📅 نُشر في:
🔄 آخر تحديث:
ولم يكن معنى ذلك أن المحكمة حددت مرتكبًا آخر للجريمة، وإنما رأت أن محكمة الجنايات مارست سلطتها في تقدير الاعتراف والتحريات والأدلة الفنية على أسباب سائغة تكفي لحمل حكم البراءة.

أهمية تأييد البراءة فى حكم النقض في مذبحة بني مزار
تكمن أهمية الحكم في أنه لا يقتصر على قضية شغلت الرأي العام، وإنما يجمع عددًا من المبادئ المهمة في الإثبات الجنائي:
حرية قاضي الموضوع في تقدير الاعتراف، أثر الإكراه، تقدير جدية التحريات، بطلان الدليل المستمد من التفتيش الباطل، سلطة المحكمة في المفاضلة بين تقارير الخبراء، وضابط رقابة محكمة النقض على أحكام البراءة.
ما هو حكم النقض في مذبحة بني مزار؟
الحكم محل الدراسة صادر عن محكمة النقض المصرية، الدائرة الجنائية، في الطعن المقيد برقم 79344 لسنة 76 قضائية، بجلسة الاثنين الموافق 22 ديسمبر 2008.
كانت النيابة العامة قد أحالت المتهم إلى محكمة جنايات المنيا متهمة إياه بارتكاب جرائم قتل عمد مع سبق الإصرار لعدد من المجني عليهم داخل مساكنهم، إلى جانب إحراز أدوات تستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون مسوغ.
ونظرت محكمة الجنايات أدلة الدعوى، وانتهت إلى القضاء ببراءة المتهم ورفض الدعاوى المدنية.
لم تقبل النيابة العامة هذا القضاء فطعنت عليه أمام محكمة النقض، كما طعن عدد من المدعين بالحقوق المدنية.
وهنا ظهرت المسألة القانونية الأساسية:
هل وقعت محكمة الجنايات في قصور أو فساد في الاستدلال أو خطأ قانوني عندما لم تطمئن إلى الاعتراف والتحريات وبعض الأدلة الفنية، أم أن ما انتهت إليه يقع داخل نطاق سلطتها القانونية في وزن الدليل؟
انتهت محكمة النقض إلى أن أوجه طعن النيابة لا تقوم على أساس يبرر نقض الحكم، ومن ثم رفضت الطعن موضوعًا.
هل محكمة النقض هي التي برأت المتهم في مذبحة بني مزار؟
من الناحية القانونية الدقيقة، الإجابة هي: لا بالمعنى الإجرائي المباشر.
محكمة جنايات المنيا هي التي أصدرت الحكم الأصلي بالبراءة. أما محكمة النقض فنظرت الطعن الموجه إلى هذا الحكم، وبحثت ما إذا كانت أسباب البراءة تعاني من خطأ قانوني أو قصور أو فساد يبرر نقض الحكم.
وبعد فحص أوجه الطعن انتهت إلى رفض طعن النيابة موضوعًا، فأصبح حكم البراءة قائمًا.
وهذا التفريق مهم؛ لأن وظيفة محكمة النقض ليست إعادة المحاكمة الموضوعية من البداية ولا إعادة وزن جميع الأدلة بالطريقة التي تراها النيابة العامة، وإنما مراقبة صحة تطبيق القانون وسلامة التسبيب في الحدود التي رسمها القانون.
ما الذي طعنت عليه النيابة العامة أمام محكمة النقض؟
تمسكت النيابة العامة بعدد من أوجه الطعن على حكم البراءة، ويمكن تلخيص جوهرها في أن الحكم – من وجهة نظر النيابة – أخطأ عندما لم يعول على عدد من أدلة الاتهام.
ومن أهم النقاط التي أثارتها النيابة:
- اعتراضها على طرح اعتراف المتهم وعدم التعويل عليه.
- منازعتها فيما انتهى إليه الحكم من أن الاعتراف وليد إكراه.
- الاعتراض على إبطال إذن النيابة بالقبض والتفتيش لعدم جدية التحريات.
- المنازعة في استبعاد الأدلة التي نتجت عن التفتيش.
- الاعتراض على طريقة المحكمة في تقدير التقارير الطبية والفنية.
- القول بوجود تناقض في أسباب الحكم بشأن الحالة النفسية والعقلية للمتهم.
- المنازعة في استخلاص المحكمة لصورة الواقعة وإمكان تنفيذها بالصورة التي طرحها الاتهام.
لكن محكمة النقض رأت أن جانبًا جوهريًا من هذا الطعن لا يعدو أن يكون محاولة لإعادة مناقشة تقدير محكمة الموضوع للأدلة.
وهي مسألة لا يجوز إعادة طرحها أمام النقض متى كان استخلاص المحكمة سائغًا وله أصل ثابت في الأوراق.
المبدأ الأول: لمحكمة الموضوع الحرية في تقدير الاعتراف
من أهم مبادئ الحكم أن الاعتراف في المواد الجنائية ليس دليلًا يتمتع بقوة ملزمة للمحكمة لمجرد صدوره عن المتهم.
فالاعتراف عنصر من عناصر الإثبات تخضع صحته وقيمته لتقدير المحكمة، وللقاضي أن يأخذ به إذا اطمأن إليه، كما يجوز له أن يطرحه إذا لم يقتنع بأنه يعبر عن الحقيقة أو صدر في ظروف تثير الشك في إرادة صاحبه.
وهذه القاعدة شديدة الأهمية؛ لأن النظرة الشعبية إلى الاعتراف تختلف أحيانًا عن النظرة القانونية. فالقول: «المتهم اعترف» لا ينهي الدعوى بالضرورة.
السؤال القضائي الصحيح هو:
- كيف صدر الاعتراف؟
- هل كان اختياريًا؟
- هل يتفق مع باقي عناصر الدعوى؟
- هل تؤيده الأدلة المادية والفنية؟
- هل توجد ظروف تؤثر في سلامة إرادة المتهم؟
- هل اطمأنت إليه المحكمة أم ساورها الشك بشأنه؟
ومن ثم لا يجوز فصل الاعتراف عن باقي ملف القضية.
متى يجوز للمحكمة استبعاد الاعتراف؟
يجوز لمحكمة الموضوع طرح الاعتراف إذا لم تطمئن إلى صحته أو مطابقته للحقيقة والواقع، شريطة أن يكون استخلاصها قائمًا على أسباب سائغة.
وفي قضية بني مزار، عرض حكم الجنايات لمسألة الاعتراف، وانتهى إلى عدم الاطمئنان إليه في ضوء ما طرح أمام المحكمة بشأن الإكراه والظروف المحيطة به، وكذلك علاقته بباقي الأدلة الفنية.
ولما طعنت النيابة على ذلك، أكدت محكمة النقض أن تقدير صحة الاعتراف وقيمته في الإثبات يدخل أصلًا في سلطة محكمة الموضوع.
وبذلك لم تقل محكمة النقض إن أي ادعاء بالإكراه يؤدي تلقائيًا إلى إهدار الاعتراف، وإنما أقرت المبدأ الأدق:
المحكمة التي تنظر الموضوع هي صاحبة السلطة في فحص ظروف الاعتراف وتقدير ما إذا كانت تطمئن إليه أم لا، ما دام استدلالها سائغًا.
هل اختلاف المتهم مع اعترافه يكفي وحده لإبطاله؟
لا.
مجرد رجوع المتهم عن اعتراف سابق أو إنكاره له لا يؤدي بصورة آلية إلى إسقاطه. وفي المقابل، مجرد وجود الاعتراف لا يجعل المحكمة ملزمة بالأخذ به.
القضية كلها تخضع للتقدير القضائي.
والدفاع الجاد عن بطلان الاعتراف لا يتوقف عادة عند القول إن المتهم «أنكره»، بل يجب أن يناقش ظروف الحصول عليه ومدى اتصاله بالإكراه أو التهديد ومدى توافقه أو تعارضه مع الأدلة الفنية والموضوعية.
الاعتراف والإكراه: لماذا كانت هذه المسألة مهمة في الحكم؟
تعلقت إحدى نقاط النزاع الرئيسية بما إذا كان الاعتراف المنسوب إلى المتهم قد صدر عن إرادة حرة أم تأثر بإكراه مادي أو معنوي.
وقد اطمأنت محكمة الجنايات إلى عناصر طرحت أمامها بشأن وقوع الإكراه، فقررت عدم التعويل على الاعتراف.
والأهم عند قراءة حكم النقض أن المحكمة لم تحل نفسها محل محكمة الموضوع في إعادة سماع وتقدير كل ما يتعلق بهذا الإكراه، وإنما بحثت هل كان استخلاص المحكمة سائغًا وله أصل في الأوراق.
