fbpx

فكرة القضاء الضمني في أسباب الحكم

عرف البعض فكرة القضاء الضمني في أسباب الحكم بأنه السابقة أو المقدمة المنطقية للحكم الصريح وقال إن المسائل المتنازع فيها ترتبط ببعضها وتسبق منطقيا بعضها البعض

القضاء الصريح دون الضمني

فكرة القضاء الضمني

القاضي حين يفصل صراحة فى إحدى هذه المسائل فإن حكمه يفترض فيه أنه قد سبقته حلول منطقية للمسائل التي تسبق منطقيا المسألة التي فصل فيها صراحة بحيث لو أعيد النقاش فيها سلبت المنطوق أساسه المنطقي فالحكم الذي يحدد أسس القسمة لا تقتصر حجيته على النقاط التي كانت محل طلبات الخصوم وإنما تمتد لتشمل كل المسائل التي لو أعيد نقاشها لهدمت أسس القسمة نفسها

 الفقيه  بيرو  مشار إليه فى رسالة الدكتور صاوي ص ٥٥

تعريف القضاء الضمني

عرف البعض القضاء الضمني أنه

 النتيجة الضرورية للحكم وقال إن الحجية تثبت للحكم الضمني مادام هو النتيجة الحتمية للمنطوق الصريح فالحكم الذي يقضى بصحة إجراءات اتخذت لتنفيذ سند معين يحوز حجية الشيء المحكوم فيه بالنسبة لصحة السند ذاته فطالما أنه حكم بصحة الإجراءات التي اتخذت لتنفيذ السند فإن ذلك يقتضى بالضرورة أن يكون السند صحيحا

السنهوري – الوسيط – ص ٨٦٣

انقسام الفقه حول فكرة القضاء الضمني

انقسم الفقه إلى رأيين بالنسبة لقبول فكرة الحكم الضمني

  • فمنهم من أقرها
  • ومنهم من أنكرها

والرأي الأول هو الرأى السائد فى الفقه والقضاء وحجته

أن المشرع لم يشترط شكلا محددا للحكم وإنما ترك أمر ذلك للقاضي ويرى أصحاب هذا الرأى أنه يمكن الكشف عن الحكم الضمني بالرجوع إلى أسباب الحكم وما طبقه القاضى من مبادئ قانونية وما طرح فى الدعوى من طلبات

ويذهب فريق منهم إلى أنه يجب مراعاة أنه ليس كل ما هو ضمني يعتبر محكوما به ضمنيا ويميز بين المضمون الحقيقي والمضمون الوهمي

أما الأول فهو ذلك الذي يبين من تحليل الحكم أنه بحسمه مشكلة محددة قد حسم بالضرورة مشكلة أخرى

وأما المضمون الوهمي فهو ذلك المضمون الذي لا ينتج من الحكم بالضرورة ولكنه يكون مجرد افتراض منطقي للحل الوارد فى المنطوق الصريح

والمعتبر عند هذا الفريق هو المضمون الحقيقي وحده ، أما المضمون الوهمي فلا تثبت به – عنده – حجية الأمر القضى

ومن أبرز ما وجه من نقد إلى فكرة وجود حكم ضمني أنها تخل بحق الدفاع إذ تمد نطاق الحجية لتشمل مسائل لم يثرها الخصوم ولم تبحثها المحكمة لتقطع فيها برأي

المنكرون لفكرة الحكم الضمني

فكرة القضاء الضمني

يرى أصحاب هذا الرأى الذي وجد صدى واسعا لدى محكمة النقض الفرنسية  أن

حجية الشيء المحكوم فيه يجب أن تقتصر فقط على ما طلبه الخصوم ، وأنه لا محل لتفسير الحكم تفسيرا منطقيا حتى ولو كانت هناك مسألة أخرى تندرج ضمنا في المسألة التي حسمت صراحة إذ لا يعتبر مقضيا به سوی ما خضع للقاضي تحديدا عن طريق طلبات الخصوم بقصد الفصل فيه

ومن الطريف في هذه المسألة ما جاء في رسالة الدكتور أحمد السيد صاوي السالف الإشارة إليها من أن الفقيه « جلاسون » ذهب إلى أن حجية الشيء المحكوم فيه يمكن أن تكون ضمنية بحيث لا يستطيع الخصوم أن يثيروا من الادعاءات ما يتناقض مع ما حكم به ضمنا .

