متى يرفض الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن؟ (دليل المحامي وأحكام النقض 2026)

متى يرفض الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن؟

محتويات المقالإخفاء

يحدث ذلك إذا رأت المحكمة عذراً مقبولاً للمدعي (سلطة تقديرية)، أو إذا كان التأخير بسبب خطأ قلم الكتاب والمحضرين وليس بخطأ المدعي، أو إذا سقط حق المدعى عليه في التمسك بالدفع بتكلمه في موضوع الدعوى (مادة 108 مرافعات)، أو إذا كان قرار شطب الدعوى الأساسي باطلاً.

متى يرفض دفع اعتبار الدعوى كأن لم تكن؟

خطورة الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن

يُعد “الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن” واحداً من أقوى الدفوع التي يمتلكها المدعى عليه في قانون المرافعات لإنهاء الخصومة وتوقيع جزاء إجرائي صارم على المدعي المهمل.

وتكمن الخطورة الكبرى لهذا الدفع ليس فقط في إنهاء الخصومة الحالية وتكبيد المدعي مصاريف جديدة، بل في أثره المدمر على التقادم.

فإذا نجح الخصم في مسعاه وحكمت المحكمة باعتبار الدعوى كأن لم تكن، فإن هذا الحكم يُزيل الأثر القاطع للتقادم الذي أحدثته صحيفة الدعوى (كأنها لم تُرفع قط).

وإذا كانت مدة تقادم الحق الموضوعي قد اكتملت أثناء نظر الدعوى، فقد ضاع الحق نهائياً.

لذا، فإن نجاحك في إقناع المحكمة برفض هذا الدفع هو الإنقاذ الوحيد لحق موكلك من السقوط.

وقد نظم المشرع المصري هذا الدفع في مواد رئيسية أبرزها المادة 70 (التأخير في الإعلان)، والمادة 82 (تجديد الدعوى من الشطب)، والمادة 99 (الوقف الجزائي).

ومع ذلك، فإن هذا السلاح ليس آلة صماء تقطع رقبة الدعوى بمجرد اكتمال شروطها. فقد حرص المشرع، وأيدته محكمة النقض، على إيجاد توازن دقيق بين حماية المدعى عليه من إطالة أمد النزاع تعسفاً، وبين عدم إهدار حقوق المدعي لأسباب خارجة عن إرادته.

في هذا الدليل العملي، سنغوص في الحالات التي يُرفض فيها هذا الدفع متسلحين بأحدث مبادئ محكمة النقض.

للمزيدحول متى يُقبل هذا الدفع، راجع مقالناأسباب وشروط الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن 

السند التشريعي: نصوص قانون المرافعات الحاكمة لدفع اعتبار الدعوى كأن لم تكن

لفهم متى يُرفض الدفع، يجب أولاً العودة للنصوص الأصلية التي أسست له في قانون المرافعات المصري:

المادة 70 مرافعات:

“يجوز بناء على طلب المدعى عليه، الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن إذا لم يتم تكليفه بالحضور في خلال ثلاثة أشهر من تاريخ تقديم الصحيفة إلى قلم الكتاب، وكان ذلك راجعاً إلى فعل المدعي.” (أساس الرفض هنا في عبارة: راجعاً إلى فعل المدعي).

المادة 82 (الفقرة الأولى):

“… فإذا بقيت الدعوى مشطوبة ستين يوماً ولم يطلب أحد الخصوم السير فيها، أو لم يحضر الطرفان بعد السير فيها، اعتبرت كأن لم تكن.”

المادة 99 (الفقرة الثالثة):

“… ويجوز للمحكمة بدلاً من الحكم على المدعي بالغرامة أن تحكم بوقف الدعوى… وإذا مضت مدة الوقف ولم ينفذ المدعي ما أمرت به المحكمة جاز الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن.” (أساس الرفض هنا: كلمة جاز، مما يؤكد السلطة التقديرية).

أسباب رفض الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن رغم توافر شروطه

يُرفض الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن في القانون المصري رغم توافر شروطه الشكلية في الحالات الآتية:

  • إذا استعملت المحكمة سلطتها التقديرية في الرفض لوجود عذر مبرر للمدعي.
  • إذا كان التأخير في الإعلان أو التجديد راجعاً لخطأ “قلم الكتاب أو المحضرين” وليس بخطأ المدعي.
  • إذا سقط حق المدعى عليه في التمسك بالدفع بتكلمه في موضوع الدعوى (مادة 108 مرافعات).
  • في حالة بطلان الإجراء الأساسي (مثل بطلان قرار شطب الدعوى لعدم إعلان الجلسة بشكل صحيح).

