصم بها النص التشريعي المطعون عليه – الدليل على أن ضررًا واقعيًّا – اقتصاديًّا أو غيره – قد لحق به، ويجب أن يكون هذا الضرر مباشرًا مستقلاًّ بعناصره ممكنًا إدراكه ومواجهته بالترضية القضائية، وليس ضررًا متوهمًا أو نظريًّا أو مجهلً بما مؤداه أن الرقابة على الدستورية يجب أن تكون موطئًا لمواجهة أضرار واقعية بغية ردها وتصفية آثارها القانونية، ولا يتصور أن تقوم المصلحة الشخصية المباشرة إلا مرتبطة بدفعها.

ثانيهما: أن يكون مرد الأمر في هذا الضرر إلى النص التشريعي المطعون عليه، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق على المدعى أصلاً، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان قد أفاد من مزاياه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، فإن المصلحة الشخصية المباشرة تكون منتقية، ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه عند رفعها.

وحيث كان ما تقدم

وكان المدعى قد أقام دعوى المخاصمة، على سند من صدور قرار إحالة الجناية المشار إليها إلى محكمة الجنايات بطريق الغدر والغش والتدليس، فضلاً عن وقوع خطأ مهني جسيم من المُخاصم في إصداره، لما نسبه إليه من وقائع وتصرفات على النحو المتقدم ذكره. وكان نص المادة (494) من قانون المرافعات قد أجاز في البند رقم (1) منه مخاصمة أعضاء النيابة العامة.

إذا وقع من عضو النيابة غش أو تدليس أو غدر أو خطأ مهني جسيم، وهي مجتمعة، الأسباب التي أقام المدعى دعوى المخاصمة تأسيسًا عليها، ومن ثم يكون المدعى قد أفاد من هذا النص كسند قانوني لدعواه، فضلاً عن عدم انطباق باقي أحكام المادة (494) السالف ذكرها على هذه الدعوى.

ومن ثم فإن القضاء في المسألة المتعلقة بدستوريتها، لن يكون ذا أثر أو انعكاس على الدعوى الموضوعية، والطلبات المطروحة بها، وقضاء محكمة الموضوع فيها، لتنتفي بذلك المصلحة الشخصية المباشرة في الطعن على دستورية هذا النص، الأمر إلى يتعين معه القضاء بعدم قبول الدعوى بالنسبة لهذا الشق منها. وتكون الدعوى المعروضة – لما تقدم جميعه – حقيقة بالقضاء بعدم قبولها برمتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

بعدم قبول الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعى المصروفات، ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

مبدأ الادارية العليا في مخاصمة القاضي

مخاصمة القضاة في قضاء النقض والدستورية والإدارية

دعوى المخاصمة رقم 22026 لسنة 60 ق . ع

(الدائرة السادسة)

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ ربيع عبد المعطي أحمد الشبراوي     نائب رئيس مجلس الدولة

وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ صلاح أحمد السيد هلال، وعبد الحميد عبد المجيد الألفي، وعاطف محمود أحمد خليل، ود. محمود سلامة خليل السيد              نواب رئيس مجلس الدولة

المبادئ المستخلصة:

  • (أ) دعوى المخاصمة هي نوع من الرقابة الخاصة على أعمال وتصرفات الهيئة القضائية, وهي مُكْنَة منحها المشرع للمتضرر والدفاع ليتمكن بها من تصحيح أخطاء الهيئة القضائية, فهي دعوى تعويض، وأيضًا دعوى بطلان الحكم, وتعد طريق طعن غير عادي في الأحكام- تستند دعوى المخاصمة إلى قيام القاضي بعمل أو بحكم مشوب بعيب من العيوب التي تتضمنها أسباب المخاصمة, وقد قررها القانون بقصد حماية المتقاضين من القاضي الذي يخل بواجبه إخلالا جسيمًا- وازن المشرع بين حق القاضي في توفير الضمانات له

فلا يتحسب في قضائه سوى وجه الحق, ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه, ولا يستنفد الجهد في سبيل الرد على من ظن به الجور وآثر الكيد له، وبين حق المتقاضي في الاطمئنان إلى قاضيه, مُقَيَّدًا بالعدل في حكمه، فإن جنح عنه, كان له أن يسلك طريق الخصومة التى يدين بها قَضَاءَهُ ويبطل أَثره- كل هذا يجد حدَّهُ الطبيعي في أن القضاء ولاية تقدير, وأمانة تقرير

وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا يَسْقُطُ بهما منطقُ العدلِ، وإنما يُسْقِطُهُ الجورُ والانحرافُ في القصد- سبب المخاصمة قد يقع من قاضٍ بمفرده، كما قد يقع من دائرة بأكملها  دعوى المخاصمة  ضد مستشاري مجلس الدولة تُرفع ابتداء أمام محكمة القضاء الإداري, ويُطعن على الحكم الصادر فيها أمام المحكمة الإدارية العليا، في حين تختص المحكمة الإدارية العليا ابتداء بها إذا تعلق الأمر بأحد أعضائها.

  • (ب) أفرد المشرِّعُ دعوى مخاصمة القضاة بقواعد قانونية خاصة في قانون المرافعات, يجبُ الالتزامُ بها الفصل في دعوى المخاصمة يتم على مرحلتين:
  • (الأولى) مرحلة الفصل في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها
  • (الثانية) مرحلة الفصل في موضوعها إذا قُضِىَ بجواز المخاصمة، إما برفضها, أو بصحتها والتعويض وبطلان التصرف
حدَّد المشرِّعُ حالات وأسباب المخاصمة على سبيل الحصر ومنها:

وقوع الغش والتدليس, والخطأ المهني الجسيم- المقصود بالغش هنا هو ارتكاب القاضي الظلم عن قصد, بدافع المصلحة الشخصية, أو الكراهية لأحد الخصوم, أو محاباة الطرف الآخر.

أما الخطأ المهني الجسيم فهو الخطأ الذي ينطوي على أقصى ما يمكن تصوره من الإهمال في أداء الواجب، ويكون ارتكابه نتيجة غلط فاضح, ما كان لينساق القاضي إليه لو اهتم بواجبه الاهتمام العادي، أو بسبب إهماله إهمالا مفرطا يعبر عن خطأ فاحش.

مثل الجهل الفاضح بالمبادئ الأساسية للقانون لا يعد خطا مهنيا جسيما فهم رجل القضاء للقانون على نحو معين, ولو خالف فيه إجماع الشراح ولا تقديره لواقعة معينة أو إساءة الاستنتاج

كما لا يدخل في نطاق الخطأ المهني الجسيم :

الخطأ في استخلاص الوقائع أو في تفسير القانون, أو قصور الأسباب- يخرج عن نطاق هذا الخطأ كل رأي أو تطبيق قانوني يخلص إليه القاضي بعد إمعان النظر والاجتهاد في استنباط الحلول للمسألة القانونية المطروحة ولو خالف في ذلك أحكام القضاء وآراء الفقهاء- رتب المشرع على القضاء بعدم جواز المخاصمة أو رفضها الحكم على طالب المخاصمة بالغرامة, ومصادرة الكفالة, مع التعويضات إن كان لها وجه، ورتب على القضاء بصحتها الحكم على القاضي المخاصم بالتعويضات والمصاريف, وبطلان تصرفه.

الإجراءات

في يوم الأحد الموافق 23/2/2014، أودع المخاصم قلم كتاب المحكمة تقريرا بدعوى المخاصمة لكل من رئيس وأعضاء الدائرة الرابعة (موضوع) بالمحكمة الإدارية العليا (المذكورين سالفا)، طالبا في ختامها الحكم بقبول الدعوى شكلا، والقضاء مجددا ببطلان الحكم محل المخاصمة (الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية العليا – الدائرة الرابعة موضوع بجلستها المنعقدة في 11/1/2014 في الطعن رقم 20546 لسنة 59 ق ع)

منشور بمجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا في السنة 59، مكتب فني، المبدأ رقم 27
  •  والقضاء مجددا فيه -لكونه صالحًا للحكم- عملا بنص المادة (499) من قانون المرافعات، مع عدم إلزامه أي مصروفات.
  • وقد تم إعلان تقرير المخاصمة إلى القضاة المخاصَمين وفضيلة شيخ الأزهر، على النحو المبين بالأوراق.
  • وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا بالرأي القانوني, ارتأت فيه الحكم بعدم جواز المخاصمة، وبتغريم المخاصِم، وإلزامه المصروفات، وبمصادرة الكفالة.
  • ونظرت المحكمة الدعوى على الوجه الثابت بمحاضر الجلسات، وأرجأت المحكمة إصدار الحكم لجلسة اليوم، وفيها صدر هذا الحكم، وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به.