ثم عاد وتساءل

هل يمكن أن يستنتج من هذا أن الحكم بصحة إجراءات اتخذت لتنفيذ عقد معين يترتب عليه عدم جواز المنازعة في صحة هذا العقد فيما بعد ؟

وأجاب بأن

ذلك ممكن إذا كانت مسألة صحة العقد قد خضعت لتقدير القاضي الأول ، وإلا فإنها لا تحوز حجية وعلة ذلك أنه لا يمكن الحكم فى نزاع غير موجود .

وهذا الاتجاه من « جلاسون » عدول عن فكرة الحكم الضمني

بيد أنه لما كانت هذه الفكرة قد صادفت هوى في نفسه فقد عاد إلى القول بأن حجية الشيء المحكوم فيه ضمنيا تفترض على الأقل وجود طلبات ضمنية للخصوم ، وإذا كان من غير الممكن إقامة الدليل على توافر هذه الطلبات فلا توجد مطلقا حجية ضمنية

رأى محكمة النقض عن القضاء الضمني

فكرة القضاء الضمني

لمحكمة النقض في هذه المسالة احكام متعارضة :

  • فقد أقرت في بعض أحكامها فكرة الحكم الضمني
  • وأنكرتها في البعض الآخر

ومما قضت به إقراره بفكرة الحكم الضمني :

إذا طلب الدائن الحكم ببطلان الرهن الصادر من مدينه إلى دائن آخر بمقولة أن هذا الرهن عمل تواطؤا للهرب من الوفاء بدينه وكان الطلب مقصودا به القضاء ضمنا ببطلان القرض أيضا وقضى برفض الدعوى بناء على انعدام الدليل على علم الدائن المرتهن بالدين السابق أو تواطئه مع المدين كان هذا قضاء ضمنيا بصحة القرض المضمون بالرهن فإذا عاد المدعى إلى طلب الحكم ببطلان عقد القرض نفسه كان الحكم بعدم جواز نظر هذه الدعوى لسبق الفصل فيها نهائيا بين الخصوم أنفسهم سليما قانونا

نقض ١٩٤٣/٢/١٨ – مجموعة عمر – الجزء ٤ بند ٢٦ ص ٥٧

إذا كان عقد الإيجار متفقا فيه على التجاوز عن بعض الأجرة في حالة دفعها في مواعيدها ، فإن هذا التجاوز يكون متعلقا بذات الحق المطالب به ومرتبطا بشروط الوفاء به فإذا قضت المحكمة للمؤجر بباقي الأجرة المستحقة على المستأجر – بعد تحققها من انشغال ذمته – فإنها تكون قد قضت في ذات الوقت ضمنا بعدم استحقاق هذا المستأجر للتجاوز المشترط ، وتكون دعوى المستأجر بعد ذلك ببراءة ذمته منه عودا إلى موضوع سبق الفصل فيه

نقض ١٩٤٣/٤/١ – المجموعة السابقة – ج ٤ بند ٤٠ ص ٩٦

إذا رفع المشترى دعواه على البائع بطلب تثبيت ملكيته للعين المبيعة ، وتسليمها إليه بما عليها من مبان ، وقضت المحكمة له بطلباته ، وأقامت قضاءها بذلك على أن البائع الذي يمتنع عن تسليم العقار المبيع ويبنى فيه قبل تسجيل عقد البيع مع مطالبة المشترى له بنقل الملكية يعتبر كالباني فى ملك غيره