وانتهت إلى أن ما تثيره النيابة في هذا الجانب يتحول في جوهره إلى جدل في سلطة محكمة الموضوع في تقدير الدليل.
المبدأ الثاني: تقدير جدية التحريات من مسائل الموضوع
من أكثر أجزاء الحكم أهمية عملية الجزء المتعلق بجدية التحريات التي بني عليها إذن القبض والتفتيش.
فالإذن بالتفتيش لا يفترض أن يكون وسيلة لإنشاء الدليل من العدم أو محاولة عامة للبحث عن جريمة.
وإنما يجب أن يقوم على أساس سابق يبرر المساس بالحرية الشخصية أو حرمة المسكن وفق الضوابط القانونية.
وتقدير جدية التحريات وكفايتها لإصدار الإذن يخضع لسلطة التحقيق التي تصدره تحت رقابة محكمة الموضوع.
وفي قضية بني مزار ، لم تطمئن محكمة الجنايات إلى عناصر التحريات التي سبق بناء الإذن عليها، وخلصت إلى عدم كفايتها لتسويغ إصدار الإذن.
ورأت محكمة النقض أن هذا التقدير يدخل في السلطة الموضوعية للمحكمة ما دام مبنيًا على استنتاج سائغ.
وللمزيد عن القاعدة العامة يمكن الرجوع إلى: جدية التحريات وإذن التفتيش في قانون الإجراءات الجنائية.
لماذا اعتبرت المحكمة بعض عناصر التحريات غير كافية؟
تناول الحكم ما اعتمد عليه محرر التحريات، ومن ذلك ما نسب إلى المتهم من التجول في أوقات متأخرة وسبق دخوله بعض المساكن، وما ورد بشأن حمله لبعض الأدوات.
لكن محكمة الموضوع رأت أن هذه العناصر لا تؤدي بذاتها إلى ترجيح نسبة جريمة القتل محل الاتهام إليه بالدرجة التي تكفي لتبرير الإذن.
وهذه النقطة تقدم مثالًا مهمًا على الفرق بين:
| المعلومة | الدليل القانوني |
|---|---|
| وجود سلوك يثير الشبهة | لا يعني وحده ثبوت ارتكاب جريمة معينة |
| معلومة عامة عن المتحرى عنه | لا تكفي بالضرورة لإصدار إذن تفتيش |
| تحريات جدية محددة ومتصلة بالجريمة | قد تسوغ الإذن إذا اطمأنت إليها سلطة التحقيق والمحكمة |
فالتحريات لا تقاس بكثرة عباراتها، وإنما بما تتضمنه من عناصر حقيقية محددة تصلح قانونًا لتسويغ الإجراء.
ولمعرفة المبادئ الأخرى المستقرة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى: التحريات في قضاء النقض الجنائي.
المبدأ الثالث: ما أثر بطلان إذن التفتيش على الأدلة الناتجة عنه؟
هذه من أهم النتائج الإجرائية في الحكم.
إذا انتهت المحكمة إلى بطلان الإذن الذي أجري التفتيش بناء عليه، فإن الأصل ألا يعول في الإدانة على الدليل الذي كان نتيجة مباشرة لذلك الإجراء الباطل.
ولهذا بحثت المحكمة الصلة بين إذن التفتيش وبين المضبوطات والأدلة اللاحقة.
وأكدت محكمة النقض أن تقدير الصلة بين الإجراء الباطل والدليل المستمد منه مسألة موضوعية يفصل فيها قاضي الموضوع، ما دام استنتاجه سائغًا.
وهذا تطبيق عملي لفكرة شديدة الأهمية: لا يكفي أن يكون الدليل في ذاته مؤثرًا، بل يجب أن يكون قد دخل الدعوى من طريق قانوني يسمح للمحكمة بالتعويل عليه.
هل كل إجراء لاحق لإجراء باطل يكون باطلًا بالضرورة؟
ليس بهذه البساطة.
المسألة تدور حول وجود صلة قانونية وسببية بين الإجراء الباطل والدليل اللاحق.
فإذا كان الدليل قد ترتب على الإجراء الباطل أو استمد منه، فإن البطلان قد يمتد إليه. أما إذا كان للدليل مصدر مستقل لا علاقة له بالإجراء الباطل، فيختلف التقييم.
لذلك لا يصح التعامل مع قاعدة «ما بني على باطل فهو باطل» باعتبارها عبارة آلية تحسم كل قضية دون تحليل رابطة الدليل بالإجراء السابق.
للاطلاع على تطبيقات أوسع راجع: شروط قبول دفع بطلان إذن القبض والتفتيش.
هل يجوز إثبات جدية التحريات بما ظهر بعد تنفيذ الإذن؟
يجب الحذر هنا من قلب التسلسل الزمني للاستدلال.
الأصل أن جدية التحريات تقاس بالعناصر السابقة على إصدار الإذن، لأن هذه العناصر هي التي يفترض أنها أقنعت سلطة التحقيق بوجود مبرر قانوني لإصداره.
ولا يصح عادة اتخاذ نتيجة التفتيش نفسها دليلًا رجعيًا يثبت أن التحريات السابقة كانت جدية؛ لأن صحة الإذن يجب تقييمها لحظة صدوره، لا بعد معرفة ما أسفر عنه تنفيذه.
وهذا المبدأ تناولته صفحات الموقع المتخصصة في جدية التحريات، ويشكل أحد أهم أوجه الدفاع العملية عند مناقشة مشروعية الإذن.
المبدأ الرابع: المحكمة حرة في تقدير تقارير الخبراء
احتل الدليل الطبي والفني مكانة مهمة في قضية بني مزار، وناقشت النيابة أمام محكمة النقض الطريقة التي تعامل بها حكم البراءة مع التقارير الطبية وآراء الخبراء.
لكن محكمة النقض أكدت أصلًا مستقرًا:
لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقارير الخبراء، ولها أن تفاضل بينها وتأخذ بما تطمئن إليه وتطرح ما عداه، متى كان تقديرها سائغًا.
وهذا لا يعني أن المحكمة تمتلك حرية مطلقة منفصلة عن المنطق والأوراق، بل يجب أن يكون استخلاصها قائمًا على أساس يمكن قبوله عقلًا وقانونًا.
والخبير يقدم رأيًا فنيًا يساعد المحكمة على فهم المسألة الفنية، لكنه لا ينتزع منها سلطة الحكم في الدعوى.
لذلك يبقى القرار النهائي بشأن وزن التقرير وتأثيره في الإثبات من اختصاص المحكمة.
راجع كذلك: ندب الخبير والطب الشرعي في القضايا الجنائية.
ماذا يحدث عند تعارض أكثر من رأي فني؟
وجود أكثر من رأي طبي أو فني لا يؤدي تلقائيًا إلى بطلان الحكم أو استحالة الفصل في القضية.
المحكمة تفحص الآراء والتقارير، وتقارن بينها في ضوء بقية الأدلة، ثم تأخذ بما تطمئن إليه إذا وجدت له أساسًا سائغًا.
وعندما تطعن النيابة أو المتهم أمام محكمة النقض، لا يكفي القول إن تقريرًا آخر كان يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مختلفة.
المهم هو إثبات أن المحكمة أخطأت قانونًا، أو شوهت الثابت بالأوراق، أو بنت استنتاجها على ما لا أصل له، أو وقعت في تناقض يهدم أسباب الحكم.
الفرق بين الخلاف الفني والفساد في الاستدلال
ليس كل خلاف مع تقدير المحكمة فسادًا في الاستدلال.
إذا كان أمام المحكمة رأيان فنيان واطمأنت إلى أحدهما لأسباب لها أصلها في الأوراق، فهذا في الأصل يدخل في نطاق سلطتها الموضوعية.
أما إذا نسب الحكم إلى التقرير شيئًا لم يرد فيه، أو استخلص نتيجة لا يمكن منطقيًا أن تؤدي إليها مقدماته، فقد تتحول المسألة إلى خطأ قابل لرقابة النقض.
المبدأ الخامس: يكفي الشك في إسناد التهمة للقضاء بالبراءة
هذا هو جوهر حكم بني مزار من زاوية الإثبات الجنائي.
لا تحتاج محكمة الموضوع لكي تقضي بالبراءة إلى أن تثبت على وجه اليقين أن شخصًا آخر هو الجاني.
ولا تحتاج إلى تقديم «رواية بديلة كاملة» للجريمة.