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.

وحيث إن وقائع الدعوى تخلص -حسبما يبين من الأوراق- في أنه بتاريخ 14/5/2013 أقام المخاصِم الطعن رقم 20546 لسنة 59ق. عليا أمام المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة), طالبًا الحكم بقبول الطعن شكلا، وبإلغاء قرار مجلس التأديب الاستئنافي لضباط الشرطة الصادر بجلسة 28/4/2013 برفض الاستئناف رقم 78 لسنة 2013

وتأييد القرار المستأنَف (الصادر من مجلس التأديب الابتدائي بجلسة 8/7/2012 برقم 27 لسنة 2012) فيما تضمنه من مجازاة المخاصِم بالوقف عن العمل لمدة ستة أشهر، مع صرف نصف راتبه، وعدم صرف نصف راتبه الموقوف صرفه أثناء فتره الإيقاف عن العمل لمصلحة التحقيق.

وبجلسة 11/1/2014 قضت المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة- موضوع) بقبول الطعن شكلا، وبتعديل قرار مجلس التأديب المطعون فيه ليكون بمجازاة الطاعن (المخاصِم) بخصم خمسة أيام من أجره.

وإذ تراءى للمخاصِم أن هيئة المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة- موضوع) قد خرجت على مقتضى الحيدة والعدالة فيما أصدرته من حكم على النحو السالف، فقد أقام دعواه الماثلة بمخاصمة السادة: رئيس، وأعضاء الهيئة (المذكورين سالفًا) على سندٍ من القول بالغش والتدليس، والخطأ المهني الجسيم من جانب القضاةِ المخاصَمين

وذلك لأسباب حاصلها:

1- أن المحكمة بحكمها بإدانته بمخالفة قواعد وتعليمات مرفق الشرطة بالالتزام بزي خاص وبالمظهر اللائق، وَبِزَعمِ حطِّه من كرامة وظيفته طبقًا للعرف العام -بحسبانه مُعْفِيًا للحيته على وفق سنةٍ قولية وعملية لرسول الإسلام- تكون قد تعمدت ازدراء ما هو معلوم بالضرورة بالدين الإسلامي

على وفق ما أقرته اللجنة المختصة بالأزهر الشريف بفتواها (وهو ما كان تحت بصر المحكمة) من أن حالق اللحية مقارف إما للإثم أو للكراهة، فَبَدَا الحكم بمظهرِ المزدرى أو المستَهْجن, وهو ما يتفرع عنه اقتراف الجريمة المؤثمة بالمادتين (161) و(171) من قانون العقوبات؛ إذ الدليلُ على وجوبِ إعفاء اللحية واستحبابه سنةٌ مؤكدة، قطعيٌة في ثبوتها ودلالتها.

2- التزوير في الصفحة الثانية بالحكم الصادر ضده، وذلك بتعديل بداية الشطر الوارد بقضاء دائرة توحيد المبادئ ونهايته بشأن ارتداء النقاب للمرأة المسلمة, بقصد إخفاء مبدأ قانوني بشأن (الدين- الزي المباح شرعًا)، وبما يَصُبُّ سياقُه في صوب المبالغة في تحصين قيود الإدارة على أزياء تابعيها, فلا يُقْبَلُ من ثم انتهاكُها بإعفاء اللحية بعد أن عدوها من الزي.

3- إثباتُ دفاعٍ للطاعنِ خلا منه ملفُّ الطعن, بالدفع بالغلو في الجزاء الموقع عليه, بما ينطوي على إقرار زائف منه بالمخالفة, وذلك على النحو المبين تفصيلا بتقرير المخاصمة.

وحيث إن دعوى المخاصمة هي نوع من الرقابة الخاصة على أعمال وتصرفات الهيئة القضائية أو هي مُكنة منحها المشرع للمتضرر والدفاع ليتمكن بواسطتها من تصحيح أخطاء الهيئة القضائية، ذلك أن دعوى المخاصمة هي دعوى تعويض، وهي أيضًا دعوى بطلان الحكم.