ولا يحق له لسوء نيته حبس البناء لاستيفاء مصاريفه ثم رفع البائع على المشترى دعواه بطلب قيمة تكاليف البناء كاملة ، فقضت له المحكمة بطلبه

وأقامت قضاءها بذلك على أن البائع إذ بني قبل تسجيل عقد البيع كان حسن النية فى هذا البناء لاعتقاده أنه يبنى فى أرض مملوكة له وأن هذا الاعتقاد يرفع عنه سوء النية الخاص الذى يشترطه القانون فإن هذا الحكم يقع مخالفا للحكم السابق الحائز حجية الأمر المقضى

نقض (١٩٤٥/٣/١٩ – المجموعة السابقة – ج ٤ بند ٢٢٨ ص ٦٠١

إنه وإن كان يبين من الحكم المطعون فيه أنه خلو من رد صريح على الدفع ب ببطلان ، إلا أن فيما قضت به محكمة الدرجة الثانية من تأييد الحكم الابتدائى قضاء ضمني برفضه وبحسبها ما أثبته الحكم المذكور من بيانات ووقائع مادية تؤدى إلى النتيجة الصحيحة التي قررها هذا القضاء الضمني من زوال البطلان بالحضور وسقوط الحق في الدفع به

نقض ١٩٥٣/١١/١٣ – الطعن ١٩٣ لسنة ٢١ ق

الحكم الصادر في موضوع الدعوى يعتبر منطويا على قضاء ضمني بالاختصاص

 نقض ٢/ ٥ / ١٩٧٩ – الطعن ١١٢٥ لسنة ٤٨ ق

في الدعوى بطلب نفقة للصغير يكون موضوع النسب قائما باعتباره سبب الالتزام بالنفقة لا تتجه إلى المدعى عليه إلا به فيكون قائما فيها وملازما لها وتتبعه وجودا وعدما وعلى ذلك فمتى كان الحكم المطعون فيه قد قضى برفض الدفع بعدم جواز نظر دعوى نسب الصغير استنادا إلى أن موضوعها يختلف عن موضوع دعوى النفقة فإنه يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه

نقض ١٩٦٥/١/٢٠ – الطعن ١٩ لسنة ٣٢ ق

ومع ذلك فقد قضت محكمة النقض بان :

مناط التمسك بالحجية المانعة من اعادة نظر النزاع فى المسالة المقضى فيها ان يكون الحكم السابق قد فصل في منازعة تناقش فيها الخصوم واستقرت حقيقتها بينهم به استقرارا مانعا من مناقشتها في الدعوى الثانية

نقض ۱۹۷۷/٣/١٦ – مجموعة المكتب الفني – س ۲۸ ص ٦٨١

مناط الحجية المانعة من إعادة طرح النزاع فى ذات المسألة المقضى فيها أن يكون الحكم قد قطع في مسالة اساسية بعد أن تناقش فيها الطرفان واستقرت حقيقتها بينهما استقرارا يمنع من إعادة طرحها ومناقشتها والبت فيها بحكم جديد . ومن ثم فإن مالم تنظره المحكمة بالفعل لا يكون موضوعا لحكم يحوز حجية الشيء المحكوم فيه

نقض ١٩٨٢/٤/١٥ – الطعن ٦٥٨ لسنة ٤٧ ق ، ونقض ١٩٩٥/١/٥ – الطعن ١٣٦٨ لسنة ٦٠ ق

رأى المستشار نائب رئيس محكمة النقض

فكرة القضاء الضمني

يري السيد المستشار محمد وليد الجارحي نائب رئيس محكمة النقض في هذه المسالة :

أنه إعمالا لمبدأ سيادة الخصوم على وقائع النزاع فإنه يجب على القاضي – كما سبق ان قلنا في المبحث الخاص بمشكلة التمييز بين الواقع والقانون – أن يتقيد بنطاق الدعوى المطروحة عليه خصوما وسببا وموضوعا ودوره بالنسبة لموضوع الدعوى