مقارنة سريعة: الفرق بين حالات قبول ورفض الدفع

وجه المقارنةحالات قبول الدفع (انتهاء الخصومة)حالات رفض الدفع (استمرار الدعوى)
سبب التأخيرإهمال متعمد أو تقصير واضح من المدعي.خطأ إداري من قلم الكتاب أو المحضرين.
السلطة التقديريةالمحكمة لم تجد أي عذر يبرر تأخير المدعي.المحكمة قدرت وجود عذر قهري يبرر التأخير.
موقف المدعى عليهتمسك بالدفع الشكلي قبل أي كلام في الموضوع.ناقش الموضوع (م 108) أو تنازل عن الدفع.
الإجراء الأساسيالإجراءات السابقة (كالشطب) تمت بشكل قانوني صحيح.الإجراء الأساسي باطل (كشطب دعوى دون إعلان).
الوقف الجزائي (م 99)إصرار المدعي على عدم تنفيذ قرارات المحكمة.اكتفاء المحكمة بتوقيع غرامة مالية بدلاً من إنهاء الدعوى.

السلطة التقديرية للمحكمة (الدرع الواقي للمدعي)

السلطة التقديرية لقاضي الموضوع هي العقبة الأكبر أمام هذا الدفع. المبدأ الذهبي الذي يجب أن يعلمه كل محامٍ هو أن توقيع جزاء اعتبار الدعوى كأن لم تكن هو أمر جوازي للمحكمة وليس وجوبياً.

حتى لو توافرت كافة الشروط الشكلية، يمتلك القاضي الحق في رفض الدفع إذا استشعر وجود عذر مقبول للمدعي، أو إذا وجد أن مصلحة العدالة تقتضي الاستمرار في نظر النزاع.

أبرز أحكام النقض الداعمة:

  • الطعن رقم 1984 لسنة 56 ق: للمحكمة سلطة تقديرية مطلقة في إجابة طلب الخصم أو رفضه حتى لو توافرت شروطه، متى رأت عذراً للمدعي، ولا يجوز الطعن على حكمها لاستعمالها هذه السلطة.
  • الطعن رقم 7475 لسنة 91 ق (جلسة 2022/2/22): “لا تثريب على المحكمة لعدم توقيع الجزاء باعتبار الدعوى كأن لم تكن رغم توافر شروطه الشكلية، لأن الأمر متروك لتقديرها.”
  • الطعنان 760 لسنة 73 ق و 82 لسنة 74 ق: يؤكدان السلطة التقديرية الواسعة للمحكمة في الرفض عند وجود عذر مقبول يبرر التأخير.

عدم رجوع التأخير إلى فعل المدعي أو تقصيره

لكي يُعاقب المدعي، يجب أن يكون هو المتسبب في الإهمال. إذا انتفى ركن “الخطأ” من جانبه، ينهار الدفع فوراً. وتتحقق هذه الحالة العملية في الصور الآتية:

  • إهمال قلم الكتاب أو المحضر: إذا أودع المدعي صحيفته في الميعاد، ولكن تقاعس الموظف عن التنفيذ، فلا يُضار المدعي بخطأ غيره.
  • تحايل المدعى عليه: التلاعب بمحل الإقامة أو التواطؤ لعرقلة الإعلان.
  • خطأ جهة الإدارة: إمداد المدعي ببيانات أو عناوين خاطئة اعتمد عليها بحسن نية.

متى يسقط حق المدعى عليه في التمسك بالدفع؟

هذا الدفع شكلي وليس من النظام العام، مما يعني أنه يسقط تماماً إذا وقع المدعى عليه في أحد هذه الأخطاء الإجرائية:

  • التكلم في الموضوع (مادة 108 مرافعات): يجب إبداء الدفع الشكلي قبل أي كلام في الموضوع. إذا ناقش المدعى عليه موضوع النزاع (مثل مناقشة مستندات الخصم أو طلب خبير) قبل إبداء الدفع أو معه دون تحفظ واضح، سقط حقه ويُرفض الدفع فوراً.
  • التنازل الصريح أو الضمني: الموافقة على السير في إجراءات الدعوى.
  • عدم إبداء الدفع في الوقت المناسب: التأخر عن طرح الدفع في الجلسة الأولى التي تلي تحقق سببه.