وتستند إلى قيام القاضي بعمل أو بحكم مشوب بعيب من العيوب التى تتضمنها أسباب المخاصمة, أو هي طريق طعن غير عادى في الأحكام قرره القانون بقصد حماية المتقاضين من القاضي الذي يخل بواجبه إخلالا جسيمًا, وسبب المخاصمة قد يقع من قاضٍ بمفرده، كما قد يقع من دائرة بكاملها.

وهنا يمكن مخاصمة قاضٍ واحد أو مخاصمة دائرة بأكملها, فالخطأ المهني الجسيم الذي يمثل أحد أسباب المخاصمة قد يقع من قاضٍ واحد, كما قد يقع من دائرة بأكملها، وحينئذ يمكن أن تتم المخاصمة بالنسبة للقاضي بمفرده أو للدائرة بأكملها. ومن المقرر أن دعوى المخاصمة ضد مستشاري مجلس الدولة تُرفع ابتداء أمام محكمة القضاء الإداري.

ويُطعن على الحكم الصادر في دعوى المخاصمة أمام المحكمة الإدارية العليا، ولا تختص المحكمة الإدارية العليا ابتداء إلا إذا تعلق بمستشار من المحكمة الإدارية العليا.

بهذا المعنى قضت المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 2645 لسنة 33ق عليا بجلسة 6/3/1988, والطعن رقم 2745 لسنة 36ق عليا بجلسة 29/6/1991, والطعن رقم 18223 لسنة 50ق عليا بجلسة 24/2/2007
وحيث إنه يبين من الاطلاع على نصوص المواد (494)، (495)، (496)، (497), (499) من قانون المرافعات المدنية والتجارية وهو القانون المطبق في شأن إجراءات وشروط مخاصمة قضاة محاكم مجلس الدولة طبقًا لحكم الإحالة المنصوص عليه في المادة الثالثة من مواد إصدار القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة يبين أن:

المشرع وازن بين حق القاضي في توفير الضمانات له، فلا يتحسب في قضائه سوى وجه الحق, ولا يهتز وجدانه من مظنة النيل منه، ولا يستنفد الجهد في سبيل الرد على من ظن به الجور وآثر الكيد له، وبين حق المتقاضي في الاطمئنان إلى قاضيه مُقَيَّدًا بالعدل في حكمه.

فإن جنح عنه لم تغلق الأبواب في وجهه، فله أن يسلك طريق الخصومة التى يدِينُ بها قَضَاءَهُ ويُبْطِلُ أَثَرَهُ، وكل هذا يجد حدَّهُ الطبيعي في أن القضاء ولاية تقدير وأمانة تقرير، وأن مجرد الخلاف أو الخطأ لا يَسْقُطُ بهما منطقُ العدلِ، وإنما يُسْقِطُهُ الجورُ والانحرافُ في القصد، وعليه وجب الالتزام بالقواعد القانونية المنصوص عليها في المواد المذكورة سالفًا، والتي من بينها أن الفصل في دعوى المخاصمة يتم على مرحلتين:

  • (الأولى) مرحلة الفصل في تعلق أوجه المخاصمة بالدعوى وجواز قبولها.
  • و(الثانية) مرحلة الفصل في موضوعهاإذا قُضِي بجواز المخاصمة إما برفضها أو بصحتها والتعويض وبطلان التصرف.
وقد حدد المشرع حالات وأسباب المخاصمة على سبيل الحصر:

ومنها وقوع الغش والتدليس, والخطأ المهني الجسيم، والمقصود بالغش في هذا المقام هو ارتكاب القاضي الظلم عن قصد بدافع المصلحة الشخصية أو الكراهية لأحد الخصوم أو محاباة الطرف الآخر، أما الخطأ المهني الجسيم فهو الخطأ الذي ينطوي على أقصى ما يمكن تصوره من الإهمال في أداء الواجب.

ويكون ارتكابُه نتيجة غلطٍ فاضح ما كان لينساقَ إليه لو اهتم بواجبه الاهتمام العادي، أو بسبب إهماله إهمالا مُفرطًا يُعبِّر عن خطأٍ فاحش مثل الجهل الفاضح بالمبادئ الأساسية للقانون، ومن ثم لا يعد خطا مهنيًّا جسيمًا فهْمُ رجلِ القضاء للقانون على نحوٍ معين ولو خالفَ فيه إجماعَ الشُراحِ.