يكفي أن تنتهي بعد تمحيص الأدلة إلى أن الاتهام المنسوب إلى المتهم لم يثبت بالقدر الذي يسمح بالإدانة.
فالمحاكمة الجنائية لا تدور حول سؤال مجرد: من ارتكب الجريمة؟
وإنما السؤال القضائي في دعوى محددة هو:
هل ثبت أن هذا المتهم ارتكب هذه الجريمة وفق الأدلة المقبولة قانونًا وبالقدر اللازم للحكم الجنائي؟
إذا كانت الإجابة غير يقينية ودخل الشك الجدي في عناصر الإثبات، كان الأصل ألا تصدر إدانة.
هل يجب على المحكمة إثبات براءة المتهم يقينًا؟
لا. هذا أحد أكثر جوانب أحكام البراءة تعرضًا لسوء الفهم.
الإدانة تحتاج إلى اقتناع المحكمة بثبوت التهمة، أما البراءة فيمكن أن تقوم على عدم كفاية الدليل أو الشك في صحة إسناد التهمة.
ولذلك فرّقت محكمة النقض في الحكم بين وجود احتمال أو تصور قد يراه آخرون وبين السلطة التي منحها القانون لقاضي الموضوع في تكوين عقيدته.
فلا يصح الطعن على البراءة لمجرد القول إن احتمالًا آخر كان ممكنًا، طالما أن المحكمة بنت شكها على أسباب معقولة ومتصلة بالأوراق.
لماذا لا تستطيع محكمة النقض إعادة وزن الأدلة؟
لأن هناك فرقًا بين محكمة الموضوع ومحكمة القانون.
محكمة الجنايات تسمع الدعوى وتناقش الأدلة والشهود والتقارير وتباشر عملية الاقتناع القضائي.
أما محكمة النقض فوظيفتها الأساسية مراقبة سلامة الحكم من الناحية القانونية، والتأكد من أن الأسباب تؤدي إلى النتيجة وأن الحكم لم يقع في عيب من عيوب التسبيب أو تطبيق القانون.
ومن ثم، إذا كان اعتراض الطاعن في حقيقته يقول:
«كان يجب على المحكمة أن تصدق هذا الدليل بدلًا من ذلك الدليل»،
فغالبًا ما يكون الاعتراض جدلًا موضوعيًا في وزن الدليل، وليس سببًا قانونيًا مستقلًا للنقض.
متى تتدخل محكمة النقض رغم أن تقدير الأدلة من سلطة محكمة الموضوع؟
سلطة محكمة الموضوع ليست حصانة من الرقابة.
يمكن لمحكمة النقض التدخل إذا ظهر مثلًا:
- قصور جوهري في تسبيب الحكم.
- تناقض يهدم أسبابه.
- فساد في الاستدلال.
- خطأ في تطبيق القانون.
- مخالفة واضحة للثابت بالأوراق.
- اعتماد على دليل لا أصل له.
- إغفال دفاع جوهري كان يمكن أن يغير وجه الرأي في الدعوى.
لكن في قضية بني مزار رأت محكمة النقض أن الأسباب التي أقام عليها حكم البراءة شكه في إسناد التهمة أسباب سائغة تكفي لحمل النتيجة.
هل كان هناك تناقض في أسباب حكم البراءة؟
دفعت النيابة بأن الحكم وقع في تناقض بشأن حالة المتهم النفسية والعقلية، إذ ناقش الفرضين: كونه مريضًا أو غير مريض.
لكن محكمة النقض رفضت هذا النعي.
وبيّنت أن التناقض المفسد للحكم ليس مجرد تناول أكثر من احتمال، وإنما التناقض الذي تتهاوى معه الأسباب ويمحو بعضها ما يثبته البعض الآخر بحيث يستحيل الوقوف على أساس الحكم.
ورأت النقض أن أسباب الحكم – في الصورة التي عرضها – لم تصل إلى هذا النوع من التناقض.
ما هو التناقض الذي يبطل الحكم الجنائي؟
يجب أن يكون التناقض جوهريًا، بحيث تؤدي إحدى مقدمات الحكم إلى نتيجة تتعارض بصورة لا يمكن التوفيق بينها وبين مقدمة أخرى يعتمد عليها الحكم.
أما مجرد تعدد الحجج أو مناقشة احتمالات مختلفة، فلا يكفي إذا كانت النتيجة النهائية واضحة ويمكن حملها على أسباب متساندة.
المبدأ السادس: محكمة البراءة ليست ملزمة بالرد على كل دليل على حدة
طعن المدعون بالحقوق المدنية أيضًا على الحكم، ومن بين ما أثاروه أن محكمة الجنايات لم تتحدث بالتفصيل عن كل أدلة الثبوت أو أقوال الشهود.
لكن محكمة النقض أكدت مبدأ مهمًا:
إذا كانت المحكمة قد أحاطت بالدعوى وبأدلة الاتهام، ثم رجحت دفاع المتهم أو داخلها الشك في عناصر الإثبات، فإنها ليست ملزمة في حكم البراءة بتفنيد كل دليل من أدلة الاتهام على نحو مستقل.
وقد يكون في إغفال الحديث تفصيلًا عن بعض الأدلة ما يفيد ضمنًا أن المحكمة لم تر فيها ما يغير عقيدتها.
وهذا يختلف عن الحالة التي يتبين فيها أن المحكمة لم تفطن أصلًا إلى دليل جوهري أو دفاع حاسم.
هل معنى ذلك أن تسبيب حكم البراءة يمكن أن يكون مختصرًا جدًا؟
لا. يجب أن يكشف الحكم عن أن المحكمة فهمت القضية وأحاطت بظروفها وأدلتها.
لكنها بعد ذلك ليست ملزمة بتكرار كل جزئية في الملف أو كتابة رد منفصل على كل استنتاج للاتهام.
المعيار هو أن يكون الحكم كافيًا لإظهار طريق المحكمة إلى النتيجة.
للمزيد عن ضوابط التسبيب راجع: التدليل وتسبيب الأحكام الجنائية.
لماذا رفضت محكمة النقض طعن النيابة في قضية بني مزار؟
يمكن استخلاص السبب في نقطة مركزية واحدة:
رأت محكمة النقض أن ما انتهت إليه محكمة الجنايات من الشك في نسبة الاتهام إلى المتهم كان قائمًا على أسباب سائغة لها أصل في الأوراق، وأن معظم اعتراضات النيابة تحولت إلى جدل في تقدير أدلة الدعوى.
ولم يكن دور النقض أن تستبدل اقتناعها الشخصي باقتناع محكمة الجنايات.
وقد شمل ذلك تقدير:
- الاعتراف وظروف صدوره.
- جدية التحريات.
- صحة إذن التفتيش.
- الدليل الناتج عن التفتيش.
- التقارير الفنية.
- التصور العام لواقعة الاتهام.
- مدى اطمئنان المحكمة إلى مجموع أدلة الثبوت.
جدول: ماذا قالت محكمة الموضوع وماذا قالت محكمة النقض؟
| المسألة | محكمة الموضوع | موقف محكمة النقض |
|---|---|---|
| الاعتراف | لم تطمئن إليه ورأت ما يبرر طرحه | تقديره من سلطة محكمة الموضوع متى كانت الأسباب سائغة |
| التحريات | رأت عدم كفايتها لتسويغ الإذن | تقدير الجدية مسألة موضوعية |
| إذن التفتيش | قضت ببطلانه | أقرت سلامة الاستخلاص في حدود رقابتها |
| المضبوطات | أطرحت الدليل المستمد من التفتيش الباطل | تقدير الصلة بين الإجراء والدليل من مسائل الموضوع |
| تقارير الخبراء | فاضلت بينها وأخذت بما اطمأنت إليه | للمحكمة كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية للتقارير |
| أدلة الاتهام ككل | ساورها الشك في صحة الإسناد | يكفي الشك للقضاء بالبراءة إذا أحاط الحكم بالدعوى |
هل قالت محكمة النقض إن المتهم لم يرتكب الجريمة يقينًا؟
لا ينبغي قراءة الحكم بهذه الطريقة.
المحكمة لم تكن بصدد إصدار شهادة تاريخية تحدد هوية الجاني الحقيقي، ولم تقل إن شخصًا آخر ثبت ارتكابه للمذبحة.
النتيجة القضائية أضيق وأكثر دقة:
لم تجد محكمة النقض سببًا قانونيًا يهدم حكم الجنايات الذي لم يطمئن إلى كفاية الأدلة لإسناد الجرائم إلى المتهم الذي قدم للمحاكمة.
وهذا فرق أساسي بين:
- عدم ثبوت الاتهام على المتهم
- وثبوت أن شخصًا آخر هو الجاني.