حالات استثنائية يُرفض فيها الدفع بقوة القانون

حالات الشطب الباطل (أهم تحديث قانوني): إذا قررت المحكمة شطب الدعوى دون إعلان المدعي بموعد الجلسة بشكل صحيح، فقرار الشطب هنا باطل.

وقد قضت محكمة النقض في الطعن رقم 12371 لسنة 93 ق (حكم 2024) بأنه إذا كان قرار الشطب باطلاً، يجوز تجديد الدعوى حتى بعد انقضاء 60 يوماً، ويُرفض الدفع بالاعتبار كأن لم تكن.

تصحيح الإعلان الباطل: إذا تم الإعلان بشكل باطل، ولكن المدعى عليه حضر الجلسة بناءً عليه، فإن حضوره يصحح البطلان، ويمتنع عليه التمسك بالدفع.

الطعن بالنقض والدعاوى الإدارية: لها طبيعة وتنظيم إجرائي خاص يختلف في تطبيقاته عن المحاكم العادية.

أحكام نقض بارزة تؤيد رفض الدفع:

  1. الطعن رقم 7475 لسنة 91 ق (جلسة 22 فبراير 2022):

    • المبدأ: عدم توقيع الجزاء رغم توافر شروطه متروك لتقدير المحكمة. والتأخير إذا لم يرجع لفعل المدعي (مثل إهمال قلم الكتاب)، فلا يجوز توقيع جزاء اعتبار الدعوى كأن لم تكن.

  2. الطعن رقم 12371 لسنة 93 ق (حكم حديث 2024):

    • المبدأ: بطلان قرار الشطب الأساسي (لعدم إعلان المدعي إعلاناً صحيحاً بالجلسة) يؤدي إلى بطلان ما يترتب عليه من إجراءات، ويجعل تجديد الدعوى مقبولاً حتى بعد فوات الميعاد، ويُرفض الدفع.

  3. الطعن رقم 766 لسنة 72 ق (جلسة 9 مارس 2003):

    • المبدأ: التكلم في موضوع الدعوى (وفق المادة 108 مرافعات) يُسقط حق الخصم في التمسك بالدفع الشكلي باعتبار الدعوى كأن لم تكن.

  4. الطعنان رقم 760 لسنة 73 ق، ورقم 82 لسنة 74 ق:

    • المبدأ: التأكيد على السلطة التقديرية الواسعة لمحكمة الموضوع في تقدير الأعذار المبررة لتأخير المدعي، ورفض الدفع متى رأت عذراً مبرراً لذلك، ولا رقابة لمحكمة النقض عليها في ذلك متى كان تسبيبها سائغاً.

  5. الطعن رقم 1984 لسنة 56 ق:

    • المبدأ: الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن هو جزاء جوازي للمحكمة وليس وجوبياً، ولها أن ترفض إجابة الخصم إليه إذا رأت ما يبرر ذلك.

جدول تطبيقي لأهم أحكام النقض في رفض الدفع: الحالة العملية التي تؤدي للرفض

الحالةرقم الطعنالمبدأ القضائي
خطأ إداري (تأخير الإعلان)طعن 7475 لسنة 91 قلا يوقع الجزاء إذا لم يرجع التقصير للمدعي.
شطب باطل للدعوىطعن 12371 لسنة 93 قبطلان الإجراء الأساسي يمنع ترتيب الجزاء عليه.
وجود عذر مقبول للمدعيطعن 1984 لسنة 56 قللمحكمة سلطة تقديرية مطلقة في تقدير الأعذار.
التكلم في الموضوعطعن 766 لسنة 72 قمناقشة الموضوع تسقط الحق في الدفع الشكلي.
وقف جزائي (م 99 مرافعات)أحكام متواترةالمحكمة تقدر الظروف وقد تكتفي بتوقيع غرامة مالية.

خطوات إجرائية داخل الجلسة

‫1.إثبات الحضور والتحفظ الفوري:‏الخطوة الأهم لمنع ضياع الحق.

بمجرد إبداء خصمك للدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن، اطلب من القاضي إثبات حضورك في محضر الجلسة واطلب صراحة إثبات “تمسكك برفض الدفع” قبل التفوه بأي كلمة تخص موضوع القضية.