يقتصر كقاعدة عامة – على ما يرى الخصوم طرحه عليه من منازعاتهم فإذا لم يطلبوا إليه الحكم فى مسألة من المسائل حتى ولو كانت هذه المسألة متنازعا فيها بينهم

فإنه لا يملك التصدي لها والتطوع للفصل فيها إلا أن تكون من المسائل الأولية التي يتوقف على الفصل فيها الحكم فى النزاع المطروح عليه أو تكون متعلقة بالنظام العام حيث يوجب القانون عليه أن يتصدى لها من تلقاء نفسه أثارها الخصوم أو لم يثيروها

وتلك المسائل الأولية التي أوجب القانون تصفيتها قبل الحكم في النزاع المطروح على المحكمة هي التي قال أنصار فكرة القضاء الضمني إنها « السابقة أو المقدمة المنطقية للحكم الصريح أو أنها  النتيجة الحتمية للمنطوق الصريح » أو المضمون الحقيقي الذى بحسمه مشكلة تنحسم بالضرورة مشكلة أخرى

وتعليقا على ما ضرب من أمثلة للقضاء الضمني نقول

إن واجب القاضي يقتضيه قبل أن يحكم بصحة إجراءات تنفيذ سند – أن يتثبت من وجود هذا السند التنفيذي وأن يخضعه لتقديره وقوفا على مدى صحته وصلاحيته لإجراء التنفيذ كما أن واجبه يقتضيه – عند طلب الحكم ببطلان رهن بمقولة إنه تم بقصد الحيلولة بين المدعى والحصول على دينه – أن يتحقق من صحة قيام الدين المضمون بذلك الرهن وقضاؤه بالأجرة كاملة للمؤجر دون تجاوز عن بعضها يستوجب تثبته من أنها لم تدفع في الميعاد

وقضاؤه بنفقة للابن يقتضيه التحقق أولا من صحة نسبه لأبيه ولا يقدح في صحة ما نقول ما ذهب إليه رأى فى الفقه من أن  كل ما يسكت عنه الخصوم يعده القاضي قائما وصحيحا

نورمان ، اشار إلى هذا الراي دكتور وجدى راغب – المرجع السابق ص ٥٣٢

ذلك أن القضاء الذي تثبت به  حجية الأمر المقضى من سماته القطع والحسم وهو أمر لا يتحقق أبدا إذا سكت الخصوم وسكت القاضى ثم يقال بعد ذلك إن هذا المسكوت عنه حاز حجية وأن حكما ضمنيا صدر في نزاع هو في الحقيقة غير موجود اصلا

والأمر بالنسبة للمسائل الأولية أو كما يقول أنصار فكرة القضاء الضمني السوابق والمقدمات المنطقية – لا يخرج عن أحد افتراضين :

أحدهما أن يغفل القاضي عمدا أو سهوا تصفية المسألة الأولية التي يتوقف على الفصل فيها الحكم في النزاع المطروح عليه ، وفى هذه الحالة لا يسوغ فى العقل أو المنطق القول بأنه قضى في تلك المسألة ضمنا أو يفترض أنه أصدر فيها قضاء ضمنيا يحتج به في نزاع لاحق بين الخصوم أنفسهم

فكرة القضاء الضمني

وثانيهما أن يقوم القاضى بالتصدي للمسألة الأولية والفصل فيها قبل الحكم في المسألة المطروحة عليه ولا يتصور أبدا أن يكون مثل هذا القضاء ضمنيا لأنه طالما تصدى للمسألة وقطع برأي فيها فقوله الفاصل الحاسم لها يعتبر قضاء صريحا أيا كان موضعه من ورقة الحكم

عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ودعاوى الإيجارات ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص وطعون مجلس الدولة والنقض ليسانس الحقوق 1997

شاركنا برأيك أو أترك استفسارك القانوني