الأول تحقق في القضية
أما الثاني فلم يحسمه حكم النقض.
هل انتهت قضية مذبحة بني مزار بتحديد القاتل؟
الحكم محل الدراسة لا يحدد مرتكبًا آخر للجرائم.
لذلك فإن الصياغة القانونية المنضبطة هي أن المسار القضائي المنشور انتهى ببراءة المتهم الذي أحيل إلى المحاكمة، وليس أن المحكمة توصلت إلى هوية فاعل آخر.
وهذا التفريق مهم عند تناول القضية إعلاميًا وقانونيًا؛ لأن حكم البراءة لا يجوز تحميله نتيجة لم يقل بها.
ما الفرق بين البراءة لعدم كفاية الأدلة وثبوت استحالة ارتكاب الجريمة؟
قد تبنى البراءة على صور مختلفة.
فقد يتبين للمحكمة دليل إيجابي على استحالة نسبة الفعل للمتهم، وقد تدخلها الريبة في بعض الأدلة، وقد تتناقض عناصر الاتهام بحيث لا تصل إلى درجة الاطمئنان اللازمة للإدانة.
وفي جميع الأحوال لا يجوز الخلط بين عدم كفاية دليل الاتهام وبين إثبات رواية بديلة محددة.
ما أهمية قرينة البراءة في القضية؟
الأصل في المتهم البراءة حتى تثبت إدانته وفقًا للقانون.
وهذا الأصل ليس شعارًا إنشائيًا، بل يترتب عليه أن عبء إثبات الاتهام يقع على سلطة الاتهام، وأن الشك الجدي يعمل لمصلحة المتهم عندما لا تستطيع الأدلة تجاوز حد الاحتمال إلى الاقتناع القضائي اللازم للإدانة.
ولذلك لا يصبح المتهم ملزمًا بإثبات «من هو القاتل الحقيقي» حتى يستفيد من الشك.
لماذا لا تكفي بشاعة الجريمة لتخفيف معيار الإثبات؟
من أهم الدروس القانونية التي يمكن استخلاصها من القضية أن جسامة الجريمة وخطورتها الاجتماعية لا تغير القواعد الأساسية للإثبات.
كلما كانت الجريمة خطيرة زادت الحاجة إلى تحقيق دقيق ودليل مشروع وقابل للفحص، لا العكس.
فالمحكمة لا تملك إدانة شخص لأن المجتمع يحتاج إلى إجابة أو لأن الواقعة صادمة، وإنما على أساس الدليل الذي يعرض عليها في الخصومة.
هل التحريات وحدها تكفي للإدانة؟
التحريات بطبيعتها تختلف عن الدليل المباشر، وهي تخضع لتقدير المحكمة.
وقد تكون عنصرًا يساعد جهات التحقيق، لكن قوتها تتوقف على محتواها ودرجة جديتها واتصالها بوقائع محددة.
وفي قضية بني مزار كان تقييم جدية التحريات جزءًا أساسيًا من تقييم مشروعية الإجراءات التي بنيت عليها.
ما فائدة الحكم لمحامي الجنايات عمليًا؟
الحكم مفيد عمليًا في عدة اتجاهات، وليس من الصحيح اختزاله في عبارة «سابقة براءة».
1. عند الدفع بعدم جدية التحريات
يفيد الحكم في بيان أن تقدير جدية التحريات لا ينفصل عن العناصر التي تضمنها محضر التحري قبل صدور الإذن، وأن للمحكمة رقابة حقيقية على مدى كفايتها.
2. عند الدفع ببطلان الاعتراف
يظهر أن المحكمة تستطيع فحص ظروف الاعتراف وعلاقته بالإكراه ومدى توافقه مع الأدلة الأخرى، وأنها ليست ملزمة بالأخذ به لمجرد وروده بالأوراق.
3. عند مناقشة تقرير خبير
يوضح الحكم أن تقرير الخبرة ليس حكمًا داخل الحكم، وأن للمحكمة سلطة تقدير قوته والمفاضلة بين الآراء الفنية.
4. عند الطعن على حكم بالبراءة
يبيّن الفارق بين الخطأ القانوني الذي يصلح سببًا للنقض وبين مجرد عدم موافقة الطاعن على الطريقة التي وزنت بها محكمة الموضوع الأدلة.
5. عند الدفاع بانتفاء الدليل
يكشف الحكم أن الدفاع لا يلتزم دائمًا بتقديم سيناريو كامل بديل للجريمة؛ فقد يكون كافيًا تفكيك أدلة الاتهام وإظهار أنها لا تنتج يقينًا قضائيًا صالحًا للإدانة.
ويمكن مراجعة: نفي التهمة باعتباره من أوجه الدفاع الموضوعي.
ما الفرق بين فساد الاستدلال والجدل الموضوعي في الدليل؟
هذه التفرقة مهمة للغاية أمام محكمة النقض.
الفساد في الاستدلال يمكن أن يتحقق عندما تبني المحكمة نتيجة على مقدمات لا تؤدي إليها عقلًا، أو تستند إلى فهم غير صحيح للدليل، أو تستخلص منه ما لا يحتمله.
أما الجدل الموضوعي فيعني أن الطاعن لا يبين خطأ قانونيًا حقيقيًا، وإنما يريد من محكمة النقض أن تعيد تقييم شاهد أو تقرير أو قرينة بطريقة مختلفة.
والنوع الثاني لا يقبل في الأصل أمام محكمة النقض، لأن وزن الأدلة من صميم وظيفة محكمة الموضوع.
ما المقصود بأن أسباب الحكم يجب أن تكون سائغة؟
السائغ هو الاستنتاج الذي يمكن قبوله منطقيًا في ضوء الوقائع والأدلة المعروضة.
ولا يشترط أن يكون هو الاحتمال الوحيد الممكن، وإنما يكفي أن تكون له أصول في الأوراق، وأن يؤدي في العقل والمنطق إلى النتيجة التي انتهى إليها الحكم.
ولهذا قالت محكمة النقض في قضية بني مزار – في جوهر قضائها – إن الأسباب التي خلص منها الحكم إلى الشك في إسناد الاتهام كانت كافية لحمل قضائه.
هل يمكن لمحكمة النقض نقض حكم البراءة لمجرد وجود أدلة اتهام؟
لا. وجود دليل أو أكثر قدمته النيابة لا يعني وجوب الإدانة.
المحكمة هي التي تقدر وزن هذه الأدلة، وقد تجد أنها غير كافية أو أنها محاطة بشك أو أن بعضها غير مشروع أو يتعارض مع عناصر أخرى.
حتى يكون الطعن على البراءة جديًا أمام النقض يجب توجيهه إلى عيب قانوني في الحكم، لا إلى مجرد اختلاف الرأي في قيمة الأدلة.
هل يجب على حكم البراءة مناقشة جميع شهود الإثبات؟
الأصل أن يظهر من الحكم أنه أحاط بأدلة الدعوى.
لكنه لا يلتزم في حالة البراءة بتفنيد كل قول أو دليل بالتفصيل ما دام قد كشف عن أسباب عدم اطمئنانه إلى الاتهام وكانت هذه الأسباب كافية.
وهذا تحديدًا أحد الأمور التي ناقشتها محكمة النقض بالنسبة لطعن المدعين بالحقوق المدنية في قضية بني مزار.
هل الاعتماد على تقرير طبي دون آخر يعيب الحكم؟
ليس في ذاته.
للمحكمة أن تأخذ من تقارير الخبراء بما تطمئن إليه، بشرط ألا يكون اختيارها تحكميًا أو قائمًا على تحريف التقرير.
ويختلف الأمر إذا كان هناك تناقض فني جوهري لم تواجهه المحكمة وكان من شأنه تغيير وجه الرأي في الدعوى.
هل رأي الطبيب الشرعي ملزم للمحكمة؟
لا.
الطبيب الشرعي خبير يقدم رأيًا فنيًا في حدود اختصاصه، أما تقدير القوة الإثباتية لهذا الرأي وربطه بباقي عناصر القضية فمن عمل المحكمة.
ولهذا لا يحل الخبير محل القاضي، كما لا يحق للقاضي أن يخالف حقيقة فنية ثابتة دون أساس.
وللمزيد يمكن الرجوع إلى: أحكام النقض المتعلقة بالطب الشرعي وتقارير الخبراء.
ما الذي لم تقله محكمة النقض في قضية بني مزار؟
من المهم في المقالات القانونية تحديد حدود الحكم بقدر بيان ما قرره.
فالحكم لم يقل:
- إن جميع اعترافات المتهمين في القضايا الجنائية عديمة القيمة.