‫2.مراجعة محضر الجلسة السابقة:‏للبحث عن خطأ الخصم

اطلب من المحكمة دقيقة لمراجعة محضر الجلسة السابقة. ابحث عما إذا كان خصمك قد طلب أجلاً للاطلاع، أو قدم مذكرة، أو أبدى دفاعاً موضوعياً؛ فإذا فعل، ادفع فوراً بسقوط حقه عملاً بالمادة 108 مرافعات.

‫3.طلب أجل لتقديم مستندات العذر

‏تفعيل السلطة التقديرية.إذا كان الدفع مبنياً على تأخير في الإعلان، اطلب أجلاً لاستخراج “شهادة من قلم المحضرين” تثبت أنك سلمت الصحيفة في الميعاد وأن التأخير كان من جانب الموظف العام وليس بخطأ منك.

صيغ دفاع عملية للرد على الدفع (لمحامي المدعي)

إذا واجهت هذا الدفع من خصمك، استخدم هذه الصيغ العملية المباشرة:

1. صيغة الرد عند خطأ المحضر:

“ندفع برفض الدفع المبدى من الخصم باعتبار الدعوى كأن لم تكن لانعدام سببه، حيث أن التأخير في إتمام الإعلان لم يكن نتيجة خطأ أو تقصير من المدعي، بل يرجع إلى تقاعس المحضر المختص، ولا يُضار الخصم بخطأ قلم المحضرين وفقاً للمستقر عليه بقضاء النقض.”

2. صيغة الرد عند سقوط حق الخصم (المادة 108):

“نطلب رفض الدفع المبدى من المدعى عليه لسقوط حقه في التمسك به عملاً بنص المادة 108 مرافعات، لقيامه بالتكلم في موضوع الدعوى بجلسة (…) عبر (ذكر الإجراء كمناقشة الخبير أو طلب مستندات) قبل إبدائه لهذا الدفع الشكلي.”

أمثلة وتطبيقات عملية (تطبيقات عملية من أروقة المحاكم)

المحامون يبحثون دائماً عن “كيف أطبق هذا في المحكمة؟”.

السيناريو الأول (فخ التكلم في الموضوع):

الواقعة: شُطبت الدعوى، وقام المدعي بتجديدها بعد الميعاد (بعد 60 يوماً). في الجلسة الأولى، حضر محامي المدعى عليه وطلب من المحكمة “أجلاً للاطلاع والرد على مستندات المدعي”، وفي الجلسة التالية دفع بـ “اعتبار الدعوى كأن لم تكن”.

النتيجة: يُرفض الدفع.

السبب: طلب الأجل للاطلاع والرد يُعد (تكلماً في الموضوع)، مما يُسقط حقه في التمسك بالدفع الشكلي وفقاً للمادة 108 مرافعات (تطبيقاً للطعن 766 لسنة 72 ق).

السيناريو الثاني (إنقاذ الدعوى من إهمال المحضرين):

الواقعة: أودع المدعي صحيفة التجديد من الشطب في قلم الكتاب خلال الميعاد القانوني، لكن قلم المحضرين تراخى في إعلان المدعى عليه حتى انقضى الميعاد. فتمسك المدعى عليه بالدفع.

النتيجة: يُرفض الدفع.

السبب: انعدام تقصير المدعي، فلا يُضار بخطأ وإهمال الموظف العام (تطبيقاً للطعن 7475 لسنة 91 ق).

الأسئلة الشائعة حول  متى يرفض الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن

هل المحكمة ملزمة بالحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن إذا تأخر المدعي؟

لا، توقيع هذا الجزاء هو أمر جوازي للمحكمة. ولها سلطة تقديرية مطلقة في رفض الدفع إذا رأت عذراً مبرراً للمدعي أو مصلحة في استمرار نظر الدعوى.

ماذا أفعل إذا تمسك الخصم بالدفع ولكن التأخير كان من قلم المحضرين؟

عليك تقديم ما يثبت إيداعك للصحيفة أو الإعلان في الميعاد القانوني. استقرار قضاء محكمة النقض يؤكد أن خطأ قلم الكتاب أو المحضر لا ينعكس سلباً على المدعي، ويؤدي لرفض الدفع.

هل ينطبق الدفع إذا كان قرار شطب الدعوى الأول باطلاً؟

لا، فما بني على باطل فهو باطل. إذا لم يُعلن المدعي بالجلسة إعلاناً صحيحاً وتم شطب الدعوى، يعتبر الشطب باطلاً، ويحق لك التجديد حتى بعد الستين يوماً دون قبول الدفع.