ولا تقديرُهُ لواقعةٍ معينة أو إساءةُ الاستنتاجِ، كما لا يدخلُ في نطاق الخطأِ المهني الجسيم الخطأُ في استخلاص الوقائع أو في تفسير القانون أو قصور الأسباب، ومن ثم يخرجُ عن نطاق هذا الخطأ كلُّ رأيٍ أو تطبيق قانوني يخلُصُ إليه القاضي بعد إمعان النظر والاجتهاد في استنباط الحلول للمسألة القانونية المطروحة ولو خالفَ في ذلك أحكامَ القضاءِ وآراءَ الفقهاء، ولهذا رتَّب المشرِّعُ على القضاءِ بعدمِ جوازِ المخاصمةِ أو رفضِها الحكمَ على طالبِ المخاصمة بغرامةٍ لا تقلُّ عن (أربع مِئة جنيه)

ولا تزيد على (أربعة آلاف جنيه) ومصادرة الكفالة مع التعويضات إن كان لها وجه، كما رتَّب على القضاءِ بصحةِ المخاصمةِ الحكمَ على القاضي المخاصَمِ بالتعويضات والمصاريف وبطلان تصرفه.

يراجع حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 2476 لسنة 39ق عليا بجلسة 19/2/1994, وكذا حكم الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 18223 لسنة 50ق عليا بجلسة 24/2/2007

وحيث إنه من المقرَّر أن المحكمة التي تفصل في دعوى المخاصمة ليست محكمةَ طعنٍ بالنسبة للحكم الصادر في الخصومة الأصلية، ولا تملك التعقيبَ عليه من حيث الواقع والقانون, إلا بالقدر المتعلق بأوجه المخاصمة, لبيان ما إذا كان هناك خطأ مهني جسيم صدر عن القاضي المخاصَمِ.

متى كان ذلك كذلك

فإنه استهداءً بالقواعد والأحكام المذكورة سالفًا، وكان الثابت من الأوراق أن المخاصِمَ قد أقام دعواه الماثلة بمخاصمة هيئة المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة- موضوع) المبينة أسماؤهم بصدر هذا الحكم، مُحَدِّدًا أسبابَ المخاصمة بأنها الغش والتدليس، والخطأ المهني الجسيم, دون أن يقيم الدليل على سوء نية هؤلاء القضاة أو ارتكابهم لأي وقائعٍ ثابتة ومُحَدَّدة تدلُّ بذاتها على وقوع الغش والتدليس المدعى به.

ذلك أن أوراق التداعي قد خلت مما يفيد صدورَ إفتاءٍ عن الأزهر الشريف باعتبار إطلاقِ اللحيةِ فريضةً أو يُكْرَهُ تركُها عند جمهور الفقهاء, حتى يكون القضاة المخاصَمِينَ على بينةٍ من ذلك الإفتاء، ومن ثم يكون الحكمُ المخاصَمُ، وقد خلص إلى تقرير مخالفة المخاصِمِ للأوامر والتعليمات الصريحة -في هذا الصدد- الواردة بالكتاب الدوري رقم 3 سنة 2012 الصادر عن وزارة الداخلية بتاريخ 14/2/2012 من ضرورة العناية بالمظهر العام من حيث

(1) ارتداء الزي الرسمي على وجه لائق

(2) العناية بالمظهر الشخصي من حيث قص الشعر وحلاقة الذقن بما يتلاءم ومقتضيات الزي الرسمي، إذ تكوَّنت عقيدةُ المحكمةِ المخاصَم قضاتها على تحقق قيام الذنب الإداري للمخاصِمِ, بحسبانه لم يلتزم تلك التعليمات, وأنه لم يكن باعثُه على إطلاقِ لحيته تكليفًا مفروضًا عليه في الشريعة الإسلامية بحيث يُأْثَمُ تاركه, بحسبان أن حكم إطلاق اللحية -من وجهٍ- قد اختلف الفقهاءُ في حكمه قديمًا وحديثًا.

وقد أصدرت دار الإفتاء المصرية -في هذا الخصوص عدة فتاوى عبر العصور, فذهب فريق إلى أنه من سُنّةِ العادات، وليس من الأمور العبادية، وأن الأمرَ بإطلاقها أو إعفائها وتوفيرها أمرُ إرشادٍ لا أمرُ وجوبٍ أو استحباب -وهو ما ذهب إليه بعض المتأخرين-، وعلى هذا جرى الأغلب من علماء الأزهر الشريف عملا، وهم نجوم الهدى للعالم.