- إن كل تحريات الشرطة غير كافية لإصدار إذن.
- إن أي اختلاف بين خبراء الطب الشرعي يؤدي إلى البراءة.
- إن المتهم ثبتت براءته من الناحية الواقعية بمعنى تحديد شخص آخر كمرتكب للجريمة.
- إن المحكمة كشفت هوية الجاني الحقيقي.
- إن مجرد الادعاء بالإكراه يؤدي تلقائيًا إلى استبعاد الاعتراف.
وإنما قرر الحكم مبادئ موضوعية مرتبطة بتقدير المحكمة للأدلة في الملف المعروض عليها.
لماذا عاد الاهتمام بقضية بني مزار؟
عادت القضية إلى التداول الإعلامي مجددًا في عام 2026 بعد تقديم أعمال وتقارير إعلامية تستعيد تفاصيل الجريمة وما انتهت إليه المحاكمة.
لكن يجب الفصل بين ثلاث طبقات مختلفة:
- ما ورد في التحقيقات والاتهامات الأصلية.
- ما ثبت في أحكام القضاء وأسبابها.
- ما يقدم في الأعمال الدرامية أو التغطيات الصحفية اللاحقة.
المصدر الأقوى عند تحليل المركز القانوني يظل الحكم القضائي ذاته، وليس إعادة بناء القضية من روايات إعلامية لاحقة.
ما النتيجة النهائية لطعن النيابة؟
انتهت محكمة النقض إلى أن طعن النيابة العامة لا يقوم على أساس يبرر نقض حكم البراءة، فقضت بقبوله شكلًا ورفضه موضوعًا.
وبالنسبة للطعون المدنية، فرقت المحكمة بين من استوفى إجراءات الطعن ومن لم يستوفها، ثم انتهت بالنسبة للطعن المقبول إلى رفضه موضوعًا أيضًا.
الخلاصة القانونية لحكم مذبحة بني مزار
قيمة الحكم لا تكمن في شهرة القضية وحدها، وإنما في الطريقة التي طبق بها قواعد الإثبات الجنائي ورقابة محكمة النقض على تقدير محكمة الموضوع.
ويمكن استخلاص أهم مبادئه في الآتي:
- الاعتراف عنصر من عناصر الدعوى يخضع لتقدير محكمة الموضوع.
- يجوز للمحكمة طرح الاعتراف إذا لم تطمئن إلى صحته أو ظروف صدوره.
- تقدير جدية التحريات من مسائل الموضوع التي تستقل بها المحكمة في حدود الأسباب السائغة.
- إذا بطل التفتيش وجب بحث أثر هذا البطلان على الأدلة المستمدة منه.
- تقدير الصلة بين الإجراء الباطل والدليل اللاحق من المسائل الموضوعية.
- للمحكمة كامل الحرية في تقدير تقارير الخبراء والمفاضلة بينها.
- لا يجوز تحويل الطعن بالنقض إلى إعادة محاكمة موضوعية للأدلة.
- يكفي أن تتشكك المحكمة في صحة إسناد التهمة لكي تقضي بالبراءة إذا أحاطت بالدعوى وأقامت شكها على أسباب سائغة.
- حكم البراءة ليس ملزمًا بالرد تفصيلًا على كل دليل متى ظهر أن المحكمة أحاطت بالدعوى ولم تطمئن إلى الاتهام.
- رفض الطعن على البراءة لا يعني أن محكمة النقض حددت مرتكبًا آخر للجريمة.
متى تحتاج إلى محامٍ متخصص في النقض الجنائي؟
الطعن بالنقض ليس درجة جديدة لإعادة سرد وقائع القضية أو مطالبة المحكمة بإعادة وزن أقوال الشهود والتقارير.
لذلك يحتاج تقييم الحكم إلى التمييز بين الاعتراض الموضوعي وبين أسباب النقض القانونية، مثل القصور في التسبيب، الفساد في الاستدلال، الخطأ في تطبيق القانون، الإخلال بحق الدفاع أو مخالفة الثابت بالأوراق.
فإذا كان لديك حكم جنائي وترغب في تقييم مدى صلاحيته للطعن بالنقض، يجب فحص الحكم ومحاضر الجلسات وأسباب الطعن والمستندات ذات الصلة قبل اتخاذ القرار.
النص الكامل لحكم محكمة النقض في قضية مذبحة بني مزار
فيما يلي نص حكم محكمة النقض الصادر في الطعن رقم 79344 لسنة 76 قضائية، بجلسة 22 ديسمبر 2008،

باسم الشعب
محكمة النقض
الدائرة الجنائية
دائرة الاثنين (ب)
المؤلفة برئاسة السيد المستشار / حسن حمزة نائب رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين / مصطفى كامل وهاني حنينا
ويحيى محمود وأحمد عبد الودود
نواب رئيس المحكمة
وحضور رئيس النيابة العامة لدى محكمة النقض السيد / أحمد أبازيد.
وأمين السر السيد / أشرف محمود.
في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.
في يوم الاثنين ٢٤ من ذي الحجة سنة ١٤٢٩ هـ الموافق ٢٢ من ديسمبر سنة ٢٠٠٨ م.
أصدرت الحكم الآتي
في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم ٧٩٣٤٤ لسنة ٧٦ القضائية.
المرفوع من
النيابة العامة
ضد
…… «مطعون ضده»
ومن
…… «المدعين بالحقوق المدنية»
ضد
…… «المدعى عليه مدنياً»
« الوقائع »
اتهمت النيابة العامة الطاعن في قضية الجناية رقم ٨٧٨٠ لسنة ٢٠٠٦ بني مزار (والمقيدة بالجدول الكلي برقم ٢٩٩ لسنة ٢٠٠٦) بأنه في يوم ٢٩ من ديسمبر سنة ٢٠٠٥ بدائرة مركز بني مزار – محافظة المنيا.
أولاً: ١– قتل كل من يحيى …… وزوجته …… وشهرتها …… وطفليه …… بكر عمداً مع سبق الإصرار بأن بيت النية وعقد العزم على قتلهم وأعد لهذا الغرض ساطور وسكين وتوجه إليهم بمسكنهم ليلاً وتسلق جدار حائطه الخلفي ودلف إلى مرقدهم
وما أن ظفر بهم وهم نيام حتى أنهال عليهم ضرباً بالأداتين سالفتي الذكر قاصداً من ذلك قتلهم فأحدثت بهم الإصابات الموصوفة بتقارير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتهم. وقد اقترنت بتلك الجناية وتلتها جنايتان أخريان وهو أنه في ذات المكان والزمان.
(أ) قتل كل من …… عبد الوهاب …… وزوجته …… وطفليه …… عمداً مع سبق الإصرار بأن بيت النية وعقد العزم على قتلهم بعد فراغه من ارتكاب الجناية سالفة البيان بأن توجه إلى مسكنهما متسلقاً الأسطح المجاورة ودلف إلى مرقدهم
وما أن ظفر بهم وهم نيام حتى أنهال عليهم ضرباً بالأداتين سالفتي الذكر قاصداً من ذلك قتلهم فأحدثت بهم الإصابات الموصوفة بتقارير الصفة التشريحية المرفقة والتي أودت بحياتهم.
(ب) قتل كل من …… والدتا …… عمداً مع سبق الإصرار بأن بيت النية وعقد العزم على قتلهما بعد أن فرغ من ارتكاب الجرائم سالفة البيان
بأن توجه إلى مسكنهما متسلقاً السور الخارجي ودلف إلى مرقدهما وما أن ظفر بهما وهما نائمين حتى أنهال عليهما ضرباً بالأداتين سالفتي الذكر قاصداً من ذلك قتلهما فأحدثت بهما الإصابات الموصوفة بتقريري الصفة التشريحية والتي أودت بحياتهما.
ثانياً: أحرز أداتين «ساطور – سكين» مما تستخدم في الاعتداء على الأشخاص دون مسوغ من الضرورة الشخصية أو الحرفية.
وأحالته إلى محكمة جنايات المنيا لمحاكمته طبقاً للقيد والوصف الواردين بأمر الإحالة.
وادعى …… عن نفسه وبصفته وصياً على القصر …… قبل المتهم بمبلغ ألفين وواحد جنيه على سبيل التعويض المؤقت.
كما أدعت …… عن نفسها وبصفتها وصية على القاصرين …… أبو بكر مدنياً قبل المتهم بمبلغ ألفين وواحد جنيه على سبيل التعويض المؤقت.