نصيحة نهائية للمحامين

الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن ليس “عصا سحرية” تنهي النزاع بضغطة زر.

لمحامي المدعى عليه: تأكد أنك لم تتحدث في الموضوع قط قبل إبداء دفعك، وتحقق من أن تقصير الخصم ثابت ولا يشوبه خطأ من قلم المحضرين.

لمحامي المدعي: لا تستسلم. راجع تواريخ تسليم أوراقك، وابحث في محاضر الجلسات عن أي إجراء اتخذه خصمك يُعد “كلاماً في الموضوع” لتسقط حقه.

خطورة الدفع بسقوط الخصومة والتقادم في القانون المصري

💡 تعقيب قانوني من المحامي عبدالعزيز حسين عبدالعزيز

من واقع خبرتي العملية أمام محاكم الاستئناف ومحكمة النقض منذ عام 2015، أؤكد لزملائي أن الاستسلام السريع لهذا الدفع هو خطأ مهني فادح.

القضاء المصري لا يميل إلى تصفية الخصومات إجرائياً متى لاح له بصيص من عذر يُبرر تأخير المدعي، حفاظاً على الحقوق الموضوعية من مقصلة التقادم.

دورك كمحامٍ ليس فقط سرد النصوص، بل وضع (عذر المدعي) أو (خطأ الخصم) أو (إهمال الموظف العام) تحت بصر المحكمة بوضوح لتفعيل سلطتها التقديرية في الرفض.

السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع في الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن: دراسة تطبيقية على الطعن رقم 763 لسنة 57 ق

الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن من أخطر الدفوع الإجرائية في قانون المرافعات المصري، حيث يهدف إلى توقيع جزاء قانوني صارم على المدعي المتقاعس عن اتخاذ الإجراءات الجوهرية لاستمرار دعواه في مواعيدها المحددة، مما يهدد بزوال الخصومة وما يترتب عليها من آثار قاطعة للتقادم.

إلا أن هذا الجزاء ليس سيفاً مسلطاً يقطع رقبة الدعوى بصورة آلية بمجرد توافر شروطه الشكلية؛ فقد حرص المشرع المصري وتواترت أحكام محكمة النقض على إرساء توازن دقيق بين حق المدعى عليه في إنهاء خصومة راكدة تعسفاً، وحق المدعي في عدم إهدار دعواه لأسباب قد تخرج عن إرادته أو لخطأ لا يد له فيه.

ومن هنا تبرز الأهمية البالغة لـ “السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع“، والتي تُمثل صمام الأمان المانع من التعسف في توقيع هذا الجزاء الإجرائي، حيث تُمنح المحكمة الحق الجوازي في رفض الدفع متى استشعرت وجود عذر مقبول يبرر تأخير المدعي.

وفي هذا السياق، تأتي هذه الدراسة لتسليط الضوء على المبادئ القانونية الراسخة التي أكدها الطعن رقم 763 لسنة 57 قضائية، والذي يُعد نموذجاً قضائياً بارزاً يُجسد كيف تمارس محكمة الموضوع سلطتها التقديرية الواسعة في تقييم مبررات التأخير، ليكون هذا البحث بمثابة دليل عملي للمشتغلين بالقانون حول كيفية التعامل مع هذا الدفع، وحدود رقابة محكمة النقض على تلك السلطة التقديرية.

الطعن رقم 763 لسنة 57 ق تاريخ الجلسة 25 / 2 / 1993

الوقائع

وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في:

 أن مورث المطعون ضدهم أقام الدعوى رقم 262 لسنة 1977 مدني – دمياط الابتدائية بطلب الحكم بإلزام الطاعنين الأول والثاني وفي مواجهة الطاعن الثالث بتقديم ما لديهما من مستندات تثبت لهيئة الأوقاف أية حقوق على الأرض المبينة الحدود والمعالم بالصحيفة ليطعن عليها بطرق الطعن القانونية وفي حالة عدم تقديمها الحكم بكف منازعتهم له في تلك الأرض.