في حين ذهب فريق إلى أنها من سنن الندب، ويرى فريق آخر وجوب إطلاق اللحية وحرمة حلقها، وجرت عادة العسكر من شرطة وجيش منذ مئات السنين على حلق لحاهم، فلم تتحول هذه المسألة إلى قضية تُثير ضجة حول مدى الطاعة والخروج عن التعليمات.

بل كانت لاختلاف العلماء فيها كما تقدم مندرجةً دائمًا تحت قاعدة:

“لا ينكر المختلف وإنما ينكر المختلف فيه”, ومن ارتضى أن يدخل إلى كليات الشرطة يكون قد اختار ما اختارته إدارة الشرطة في هذا الأمر؛ لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، واختيار ما اختارته إدارة الشرطة في هذا الأمر جائز لأنه من الأمور المختلف فيها، والتي يجوز تقليد الرأي المجيز فيها عند الممارسة والتلبس لأن من ابْتُلِيَ بشيءٍ من المختلف فيه قلَّدَ من أجاز؛ تخلصًا من الحرمة، فإن تغيَّرَ اختيارُهُ فله أن ينتقل إلى إدارة غير شرطية، وعلى قاعدة أن الخروجَ من الخلافِ مُستحَبٌ, وعلى الأفراد الالتزام بالتعليمات إلى حين ذلك التغيير إن تم.

ومن وجهٍ آخر:

فقد اطرد قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن ما نص عليه الدستور من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع, إنما يتمخض عن قيد يجب على السلطة التشريعية أن تتحراه وتنزل عليه في تشريعاتها الصادرة، فلا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها. باعتبار أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعًا, لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة.

التى لا تحتمل تأويلا أو تبديلا، ومن غير المتصور تبعًا لذلك أن يتغير مفهومها بتغير الزمان أو المكان، إذ هي عصية على التعديل، ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها، أما الأحكام غير القطعية في ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معًا، فإن باب الاجتهاد يتسع فيها لمواجهة تغير الزمان والمكان، وتطور الحياة وتنوع مصالح العباد.

وهو اجتهاد إن كان جائزًا ومندوبًا من أهل الفقه, فهو بذلك أوجب لولي الأمر, ليواجه به ما تفتضيه مصلحة الجماعة درءًا لمفسدة أو جلبًا لمنفعة, أو درءًا وجلبًا للأمرين معًا.

القضية رقم 119 لسنة 21 القضائية دستورية بجلسة 19/12/2004, أيضًا حكمها في القضية رقم 69 لسنة 22 القضائية دستورية بجلسة 13/2/2005

كما أنه من المقرر أن الآراء الاجتهادية ليس لها -في ذاتها- قوة ملزمة متعدية لغير القائلين بها، ولا يجوز تبعًا لذلك اعتبارها شرعًا ثابتًا متقررًا لا يجوز أن يُنْقَضَ, وإلا كان ذلك نهيًا عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى، وإنكارًا لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد, بل إنّ مِنَ الصحابة من تردد في الفُتْيَا تهيبًا

ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد من الفقهاء ليس أحق بالاتباع مِنَ اجتهادِ غيره، وربما كان أضعف الآراء سندًا، أكثرها ملاءمةً للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفًا لأقوال استقر عليها العمل زمنًا، ولئن جاز القول بأن الاجتهادَ في الأحكام الظنية، وربطَها بمصالح الناس عن طريق الأدلة الشرعية (النقلية منها والعقلية) حقٌّ لأهل الاجتهاد

فأولَى أن يكون هذا ثابتًا لولي الأمر، يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها وبما يناسبها بأهل النظر في الشئون العامة، إخمادًا للثائرة، ولما يرفع التنازع والتناحر ويبطل الخصومة, على أن يكون مفهومًا أن اجتهادات السابقين لا يجوز أن تكون مصدرًا نهائيًّا أو مرجعًا وحيدًا لاستمداد الأحكام العملية منها, بل يجوزُ لولي الأمر أن يُشَرِّعَ على خلافها

وأن ينظم شئون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة, بما يَرُدُّ الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله، مستلهمًا في ذلك حقيقة أن المصالح المعتبرة، هي التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها أو تنحصر تطبيقاتها، ولكنها تتحدد – مضمونًا ونطاقًا – على ضوء أوضاعها المتغيرة.