والمحكمة المذكورة قضت حضورياً في ٦ من سبتمبر سنة ٢٠٠٦ ببراءته مما نسب إليه وبرفض الدعاوى المدنية.
طعنت النيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض في الأول من نوفمبر سنة ٢٠٠٦ وقدمت مذكرة بأسباب الطعن في التاريخ ذاته موقعاً عليها من رئيس نيابة بها.
كما طعن الأستاذ / سمير الصفتي المحامي نيابة عن المدعيين بالحقوق المدنية …… في هذا الحكم بطريق النقض في ٤ من نوفمبر سنة ٢٠٠٦ وقدمت مذكرة بأسباب الطعن عن المدعين بالحقوق المدنية في التاريخ ذاته موقعاً عليها من المحامي المقرر.
وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مبين بمحضر الجلسة.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
من حيث إن الطاعنين …… وإن قدموا أسباب طعنهم في الميعاد إلا أنهم لم يقرروا بالطعن في قلم كتاب المحكمة التي أصدرت الحكم المطعون فيه طبقاً للمادة ٣٤ من القانون رقم ٥٧ لسنة ١٩٥٩ في شأن حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض
ولما كان التقرير بالطعن الذي رسمه القانون هو الذي يترتب عليه دخول الطعن في حوزة محكمة النقض واتصالها به بناء على إعلان ذي الشأن عن رغبته فيه
فإن عدم التقرير بالطعن لا يجعل للطعن قائمة ولا تتصل به محكمة النقض ولا يغني عنه أي إجراء آخر، ومن ثم يتعين عدم قبول الطعن شكلاً بالنسبة للطاعنين سالفي الذكر مع مصادرة الكفالة.
وحيث إن الطعنين المقدمين من النيابة العامة والمدعيين بالحقوق المدنية …… قد استوفيا الشكل المقرر في القانون.
أولاً: عن الطعن المقدم من النيابة العامة:–
وحيث إن الطاعنة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى بتبرئة المطعون ضده من تهمتي القتل العمد مع سبق الإصرار المقترن بجنايتي قتل عمد مع سبق الإصرار وإحراز أداتين (ساطوراً وسكيناً)
مما يستعمل في الاعتداء على الأشخاص بغير مسوغ من الضرورة الشخصية أو الحرفية قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال والخطأ في تطبيق القانون ومخالفة الثابت بالأوراق
ذلك بأنه أطرح اعتراف المطعون ضده لكونه وليد إكراه بما لا يسوغ وعلى الرغم من خلو أقواله وكذا أقوال أهليته – في بداية التحقيقات – من وقوع ذلك الإكراه وعلى الرغم أيضاً من خلو التقرير الطبي الشرعي الموقع عليه من وجود أية إصابات به
وما ثبت بالتقرير الطبي الموقع على المجني عليهم من إمكانية حدوث الواقعة وفق اعتراف المتهم، ودون أن يستظهر مدى تأثير الإكراه على ذلك الاعتراف بتحقيقات النيابة العامة
كما قضى ببراءة المطعون ضده تأسيساً على بطلان إذن النيابة العامة بالقبض والتفتيش لعدم جدية التحريات على الرغم من أنها تضمنت ما يفيد وقوع الجريمة
وتوافر الدلائل والأمارات الكافية على ارتكاب المطعون ضده هذه الجريمة من تمتع المجني عليهم بسمعة طيبة وعدم وجود خصومة بينهم وبين آخرين وسبق ارتكاب المطعون ضده وقائع تسلق بعض المساكن في وقت متأخر من الليل
هذا وقد عول الحكم في قضائه بالبراءة على بطلان إجراءات التحريز بقالة إرسال المضبوطات مباشرة إلى الأدلة الجنائية دون عرضها على النيابة العامة حين أن هذه الإجراءات تنظيمية لا يترتب على مخالفتها البطلان وعلى الرغم من تطابق الدليلين القولي والفني بشأن تلك المضبوطات
كما عول على عدم تصور ارتكاب المطعون ضده الجريمة دون إيقاظ أي من المجني عليهم مستنداً في ذلك على ما جاء بالتقرير الطبي الشرعي رقم ٤٩٢ المنيا حين أن ما جاء به لا يعدو أن يكون رأياً استنتاجياً لا دليل عليه
ورغم تعارضه مع ما جاء بأقوال نائب كبير الأطباء الشرعيين ومساعده من أنه لا يوجد فنياً ما يمنع قيام شخص بمفرده ارتكاب واقعة قتل المجني عليهم
وأخيراً فإن الحكم أورد أسباباً متناقضة في شأن مرض المطعون ضده نفسياً وعقلياً فتارة يذهب بمدوناته إلى كونه مريضاً للتدليل على عدم تصور ارتكابه الواقعة وتارة أخرى ينفي عنه هذا المرض، كل ذلك مما يعيب الحكم المطعون فيه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن عرض لواقعة الدعوى كما صورها الاتهام، وأشار إلى أدلته فيها ومن بينها اعتراف المطعون ضده عرض لأسباب قضائه بالبراءة ومنها إطراحه لهذا الاعتراف – سواء بمحضر الضبط أو التحقيقات أو المعاينة التصويرية
بما مفاده بطلانه لكونه وليد إكراه مادي ومعنوي وقع على المطعون ضده وأهليته وعلى نحو ما شهد به والداه وشقيقه وشقيقاته وما قال به هو في هذا الشأن
وكذا لتناقض ذلك الاعتراف والذي ينبئ عن أنه يعاني من اضطراب عقلي ذهني «انفصام عقلي»
واضطراب في التفكير مع ما جاء بتقرير اللجنة الطبية النفسية الذي أفاد بأنه لم تظهر على المطعون ضده أي من تلك الحالات.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن الاعتراف في المواد الجنائية لا يعدو أن يكون عنصراً من العناصر التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات
فلها – بهذه المثابة – أن تطرحه إذا لم تقتنع بصحته ومطابقته للحقيقة والواقع بغير معقب عليها مادامت تقيم تقديرها على أسباب سائغة
وإذ كانت المحكمة قد أفصحت في حدود سلطتها التقديرية عن عدم اطمئنانها إلى صحة اعتراف المطعون ضده لكونه وليد إكراه اطمئناناً من المحكمة لما قرره وأهليته في هذا الشأن
ولتعارض هذا الاعتراف مع ما جاء بالتقرير الفني (تقرير اللجنة الطبية النفسية) – على النحو المار بيانه
وكانت النيابة العامة الطاعنة لا تماري في أن الحكم قد التزم في تحصيله للوقائع – في هذا الخصوص – الحقائق الثابتة بالأوراق
فإن ما تعيبه عليه الطاعنة من فساد وقصور لا يعدو – في حقيقته – أن يكون جدلاً موضوعياً حول سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى ومبلغ اطمئنانها هي إليها مما لا يجوز الخوض فيه أمام محكمة النقض.
لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد قضى ببطلان إذن النيابة العامة بالقبض والتفتيش لابتنائه على تحريات غير جدية – وبعد أن أورد بعض المبادئ القانونية – على ما نصه:
«وهذه المحكمة ترى في عناصر التحري السالف بيانها عدم كفايتها لتسويغ إصدار الإذن من سلطة التحقيق، فعناصر التحري جاءت خلو من أي دلائل تكفي للتصدي لحرمة مسكن المتحرى عنه أو لحريته الشخصية ومستقر لدى هذه المحكمة أن التحريات غير جدية ولا تكفي لتسويغ إصدار الإذن
وما أورده العميد محمد النبوي بمحضره اللاحق المؤرخ ٢٠٠٦/١/٣ الساعة التاسعة وخمسة عشر دقيقة صباحاً المقيد برقم ١٤ أحوال لا يصح أن يتخذ منه دليل على جدية التحريات السابقة عليه لأن شرط صحة الإذن أن يكون مسبوقاً بتحريات جدية يرجح معها نسبة الجريمة إلى المأذون بتفتيشه
ومن ثم فإن الدفع المبدى من المتهم ببطلان إذن النيابة العامة لابتنائه على تحريات غير جدية في محله قائم على سند صحيح من الواقع والقانون تجيبه المحكمة إليه وتقضي بذلك وتطرح الدليل المستمد من هذا التفتيش الباطل – الجلباب والحذاء – ومن أقوال القائم به».
لما كان ذلك، وكان الحكم قد عرض لعناصر التحريات وأفصحت المحكمة عن عدم اطمئنانها لها – حال إيرادها مؤدى أقوال العميد محمد النبوي محرر محضر التحريات – لما ارتأته من كون المتهم دائم التجوال في أوقات متأخرة من الليل أو سبق دخوله بعض المساكن بالعزبة لا ينبئ عن اقترافه جريمة قتل
وأن قول الشهود بحمل المتهم لسكين أو كرباج لم تطمئن إليه المحكمة بدلالة عدم وجود صدى لدى أهلية المجني عليهم عند سؤالهم فور اكتشاف الحادث
وهو استنتاج سائغ تملكه محكمة الموضوع، لما هو مقرر من أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لتسويغ الأمر بالتفتيش هو من الموضوع الذي يستقل به قاضيه بغير معقب
ومن ثم فإن منعى الطاعنة على الحكم في هذا الصدد يكون غير مقبول.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن بطلان الإذن ينبني عليه عدم التعويل في الإدانة على أي دليل يكون مترتباً عليه أو مستمداً منه وكل إجراء تالٍ له يكون مبنياً عليه أو متفرعاً عنه
وتقدير الصلة بين الإذن الباطل وبين الدليل الذي تستند إليه سلطة الاتهام والإجراءات التالية له من المسائل الموضوعية التي يفصل فيها قاضي الموضوع بغير معقب مادام التدليل عليها سائغاً ومقبولاً،
وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى في تدليل سائغ – على النحو المار بيانه – إلى بطلان إذن النيابة العامة بالتفتيش لابتنائه على تحريات غير جدية وأفصح عن إطراحه للدليل المستمد مما أسفر عنه هذا التفتيش من ضبط الجلباب والحذاء الخاصين بالمطعون ضده والحاملين لآثار الجريمة
فإنه لا يجدي النيابة العامة الطاعنة النعي على الحكم بالخطأ في تطبيق القانون فيما خلص إليه من بطلان إجراءات تحريز هذه المضبوطات.
لما كان ذلك، وكان لمحكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقارير الخبراء المقدمة إليها، ولها أن تفاضل بين هذه التقارير وتأخذ منها بما تراه وتطرح ما عداه إذ أن ذلك الأمر يتعلق بسلطتها في تقدير الدليل ولا معقب عليها في ذلك
وإذ كان ذلك وكانت المحكمة قد أفصحت عن اطمئنانها إلى ما جاء بالتقرير الطبي الشرعي رقم ٤٩٢ المنيا واستندت إليه وأطرحت في حدود سلطتها التقديرية ما قرره كبير الأطباء الشرعيين ومساعده
للأسباب السائغة التي أوردتها والتي استخلصتها من باقي أدلة البراءة والتي لها معينها في الأوراق فإنه لا يجوز مجادلتها في ذلك أمام محكمة النقض
ومن ثم فإن ما تثيره الطاعنة في هذا الشأن لا يعدو أن يكون جدلاً في واقعة الدعوى وتقدير الأدلة وهو ما لا يجوز إثارته أمام محكمة النقض
هذا فضلاً عن أنه من المقرر أنه لا يصح النعي على المحكمة إنها قضت ببراءة المتهم بناء على احتمال ترجح لديها بدعوى قيام احتمالات أخرى قد تصح لدى غيرها
لأن ملاك الأمر كله يرجع إلى وجدان قاضيها وما يطمئن إليه مادام قد أقام قضاءه على أسباب تحمله وأن لمحكمة الموضوع أن تستخلص من مجموع الأدلة والعناصر المطروحة أمامها على بساط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها دون أن تتقيد في هذا الشأن بدليل بعينه
وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى لم تقتنع بصحتها مادام استخلاصها سائغاً ومستنداً إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن التناقض الذي يعيب الحكم هو ما تتهاتر به أسبابه بحيث يمحو البعض ما يثبته الآخر وكان لا تناقض فيما خلصت إليه المحكمة من عدم اطمئنانها لارتكاب المطعون ضده الجريمة سواء حال كونه مريضاً نفسياً أو عقلياً لاتسام الجريمة بالنسق الهادئ المنظم
مما لا يصدر عن مثل هذا المريض أو حال كونه غير مريض لانعدام مبرره لارتكاب الجريمة، إذ إنه في كلا الحالتين تنتفي التهمة عن المطعون ضده، الأمر الذي يضحى معه النعي على الحكم في هذا الشأن غير سديد.
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن حسب محكمة الموضوع أن تتشكك في صحة إسناد التهمة إلى المتهم كي تقضي بالبراءة مادامت قد أحاطت بالدعوى عن بصر وبصيرة وخلا حكمها من عيوب التسبيب
إذ مرجع الأمر في ذلك إلى مبلغ اطمئنانها في تقدير الأدلة، وإذ كان البين من الحكم المطعون فيه أن المحكمة قد أحاطت بواقعة الدعوى وألمت بأدلة الثبوت فيها
وأن الأسباب التي ساقها الحكم – على النحو المتقدم – من شأنها أن تؤدي في مجموعها إلى ما رتب عليها من شك في صحة إسناد التهمة إلى المطعون ضده
ومن ثم فإن ما تخوض فيه الطاعنة من مناقشة بعض هذه الأسباب لا يعدو – في حقيقته – أن يكون جدلاً موضوعياً حول سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى ومبلغ اطمئنانها هي إليها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة النقض.
لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
ثانياً: عن الطعن المقدم من المدعيين بالحقوق المدنية:
وحيث إن حاصل ما ينعاه الطاعنان – المدعيان بالحقوق المدنية – على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى ببراءة المطعون ضده من جريمة القتل العمد مع سبق الإصرار ورفض دعواهما المدنية قد شابه القصور والتناقض في التسبيب والفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق
ذلك بأنه لم يعرض لأدلة الثبوت – أقوال شهود الإثبات عدا الأول والمعاينة التصويرية – مما ينبئ عن عدم إحاطة المحكمة بواقعة الدعوى وتمحيص أدلتها
كما أسس الحكم قضاءه بالبراءة ورفض الدعوى المدنية على استحالة قتل المجني عليهم في مدة ساعتين ونصف وعدم تصور ارتكاب المطعون ضده للجريمة بمفرده ودون إيقاظ أي من المجني عليهم
مستنداً في ذلك لما جاء بالتقرير الطبي الشرعي رقم ٤٩٢ لسنة ٢٠٠٦ المنيا واستحالة قيامه ببقر بطون المجني عليهم دون المساس بالأمعاء والأجزاء الداخلية للبطن رغم استعماله أداة صلبة ذا حافة ثقيلة
في حين أن الثابت بأقوال كبير الأطباء الشرعيين ومساعده إمكانية حدوث الواقعة فنياً على الصورة التي ساقها الاتهام من شخص واحد
وأن المجني عليهم كانوا في حالة نوم عميق أثناء ارتكاب الجريمة حال دون استيقاظهم أو استغاثتهم وأن بقر بطونهم تم بعد وفاتهم والتي كانت في حالة استرخاء ووجود فاصل بينها وبين الأمعاء والأجزاء الداخلية بها
كما اطرح الحكم اعتراف المطعون ضده لكونه وليد إكراه بما لا يصلح ورغم خلو مناظرة النيابة العامة له من وجود أي إصابات به أو أهليته ومطابقة هذا الاعتراف لباقي أدلة الثبوت بما يقطع بصحة ذلك الاعتراف وصدوره عن إرادة حرة
كما بنى الحكم قضاءه على عدم مراعاة إجراءات التحريز لجلباب وحذاء المطعون ضده المضبوطين على الرغم مما شهد به مجري الفحص من أن المضبوطات أرسلت محرزة
وأخيراً فإن الحكم أورد أسباباً متناقضة في شأن مرض المطعون ضده نفسياً وعقلياً فتارة يذهب بمدوناته إلى مرضه للتدليل على عدم تصور ارتكابه الجريمة لتميزها بالنسق الهادئ المنظم الذي لا تصدر معه من مريض نفسي أو عقلي
وتارة أخرى يذهب إلى سلامته بما ينتفي معه المبرر أو الدافع لارتكاب الجريمة، كل ذلك مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه.
حيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى كما صورها الاتهام وعرض لأقوال شهود الإثبات – على خلاف ما يذهب إليه الطاعنان بأسباب طعنهما – واعتراف المطعون ضده وتقارير الصفة التشريحية الخاصة بالمجني عليهم وتقرير الأدلة الجنائية
وخلص إلى أن التهم المنسوبة للمطعون ضده محل شك للأسباب التي أوردها وهي أسباب سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتبه الحكم عليها.
لما كان ذلك، وكان ما يثيره الطاعنان من عدم إيراد مؤدى أقوال شهود الإثبات عدا الأول ومضمون المعاينة التصويرية مردود
فضلاً عن أنه بين أقوال شهود الإثبات جميعها – بأن محكمة الموضوع لا تلتزم في حالة القضاء بالبراءة بالرد على كل دليل من أدلة الثبوت ما دام أنها قد رجحت دفاع المتهم أو داخلتها الريبة والشك في عناصر الإثبات
ولأن في إغفال التحدث عنها ما يفيد ضمناً أنها أطرحتها ولم تر فيها ما تطمئن معه إلى إدانة المطعون ضده
ومن ثم فلا يعيب الحكم المطعون فيه وهو يقضي بالبراءة وما يترتب على ذلك من رفض الدعوى المدنية إن هو لم يعرض للمعاينة التصويرية ودون أن يفند أقوال بعض شهود الإثبات، ويكون النعي على الحكم في هذا الشأن غير سديد.
لما كان ذلك، وكان باقي ما يثيره الطاعنان بأسباب طعنهما يتفق في مضمونهما مع أوجه الطعن (الأول والثالث والرابع والخامس) أيضاً المقدمة من الطاعنة – النيابة العامة – وهي مردودة بما سبق الرد به على أسباب الطعن المقدمة منها.
لما كان ما تقدم، فإن الطعن برمته يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً مع مصادرة الكفالة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
- أولاً: بعدم قبول طعن المدعين بالحقوق المدنية …… شكلاً مع مصادرة الكفالة.
- ثانياً: قبول طعن النيابة العامة شكلاً ورفضه موضوعاً.
- ثالثاً: قبول طعن المدعيين بالحقوق المدنية …… شكلاً ورفضه موضوعاً مع مصادرة الكفالة.
أسئلة شائعة عن حكم النقض في مذبحة بني مزار
ما رقم طعن مذبحة بني مزار؟
الحكم محل الدراسة صدر في الطعن رقم 79344 لسنة 76 قضائية عن الدائرة الجنائية بمحكمة النقض بجلسة 22 ديسمبر 2008.
هل أيدت محكمة النقض حكم البراءة؟
انتهت محكمة النقض إلى رفض طعن النيابة العامة موضوعًا، فظل حكم البراءة قائمًا.
هل قالت محكمة النقض من هو القاتل الحقيقي؟
لا. الحكم تناول مدى صحة حكم البراءة والطعن الموجه إليه ولم يحدد شخصًا آخر بوصفه مرتكب الجرائم.
لماذا لم تأخذ المحكمة باعتراف المتهم؟
لأن محكمة الموضوع لم تطمئن إلى الاعتراف في ضوء الظروف التي ناقشتها بشأن صدوره وعلاقته بباقي الأدلة، ومحكمة النقض اعتبرت ذلك داخل نطاق سلطتها التقديرية متى كانت الأسباب سائغة.
هل الاعتراف وحده يكفي للإدانة؟
لا توجد قاعدة تقول إن المحكمة ملزمة بالإدانة بمجرد وجود اعتراف. الاعتراف دليل يخضع لتقدير المحكمة شأنه شأن باقي عناصر الدعوى.
ماذا قالت محكمة النقض عن التحريات؟
أكد الحكم أن تقدير جدية التحريات وكفايتها لتسويغ إصدار إذن التفتيش من المسائل الموضوعية التي تخضع لتقدير المحكمة.
ما أثر بطلان إذن التفتيش؟
يترتب عليه عدم التعويل على الأدلة التي ثبت أنها مترتبة عليه أو مستمدة منه، مع خضوع تحديد رابطة السببية بين الإجراء والدليل لتقدير محكمة الموضوع.
هل تقرير الطب الشرعي يلزم المحكمة؟
لا. تقدير تقارير الخبراء والمفاضلة بينها يدخل في سلطة محكمة الموضوع ما دام استخلاصها سائغًا.
هل يجوز الطعن على حكم البراءة لأن المحكمة صدقت تقريرًا ورفضت آخر؟
مجرد الاختلاف مع المحكمة في وزن التقارير لا يكفي عادة للنقض. يجب بيان عيب قانوني أو فساد حقيقي في الاستدلال.
هل يجب أن تثبت المحكمة من ارتكب الجريمة لكي تقضي بالبراءة؟
لا. يكفي أن تشك المحكمة في صحة نسبة التهمة إلى المتهم المطروح أمامها، متى كان شكها قائمًا على أسباب سائغة.
هل حكم البراءة ملزم بالرد على كل دليل من أدلة النيابة؟
لا يلزم بالرد التفصيلي على كل دليل متى كان الحكم يكشف عن أن المحكمة أحاطت بالدعوى ورجحت دفاع المتهم أو دخلها الشك في عناصر الإثبات.
ما الفرق بين البراءة وعدم معرفة الجاني؟
البراءة تعني عدم ثبوت الاتهام على الشخص المحال للمحاكمة وفق الأدلة المطروحة. ولا تعني بالضرورة أن المحكمة توصلت إلى هوية الفاعل الحقيقي.
هل يمكن لمحكمة النقض إعادة تقييم شهادة الشهود من البداية؟
الأصل أنها لا تعيد وزن الأدلة باعتبارها محكمة موضوع، وإنما تراقب صحة الحكم قانونًا وسلامة أسبابه.
ما أهم درس قانوني من قضية بني مزار؟
أن جسامة الجريمة لا تعفي جهة الاتهام من تقديم دليل مشروع وكاف، وأن القضاء بالبراءة يظل واجبًا إذا بقي شك جدي في نسبة الجريمة إلى المتهم.
خاتمة حكم فضية بني مزار

يكشف حكم النقض في قضية مذبحة بني مزار أن المحاكمة الجنائية لا تقاس بحجم الاهتمام الإعلامي ولا بخطورة الواقعة وحدها، وإنما بقوة الأدلة ومشروعيتها ومدى اطمئنان المحكمة إليها.
رفضت محكمة النقض طعن النيابة لأنها رأت أن محكمة الجنايات أحاطت بالدعوى وأقامت شكها في إسناد التهمة على أسباب سائغة، وأن كثيرًا مما أثارته النيابة لم يتجاوز الجدل في سلطة المحكمة في تقدير الاعتراف والتحريات والتقارير الفنية.
ومن ثم يبقى الحكم مثالًا عمليًا مهمًا لفهم حدود رقابة النقض على أحكام البراءة، وأثر بطلان الإجراءات على الدليل، والفرق بين وجود الشبهة وثبوت الاتهام وفقًا للقانون.
نود التنويه إلى أن مكتبنا لا يتولى القضايا الجنائية، وأن نشر هذا الحكم يأتي لأغراض التوعية والثقافة القانونية الجنائية فقط، وكذلك دعمًا للسادة المحامين والباحثين والمهتمين بالشأن القانوني.
ولا يُعد نشر الحكم إعلانًا عن تقديم المكتب لخدمات أو استشارات في القضايا الجنائية.
⚖️ هل لديك قضية مشابهة؟ لا تترك موقفك القانوني للتوقعات
كثير من النزاعات المدنية والعقارية وقضايا الميراث تبدأ بتفصيل صغير، لكن هذا التفصيل قد يغيّر مسار الدعوى بالكامل. قبل رفع دعوى، أو تقديم طعن، أو توقيع اتفاق، احصل على تقييم قانوني دقيق من مكتب الأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض والإدارية العليا.
🔍 ابحث عن موضوع قانوني
📰 أحدث الأبحاث القانونية
- 📑 أرباح بناء عقار بالمشاركة: حكم النقض 20649 لسنة 92 ق وما يعنيه للشريك
- 📑 سقوط قرار نزع الملكية والمنفعة العامة لعدم الإيداع بالشهر العقاري – حكم نقض 2024
- 📑 تأجيل قانون الإجراءات الجنائية الجديد إلى 1 أكتوبر 2027: النص الكامل والأثر القانوني
- 📑 معاش أمين الشرطة: هل يستحق فرد الشرطة المعاش بعد إنهاء خدمته لعدم الصلاحية؟
- 📑 من يدير وديعة الصيانة في الكمبوند؟ حكم القضاء الإداري
⚖️ مكتب عبدالعزيز حسين عمار للمحاماة
الأستاذ عبدالعزيز حسين عبدالعزيز، المحامي بالنقض والإدارية العليا، المعروف باسم مكتب عبدالعزيز حسين عمار للمحاماة، يقدم خدمات قانونية في القضايا المدنية والعقارية وقضايا الميراث والطعون أمام المحاكم.
ساعات العمل: من السبت إلى الأربعاء من الساعة 12 ظهرًا إلى 3 عصرًا، بحجز موعد مسبق بالاتصال على 01285743047.
الموقع الرسمي: azizavocate.com