ندبت المحكمة خبيرا في الدعوى وبعد أن قدم تقريره قضت بتاريخ 5 من أبريل سنة 1981 بكف منازعة الطاعنين لمورث المطعون ضدهم في الأطيان سالفة البيان

استأنف الطاعنون هذا الحكم لدى محكمة استئناف المنصورة “مأمورية دمياط” بالاستئناف رقم 113 لسنة 13 قضائية، وبتاريخ الرابع من نوفمبر سنة 1984 حكمت المحكمة بانقطاع سير الخصومة لوفاة مورث المستأنف ضدهم

عجل الطاعنون السير في الاستئناف باختصام ورثته المطعون ضدهم الذين دفعوا بسقوط الخصومة في الاستئناف لعدم تعجيل السير فيها خلال سنة من تاريخ الحكم بانقطاعها

وبتاريخ الرابع من يناير سنة 1987 قبلت المحكمة الدفع وقضت بسقوط الخصومة في الاستئناف

طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة المشورة فرأت أنه جدير بالنظر وحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.

الحيثيات

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعى الطاعنون بالوجه الأول من السبب الأول منهما على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون:

وفي بيان ذلك يقولون أن المطعون ضدهم دفعوا باعتبار الاستئناف كأن لم يكن بتاريخ الأول من يونيه سنة 1986 ثم دفعوا بسقوط الخصومة بجلسة 13 من نوفمبر سنة 1986 ومن ثم يكون حقهم في إبداء الدفع الثاني قد سقط عملا بنص المادة 108 من قانون المرافعات، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر يكون معيبا بما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي غير سديد:

لما هو مقرر في قضاء محكمة النقض من أن التكلم في الموضوع المسقط للدفع الواجب إبداؤه قبل التكلم في الموضوع إنما يكون بإبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى أو مسألة فرعية فيها ينطوي على التسليم بصحتها سواء أبدى كتابة أو شفاهة.

لما كان ذلك، وكان الدفع باعتبار الاستئناف كأن لم يكن لا يعتبر تكلما في موضوع الدعوى فإنه لا يسقط الحق من بعد إبدائه في التمسك بانقضاء الخصومة في الاستئناف لعدم تعجيل السير فيها خلال سنة من تاريخ انقطاعها،

وإذ التزم الحكم المطعون فيه هذا النظر ولم يعتبر الدفع باعتبار الاستئناف كأن لم يكن مسقطا لحق المطعون ضدهم في الدفع بسقوط الخصومة لمضي أكثر من سنة على تاريخ الحكم بانقطاع السير فيها دون تعجيلها من جانب الطاعنين يكون قد أعمل صحيح القانون ويضحى النعي على غير أساس.

وحيث إن مما ينعاه الطاعنون على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون:

 وفي بيان ذلك يقولون إن المطعون ضدهم لم يتمسكوا ببطلان إعلانهم بصحيفة تعجيل السير في الاستئناف من الانقطاع فيكون إعلانهم بتلك الصحيفة صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية، ويكون الحكم المطعون فيه إذ قضى بسقوط الخصومة تأسيسا على بطلان إعلان المطعون ضدهم بصحيفة التعجيل مخالفا للقانون بما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي سديد:

 ذلك أنه لما كان يشترط حتى تحكم المحكمة بسقوط الخصومة ألا تتخذ خلال السنة التي تسقط الخصومة بانقضائها أي إجراء يقصد به موالاة السير فيها على أن يكون هذا الإجراء صحيحا أو يصبح صحيحا لعدم التمسك ببطلانه في الوقت المناسب

وكان مؤدى نص المادة 108 من قانون المرافعات – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الإجراء يعتبر صحيحا رغم ما يعتريه من أوجه البطلان غير المتعلقة بالنظام العام طالما أن الدفع بهذا البطلان لم يتمسك به صاحب المصلحة فيه في الوقت الذي حدده القانون

وكان بطلان أوراق التكليف بالحضور لعيب في الإعلان هو بطلان نسبي مقرر لمصلحة من شرع لحمايته وليس متعلقا بالنظام العام

وبالتالي فلا يجوز للمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها وإنما يجب على الخصم الذي تقرر هذا البطلان لمصلحته أن يتمسك به أمام محكمة الموضوع

لما كان ذلك وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه أقام قضاءه بسقوط الخصومة لعدم موالاة السير فيها لمدة سنة من تاريخ الحكم بالانقطاع

تأسيسا على بطلان إعلان المطعون ضدهم بصحيفة التعجيل الذي تم خلال السنة التي أعقبت الحكم بالانقطاع وكان الثابت بالأوراق أن المطعون ضدهم رغم تمسكهم بالدفع بسقوط الخصومة لم يتمسكوا ببطلان إعلانهم بصحيفة التعجيل

وكان الأمر في هذا الشأن لا يتعلق بالنظام العام، فإن قضاء الحكم المطعون فيه ببطلان هذه الإعلانات دون تمسك ببطلانها من المطعون ضدهم – وهم أصحاب المصلحة في التمسك بهذا البطلان – وترتيبه على ذلك قضاءه بسقوط الخصومة يكون معيبا بمخالفة القانون بما يستوجب نقضه لهذا السبب دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن.

المبادئ المستفادة من حكم النقض:

مبدأ (1)

التكلم فى الموضوع المسقط للدفع الواجب إبداؤه قبل التكلم فى الموضوع. مناطه. إبداء الدفع باعتبار الاستئناف كأن لم يكن ، ليس تعرضا للموضوع يسقط الحق فى التمسك بانقضاء الخصومة فى الاستئناف لعدم تعجيل السير فيها خلال سنة من تاريخ انقطاعها.

المقرر في قضاء محكمة النقض أن التكلم في الموضوع المسقط للدفع الواجب إبداؤه قبل التكلم في الموضوع إنما يكون بإبداء أى طلب أو دفاع في الدعوى أو مسألة فرعية فيها ينطوي على التسليم بصحتها سواء أبدى كتابة أو شفاهة.

وإذ كان الدفع باعتبار الاستئناف كأن لم يكن لا يعتبر تكلما في موضوع الدعوى فإنه لا يسقط الحق من بعد إبداؤه في التمسك بانقضاء الخصومة في الاستئناف لعدم تعجيل السير فيها خلال سنة من تاريخ انقطاعها.

مبدأ (2)

الإجراء المانع من سقوط الخصومة. شرطه. أن يكون صحيحاً أو يصبح صحيحاً لعدم التمسك ببطلانه فى الوقت المناسب.

يشترط حتى تحكم المحكمة بسقوط الخصومة ألا تتخذ خلال السنة التى تسقط الخصومة بانقضائها أى إجراء يقصد به موالاة السير فيها على أن يكون هذا الإجراء صحيحا أو يصبح صحيحا لعدم التمسك ببطلانه في الوقت المناسب.

 مبدأ (3)

الإجراء الباطل بطلانا غير متعلق بالنظام العام. اعتباره صحيحاً طالما لم يتمسك صاحب المصلحة بالبطلان فى الوقت المناسب.

مؤدى نص المادة108من قانون المرافعات أن الإجراء يعتبر صحيحا رغم ما قد يعتوره من أوجه البطلان غير المتعلقة بالنظام العام طالما أن الدفع بهذا البطلان لم يتمسك به صاحب المصلحة فيه في الوقت الذي حدده القانون.

 مبدأ (4)

بطلان أوراق التكليف بالحضور لعيب فى الإعلان. بطلان نسبى. لصاحب المصلحة وحده التمسك به أمام محكمة الموضوع.

بطلان أوراق التكليف بالحضور لعيب في الإعلان ـ هو بطلان نسبى مقرر لمصلحة من شرع لحمايته وليس متعلقا بالنظام العام،

وبالتالي فلا يجوز للمحكمة أن تقضى به من تلقاء نفسها وإنما يجب على الخصم الذي تقرر هذا البطلان لمصلحته أن يتمسك به أمام محكمة الموضوع.

اقرأ أيضاً من مكتبتنا القانونية:

لإثراء معلوماتك وربط هذا الموضوع بكافة جوانبه، نرشح لك قراءة:

أثر الحكم باعتبار الدعوى كأن لم تكن على تقادم الحق الموضوعي

مقالة قيمة جداً تناقش تأثير الحكم على تقادم الحق الأصلي.

أسباب اعتبار الدعوى كأن لم تكن والحالات العملية لتداركها

شرح شامل للأسباب المختلفة للاعتبار كأن لم تكن (المادة 70 و82 مرافعات) مع حالات عملية لتداركها.

[الوقف الجزائي: اعتبار الدعوى كأن لم تكن (المادة 99 مرافعات)

شرح الوقف الجزائي وعلاقته باعتبار الدعوى كأن لم تكن.

 نص المادة 82 من قانون المرافعات: شرح شطب الدعوى وتجديدها

شرح تفصيلي للمادة 82 وشروط الشطب والتجديد والدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن.

شرح المادة 70 مرافعات: اعتبار الدعوى كأن لم تكن

شرح شامل للأسباب المختلفة للاعتبار كأن لم تكن بالمادة 70 مرافعات مع الحالات العملية.

[شروط قبول الدفع الشكلي في النزاع المدني]

شرح وافي مع الأمثلة من أروقة المحاكم حول الشروط القانونية لقبول الدفوع الشكلية وأسباب عدم قبولها

[اعتبار الدعوى كأن لم تكن: ولكن

مقالة تحليلية بتحليل قانوني عن بعض النقاط العملية المهمة.

موسوعة الدفوع القانونية للمحامي المدني

تحتوي على قسم مخصص عن هذا الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن، والكثير من الدفوع المدنية.

الخاتمة: الخلاصة في سطور

ختاماً، يجب أن ندرك أن الدفع باعتبار الدعوى كأن لم تكن ليس مقصلة حتمية تنهي الخصومة بمجرد اكتمال شروطه الشكلية، بل هو جزاء جوازي يخضع للسلطة التقديرية الواسعة للقاضي.

يُرفض هذا الدفع بقوة متى ثبت أن التأخير لم يكن راجعاً لفعل المدعي (مثل إهمال قلم الكتاب أو المحضرين)، أو إذا وقع المدعى عليه في فخ “التكلم في الموضوع” (وفق المادة 108 مرافعات )، أو متى استشعرت المحكمة وجود عذر قهري يبرر التأخير.

معركتك في رفض هذا الدفع ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي طوق النجاة الأخير لحماية الحق الموضوعي لموكلك من خطر السقوط والتقادم.

هل تواجه تعنتاً أو نزاعاً قانونياً معقداً؟ نحن هنا لحمايتك

النزاعات المدنية والدفوع الإجرائية تتطلب خبرة قانونية دقيقة لضمان عدم إهدار حقوقك بسبب أخطاء شكلية.

يمتلك مكتب المحامي عبدالعزيز حسين عبدالعزيزعمار (محام بالنقض والمحكمة الدستورية العليا والإدارية العليا) خبرة قانونية ممتدة منذ عام 1997، مقترنة بخبرة الترافع أمام محكمة النقض منذ عام 2015.

نحن نقدم استشارات دقيقة ونصيغ مذكرات دفاع تستند حصرياً لأحكام محكمة النقض ومصادر التشريع الرسمية، لضمان أعلى درجات الموثوقية في مجالات القانون المدني، المواريث، العقارات، والإيجارات.

المحامي عبدالعزيز حسين عبدالعزيز - استشارات قانونية أمام محكمة النقض

📍 عنوان المكتب: 29 شارع النقراشي، برج المنار، مدينة الزقازيق، محافظة الشرقية.

🌐 الموقع الرسمي: azizavocate.com

(تنويه هام: يعتذر المكتب بشكل قاطع عن قبول أو تقديم استشارات في القضايا الجنائية المتعلقة بالسرقة أو المخدرات).

⚖️ هل قضيتك مشابهة لما ورد بالمقال؟

كل حالة قانونية تختلف في تفاصيلها وقد تغيّر النتيجة بالكامل.

✔️ لماذا تختارنا؟
  • خبرة قانونية متخصصة في القضايا المدنية والعقارية
  • قبول أمام محكمة النقض
  • تقييم مبدئي قبل اتخاذ أي إجراء
  • متابعة شخصية مباشرة
📌 ماذا تفعل الآن؟

لا تتخذ أي خطوة قانونية قبل استشارة متخصص لتجنب فقدان حقوقك.

📞 احجز استشارة:
📌 نُشر هذا المقال أولًا على موقع عبدالعزيز حسين عمارhttps://azizavocate.com/متى-يرفض-الدفع-باعتبار-الدعوى-كأن-لم/
تاريخ النشر الأصلي: 2026-06-04

⚖️ مكتب عبدالعزيز حسين عمار

متخصصون في قضايا الميراث والملكية والنزاعات المدنية منذ عام 1997. نقدم تمثيلاً قانونياً رصيناً أمام محكمة النقض وكافة المحاكم المصرية.

📞 هاتف:01285743047 | 💬 واتساب:راسلنا الآن

عبدالعزيز حسين عمار محامي بالانقض
عبدالعزيز حسين عمار محامي بالانقض

الأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض خبرات قضائية فى قضايا الميراث والملكية والمدنى والايجارات وطعون النقض وتقسيم التركات ومنازعات قانون العمل والشركات والضرائب، في الزقازيق، حاصل على ليسانس الحقوق 1997 - احجز موعد 01285743047.

المقالات: 2359