وليس ذلك إلا إعمالا للمرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية والعملية المستجيبة بطبيعتها للتطور، والتي ينافيها أن يتقيد ولي الأمر في شأنها بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده بصددها عند لحظة زمنية معينة، تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها.

القضية رقم 5 لسنة 8 قضائية دستورية بجلسة 6/1/1996

لما كان ذلك، وكان إطلاق اللحية من سنة العادات وليس من الأمور العبادية في قول بعض الفقهاء، فإطلاق اللحية ليس فرضًا, وإنما يدخل في دائرة المباح شرعًا والمكفول بالحماية الدستورية, (في هذا المعنى: دار الإفتاء المصرية- أمانة الفتوى- الفتوى الصادرة بتاريخ 21/2/2012 والمذكورة سالفًا ردًا على التساؤل الوارد إليها بكتاب قطاع التفتيش والرقابة بوزارة الداخلية عن مدى أحقية الجهة الإدارية النظامية كالشرطة في إلزام الضابط بعدم إطلاق لحيته لتعارض ذلك مع الحياة النظامية

وإلزامه بالتعليمات التى تصدر عن رؤسائه إنفاذًا للقانون), ومن ثم فهي من الأمور التى لا تندرج تحت قاعدة كلية أو جزئية من واقع الشريعة الإسلامية قطعية الثبوت والدلالة

ومن ثم يكون لولي الأمر عن طريق التشريع الوضعي تنظيمها بما يتفق ومصلحة الجماعة، ما تضحى معه مظنة ازدراء الدين الإسلامي التى زعمها المخاصِمُ في الحكم محل المخاصمة على غير سند أو دليل, فضلا عن أن مخالفة ولي الأمر -في هذا الخصوص- هي خروج عن مقتضى الواجب الوظيفي، تستوجب المسئولية التأديبية بالعقاب التأديبي المناسب، وهو ما فعله الحكم محل المخاصمة بصحيح حكم القانون.

وحيث إنه فيما نقله الحكمُ محل المخاصمة عن المبدأ الذي قرره حكم دائرة توحيد المبادئ بالمحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 3219 لسنة 48ق عليا بجلسة 9/6/2007, من أنه :

إذا كان ارتداء النقاب بالنسبة للمرأة المسلمة هو أحد مظاهر الحرية الشخصية، فإن هذه الحرية لا ينافيها أن تلتزم المرأة المسلمة وهي في دائرة بذاتها بالقيود التى تضعها الجهة الإدارية أو المرفق على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص في موقعهم من هذه الدائرة لتكون لها ذاتيتُها فعلا, فلا تختلطُ أَرْدِيَتُهُمْ بغيرها

بل ينسلخون في مظهرهم عمن سواهم, ليكون زيهم مُوحَّدًا مُتجانِسًا ولائِقًا بهم، دالًّا عليهم ومُعرِّفًا بهم ومُيَسِّرًا صورَ التعامل معهم، فلا تكون دائرتُهم هذه نهبًا لآخرين يقتحمونها غيلةً وعدوانًا، ليلتبس الأمر في شأن من ينتمون إليهم حقًّا وصدقًا، كما هو الشأن بالنسبة للقوات المسلحة والشرطة والمستشفيات وغيرها”

هذا الذي نقله الحكمُ إنما هو من قبيل الاستنباط والقياس, الذي لا يسقط منطق العدل, سواء استخلاصًا منه للواقع, أو تفسيرًا للقانون, أو استنباطًا للحلول للمسألة القانونية المطروحة، ولو خالف في ذلك أحكامًا للقضاء أو آراءً للفقه؛ إذ العبرة ليست بالألفاظ والمباني بل بالمقاصد والمعاني

فلا يسوغُ نسبةُ الخطأِ المهني الجسيم للمحكمة الإدارية العليا مادام لم يكن خطا بينًا كاشِفًا عن أمره, بحسبانها على مستوى القمة في مدارج التنظيم القضائي, بما عهد إليها من أمانة القضاء وعظيم رسالاته وإرساء الصحيح من المبادئ في تفسير القانون واستلهام أحكامه.

متى كان ذلك

وقد راعى الحكمُ المخاصَمُ -بعد ذلك- مشروعية الباعث الذي قام لدى المخاصِمِ, بالإضافة إلى الغلو البين في توقيع الجزاء عليه، وخلص إلى تخفيف الجزاء الموقع عليه دونما حاجة إلى دفع منه بذلك – حسبما نعى المخاصِمُ بمخاصمته الماثلة-.

فإن الحكم محل المخاصمة – والحال هذه – يكون قد جاء بعد إمعان نظر واجتهاد القضاة المخاصَمين في استنباط الحلول للمسألة القانونية المطروحة دون حَيْفٍ أو جَوْرٍ، ما تنتفي معه صحة سبب دعوى مخاصمة القضاة الواردة أسماؤهم بصحيفة الدعوى الماثلة.

ومن ثم فإن المحكمة تقضى -والحال هذه- بعدم جواز قبول دعوى المخاصمة الماثلة, وبتغريم المخاصِمِ مبلغَ (خمس مِئة جنيه) عن كل عضو من أعضاء هيئة المحكمة محل المخاصمة ليكون بمبلغ إجمالي (ألفان وخمس مِئة جنيه), وبمصادرة الكفالة.

وحيث إن من خسر الدعوى يلزم مصروفاتها عملا بحكم المادة (184) من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول دعوى المخاصمة، وبمصادرة الكفالة، وتغريم المخاصِم مبلغ (خمس مِئة جنيه) عن كل عضو من الأعضاء المخاصَمين, وألزمته المصروفات.

دعوى المخاصمة رقم 22026 لسنة 60 ق – ع – جلسة 24 من ديسمبر سنة 2014

الخاتمة لمخاصمة القضاة

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مشاجرات ومشاحنات مع القضاة أثناء نظر الجلسات وترافع السادة المحامين وهذ التشاحن مع القضاة نتيجة عملهم في المنظومة القضائية وهي قد تكون بسبب طبيعة شخصية سواء للقاضي أو المحامي وقد لا تتعلق بالقضايا المنظورة  ومن ثم نص المشرع علي جواز مخاصمة القاضي في حالات معينة بشروط خاصة يمكنك الاطلاع علي هذه الحالات وشروطها من خلال هذا البحث : كبح جماح الإهمال: دعوى مخاصمة القاضي للإهمال المهني

عبدالعزيز حسين عمار محامي بالنقض

  • انتهي البحث القانوني ويمكن لحضراتكم التعليق في صندوق التعليقات بالأسفل لأى استفسار قانوني.
  • زيارتكم لموقعنا تشرفنا ويمكن الاطلاع علي المزيد من المقالات والأبحاث القانونية المنشورة للأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض في القانون المدني والملكية العقارية من خلال أجندة المقالات .
  • كما يمكنكم التواصل مع الأستاذ عبدالعزيز عمار المحامي من خلال الواتس اب شمال الصفحة بالأسفل.
  • كما يمكنكم حجز موعد بمكتب الأستاذ عبدالعزيز عمار المحامي من خلال الهاتف ( 01285743047 ) وزيارتنا بمكتبنا الكائن مقره مدينة الزقازيق 29 شارع النقراشي – جوار شوادر الخشب – بعد كوبري الممر – برج المنار – الدور الخامس زيارة مكتبنا بالعنوان الموجود على الموقع.
  • يمكن تحميل الأبحاث من أيقونة التحميل pdf في نهاية كل مقال وكل بحث ، ونعتذر لغلق امكانية النسخ بسبب بعض الأشخاص الذين يستحلون جهد الغير في اعداد الأبحاث وتنسيقها ويقومون بنشرها علي مواقعهم الالكترونية ونسبتها اليهم وحذف مصدر البحث والموقع الأصلي للبحث المنشور ، مما يؤثر علي ترتيب موقعنا في سيرش جوجل ، أعانهم الله علي أنفسهم .
مع خالص تحياتي
logo2
Copyright © المقالة حصرية ومحمية بحقوق النشر الحقوق محفوظة لمكتب الأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض
عبدالعزيز حسين عمار محامي بالنقض
عبدالعزيز حسين عمار محامي بالنقض

الأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية وطعون النقض ليسانس الحقوق 1997

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *