حجية الورقة العرفية في الاثبات ( الأحكام والشروط )

الأوراق العرفية المعدة للإثبات ، تتعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات ( الأحكام والشروط ) ، حجية الورقة العرفية في الاثبات موضوع هام يتماشى مع الواقع

حجية الورقة العرفية في الاثبات

ومن كثرة المعاملات والتعامل بالأوراق العرفية دون الرسمية ،  فالورقة العرفية عكس الورقة الرسمية لا حجية لها الا بالتوقيع ، ولو كان على بياض بشرط عدم خيانة الأمانة بكتابة بيانات أعلى التوقيع لم يتفق عليها

عناصر البحث – تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

هذا البحث القانوني يتعرض للأتى

  • كيفية اكتساب الورقة العرفية الحجية فيما بين أطرافها ، وعلى الغير
  • بيان معنى الغيرية بالنسبة للخلف العام والخلف الخاص 
  • بيان طرق الطعن على الورقة العرفية بالجهالة والانكار والتزوير 
  • مدى حق الغير في استعمال الدعوى المباشرة وغير المباشرة 
  • بيان مدى حجية الصورة الضوئية للورقة العرفية في الاثبات والاستثناء من ذلك
  • بيان متى تكون لهذه الصورة الضوئية حجية في الاثبات 
  • حكم حالة اذا كانت الصورة الضوئية من ورقة رسمية هل يكتفى بجحدها أم الصحيح الطعن بالتزوير على هذه الصورة الضوئية 
  • ماهية و معنى السند المؤيد للصورة ودوره في قطع التقادم ،

 

شروط صحة الأوراق العرفية وحجيتها فى الإثبات

تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

ما هى الشروط الواجب توافرها لصحة الورقة العرفية ؟

الإجابة – التوقيع هو الشرط الوحيد فى القانون المصرى

متى يكون للصورة الضوئية حجية في الاثبات ؟

الورقة العرفية المعدة للإثبات لا يشترط فى صحتها إلا توقيع من هى حجية عليه. فإذا كان العقد ملزماً للجانبين كالبيع ، وأثبت فى ورقة عرفية ، وجب توقيع كل من البائع والمشترى . وإذا كان ملزماً لجانب واحد كالوديعة ، وجب توقيع المودع عنده . وإذا كان مخالصة بالدين ، وجب توقيع الدائن . وهكذا .

ويكون التوقيع عادة بالإمضاء . ويجوز أن يكون ـ لا سيما بالنسبة إلى الأمين ـ بالختم أو ببصمة الأصبع . والختم لا يزال منتشراً فى مصر ، وفى القرى بوجه خاص ، لانتشار الأمية . وعيبه أن التقليد فيه أيسر منه فى الإمضاء . أما بصمة الأصبع فأكثر دقة . ولا يشترط فى الإمضاء أو الختم أن يوضع بالاسم الثابت فى ورقة الميلاد ، بل يكفى أن يوقع صاحب الشأن بالاسم الذى اعتاد أن يوقع به

ويوضع التوقيع عادة فى آخر الورقة حتى يكون منسحباً على جميع البيانات المكتوبة الواردة فيها . ولكن ليس من الضروري توقيع الإضافات والإحالات وما إليها كما هو الأمر فى الورقة الرسمية ، ويترك غير الموقع منها لتقدير القاضى من ناحية قوة الإثبات ، ولذلك يكون الأفضل توقيعها قطعاً للشك .

ويجب على صاحب الشأن أن يوقع بنفسه . فاذا وقع الورقة باسمه شخص كأمين سر أو مدير مكتب أو نحو ذلك ، فالتوقيع لا يصح والورقة باطلة لا حجية لها.

أما البيانات المكتوبة ـ ولابد من الكتابة إذ الورقة العرفية هى ورقة مكتوبة ـ فيصبح أن تكون بخط المدين أو الدائن أو أجنبى . وله أن يكتبها بأية لغة ، حتى بلغة اصطلاحية معروفة من أصحاب الشأن ، فاللغة العربية ليست ضرورية كما هو الأمر فى الورقة الرسمية .

ويجوز أن تكون الكتابة باليد أو بالطباعة بالآلة الكتابة أو بالفوتوغرافيات أو بأية طريقة أخرى

( أنظر المادة 145 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبناني )

وإذا كانت الكتابة باليد ، صح أن تكون بالمداد أو بالقلم الرصاص أو بأية مادة كاتبة أخرى . وكثير من الأوراق العرفية ، كعقود الإيجار والمخالصات وعقود التأمين واشتراكات المياه والنور وكثير من  عقود الإذعان ، تكون مطبوعة ، ويقتصر أصحاب الشأن بوجه عام على ملء الفراغ الذى يخصص العقد المقصود إبرامه .

ولا يشترط فى صحة الورقة العرفية أن تكون مؤرخة ، إلا فى حالات معينة نص عليها القانون كالكمبيالة والسند الأذني والشيك والتظهير . ولكن التاريخ فى الورقة العرفية بيان من البيانات الهامة ، فقل أن يغفله أصحاب الشأن ، وإلا شق عليهم بعد ذلك إثباته . بل إن تاريخ الورقة العرفية لا يكون حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً كما سنرى .

ويتبن مما قدمناه أن التوقيع هو الشرط الوحيد لصحة الورقة العرفية . فاذا لم يوضع التوقيع على الورقة ، لم تكن لها حجية فى الإثبات ( انظر المادة 143 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى )

ذلك أن الورقة العرفية إنما تستمد حجيتها من التوقيع وحده . والورقة العرفية غير الموقعة لا تصلح حتى مبدأ ثبوت بالكتابة ، إلا إذا كانت مكتوبة بخط المدين . وإذا تعددت التوقيعات ، فليس من الضروري أن توضع جميعها فى وقت واحد ، بل كل من وقع على الورقة يكون قد ارتبط بها ، إلا إذا تبين من الظروف أصحاب الشأن إنما أرادوا ألا يرتبطوا إلا بتوقيعهم جميعاً

وغنى عن البيان أن الورقة العرفية إذا كانت باطلة فلا يؤدى بطلانها إلى بطلان التصرف القانوني ذاته الذى قصد بالورقة أن تثبته ، بل يبقى هذا التصرف قائماً ويصح أن يكون جائز الإثبات بطرق أخرى .

قيمة التوقيع على بياض – تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

وقد يضع صاحب الشأن توقعيه على الورقة العرفية قبل كتابتها قبل كتابتها، فيقال عندئذ إنه وقع على بياض

ويكون قد قصد بذلك أن يعهد إلى الطرف الآخر أن يكتب فوق التوقيع البيانات التى اتفق معه على عناصرها الجوهرية وترك إليه استكمال تفصيلاتها على أسس معينة .

مثل ذلك أن يوقع شخص شيكاً على بياض لمصلحة شخص آخر له معه حساب جار ، ويعهد إليه أن يضع الرغم الدال على قيمة الشيك بمقدار ما على موقع الشيك من رصيد الحساب الجارى بعد تصفيته .

ومن ثم يكون من وقع على بياض قد وثق فى صاحبه واطمأن إلى أمانته ، ومن هنا يجئ الخطر فى التوقيع على بياض إذا خان الأمانة من اؤتمن .

ومهما يكن من أمر فان التوقيع على بياض صحيح . وهو من شأنه أن يكسب البيانات التى ستكتب بعد ذلك فوق هذا التوقيع حجية الورقة العرفية ، فان هذه الحجية تستمد كما قدمنا من التوقيع لا من الكتابة ، فيستوى أن تكون الورقة قد كتبت قبل التوقيع أو بعده .

والمهم أن من يوقع الورقة يوقعها بخطه ، ويقصد من توقيعها أن يرتبط بالبيانات التى سترد فى الورقة .

على أن من يؤتمن على هذا التوقيع يجب عليه أنت يرعى الأمانة ، فلا يضع فى الورقة بيانات غير ما اتفق عليه مع الموقع ، وإلا عوقب جنائياً

أما الناحية المدنية ، فعبء إثبات تسليم الورقة الموقعة على بياض وخيانة من تسلمها يقع على من وضع توقيعه على بياض . ويراعى فى ذلك القواعد المقررة فى الإثبات .

ذلك أنه إذا ما كتبت الورقة البيضاء بعد التوقيع عليها ، أصبحت قيمتها فى الإثبات قيمة الورقة العرفية التى لم توقع إلا بعد أن تمت كتابتها .

ولكن يبقى للمدين الحق فى أن يثبت أنه إنما سلم توقيعه على بياض للدائن وأن ما كتبه هذا فـوق التوقيع لم يكن هـو المتفـق عليـه بينهـما . ويكـون إثبـات ذلك طبقـاً للقواعـد العامـة ، أى أنـه لا يجـوز إثبات عكس المكتوب إلا بالكتابة ، فإذا استطاع هذا الإثبات ، فقدت الورقة حجيتها فيما بينهما .

ولكنها لا تفقد هذه الحجية بالنسبة إلى الغير حسن النية ، فمن تعامل مع متسلم الورقة معتقداً أنها ورقة صحيحة ، فحولت إليه مثلا ، جاز له أن يتمسك بحجية الورقة فى حق من وقع على بياض  ، ويرجع الموقع ، على من أساء استعمال توقيعه

ولكن إذا كان التوقيع على بياض ذاته قد تم الحصول عليه من غير علم صاحب التوقيع ، ولم يقصد الموقع أن يسلم توقيعه على بياض إلى من أساء استعمال هذا التوقيع ، بل حصل عليه هذا خلسة ، كان التوقيع نفسه غير صحيح ، وكانت الورقة باطلة ، وعوقب من أساء استعمال التوقيع بعقوبة التزوير ( المادة 340 عقوبات ).

ولصاحب التوقيع أن يثبت هذا الاختلاس بجميع الطرق ، ومنها البينة والقرائن ، لأنه إنما يثبت غشاً . فاذا ما أثبت ذلك فان الورقة تسقط حجيتها فى حقه بعد أن انكشف بطلانها على ما قدمنا .

بل إن الغير حسن النية الذى تعامل مع المختلس على أساس أن الورقة صحيحة لا يستطيع أن يتمسك بحجية الورقة فى حق صاحب التوقيع ، ذلك أن صاحب التوقيع لم يسلم توقيعه على بياض للمختلس ، كما فعل ف الحالة السابقة ، بل اختلس منه التوقيع اختلاساً ، فلا يمكن أن ينسب إليه أى إهمال

المشرع المصرى لم يشترط تعدد النسخ كما اشترط القانون الفرنسي – حجية الورقة العرفية في الاثبات

شرطـان آخـران لصحـة الورقـة العرفيـة في التقنيـن المدنى الفرنسي :

ويشترط التقنيـن المدني الفرنسي لصحـة الورقـة العرفية ، فـوق التوقيـع ،  شرطين آخرين لم يشترطهما التقنين المدنى المصرى.

أما الشرط الأول فقد نصت عليه المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسي ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة للجانبين لا تكون صحيحة إلا إذا تعددت نسخها بقدر تعدد أطراق العقد ذوى المصالح المستقلة ، ويجب أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت من هذا السند .

فاذا كان العقد بيعاً مثلا ، وكان كل من البائع والمشترى شخصاً واحداً ، فانه يجب أن يكتب من عقد البيع نسختان ، إحداهما للبائع والخرى للمشترى ، فاذا تعدد النسخ التى تعطى للبائعين أو تعطى للمشترين بقدر تعددهم ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه

ثم إن لا يكفى تعدد النسخ ، بل يجب أيضاً ، كما قدمنا ، أن يذكر فى كل نسخة عدد النسخ التى حررت ، وذكر هذا العدد موقعاً عليه من الخصم هو الذى يثبت تعدد النسخ وفقاً لما يتطلبه القانون حتى فى حالة امتناع هذا الخصم عن تقديم النسخة التى احتفظ بها .

فاذا لم تتعدد النسخ ، أو لم يذكر عددها فى كل نسخة ، كانت الورقة العرفية باطلة كدليل للإثبات. ولا يوجد نص فى التقنين المدنى المصرى كما قدمنا ـ لا فى القديم ولا فى الجديد ـ يقابل نص المادة 1325 من التقنين المدنى الفرنسي المتقدمة الذكر

فلا يشترط إذن فى القانون المصرى تعدد النسخ فى العقود الملزمة للجانبين ، وإذا كتبت نسخة واحدة كانت دليلا كتابياً كاملا يجوز لكل من المتعاقدين أن يتمسك به. ولكن الضرورة العملية تقضى فى أكثر الأحيان أن تكتب نسخ بقدر عدد المتعاقدين ذوى المصالح المتعارضة ، حتى يحتفظ كل متعاقد بنسخة لنفسه دليلا على حقه

وأما الشرط الثاني فقد نصت عليه المادة 1326 من التقنين المدنى الفرنسي ، إذ تقضى بأن الأوراق العرفية التى تثبت عقوداً ملزمة لجانب واحد يجب إما أن تكتب كلها بخط المدين ، أو فى القليل أن يكتب المدين بخطه قيمة الالتزام ـ حروفاً لا أرقاماً ـ مسبوقة بعبارة يعتمد بها المدين التزامه ، وتكون عادة إحدى هاتين العبارتين :

Bom pour أو approuve pour ، ثم يوقع المدين بإمضائه هذه العبارة ، وهذا التوقيع ينسحب على الاعتماد وعلى مشتملات الورقة فى وقت واحد .

والعقود الملزمة لجانب واحد التى تخضع لهذا الشرط هى العقود التى يكون محل الالتزام فيها مبلغاً من النقود أو جملة من الأشياء المثلية التى تعد أو تقاس أو توزن أو تكال ، حتى يستطاع تقدير محل الالتزام برقم هو الذى يكتبه المدين بخطه حروفاً

ولا مقابل لهذا النص أيضاً فى التقنين المصرى ، لا القديم ولا الجديد ، فلا يكون هذا الشرط لازماً لصحة الورقة العرفية فى مصر

وتقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ، دون سائر التقنيات العربية ، يشترط فى الورقة العرفية هذين الشرطين اللذين يشترطهما التقنين الفرنسي ( أنظر المادتين 146 و147 من تقنين أصول المحاكمات المدنية اللبنانى ) .

معنى وأحكام حجية الورقة العرفية فى الإثبات

يتضمن هذا الجزء  حجية الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين ، ثم فى حجيتها فى الإثبات بالنسبة على الغير ، ثم فى حجية صور الورقة العرفية فى الإثبات ، ولا محل للكلام فى افتراض عرفية الورقة كما فى افتراض رسميتها .

ذلك أن الرسمية لها أوضاع وإجراءات إذا اختلت بطلت الورقة ، فكان من ذلك أنه متى كانت مظاهرها الخارجية تنبئ بأنها ورقة رسمية اعتبرت كذلك ، وافترض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت حتى يثبت ذو المصلحة أنها لم تراع .

أما الورقة العرفية فلا يشترط لصحتها مراعاة أوضاع وإجراءات معينة ، فلا محل إذن لافتراض أن هذه الأوضاع والإجراءات قد روعيت.

حجية الورقة العرفية فيما بين الطرفين – حجية الورقة العرفية في الاثبات

النصوص القانونية ( هذه المادة عندما كان القانون المدنى يتضمن مواد الاثبات قبل فصله علم بقانون مستقل عام 1968 والمادة كما هى فى قانون الاثبات برقم 14 )

تنص المادة 394 من التقنين المدنى على ما يأتى :

(( تعتبر الورقة العرفية صادرة ممن وقعها ما لم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة . أما الوارث أو الخلف فلا يطلب منه الإنكار ، ويكفى أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق))

ويتبين من هذه النصوص

  • ( أولا ) أن الورقة العرفية حجة على الناس كافة ، فيما بين الطرفين وبالنسبة إلى الغير . وسنبحث حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير فيما يلى .
  • ( ثانياً ) فيما بين الطرفين ، تكون للورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، حجية قائمة إلى أن ينكرها صاحب التوقيع . ومن حيث صحة ما ورد بها من الوقائع فى ذاتها ، تكون للورقة العرفية حجية قائمة إلى أن يثبت العكس .
  • وهذه هى قوة الورقة العرفية فى الإثبات فيما بين الطرفين . ونتناول الآن هذه المسألة بشقيها .

حجية الورقة العرفية من حيث صدورها ممن وقع عليها – حجية الورقة العرفية في الاثبات

إذا احتج ذو شأن بورقة عرفية على من تحمل توقيعه ، فان صاحب التوقيع إما أن يعترف بأن التوقيع له وأن الورقة صادرة منه ، وإما أن ينكر أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، وإما إن يخرج بالسكوت عن الاعتراف أو الإنكار .

ومقتضى نصى المادة 394 السابقة الذكر أن السكوت هو بمثابة الاعتراف . وإذا أراد صاحب التوقيع أن ينفى صدور الورقة منه ، فعليه أن ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أ بصمة .

فإذا اعترف صاحب التوقيع بصدور الورقة منه ، أو سكت ولم ينكر صراحة صدورها ، اعتبرت الورقة صادرة منه ، واعتبر التوقيع توقيعه والخط المنسوب إليه خطه ، وتصبح الورقة العرفية ، من حيث صدورها ممن وقع عليها ، فى قوة الورقة الرسمية . ولا يجوز لصاحب التوقيع أن يعود بعد ذلك إلى الإنكار ، إلا أن يطعن بالتزوير .

أما إذا أنكر صراحة توقيعه أوخطه ، فأنكر بذلك أن الورقة كلها أو بعضها صادرة منه ، فعلى المحتج بالورقة عبء إثبات صدورها من صاحب التوقيع ، وذلك بأن يطلب إحالة الورقة على التحقيق . وفقاً لإجراءات رسمها تقنين المرافعات فى تحقيق التوقيع والخطوط

والإنكار إنما يرد على الأوراق العرفية ، أما ادعاء التزوير فيرد على جميع الأوراق الرسمية والعرفية (م 261 مرافعات) . ومعنى ذلك أن الورقة العرفية تحتمل الطعن بالتزوير والإنكار .

فلصاحب التوقيع أن يكون هو المهاجم ، فيطعن فى الورقة العرفية بالتزوير ، ويقع عليه عندئذ عبء الإثبات . وله كما بينا ، أن يقتصر على إنكار الورقة ، فيلجأ المحتج بها إلى إجراءات تحقيق الخطوط ، ويقع عليه لا على صاحب التوقيع عبء الإثبات .

أما إذا كانت الورقة رسمية ، ويقع عليه لا على صاحب التوقيع عبء الإثبات . أما إذا كانت الورقة رسمية ، فلا يستطيع صاحب التوقيع إنكار صدروها منه إلا إذا طعن فى الورقة بالتزوير.

والذى يبرر هذا الفرق في الحكم بين الورقة الرسمية والورقة العرفية

أن الورقة الرسمية تحمل توقيع الموظف العام الذى وثقها ، وفى هذا الموظف من الضمانات وعليه من المسئولية ما يسمح بافتراض صحة صدور الورقة الرسمية من صاحب التوقيع .

فاذا أراد هذا أن ينكر صدور الورقة منه ، فعليه هو عبء الإثبات ولا سبيل له إلا الطعن بالتزوير . أما الورقة العرفية فلا يتوافر فيها هذه الضمانات ، بل هى ورقة تحمل توقيعاً يقول المتمسك بها أنه توقيع خصمه ، فاذا أنكر هذا الخصم لم يكن عليه هو أن يحمل عبء الإثبات ، بل المتمسك بالورقة هو الذى يحمل هذا العبء فيثبت أن الورقة صادة حقاً صادرة حقاً من صاحب التوقيع عن طريق إجراءات تحقيق الخطوط .

وإذا أنكر صاحب التوقيع صدور الورقة العرفية منه ، ثم أثبت التحقيق أنه هو الذى وقعها ، صارت هذه الورقة العرفية ، كالورقة التى اعترف بها أو سكت عن إنكارها ، فى قوة الورقة الرسمية . وفى جميع الأحوال ، سواء اعترف بالورقة أو سكت عن إنكارها أو أنكرها وأثبت التحقيق صدورها منه ، يجوز له أن يطعن فى هذه الورقة العرفية بالتزوير ، كما يجوز له ذلك فى الورقة الرسمية ، ويحمل هو عبء إثبات تزويرها

حجية الورقة العرفية من حيث صحة الوقائع التى وردت بها – حجية الورقة العرفية في الاثبات

ويجب التمييز بين صدور البيانات المدونة فى الورقة العرفية ممن وقعها  ـ وهذه كما رأينا تقوم عليها قرينة مؤقتة تسقط بمجرد إنكار الورقة دون حاجة إلى الطعن بالتزوير ـ وبين صحة هذه البيانات فى ذاتها ، وهل هى وقائع جدية أو هى صورية .

فاذا كانت الورقة العرفية تثبت مثلا أن بيعا صدر من شخص إلى آخر وأن المشترى قبض الثمـن ، افترض أن هذه الوقائـع جميعهـا جديـة غير صورية ، وكان ذكرها فى الورقة العرفية قرينة على أنها صحيحة .

ولكنها قرينة يجوز دحضها بإثبات العكس. فلصاحب التوقيع أن يثبت فى مواجهة الطرف الآخر أن البيع صوري أو أن الثمن لم يقبض . ولا يقتصر صاحب التوقيع هنا على الإنكار ـ كما فعل عندما أنكر صدور الورقة منه ـ بل يقع عليه عبء إثبات العكس طبقاً للقواعد العامة . ومن هذه القواعد أنه لا يجوز ، بالنسبة إلى الطرف الآخر ، إثبات ما يخالف الكتابة أو ما يجاوزها إلا بالكتابة .

ويدخل فى صحة الوقائع صحة تاريخ الورقة العرفية . فالتاريخ الذى تحمله هذه الورقة تفترض صحته ، حتى يثبت صاحب التوقيع أنه غير صحيح وأن حقيقته كذا ، ولا يثبت هنا أيضاً ما يخالف المكتوب إلا بالكتابة.

كذلك قيام التصرف القانونى فى ذاته ، من صحة ونفاذ وغير ذلك ، كل هذا ينفتح باب الطعن فيه أمام صاحب التوقيع ، ولا يمنعه اعترافه بصدور الورقة منه من أن يطعن فى التصرف القانونى ـ لا فى الورقة ـ بالغلط أو بالتدليس أو بالإكراه أو بعدم مشروعية السبب أو بأى موضوعى أو شكلى آخر .

حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير – حجية الورقة العرفية في الاثبات

تعريف مبدئي للغير

الغير هنا ـ كالغير فى حجية الورقة الرسمية ـ هو كل شخص يجوز أن يسرى فى حقه التصرف القانونى الذى تثبته الورقة ، ومن ثم يصح أن يحتج عليه بهذه الورقة كدليل على التصرف الذى يراد أن يسرى فى حقه .

وهو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن ، وسنرى أن (( الغير )) تضيق دائرته فى حجية تاريخ الورقة العرفية ،

ونستعـرض حجيـة الورقـة العرفيـة بالنسبـة إلى الغـير ـ كمـا استعرضناها فيما بين الطرفيـن

  1. ( ا ) من حيث صحـة صدورهـا من صاحب التوقيـع .
  2. ( ب ) ومـن حيث صحة الوقائع التى وردت بالورقة . ونضيف مسألة ثالثة لها هنا أهميـة خاصـة
  3. ( جـ ) ومن حيث صحة التاريخ الذى تحمله الورقة .
( ا ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صدورها ممن قوع عليها

هى نفس الحجية فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فتعتبر الورقة العرفية ، بالنسبة إلى الخلف العام ( الوارث والموصي له بجزء من التركة ) والخلف الخاص والدائن ، صادرة من صاحب التوقيع إلى أن ينكر ـ صاحب التوقيع لا الغير ـ صدروها منه دون حاجة إلى أن يطعن فيها بالتزوير.

أما إذا اعترف بالورقة أو سكت ، فقد أصبحت الورقة حجية عليه وعلى الغير معاً ، وإذ أراد هو ، أو أراد الغير ، إنكارها بعد ذلك فلا سبيل إلا الطعن بالتزوير

وإذا احتج بالورقة العرفية بعد موت صاحب التوقيع على الوراث أو الموصى له أو الخلف الخاص أو الدائن ، فان هؤلاء لا يطلب منهم إنكار صريح ، كما كان يطلب من صاحب التوقيع ، لإسقاط حجية الورقة العرفية ، بل يكتفى من أى منهم ، حتى لا تكون الورقة حجة عليه إلا بعد التحقيق ، أن يحلف يميناً بأنه لا يعلم أن الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة هى لمن تلقى عنه الحق ، وهذا بعد كل ما يستطيع أن يؤكده ، فلا يطلب منه أكثر من ذلك

( ب ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صحة الوقائع التى وردت بها

وهنا الحجية أيضاً هى نفس الحجية فيما بين الطرفين على النحو الذى قدمناه . فللوارث مثلا أن يثبت صورية الوقائع الواردة فى الورقة العرفية وفقاً للقواعد المقررة فى للإثبات.

وكذلك يفعل الخلف الخاص والدائن ، ويلاحظ هنا أن كلا من هذين يعتبر من الغير فى الصورية ، فله أن يثبتها بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن ، ولهؤلاء جميعاً أن يدفعوا التصرف القانونى الذى تثبته الورقة العرفية بجميع الدفوع الموضوعية والشكلية التى كانت لصاحب التوقيع . فلهم أن يطلبوا إبطال التصرف لنقص الأهلية أو للغلط أو التدليس أو الاكراه أو الاستغلال

ولهم أن يدفعوا ببطلان التصرف لعدم مشروعية المحل أو السبب أو لعدم استيفاء الشكل ، ولهم أن يتمسكوا بانقضاء الالتزام بالوفاء أو بغيره من أسباب الانقضاء ، إلى غير ذلك من الدفوع ، أما صحة التاريخ الذى تحمله الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير فله شأن آخر ، وهو م ننتقل الآن إليه .

( جـ ) حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير من حيث صحة التاريخ الذى تحمله الورقة

هذه هى أهم مسألة فى حجية الورقة العرفية بالنسبة إلى الغير . فالورقة العرفية تحمل تاريخاً معيناً ، يفترض فيما بين الطرفين أنه هو التاريخ الصحيح حتى يثبت العكس . فهل للتاريخ هذه الحجية بالنسبة إلى الغير ؟

ظاهر أن هذا لا يمكن التسليم به . فقد يكون الطرفان متواطئين فى تقديم التاريخ أو فى تأخيره لتحقيق غرض معين . يتواطآن فى تقديم التاريخ حتى يتفاديا مثلا الطعن بالدعوى البوليصية من دائن تاريخ سنده متقدم على البيع الذى تشهد به الورقة العرفية فيقدمان تاريخ الورقة حتى يكون البيع أسبق من سند الدائن

فلا يستطيع هذا أن يطعن فى البيع بالدعوى البوليصية . أو يقدمان تاريخ البيع حتى لا تطعن الورثة بأنه وقع فى مرض الموت . وقد يتواطآن فى تأخير التاريخ حتى يتفاديان الطعن فى التصرف بنقص الأهلية ، فيؤخرا تاريخ الورقة ليخفيا أن أحد المتعاقدين كان قاصراً وقت التعاقد.

فصل هام عن حجية تاريخ الورقة العرفية على الغير – بالدعوى البوليصية

فالمعقول إذن ألا يكون تاريخ الورقة العرفية حجة على الغير إلا إذا كان ثابتاً على وجه قاطع ، وعلى هذا جرى نص القانون .

وحتى نتناول هذه المسألة بالبحث نستعرض أولا نص القانون ، ثم نحدد ثانياً من هو المقصود بالغير ، ثم نبين ثالثاً ما هى الأوراق العرفية التى تخضع لتطبيق القاعدة ، ثم نتكلم أخيراً فى الطرق التى يصبح بها التاريخ ثابتاً فى هذه الأوراق.

( أولا ) النصوص القانونية

تنص المادة 395 من التقنين المدنى على ما يأتى : يقابلها المادة 15 اثبات

1 ـ لا تكون الورقة العرفية حجة على الغير فى تاريخها إلا منذ أن يكون لها تاريخ ثابت . ويكون تاريخ الورقة ثابتاً :

  • ( ا ) من يوم أن تقيد بالسجل المعد لذلك
  • ( ب ) من يوم أن يثبت مضمونها فى ورقة أخرى ثابتة التاريخ
  • ( جـ ) من يوم أن يؤشر عليها موظف عـام مختص
  • ( د ) من يوم وفاة أحد ممن لهم على الورقة أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة ، أو من يوم أن يصبح مستحيلا على أحد من هؤلاء أن يكتب أو يبصم لعلة فى جسمه ، وبوجه عام من يوم وقوع أى حادث آخر يكون قاطعاً فى أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه )) .

2 ـ ومع ذلك يجوز للقاضى تبعاً للظروف ألا يطبق حكم هذه المادة على المخالصات

( ثانياً ) المقصود (( بالغير )) فى تاريخ الورقة العرفية

ليس (( الغير )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية هو نفس (( الغير )) بالنسبة إلى حجية البيانات الأخرى الواردة فى هذه الورقة

فقد رأينا أن الغير فى الحالة الثانية هو بوجه عام الخلف العام والخلف الخاص والدائن ، أى كل شخص يجوز ان يحتج عليه بها .

أما الغير بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية فهو أخص من ذلك . ويجب أن نستمد تحديد منطقته من الوضع الذى هو فيه ، ويحسن قبل أن نحدد هذا (( الغير )) أن نحدد أولا من لا يعتبر (( غيراً )) ، ثم ننتقل بعد ذلك إلى تحديد (( الغير )) .

من لا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية

لا يعتبر (( غيراً )) ، فيحتج عليه بتاريخ الورقة العرفية وذلك إلى أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ، كل من كان ممثلا فى التصرف الذى تشهد به الورقة . ومن ثم لا يعتبر (( غيراً )) :

( 1 ) الطرفان فى الورقة العرفية

فهذان يكون التاريخ العرفى للورقة حجة عليهما .

فاذا كان أحدهما قاصراً أو محجوراً عليه ، واتفق الطرفان على تأخير التاريخ حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت القصر ، أو على تقديمه حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت القصر، أو على تقديمه حتى لا ينكشف أن التصرف قد صدر وقت الحجر ، كان التاريـخ المؤخر أو المقدم حجة عليهما ، إلا أن يثبت ذو المصلحة منهما أن التاريخ غير صحيح .

ولما كان تأخير التاريخ أو تقديمه قد وقع هنا تهرباً من أحكام القانون ، فانه يجوز إثبات ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن

(2) الأصيل إذا كان أحد أطراف الورقة العرفية هو نائبه

سواء كانت النيابة اتفاقية كالوكيل أو قضائية كالحارس القضائى أو قانونية كالولي والوصي والقيم . فتاريخ الورقة العرفية التى يوقعها النائب يكون حجة على الأصيل ولو لم يكن تاريخاً ثابتاً ، إلا إذا أثبت الأصيل عدم صحة التاريخ وأنه قدم مثلا حتى لا ينكشف أن التصرف صدر فى وقت كانت النيابة فيه قد انقضت

وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن بسبب ما انطوى عليه تقديم التاريخ من الغش .

وهو لا يعتبر (( غيراً )) لأنه كان ممثلا فى التصرف الذى أبرمه النائب لحسابه ، فيكون التاريخ العرفى لهذا التصرف حجة عليه إلى أن ثبت أنه غير صحيح.

(3) الوراث وكل خلف عام

كالموصي له بحصة من التركة . ذلك أن الخلف العام يعتبر مثلا فى جميع العقود التى يبرمها السلف ، فتسرى فى حقه هذه التصرفات أياً كان تاريخها إلى يوم موت المورث .

وما دام أنه كان ممثلا فى التصرف ، فلا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخه . فالبيع المدون فى ورقة عرفية الصادر من المورث يكون حجة فى تاريخه العرفى على الوراث كما هو حجة على المورث ، ومن ثم لا تعتبر العين المبيعة جزءاً من التركة يمتد إليها حق الوراث

وإذا باع شخص داراً بورقة عرفية غير ثابتة التاريخ ، وكان هذا التاريخ يكون حجة على السفيه وعلى ورثته جميعاً ، ولا يستطيع أحد منهم أن ينقضى هذه الحجية إلا إذا أثبت أن التاريخ قد قدم عمداً حتى يصور البيع واقعاً فى وقت لم يكن فيه البائع محجوراً عليه ، وأن التاريخ الحقيقى كان بعد تسجيل قرار الحجر ( م 114 ـ 115 مدنى ) .

ولما كان تقديم التاريخ فى هذه الحالة يعتبر غشاً ، فيجوز للوارث إثبات عدم صحته بجميع الطرق

والوارث لا يعتبر (( غيراً )) بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ك

يستوى فى ذلك أن يدفع البيع الصادر من مورثه بمقولة إنه صدر بعد تسجيل قرار الحجر للسفه ، أو بمقولة أنه صدر من المورث وهو فى مرض الموت . فى الحالتين معاً يكون التاريخ غير الثابت حجة عليه .

وفى الحالتين معا يستطيع أن يثبت عدم صحة التاريخ بجميع طرق الإثبات ، ما دام أن هذا التاريخ قد قدم غشاً لإخفاء أن البيع إنما صدر بعد تسجيل قرار الحجر أو صدر فى مرض الموت . ولا يعتد ـ فى صدد حجية التاريخ ـ بأن الوارث فى حالة الحجر إنما يهاجم البيع باعتباره خلفاً لمورثه فيستمد منه هذا الحق كما لو كان المورث هو الذى يهاجم البيع

وهو فى حالة مرض الموت إنما يهاجم البيع بمقتضى حق له خاص استمده من القانون ضد المشترى والمورث جميعاً . لا يعتد بهذا الفرق ، قلنا ، فى صدد حجية التاريخ ، وإنما يعتد به فى صدد سريان البيع . فاذا أثبت الوارث أن البيع قد صدر بعد تسجيل قرار الحجر ، جاز له ، باسم مورثه ، أن يطلب إبطال البيع للسفه .

أما إذا أثبت أن البيع قد صدر فى مرض الموت ، جاز له ، باسمه هو لا باسم مورثه ، أن يطلب عدم سريان البيع فى حقه فيما زاد على ثلث التركة .

وهذا بخلاف حجية التاريخ ، فيستوى فيها أن يهاجم الوراث التصرف الصادر من مورثه المحجور بمقتضى حق استمده منه وخلفه عليه ، أو يهاجم التصرف الصادر من مورثه وهو فى مرض الموت بمقتضى حق شخصى استمده من القانون . ففى الحالتين توافرت له المصلحة فى مهاجمة التصرف .

وإذا كانت هذه المصلحة قد استمدها من مورثه فى الحالة الأولى ومن شخصه فى الحالة الثانية ، فان هذا لا يمنع من أنه ليس (( غيراً )) فى الحالتين ، فيحتج عليه فيهما معاً بالتاريخ العرفى للتصرف الصادر من مورثه إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح

والذى أوقع اللبس فى هذه المسألة هو الخلط ما بين (( الغيرية )) فى سريان التصرف (( والغيرية )) فى ثبوت التاريخ .

فالوارث ، فى تصرفات مورثه الصادرة فى مرض الموت ، يعتبر (( غيرا )) من ناحية سريان هذه التصرفات فى حقه ، فهى لا تسرى عليه فيما يجاوز ثلث التركة . ولا يعتبر (( غيراً )) من ناحية ثبوت التاريخ ، فيحتج عليه بالتاريخ العرفى للتصرف الصادر من مورثه إلى أن يثبت أن هذا التاريخ غير صحيح

أما القضاء المصرى فى هذه المسألة فهو متردد مضطرب 

بدأ يأخذ بالرأي الصحيح . ثم رجع عنه إلى الرأى الخاطئ . ثم وقف بين الرأيين :

فهو من الناحية العملية على هدى من أمره إذ يجعل تاريخ التصرف الصادر فى مرض الموت حجة على المورث إلى أن يثبت عدم صحته ، وهو من الناحية الفقهية يبدو أنه خلط ـ ولا يزال يخلط ـ بين (( الغيرية )) فى سريـان التصرف و (( الغيرية )) فى ثبوت التاريخ

وتأثر التقنين المصرى الجديد بهذا القضاء فى مرحلته الأخيرة . فنصت الفقرة الثانية من المادة 916 على ما يأتى :

(( وعلى ورثة من تصرف أن يثبتوا أن العمل القانونى قد صدر من مورثهم وهو فى مرض الموت ، ولهم إثبات ذلك بجميع الطرق . ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً )) .

فالأصل أن الوارث يحتج عليه بتاريخ التصرف الصادر من مورثه ، ولو لم يكن هذا التاريخ ثابتاً . ولكن إذا ادعى أن التصرف قد صدر من مورثه وهو فى مرض الموت ، كانت له مصلحة فى إثبات عدم صحة التاريخ وله أن يثبت ذلك بجميع الطرق

ومنها البينة والقرائن ، لما ينطوى عليه تقديم تاريـخ التصـرف من غش أريد به الإخلال بحقه الشخصى فى الميراث .

إلى هنا ونص التقنين الجديد مستقيم .

لكن تأتى بعد ذلك العبارة الأخيرة :

( ولا يحتج على الورثة بتاريخ السند إذا لم يكن هذا التاريخ ثابتاً )) ، وهى عبارة غير صحيحة على إطلاقها . إن أريد بها ـ كما هو ظاهر العبارة ـ إن التاريخ العرفى للتصرف الصادر من المورث لا يحتج به على الورثة ، فهذا غير صحيح ,

وقد رأينا أن هذا التاريخ حجة على الوارث إلى أن يثبت عدم صحته . وإن أريد بها ـ كما هو التأويل المستخلص من سياق النص ـ أن التاريخ العرفى لا يحتج به على الوارث إلى الحد الذى يمنعه من إثبات العكس بل يجوز له ما دام التاريخ غير ثابت أن يقيم الدليل على عدم صحته ، فهذا صحيح ، ولكن فيم الحاجة إلى إيراد هذا

ونرى من ذلك أن الدائن العادي هد يعنيه التاريخ الذي صدر فيه تصرف مدينه ، ولكن لا ليكون ” غيراً ” ما دام المدين قد مثله في هذا التصرف ، بل لأن له مصلحة تخول له ، مع بقاء التاريخ العرفي حجة عليه ، أن يثبت عدم صحته .

ويتحقق ذلك في دعويين 

الدعوى غير المباشرة والدعوى البوليصية .

أما في الدعوى غير المباشرة

فالدائن يطال بحق لمدينه المعسر ، تعمد هذا المدين عدم المطالبة به إضراراً بدائنة ، أو في القليل أهمل في المطالبة غير مبال بما يترتب على هذا الإهمال من مساس بالضمان العام الذي لدائنه على أمواله .

هنا يتقدم الدائن ، نائباً عن المدين والنيابة أضفيت عليه بحك القانون ، لمطالبة مدين مدينه بهذا الحق . فهو يعمل بمقتضى ماله من ضمان عام على أموال مدينه ، ولا يزال باقياً في هذه المرحلة التمهيدية لم يجتزها إلى مرحلة التنفيض ، ومن ثم لا يكون الدائن في هذه الحالة ” غيراً ” إلى تاريخ الأوراق العرفية الصادرة من مدينه إلى مدين المدين .

فإذا تقدم مدين المدين ، في الدعوى غير المباشرة ، بورقة عرفية صادرة من المدين تفيد إبراءه من الدين مثلا ، كان التاريخ العرفي لهذه الورقة حجة على الدائن كما هو حجة على المدين . فالدائن ليس ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ هذه الورقة ، ولا يشترط أن يكون هذا التاريخ ثابتاً ليكون حجة عليه

وذلك لسببين :

السبب الأول أن الدائن إنما يعمل نائبا عن المدين فما يحتج به على المدين يحتج به على الدائن .

والسبب الثاني أن الدائن في الدعوى غير المباشرة لم يفعل غير أن يحافظ على ضمانه العام ، فهو لم ينتقل كما قدمنا إلى مرحلة التنفيذ كما هو شأن الدائن الحاجز الذي انتقل بالحجز إلى هذه المرحلة ،

فإذا سلم أن الدائن الحاجز يصبح بالحجز ” غيراً ” كما سنرى ، فإن ذلك لا يستتبع أن يكون الدائن الذي يباشر الدعوى غير المباشرة من ” الغير ” على أنه يلاحظ أن الدائن إذا لم يكن  ” غيراً ” في الدعوى غير المباشرة ،

وأنه يحتج عليه بالتاريخ العرفي للورقة المثبتة للإبراء الصادرة من مدينه ، إلا أنه يستطيع – كما يستطيع المدين – أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ وأنه قدم حتى يقع الإبراء في وقت سابق على رفع الدعوى غير المباشرة .

وله في هذه الحالة أن يثبت تقديم التاريخ بجميع الطرق ومنها البينة والقرائن لما انطوى عليه من الغش . وعمد ذلك يستطيع أن يطعن في الإبراء بالدعوى البوليصية ليجعله غير سار في حقه

أما الدعوى المباشرة – الدعوى البوليصية

وفيها أيضاً لا يعتبر الدائن من ” الغير ” .

فهو ، وإن لم يكن يعمل في هذه الدعوى – كما كان يعمل في الدعوى غير المباشرة – كنائب عن المدين ، بل يعمل باسمه الشخصي ، إلا أنه لا يزال دائناً عادياً لم ينتقل بعد إلى مرحلة التنفيذ .

صحيح هو يعمل بمقتضى حق خاص أعطاه له القانون ، ولكن شأنه في ذلك هو شأن الوارث الذي طعن في تصرفات مورثه الصادرة في مرض الموت ، كلاهما يعمل بمقتضى حق خاص به وهذا الحق الخاص هو الذي تقوم عليه مصلحته في الطعن .

ولا يزال الدائن الذي يباشر الدعوى البوليصية واقفاً عند مرحلة التمهيد للتنفيذ ، شأنه في ذلك شأن الدائن الذي يباشر الدعوى غير المباشرة ، كلاهما يعمل بمقتضى حق الضمان العام ، وكلاهما دون مرتبه الدائن لحاجز الذي انتقل بالحجز إلى مرحلة التنفيذ .

وفي المثال المتقدم إذا أبرأ المدين مدينه من الدين بورقة عرفية تاريخها غير ثابت ، كان هذا التاريخ حجة على الدائن ، لا عند مباشرته الدعوى غير المباشرة فحسب ، بل أيضاً عند مباشرته للدعوى البوليصية .

ويستطيع الدائن هنا أيضاً أن يثبت عدم صحة التاريخ ، بجمع الطرق ، ليصل إلى إثبات أن تاريخ الإبراء متأخر – لا عن تاريخ مباشرته للدعوى غير المباشرة كما كان يفعل عندما كان يباشر هذه الدعوى – بل عن تاريخ نشوء حقه وهو الآن يباشر الدعوى البوليصية .

ونرى من ذلك أن الدائن في الدعوى البوليصية ليس ” غيراً ” ، فيحتج عليه بالتاريخ العرفي لتصرف مدينه ، إلى أن يثبت عدم صحته

ونطبق هذا الحكم على مثل آخر :

يبيع المدين بورقة عرفية سيارة يملكها ، فيطعن الدائن في هذا التصرف بالدعوى البوليصية . فلا الدائن يعتبر ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، ولا المشترى يعتبر ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية فلما قدمناه .

وينبني على ذلك أن هذا التاريخ يكون حجة عليه ولو لم يكن ثابتاً ، وذلك إلى أن يقيم الدليل على أنه قد قدم غشاً ليكون سابقا علي حقه تفادياً للدعوى البوليصية . وأما أن المشترى لا يعتبر ” غيرا ” بالنسبة إلى تاريخ نشوء حق الدائن ، فذلك لأن المشترى قد تركز حقه في السيارة التي اشتراها ولم يتركز حق الدائن في هذه السيارة بالذات ، إذ هي لا تعدو أن تكون داخلة في ضمانه العام وليس له عليها حتى الآن حق الدائن الحاجز .

فليس ثمة تعارض بين حق الدائن وحق المشترى الذي تركز في السيارة بعينها ، وهذا التعارض شرط في ” الغير كما سنرى . وينبني على أن المشترى لا يعتبر ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ نشوء حق الدائن أن هذا التاريخ يكون ، هو أيضاً ، حجة عليه ولو لم يكن ثابتاً ، وذلك إلى أن يقيم الدليل على أنه قد قدم غشاً ليكون سابقاً على تاريخ بيع السيارة تمكينا للدائن من مباشرة الدعوى البوليصية.

من يعتبر ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ( الخلف الخاص )

بعد أن استعرضنا من لا يعتبر ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، ننتقل الآن إلى من يعتبر ” غيراً . ونبادر إلى القول إن ” الغير ” ، الذي يتطلب القانون أن يكون تاريخ الورقة العرفية ثابتاً ليكون حجة عليه ، يجب ألا يكون ممثلا في التصرف الذي تشهد به الورقة . وقد رأينا أن ( الأصيل والوارث والدائن العادي ) كلهم ممثلون في التصرف فلا يعتبرون من ” الغير “

ولم يبق الآن إلا الخلف الخاص ، وهو من انتقل إليه من السلف مال معين بالذات . ويسرى في حقه ، كما رأينا في الجزء الأول من هذا الوسيط ، تصرفات السلف المتعلقة بهذا المال إذا كانت سابقة على انتقال المال إلى الخلف ، ولا تسري إذا كانت لاحقة

فتاريخ التصرف إذن له أهمية بالغة ، بل هو المحور الذي يدور عليه سريان التصرف في حق الخلف أو عدم سريانه . ولما كان من اليسير على السلف أن يضيع على الخلف حقه ، بأن يعطي لغيره حقاً يتعارض مع هذا الحق

وحتى يجعل تصرفه سارياً على الخلف يؤخر تاريخ التصرف بحيث يصبح سابقاً على تاريخ انتقال المال للخلف ، لذلك اشترط القانون ، تفادياً لهذا الغش الذي يعظم صرره بقد ما يسهل وقوعه وبقدر ما يصعب تجنبه ، أن يكون تاريخ التصرف ثابتاً حتى يحتج به على الخلف .

فالغير إذن في تاريخ الورقة العرفية هو الخلف الخاص . والخلف الخاص هو الذي يتلاءم وضعه مع ” الغيرية ” فيما نحن بصدده :

شخص يخلف آخر في مال معين بالذات ، وتكون تصرفات السلف نافذة في حقه على هذا المال قبل تاريخ معين ، فلا يكون تاريخ هذه التصرفات حجة عليه إلا إذا كان ثابتاً وسابقاً على هذا التاريخ .

ويلحق بالخلف الخاص ، في هذه ” الغيرية ” 

الدائن إذا تركز حقه في مال للمدين معين بالذات

فيصبح ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ التصرفات التي تصدر من المدين في هذا المال 

ولا يتركز حق الدائن في مال للمدين معين بالذات إلا إذا حجز الدائن على هذا المال .

والحجز هو الحلقة الأولى في مرحلة التنفيذ 

حجية الورقة العرفية في الاثبات

أما قبل الحجز ، حتى لو باشر الدائن الدعوى غير المباشرة أو الدعوى البوليصية ، فإنه لا يزال في مرحلة سابقة على مرحلة التنفيذ ، وإن كانت تمهد لها . ذلك أن الدائن في الدعوى غير المباشرة وفي الدعوى البوليصية لم يتركز حقه بعد على مال للمدين معين بالذات ، بل هو لا يزال يستعمل حقه في الضمان العام على أموال مدينه ، فلا يعتبر من الغير كما قدمنا .

فإذا انتقل إلى مرحلة التنفيذ بأن حجز على المال الذي باشر بالنسبة إليه الدعوى غير المباشرة أو الدعوى البوليصية اعتبر من الغير . ووضعه ، كوضع الخلف الخاص ، يتلاءم مع هذه ” الغيرية ” .

فهو مثله قد تركز حقه في مال معين بالذات هو المال الذي حجزه ويخشى من تلاعب المدين في هذا المال بالتصرف فيه وتقديم تاريخ التصرف ليصير سابقاً على الحجز ، فاشترط القانون ليسرى التصرف في حق الدائن الحاجز أن يكون ثابت التاريخ وسابقاً على تاريخ الحجز .

أما الدائن لمدين شهر إفلاسه أو إعساره فهذا لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ ، ومن ثم لا يكون غيراً بالنسبة إلى تاريخ التصرفات التي تصدر من مدينه المفلس أو المعسر .

ونرى من ذلك أن الغير ، بالنسبة إلى تاريخ الورقة العرفية ، هو الخلف الخاص ، ويلحق به الدائن الحاجز ، ولا تعتبر غيراً دائن المدين المفلس أو المعسر . فنتكلم في كل من هؤلاء .

الخلف الخاص يعتبر من الغير

نفرض أن صاحب سيارة باعها من آخر بعد ثابت التاريخ . فالمشتري يكون ، في هذه السيارة ، خلفاً خاصاً للبائع . ولا يحتج عليه بأي تصرف آخر في السيارة يصدر من البائع إذا كان تاريخه غير ثابت .

فلو أن بائع السيارة باعها مرة أخرى إلى مشتر ثان ، فإن المشتري الأول يكون من الغير بالنسبة إلى تاريخ هذا التصرف . ومن ثم فإن تاريخ البيع الثاني إذا كان عرفياً لا يحتج به بتاتاً على المشترى الأول ، ويفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا البيع الثاني قد صدر بعد البيع الأول ، حتى لو كان تاريخه سابقاً على ذلك .

وإذا كان تاريخ البيع الثاني ثابتاُ ، احتج به على المشتري الأول . فإن كان سابقاً على تاريخ عقده ، فضل المشترى الثاني ، و إلا فضل المشترى الأول.

فإذا لم يكن تاريخ البيع الأول ثابتاً ، وكان البيع الثاني تاريخه هو الثابت ، فضل المشترى الثاني لأنه هو الذي تعتبر ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ البيع الأول ، ولا يكون هذا التاريخ حجة عليه لأنه تاريخ غير ثابت .

فإذا لم يكن أي من البيعين تاريخ ثابت ، لم يعتبر أن من المشتريين ” غيراً ” فيحتج على كل منهما بالتاريخ العرفي الصادر للآخر ، ولكن يكون لكل منهما أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ ليدل بذلك على أنه هو صاحب التاريخ الأسبق .

وغنى عن البيان إن كل هذا إنما يكون إذا لم يسلم البائع السيارة لأحد من المشتريين ، فإن تسلمها أحدهما ملكها ، إما بعقد البيع إذا كان هو السابق ، وإما بالحيازة في المنقول إذا كان هو اللاحق .

وقد أورد التقنين المدني جملة من التطبيقات التشريعية للخلف الخاص الذي يعتبر من الغير ، نذكر منها

انتقال ملكية العين المؤجرة ال الغير

1 – نصت الفقرة الأولى من المادة 604 على أنه

” إذا انتقلت ملكية العين المؤجرة اختياراً أو جبراً إلى شخص آخر ، فلا يكون الإيجار نافذاً في حق هذا الشخص إذا لم يكن له تاريخ ثابت سابق على التصرف الذي نقل الملكية ” .

فهنا انتقلت ملكية العين المؤجرة إلى خلف خاص ، فلا يحتج عليه بتاريخ الإيجار إلا إذا كان ثابتاً .

رهن المنقول في حق الغير

2 – نصت المادة 1117 على أنه

” يشترط لنفاذ رهن المنقول في حق الغير ، إلى جانب انتقال الحيازة ، أن يدون العقد في ورقى ثابتة التاريخ يبين فيها المبلغ المضمون بالرهن والعين المرهونة بياناً كافياً ، وهذا التاريخ الثابت يحدد مرتبة الدائن المرتهن ” .

فإذا ارتهن المنقول دائنان ، متعاقبان ، كان كل منهما ” غيراً ” بالنسبة إلى تاريخ الآخر ، فلا يحتج عليه إلا بالتاريخ الثابت ، ومن ثم كان التاريخ الثابت هو الذي يحدد مرتبة الدائن المرتهن .

حوالة الحق الى الغير

3 – نصت المادة 305 في حوالة الحق على أنه

” لا تكون الحوالة نافذة قبل المدين أو قبل الغير إلا إذا قلبها المدين أو أعلن بها ، على أن نفاذها قبل الغير بقبول المدين يستلزم أن يكون هذا القبول ثابت التاريخ ” .

فالمحال له خلف خاص في الحق الذي انتقل إليه من المحيل ، ولا يحتج عليه في حوالة أخرى صادرة من المحيل إلا بالتاريخ الثابت لهذه الحوالة . فإن تمت الحوالة الأخرى بإعلان إلى المدين فهذا الإعلان تاريخه ثابت لا محالة .

وإن تمت بقبول المدين ، فالتاريخ الثابت لهذا القبول هو الذي يعتد به .

رهن الدين

4 – نصت المادة 1123 على أنه

” 1 – لا يكون رهن الدين نافذاً في حق المدين إلا بإعلان هذا الرهن إليه أو بقبوله له وفقاً للمادة 305 –

2 – ولا يكون نافذاً في حق الغير إلا بحيازة المرتهن لسند الدين المرهون ، وتحسب للرهن مرتبته من التاريخ الثابت للإعلان أنو القبول ” . وليس رهن الدين إلا تطبيقا لحوالة الحق . فصاحب الحق يتصرف فيه بالحوالة بيعاً أو رهناً أو بأي تصرف آخر .

وهنا أيضاً المحال له ، وهو الدائن المرتهن ، خلف خاص في الحق إلا بالتاريخ الثابت على النحو الذي قدمناه في حوالة الحق .

ويحسن ، قبل أن نترك ” الخلف الخاص ” ، أن نلاحظ أننا لم نجعله في الأمثلة التي قدمناها خلفاً خاصاً في عقار ، بل عيناه مشترياً أو مرتهناً لمنقول أو دين لأن العقار يستلزم إجراءات أخرى غير ثبوت التاريخ ، هي التسجيل أو القيد ، وسنرى أنه يشترط في التجرد ” للغيرية ” ألا يكون القانون قد تطلب إجراءات أخرى إلى جانب التاريخ الثابت

الدائن الحاجز يعتبر من الغير

قدمنا أن الدائن الحاجز ، في المال المحجوز ، يكون في وضع الخلف الخاص على هذا المال .

وهو إن لم يكن كالخلف الخاص ذا حق عيني في المال المحجوز إذ لا يزال حقه شخصياً ، إلا أنه ركز حقه في هذا المال بالحجز ، وأصبح القانون يحميه من تصرفات مدينه التالية للحجز كما يحمي الخلف الخاص.

ومن ثم يصبح ” غيراً ” في تاريخ الورقة العرفية الصادرة من المدين لتشهد على تصرفه في المال المحجوز ، فلا يحتج عليه بهذا التاريخ إلا إذا كان ثابتاً ، ولا يحتج عليه بالتاريخ العرفي ، بل يفرض فرضاً غير قابل لإثبات العكس أن هذا التاريخ تال للحجز فلا ينفذ التصرف في حقه حتى لو كان التاريخ العرفي المدون في الورقة سابقاً على الحجز ويستوي فيما قدمناه أن يكون الحجز على منقول أو على دين للمدين في ذمة الغير ( حجز ما للمدين لدى الغير ) أو على عقار .

أما في الحجز على المنقول فتنص المادة 508 من تقنين المرافعات على أنه

” تصبح الأشياء محجوزة بمجرد ذكرها في محضر الحجز ولو لم يعين عليها حارس ” .

فكل تصرف يصدر من المدين في المال المحجوز بعد حجزه على هذا النحو لا يكون تاريخه حجه على الدائن الحاجز إلا إذا كان ثابتاً وسابقاً على توقيع الحجز .

فإن  كان التاريخ غير ثابت ، أو كان ثابتاً ولكنه تال لتوقيع الحجز ، فإن التصرف لا ينفذ في حق الدائن الحاجز .

وفي حجز ما للمدين لدى الغير يحصل الحجز بإعلان إلى المحجوز لديه ينهاه فيه الدائن عن الوفاء بما في يده إلى المحجوز عليه أو تسليمه إياه ( م 547 مرافعات ) .

ومن ذلك الوقت يصبح الدائن الحاجز ” غيراً ” ، وكل تصرف يصدر من المدين في الحق المحجوز لا يكون تاريخه حجة على الدائن الحاجز إلا إذا كان ثابتاً سابقاً على توقيع الحجز .

فإذا أبرز المحجوز لديه ورقة عرفية تتضمن إبراءه من الدين أو قبولا منه بحوالة صدرت من المحجوز عليه أو غير ذلك من التصرفات وكان تاريخ هذه الورقة العرفية غير ثابت أو كان ثابتاً ولكنه تال لتوقيع الحجز ، فإن التصرف لا ينفذ في حق الدائن الحاجز .

وهناك رأي يذهب إلى لا أن الدائن الحاجز في حجز ما للمدين لدى الغير لا يعتبر ” غيراً ” ، ولكن هذا الرأي أصبح اليوم مرجوحاً بعد صدور التقنين المدني الجديد وفيه نصان يقضيان يجعل الدائن الحاجز في مرتبة تضاهي مرتبة الخلف الخاص مع مراعاة طبيعة حقه من أنه ليس بحق عيني .

النص الأول يجعل الدائن الحاجز يشترط مع المحال له إذا سبق حجزه الحوالة ، إذ تقضي الفقرة الأولى من المادة 314 بأنه ” إذا وقع تحت يد المحال عليه حجز قبل أن تصبح الحوالة نافذة في حق الغير ، كانت الحوالة بالنسبة إلى الحاجز بمثابة حجز آخر ” .

وهذا النص ، وكان موجوداً في تقنين المرافعات القديم ، يعتبر فوق ذلك أن الدائن الحاجز هو من الغير بالنسبة إلى المحال له . والنص القاني يجعل حجز ما للمدين لدى الغير مانعاً من المقاصة بالدين المحجوز ،

إذ تقضي المادة 367 بأنه

1 – لا يجوز أن تقع المقاصة اضراراً بحقوق كسبها الغير

2 – فإذا أوقع الغير حجزاً تحت يد المدين ، ثم أصبح المدين دائناً لدائنه ، فلا يجوز له أن يتمسك بالمقاصة أضراراً بالحاجز ” . ولا يكون ذلك إلا إذا كان للدائن الحاجز حق كسبه على الدين المحجوز يمنع من وقوع المقاصة

وهذا الحق قذ صرح به النص :

” حقوق كسبها الغير ” ، وهو ذاته الذي يجعل الدائن الحاجز في مرتبة تضاهي مرتبة الخلف الخاص مع مراعاة طبيعة حقه من أنه حق شخصي لا حق عيني كما قدمنا

وفي الحجز على العقار يكسب الدائن الحاجز على العقار المحجوز حقوقا صريحة واضحة تجعله في مرتبة الخلف الخاص وتمنحه الحماية ذاتها فيعتبر ” غيراً ” ، ولا يحتج عليه بتاريخ التصرف الصادر من المدين إلا إذا كان ثابتا .

فإن كان التاريخ غير ثابت ، أو كان ثابتا ولكنه تال للحجز ، لم يسر التصرف في حق الدائن الحاجز ، شأنه في ذلك شأن الخلف الخاص .

وتطبيقا لهذه القاعدة تنص الفقرة الأولى من المادة 615 من تقنين المرافعات على أنه

” يترتب على تسجيل التنبيه اعتبار العقار محجوزاً ” .

ثم تنص الفقرة الأولى من المادة 616 من هذا التقنين على أنه

” لا ينفذ تصرف المدين أو الحائز في العقار ولا يما يترتب عليه من رهو أو اختصاص أو امتياز في حق الحاجزين ولو كانوا دائنين عاديين ، ولا في حق الدائنين المشار إليهم في المادة 637 ، ولا الراسي عليه المزاد ، إذا كان التصرف أو الرهن أو الاختصاص أو الامتياز قد حصل شهره بعد تسجيل تنبيه نزع الملكية “

ثم تنص المادة 621 على أن

” عقود الإيجار الثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه تنفذ في حق الحاجزين والدائنين المشار إليهم في المادة 637 والراسي عليه المزاد ، وذلك بغير إخلال بأحكام القانون المتعلقة بعقود الإيجار الواجبة الشهر .

أما عقود الإيجار غير الثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه فلا تنفذ في حق من ذكروا إلا إذا كانت من أعمال الإدارة الحسنة .

وتنص أخيراً المادة 624 على أن “

المخلصات عن الأجرة المعجلة والحوالة بها يحتج بها على الدائن الحاجز والدائنين المشار إليهم في المادة 637 والراسي عليه المزاد ، إذا كانت ثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه ، وذلك بغير الا بأحكام القانون المتعلقة بالمخالصات الواجبة الشهر ، فإذا لم تكن ثابتة التاريخ قبل تسجيل التنبيه فلا يحتج بها إلا لمدة سنة “

ويلاحظ أن الدائن المرتهن في الرهن الرسمي ، في خصوص الإيجار الصادر من الراهن وفي خصوص المخالصات عن الأجرة المعجلة والحوالة بها ، يعامل معاملة الدائن الحاجز ( م 1045 و 1064 مدني )

لأن الراهن لا تغل يده بالرهن الرسمي عن إيجار العقار المرهون ولا عن قبض الأجرة المعجلة والحوالة بها ، فيصبح شأن الدائن المرتهن في هذه التصرفات شأن الدائن العادي ، وكالدائن العادي أيضاً لا يكون له حق خاص على العقار المرهون يتعارض مع الإيجار وقبض الأجرة والحوالة بها إلا إذا بدأ التنفيذ فيجل التنبيه.

أما الدائن المرتهن في الرهن الحيازي فيعليه أن يستثمر الشيء المرهون استثماراً كاملا ويتولى إدارته ( م 1104 و 1106 مدني ) ، ومن ثم يتعارض وضعه هذا مع حق الراهن في افجار وقبض الأجرة ، فيعتبر ” غيراً ” في هذه التصرفات منذ تسلم الشيء المرهون ، ولا يحتج عليه بالتاريخ إلا إذا كان ثابتاً

الدائن إذا أفلس مدينه أو أعسر لا يعتبر من الغير

متى أفلس المدين التاجر وشهر إفلاسه ، رفعت يده عن إرادة أمواله ( م 216 تجاري ) وتصرفاته ، في خلال المدة السابقة على الحكم بشهر الإفلاس منذ العشرة الأيام السابقة على تاريخ توقفه عن الدفع ، الخاصة بتبرعات أو بوفاء دون غير حالة على أي وجه كان هذا الوفاء أو بوفاء ديون حلى بغير النقود أو الأوراق التجارية أو بترتيب حقوق رهن أو اختصاص على أمواله ، تكون كلها باطلة ( م 227 تجاري ) .

أما وفاء الديون الحالة بنقود أو أوراق تجارية و المعاوضات فتكون قابلة للإبطال إذا وقعت بعد تاريخ التوقف عن الدفع 228 تجاري ) – ولكن بالرغم من كل ذلك لا نرى أن دائن التفليسة يعتبر من الغير في التصرفات المصادرة من المدين المفلس . فالحكم بشهر الإفلاس ليس إلا تمهيداً للتنفيذ الجماعي . ودائن المفلس ، لمجرد شهر إفلاس مدينه ، لم يدخل بعد في مرحلة التنفيذ ، كما دخل الدائن الحاجز .

والإفلاس لا يعدل الحجز ، وكل ما نتج عنه أن غلت يد المفلس في إدارة أمواله ، وحل محله الدائنون الذين تكتلوا في مجموعة يمثلها السنديك . وهذا لا يغير من مركزهم كدائنين عاديين لم يصلوا بعد إلى مرحلة التنفيذ ، فهم لا يزالون يستعملون حقهم العام في الضمان ، شأنهم في ذلك شأن الدائن الذي يباشر الدعوى البوليصية .

ومن ثم يكون التاريخ العرفي للتصرفات الصادرة من المدين المفلس حجة على دائنيه ، ولو كانت تصرفات مدنية ( أي غير تجارية ) . ويكون لهؤلاء ، بداهة ، الحق في إثبات عدم صحة هذا التاريخ وإثبات التاريخ الحقيقي لهذه التصرفات فيعطي عندئذ لكل تصرف حكمه القانوني :

ما صدر في المدة المشتبه فيها ، وما صدر بعد توقف المدين عن الدفع ، وما صدر بعد الحكم بشهر الإفلاس

وكالإفلاس الإعسار  وقد نصت المادة 257 من التقنين المدني على أنه

” متى سجلت صحيفة دعوى الإعسار ، فل يسري في حق الدائنين أي تصرف للمدين يكون من شأنه أن ينقص من حقوقه أو يزيد في التزاماته ؛ كما لا يسرى في حقهم أي وفاء يقوم به المدين ” .

ويتبين من ذلك أن حكم شهر الإعسار له أثر حكم شهر الإفلاس في غل يد المدين عن التصرف في أمواله . ولكننا لا نرى – هنا أيضاً – أن دائن المدين المعسر يعتب من الغير في التصرفات الصادة رمن مدينه .

فالحكم بشهر الإعسار ، كالحكم بشهر الإفلاس ، ليس إلا تمهيداً للتنفيذ ، ولم يدخل الدائنون بعد في مرحلة التنفيذ لمجرد الحكم بشهر إعسار مدينهم .

بل لعل انعدام ” الغيرية ” في الإعسار أولى منه في الإفلاس ، إذ ليس في الإعسار تصفية جماعية كما في الإفلاس ، بل يبقى كل دائن موكولا إلى الإجراءات الفردية التي يتخذها وحده ، فلا يتكتل الدائنون في مجموعة يمثلها السنديك .

واما الإعسار ، على الوجه الذي نظم به في التقنين المدني الحديد ، إلا الدعوى البوليصية ، أحكم تنظيمها ، ورتبت مراحلها ، وحددت مواعيدها ، ويسر فيها عبء الإثبات ، فانضبطت آثارها ، ووضحت معالمها .

فإذا كان الدائن في الدعوى البوليصية لا يعتبر من ” الغير ” كما قدمنا ، فليس غريباً إلا يعتبر أيضاً من ” الغير ” في الإعسار .

ومن ثم يكون التاريخ العرفي للتصرف الصادر من المدين المعير حجه على دائنة . ويكون للدائن الحق في إثبات التاريخ الحقيق لهذا التصرف ، فإن كان لاحقاً لتسجيل صحيفة دعوى الإعسار ، لم يسر في حقه

الشروط الواجب توافرها في توافرها في ” الغير “

ويخلص مما قدمناه أن ” الغير ” في ثبوت التاريخ آل يعدو أن يكون الخلف الخالص أو الدائن الحاجز . ويشترط في ً الغير ” ، خلفاً كان أو دائناً ، شروط ثلاثة :

( 1 ) أن يكون هو نفسه ذا تاريخ ثابت 

وقد رأينا فيما أسلفناه أن الخلف الخاص ، حتى لا يحتج عليه بغير التاريخ الثابت ، يجب أن يكون تاريخه هو ثابتاً ، فإذا تنازع المشتريان للمنقول ، ولم يكن أي من المشتريين أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ فإذا لم يكن ” الغير ” خلفاً خاصاً ، كان دائناً حاجزاً ، ومن الواضح أن الدائن الحاجز له دائما تاريخ ثابت .

( 2 ) أن يكون القانون آل يتطلب إجراءات أخرى غير ثبوت التاريخ

ومن أجل ذلك تركنا عمداً ، كنا سبقت الإشارة ، عند الكلام في الخلف الخاص ، مشتري العقار والمرتهن له . ذلك أن القانون يتطلب في بيع العقار إجراء آخر هو التسجيل ، وفي رهن العقار إجراء آخر هو القيد .

ومن ثم كانت المفاضلة بين المشتريين لعقار واحد ليست بالأسبقية في التاريخ الثابت بل بالأسبقية في التسجيل ، وكان المفاصلة بين المرتهنين لعقار واحد ليست هي أيضاً بالأسبقية في التاريخ الثابت بل بالأسبقية في القيد .

( 3 ) أن يكون ” الغير ” ، خلفاً كان أو دائناً ، حسن النية

فإذا أسرع المشتري الثاني للمنقول في إثبات تاريخ البيع الصادر له وهو يعلم أن البيع الأول سابق على عقده وأن لم يكن ثابت التاريخ ، فالمفاضلة لأول وهله بين المشتريين تقضى بتفضيل المشتري الثاني ثابت التاريخ على المشترى الأول غير ثابت التاريخ .

ولكن إذا استطاع المشترى الأول أن يثبت علم المشترى الثاني وقت شرائه المنقول بسبق بيعه من آخر ، فإنه يثبت بذلك أن المشترى الثاني ليس حسن النية ، فيختل في هذا المشترى الثاني شرط من شروط ” الغير ” ومن ثم يحتج عليه بتاريخ البيع الأول وأن لم يكن ثابتاً.

حجية الورقة العرفية في الاثبات

( ثالثاً ) الأوراق العرفية التي تخضع لقاعدة ثبوت التاريخ – تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

استثناء المخالصات من هذه القاعدة

يخضع لقاعدة ثبوت التاريخ كل ورقة عرفية تعد للإثبات مقدماً كدليل كامل ، على أن يكون الدليل الكتابي واجباً ، وعلى أن يستثنى من ذلك المخالصات .

ومن ثم لا تسرى هذه القاعدة في الأحوال الآتية :

1 – إذا لم تكن هناك ورقة عرفية أصلا لإثبات التصرف القانوني . وذلك كما لو وجد تصرف قانون غير مكتوب وأشير إليه في البيانات الواردة في ورقة رسمية ، فلا يقال إن لهذا التصرف القانون تاريخاً ثابتاً هو تاريخ الورقة الرسمية ، لأن التصرف دانه غير ثابت في ورقة عرفية .

2 – إذا كانت هناك ورقة عرفية دليلا كتابياً على التصرف ، ولكن هذه الورقة لم تعد مقدماً للإثبات . فدفاتر التجار والدفاتر والأوراق المنزلية لا تسرى عليها قاعده ثبوت التاريخ . أما الرسائل فإذا أعدت مقدماً للإثبات سرت عليها القاعدة ، وكذلك إذا لم تعد مقدماً للإثبات متى مصلحة أن تكون دليلا كتابياً كاملا فإنها تخضع لقاعدة ثبوت التاريخ استثناء مما تقدم

3 – إذا كانت هناك ورقة عرفية ، ولكنها ليست دليلا كاملا . وذلك كمبدأ الثبوت بالكتابة ، فهو ، كقاعدة عامة لا يشترط فيه التاريخ الثابت على النحو المقرر في الدليل الكامل ، ليكون حجة على الغير . وسنعود إلى هذه المسألة عند الكلام في مبدأ الثبوت بالكتابة

4 – إذا كانت هناك ورقة عرفية تعتبر دليلا كاملا ، ولكن الدليل الكتابي يكون غير واجب . ويتحقق ذلك في المسائل التجارية ، فهذه يجوز فيها دائما الإثبات بالبينة والقرائن ، فإذا وجدت ورقة عرفية اتخذت دليلا كتابياً فلا يشترط أن يكون تاريخها ثابتاً ليكون حجة على الغير.

ويتحقق ذلك أيضاً في الورقة العرفية المعدة لإثبات التزام قيمته لا تزيد على عشرة جنيهات ، لأن الإثبات الكتابي هنا أيضاً غير واجب. ويتحقق ذلك أخيراً فيما إذا كانت الورقة العرفية تثبت واقعة مادية لا تصرفاً قانونياً ، أو تصرفاً قانونياً يسرى في حق الغير باعتباره واقعة مادية ، ففي إثبات الوقائع المادية لا يجب الدليل الكتابي .

5 – إذا كان الورقة العرفية التي يقدمها الخصم دليلا كتابياً كاملا هي مخالصة من دين ، فلا يشترط في المخالصات التاريخ الثابت لتكون حجة على الغير بتاريخها . وقد كان القضاء المصرى فلي ظل التقنين المدني القديم ، وكذلك القضاء في فرنساً ، يستثني المخالصات من قاعدة ثبوت التاريخ

لما في اشتراط التاريخ الثابت في الخالصات من صعوبات عملية. فمن اشترى داراً مؤجرة سرى في حقه المخالصات بالأجرة الصادرة من البائع للمستأجر ولو لم تكن ثابتة التاريخ ، إلا إذا كانت الأجرة عن مدة مستقبلة تزيد على ثلاث سنوات فيشترط التسجيل .

والدائن الذي يحجز تحت يد مدين المدين حجز ما للمدين لدى الغير يحتج عليه بالتاريخ العرفي للمخالصات الصادرة من المدين ، فتسرى هذه المخلصات في حقه إذا كان تاريخها سابقاً على الحجز .

وفي جميع الأحوال يجوز للغير الذي يحتج عليه بالتاريخ العرفي للمخالصة أن يثبت بجميع الطرق أن هذا التاريخ غير صحيح وأنه قدم أو أخر غشاً من طرفي الخالصة للإضرار بحقه .

وقد أقر التقنين المدني الجديد هذا الاستثناء بنص صريح ، فنصت الفقرة الثانية من المادة 395 على أنه ” يجوز للقاضي ، تبعاً للظروف ، ألا يطبق حكم هذه المادة على الخالصات ” .

فجعل النص التقدير إلى القاضي في خصوص الخالصات ، إن رأى أن هناك صعوبات عملية كافية تمنع من توافر التاريخ الثابت لم يطلبه ، و إلا أخضع الخالصات كغيرها من الأوراق العرفية على الغير

( رابعاً ) الطرق القانونية التي يصبح بها التاريخ ثابتاً – تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

الأصل أن التاريخ العرفي للورقة جزء من هذه الورقة العرفية ، فمضمونه هو أيضاً جزء من الاتفاق الذي تشهد به هذه الورقة . فطرفا الورقة قد اتفقا ، فيما اتفقا عليه ، على أن يكون تاريخ اتفاقهما هو كذا .

ومن ثم كان هذا التاريخ العرفي حجة عليهما ، شأنه شأن سائر أجزاء الاتفاق. ولكل منهما أن يثبت عدم صحة هذا التاريخ بالطرق المقررة قانوناً كما سبق القول .

أما الغير ، على التحديد الذي بسطناه ، فهذا التاريخ العرفي ، بالنسبة إلى الغي ر ، ليس صحيحاً . ولا يستطيع الطرفان إثبات التاريخ الصحيح في مواجهة الغير إلا بطريق من الطرق التي عينها القانون ، وهي الطرق التي يصبح بها التاريخ ثابتاً فيكون حجة على الغير .

وقد ذكر التقنين الجديد من هذه الطرق خمسة على وجه التحديد ، ثم عم أحد هذا التخصيص فذكر أن التاريخ يكون ثابتا من يوم وقوع أي حادث آخر فيكون قاطعا في أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه .

يكون التاريخ ثابتا على وجه من الوجوه الآتية 

( 1 ) من يوم أن تقيد الورقة العرفية بالسجل المعد لذلك

وقد نظمت اللائحة التنفيذية لقانون التوثيق الطريق العادي لإثبات التاريخ على هذا الوجه . فنصت المادة 31 من هذه اللائحة على أن تقوم مكاتب التوثيق بعد أداء الرسم المقرر بإثبات تاريخ المحررات العرفية بكتابة محضر يثبت فيه تاريخ تقديم المحرر ورقم إدراجه في الدفتر المعد لذلك ، ويختم بخاتم المكتب ، ويوقعه الموثق .

ذلك أن هناك في مكتب التوثيق دفتراً تدرج فيه المحررات التي أثبت تاريخها بأرقام متتابعة ، ويبين في هذا الدفتر أسماء ذوى الشأن ومحال إقامتهم وموضوع المحرر وأداء الرسم ، ويوقعه الموثق وصاحب الشأن عند تسلم المحرر ( م 32 من اللائحة ) ، كما يوجد فتر هجائي للفهارس ( م 33 من اللائحة ) . ويسلم مكتب التوثيق شهادة لمن يطلبها بحصول إثبات تاريخ الورقة العرفية ( م 34 من اللائحة ) .

هذه هي الإجراءات العادية لإثبات التاريخ من طريق قيد الورقة العرفية بسجل معد لذلك . وتوجد طرق أخرى لقيد الورقة العرفية في سجل رسمي فيكون تاريخها ثابتا من يوم هذا القيد

نذكر منها طريقين : التصديق على التوقيعات والتسجيل .

وقد نظم قانون التوثيق أيضاً التصديق على التوقيعات . فقضت المادة 21 من لائحته بأن يقوم الموثق بالتصديق على توقيعات ذوى الشأن في المحررات العرفية ، بحضور شاهدين بالغين عاقلين معروفين له يتأكد بشهادتهما من شخصية ذوي الشأن .

ويوقع هؤلاء أمام الموثق على الورقة العرفية ، ويكتب الموثق محضراً في ذيل الورقة يذكر فيه أسماءهم ومحال إقامتهم وحصول التوقيع منهم أمامه وأسماء الشهود ومهنهم ومحال إقامتهم .

ويوقع هذا المحضر الشهود والموثق ، ثم يوضع عليه خاتم المكتب ورقم إدراجه في دفتر تدرج فيه محاضر التصديق على التوقيعات بأرقام متتابعة ( م 24 – 25 من اللائحة ) . وعند إتمام التصديق تسلم الورقة العرفية إلى صاحب الشأن ، ويصبح تاريخ المحضر المدون بذيلها هو تاريخها الثابت .

والتسجيل إجراء آخر لإثبات التاريخ ، عن طريق قيد الورقة العرفية في سجل معد لذلك . وهنا القيد يكون كاملا ، ويتم التسجيل الآن بالتصوير الفوتوغرافي .

فكل ورقة عرفية مسجلة تكون ثابتة التاريخ من يوم تسجيلها على الأقل . بل إنه لما كان التسجيل لا يكون إلا بعد التصديق على التوقيع ، فتاريخ الورقة المسجلة يثبت من يوم التصديق على التوقيع ، ولا يتأخر إلى يوم التسجيل .

( 2 ) من يوم أن يثبت مضمون الورقة العرفية في ورقة أخرى ثابتة التاريخ

وذلك بأن تذكر الورقة العرفية ، مع تحديد موضوعها تحديداً معيناً لها مانعاً للبس ، في ورقة رسمية – لأن الورقة الرسمية ثابتة التاريخ بحكم رسميتها كما قدمنا – أو في أية ورقة عرفية تكون ثابتة التاريخ بوجه من الوجوه القانونية .

وعند ذلك تكسب الورقة العرفية تاريخاً ثابتاً هو التاريخ الثابت للورقة الأخرى التي جرى فيها ذكر الورقة الأولى. مثل ذلك أن يذكر في ورقة تثبت عقد بيع – رسمية وعرفية مصدق فيها على التوقيع – توكيل عرفي صادر من البائع إلى وكيل بيع بالنيابة عنه ، فهذا التوكيل العرفي إذا كانت غير ثابت التاريخ يصبح ، بذكره في ورقة البيع ثابتة التاريخ ، ذا تاريخ ثابت هو تاريخ ورقة البيع.

( 3 ) من يوم أن يؤشر على الورقة العرفية موظف عام مختص .

مثل ذلك أن تقدم الورقة العرفية في قضية فيؤشر عليها القاضي أو كاتب الجلسة ، أو تقدم في تحقيق فيؤشر عليها المحقق ، أو تقدم في جرد رسمي فيؤشر عليها مندوب الجرد ، أو تقدم لصرف نقود بها فيؤشر عليها مندوب الخزانة العامة .

وتكسب المراسلات المسجلة تاريخاً ثابتاً هو تاريخ ختم مصلحة البريد إذا أمكن التثبت منه بالرجوع إلى السجلات الرسمية التي سجلت فيها هذه المراسلات .

أما المراسلات غير المسجلة فلا يثبت تاريخها من ختم مصلحة البريد ، لأنه لا توجد سجلات رسمية يمكن الرجوع إليها للتثبت من صحة التاريخ . والتاريخ الذي يضعه المحكمون في أحكامهم لا يعتبر تاريخاً ثابتاً

وكذلك تأشير الخبير على ورقة عرفية وذكره الورقة في محضر أعماله لا يكسبها تاريخاً ثابتاً ، لأن المحكمين والخبراء لا يعتبرون موظفين عامين ولا يمكن التثبت من صحة التاريخ الذي وضعوه على الورقة العرفية. هذا ما لم يكن الخبير موظفاً عاماً ، كما هو شأن الخبراء والموظفين في وزارة العدل .

( 4 ) من يوم وفاة أحد ممن لهم على الورقة العرفية أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة أصبع .

أما الخط والامضاء المعترف بصدورهما من الشخص المتوفى فأمرهما واضح ، ذلك أن الورقة العرفية التي تحمل خطاً أو إمضاء لشخص متوفي لا بد أن تكون قد صدرت قبل وفاة هذا الشخص ، فتاريخها ثابت من وقت الوفاة.

ويستوي أن يكون الشخص المتوفى طرفاً في الورقة أو شاهد أو كفيلا أو غير ذلك ، فالحكمة قائمة في جميع هذه الأحوال. على أن مجرد وجود خط لشخص متوفى في الورقة لا يكفي لإثبات التاريخ ، بل يجب أيضاً أن تكون الورقة قد وقعت منذ وجود هذا الخط

إذ يحتمل أن يعهد إلى شخص في كتابة ورقة عرفية فيكتبها ، ولكنها تبقى مشروعاً دون توقيع إلى أن يتوفى الكاتب ، ثم يوقع ذوو الشأن الورقة بعد وفاته ، فلا تكون الورقة ثابتة التاريخ من يوم الوفاة .

وهذا ما لم تكن الورقة تعتبر دليلا من غير توقيع ، كالتأشير على سند الوفاء .

بقى الختم وبصمة الاصبع . أما أن الختم يثبت تاريخ الورقة التي تحمل بصمته ، فأمر كان مقرراً في التقنين المدني الأهلي السابق ، وتابعه في ذلك التقنين المدني الجديد .

وهو محل للنظر ، إذ أن بقاء الختم بعد وفاة صاحبه واحتمال التوقيع بهذا الختم بعد الوفاة شيء يقع . وقد كان التقنين المدني المختلط لا يذكر أن ختم المتوفى يثبت تاريخ الورقة العرفية.

ومهما يكن من أمر فإنه يجوز ، بالرغم من وجود بصمة الختم في الورقة ، إثبات أن التوقيع بالختم لم يتم إلا بعد الوفاة  ، وبصمة الاصبع أدق من بصمة الختم ، فهي أقرب إلى إثبات تاريخ الورقة العرفية التي تحمل هذه البصمة لشخص متوفى .

على أن احتمال توقيع الورقة العرفية ببصمة شخص متوفى بعد وفاته لا يزال قائماً وإن كان احتمالا بعيداً ، وهو أبعد على كل حال من احتمال التوقيع بالختم بعد وفاة صاحبه.

( 5 ) من يوم أن يصبح مستحيلا على أحد ممن لهم على الورقة العرفية أثر معترف به من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة اصبع أن يكتب أو يبصم لعلة في جسمه .

والمثل المألوف لهذه الحالة أن تبتر يد شخص في تاريخ معروف ، فتكون الورقة العرفية التي وقعها بيده قبل أن تبتر ذات تاريخ ثابت هو تاريخ هذا البتر .

وهذا صحيح بالنسبة إلى الخط والامضاء وبصمة الاصبع . أما الختم فيمكن التوقيع به بعد بتر اليد ، بل بعد بتر اليدين معاً ، إذ يجوز أن يوقع به غير صاحبه ، فلا تكسب الورقة منه تاريخاً ثابتاً في المثال المتقدم .

وقد تكون العلة في الجسم التي تستحيل معها الكتابة شيئاً آخر غير البتر كالشلل .

وقد عمم التقنين المدني الجديد بعد التخصيص كما قدمنا ، فذكر أن الورقة العرفية تكون ثابتة التاريخ من يوم وقوع أي حادث آخر – غير الحوادث التي تقدم ذكرها – يكون قاطعاً في أن الورقة قد صدرت قبل وقوعه .

مثل ذلك الجنون العارض ، فقد يوقع شخص سليم العقل ورقة عرفية ، ثم يصاب بالجنون بعد ذلك ، فمن يوم ثبوت عزله في مستشفى أو في مكان آخر يكون تاريخ الورقة ثابتاً ، مع أن الجنون ليس علة في الجسم – وهذا ما اقتصر النص على ذكره – بل هو علة في العقل.

وقد كان التقنين المدني السابق يفسره الفقه والقضاء على النحو الذي قدمناه . فهو ، بالرغم من أنه لم يورد في المادة 299 / 294 إلا بعض طرق إثبات التاريخ – قيد الورقة في سجل عام واثر معترف به لشخص متوفى وتأشير على الورقة من موظف عام مختص – فإن هذه الطرق لم تحمل على إنها وردت على سبيل الحصر .

ومن ثم لا يكون هناك فرق بين التقنين القديم والتقنين الجديد في طرق إثبات التاريخ.

ومتى ثبت التاريخ على وجه من الوجوه المتقدمة الذكر في التقنين المدني المصري 

صار هذا التاريخ الثابت هو الحجة على الغير ، لا التاريخ العرفي الذي يسبقه . ولكن تصبح حجيته على الغير أقوى من حجية التاريخ العرفي على طرفي الورقة ، ذلك أن الغير لا يستطيع أن يدحض حجية التاريخ الثابت إلا عن طريق الطعن بالتزوير ، أما من كان طرفاً في الورقة فيستطيع أن يدحض حجية التاريخ العرفي بإثبات أن هذا التاريخ غير صحيح دون حاجة إلى الطعن بالتزوير .

وإذا قام تنازع بين ورقتين لهما تاريخ ثابت في يوم واحد ، فإن أمكن تعيين الورقة الأسبق فضل صاحبها . ويتحقق ذلك إذا كان طريق ثبوت التاريخ بالقيد في السجل ، وعينت ساعة القيد أو أعطيت الورقتان رقمين مسلسلين ، فالورقة الأسبق في الساعة أو في الرقم المسلسل هي التي يفضل صاحبها .

وإذا لم يمكن تعيين الورقة الأسبق ، كما لو كانت الورقتان قد وقعهما شخص واحد توفى واتخذ تاريخ وفاته تاريخاً ثابتاً لكل من الورقتين نف صاحب الورقة المكلف بإثبات أسبقيته يتقدم عليه صاحب الورقة الأخرى لأن الأول قد عجز عن إثبات هذه الأسبقية.

حجية الورقة العرفية فيما يتعلق بالصور – تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

الأصل ألا حجية لصور الأوراق العرفية

رأينا فيما تقدم أن صور الأوراق الرسمية لها قوة متفاوتة في الإثبات ، مع أن الصورة لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة والتوقيع هو الذي تتركز فيه قوة الإثبات .

وتعليل ذلك كما رأينا يرجع إلى أن صورة الورقة الرسمية هي أيضاً ورقة رسمية يقوم بتحريرها موظف رسمي مختص ، فتضفى عليها رسميتها من الثقة ما يجعل لها قيمة في الإثبات تتفاوت قوة وضعفاً .

أما صورة الورقة العرفية فليست لها في الأصل أية قيمة في الإثبات ، ولو كمبدأ ثبوت بالكتابة . فهي لا تحمل توقيع من صدرت منه الورقة .

وهي في الوقت ذاته ليست ورقة رسمية حتى تضفي عليها رسميتها شيئاً من الثقة . ولا قيمة لصورة الورقة العرفية إلا بمقدار ما تهدي إلى الأصل إذا كان موجوداً ، فيرجع إليها ، وتكون الحجية للأصل لا الصورة .

أما إذا كان الأصل غير موجود ، فلا سبيل للاحتجاج بالصورة ، لما قدمناه من إنها لا تحمل التوقيع ومن إنها ليست ورقة رسمية ، ولجواز أن تكون الصورة محرفة أو أن يكون الأصل مزوراً فلا يتيسر الاهتداء إلى التزوير بالاقتصار على الصورة .

وهذا صحيح حتى لو كانت الصورة المأخوذة من الأصل صورة فوتوغرافية.

وغني عن البيان أن صور الصور للورقة العرفية ليست لها هي أيضاً ، من باب أولى ، أية قيمة في الإثبات .

استثناءان تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة في الإثبات

متى يكون للصورة الضوئية حجية في الاثبات ؟

على أن هناك استثناءين من المبدأ الذي قدمناه تكون فيهما لصورة الورقة العرفية قيمة معينة في الإثبات :

( الاستثناء الأول )

في حالة التسجيل ، فقد تكون لصورة الورقة المسجلة قيمة في الإثبات  . ونميز في ذلك بين عهدين : العهد السابق على قانون التسجيل ( رقمي 18 و 19 لسنة 1923 ) وعهد قانون التسجيل ( الذي حل محله القانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بالشهر العقاري ) .

ففي العهد الأول كان التسجيل يتم بنقل صورة حرفية من الورقة المقدمة للتسجيل في سجل عام ، ثم يختم الأصل بختم يدل على حصول التسجيل ويعاد إلى صاحبه .

فإذا أعطيت صورة من الورقة المسجلة كانت هذه الصورة رسمية ، لأن موظفاً عاماً مختصاً كان هو الذي ينقل هذه الصورة ، لا عن الأصل فهو عند صاحبه كما قدمنا ، ولكن عن الصورة الرسمية لهذا الأصل العرفي وهي الصورة المدونة في السجل العام .

ولما كانت صورة الصورة هذه هي صورية رسمية لصورة رسمية ، فقد كان القضاء في البداية يعتد بها ، في حالة فقد الأصل ، كدليل كامل أو على الأقل كمبدأ ثبوت بالكتابة.

ثم رجع عن ذلك ، وأنكر حجية هذه الصورة الرسمية حتى كمبدأ ثبوت بالكتابة ، لما رأى ما لجأ إليه بعض الناس ، من تقديم أوراق مزورة للتسجيل وإعدام الأصل المزور

والتقدم بعد ذلك بصورة رسمية منقولة عن الصورة المدونة في السجل العام ، فلا يظهر التزوير لا في صورة الصورة ولا في الصورة الأصلية ، إذ أن الموظف العام لم يكن من اختصاصه ولا فى إمكانه التحقق من سلامة الأوراق التى تقدم للتسجيل.

وفى العهد الثاني ، عهد قانون التسجيل ثم الشهر العقاري وهو العهد الحالى ، اتخذ المشرع احتياطات دقيقة . وتتخلص هذه الاحتياطات فى وجوب التصديق على التوقيع قبل تسجيل المحرر ، وفى هذا ضمان كاف لعدم تزوير الأوراق ولصحة صدورها من موقعيها

ثم فى طريقة التسجيل ذاتها فقد صار الأصل هو الذى يحفظ بمكتب الشهر ويعطى لأصحاب الشأن صور فوتوغرافية من هذا الأصل . هذه الصور الفوتوغرافية ، التى تمكن إعادة أخذها فيما بعد منقولة دائماً عن الأصل وإعطاؤها لأصحاب الشأن إذا احتاجوا إليها ، هى صور رسمية دقيقة من أصل محفوظ فى مكتب السجل العقارى ، فقيمتها فى الإثبات لا شك فيها . ذلك أنه إذا كان الأصل موجوداً وهو الغالب

ولم ينازع الخصم فى مطابقة الصورة الفوتوغرافية للأصل ، اكتفى بالصورة دليلا كاملا فى الإثبات  . فإن نازع الخصم فى المطابقة ، أمكنت مضاهاة الصورة على الأصل المحفوظ بمكتب الشهر ، وكانت الحجية للأصل لا للصورة .

أما إذا فقد الأصل – وهذا نادر ولكنه يقع أحياناً لقوة قاهرة كحريق أو سرقة – فإن دقة الصورة الفوتوغرافية ورجحان سلامة الأصل من التزوير بعد التصديق على التوقيع ، كل ذلك يسمح بإعطاء هذه الصورة الفوتوغرافية قوة إثبات كاملة أو فى القليل يجعلها مبدأ ثبوت بالكتابة.

( الاستثناء الثاني )

فى حالة ما إذا كانت صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين ، فتكون لهذه الصورة بعض القيمة فى الإثبات . ويلاحظ أن هذه الصورة المكتوبة بخط المدين لا تحمل توقيعه ، وإلا صارت إما نسخة ثانية ، لا مجرد صورة ، فتكون لها حجية الأصل كالنسخة الأولى ، وإما سنداً مؤيداً وسيأتي بيان قيمته فى الإثبات .

فالصورة التى نحن بصددها هى إذن مكتوبة بخط المدين ولا تحمل توقيعه ، ويمكن فى هذه الحالة اعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة لأنها صادرة من المدين ما دامت بخطة ، وتستكمل بالبينة أو القرائن .

على أنه ليس من الضروري أن تكون صورة الورقة العرفية مكتوبة بخط المدين نفسه لاعتبارها مبدأ ثبوت بالكتابة ، بل يكفى أن تكون صادرة من نائب المدين . مثل ذلك أن يعلن محضر – وهو نائب المعلن – ورقة عرفية إلى المعلن إليه .

فالصورة التى يتركها المحضر بخطه ( أو المفروض أنها بخطة لأنها صادرة منه ) تصلح أن تكون مبدأ ثبوت بالكتابة يتمسك به الخصم ضد المعلن ، إذ أن هذه الصورة مكتوبة بخط نائب المدين وهو المحضر ، فكأنها صادرة من المدين

السند المؤيد وقيمته فى الإثبات – تعرف على حجية الورقة العرفية في الاثبات

وبين الأصل والصورة يوجد سند ، لا هو مجرد صورة لأنه يحمل توقيع المدين ، ولا هو نسخة ثانية من الأصل لأنه غير معاصر للأصل بل يكتب بعده . فهو إذن اضعف من الأصل ، وأقوى من الصورة .

هذا هو السند المؤيد أو السند الجديد  وهو سند يتضمن إقراراً بحق سبق إثباته فى محرر يسمى بالسند الأصلى. ويتميز السند المؤيد عن مطلق الإقرار بالحق بأنه لا يتضمن إقراراً على إطلاقه ، بل يشير إلى أن الحق المقر به قد سبق إثباته فى سند أصلى .

ومن ثم إذا تعارض السند المؤيد مع السند الأصلى ، كان السند الأصلى هو المعتبر . ولو كان السند المؤيد إقراراً محضاً لأخذ به دون السند الأصلى.

والسند المؤيد ، على هذا النحو ، يصلح من الناحية القانونية لقطع التقادم ، ومن الناحية العملية لتوفير دليل الإثبات عند فقد السند الأصلى إذا كان هذا معرضاً للفقد .

ويغلب أن يكون ذلك فى الديون الطويلة الآجال وفى الإيرادات المؤيدة ، حيث يحتاج الدائن من وقت إلى آخر أن يحصل على سند مؤيد لسنده الأصلى لقدم العهد بالسند الأصلى ، فيقطع التقادم ويجدد الدليل.

وقد تضمن التقنين المدنى الفرنسي نصاً يقرر قيمة السند المؤيد فى الإثبات .

فنصت المادة 1337 من هذا التقنين على ما يأتى :

” السندات المؤيدة لا تعفى من تقديم السند الأصلى ،

إلا إذا كان نص السند الأصلى قد دون خصيصاً فى السند المؤيد . وما اشتمل عليه السند المؤيد زائداً على السند الأصلى إذا وجدت جملة من السندات المؤيدة المتطابقة ، تدعمها الحيازة ، ويكون تاريخ أحد هذه السندات يرجع إلى ثلاثين سنة “.

ويتبين من هذا النص أن السند المؤيد ، فى التقنين الفرنسي ، لا يصلح فى ذاته دليلا كاملا . وهناك فرضان :

( الفرض الأول ) أن السند الأصلى موجود . وفى هذه الحالة لا يكون السند المؤيد دليلا أصلا ، بل يجب على الدائن إبراز السند الأصلى . فإذ كان هناك خلاف بينه وبين السند المؤيد فالعبرة بالسند الأصلى ، إلا إذا تبين من الظروف أن السند المؤيد ليس فى حقيقته إلا تجديداً للدين فتكون العبرة بالدين الجديد .

( الفرض الثانى ) أن السند الأصلى غير موجود . وفى هذه الحالة لا يكون للسند المؤيد قوة فى الإثبات كدليل كامل، ولكنه يكون مبدأ ثبوت بالكتابة يستكمل بالبينة  وبالقرائن . ومع ذلك قد لا يكون دليلا كاملا فى حالتين :

( 1 ) إذا كان نص السند الأصلى مدوناً بأكمله فى السند المؤيد .

( 2 ) إذا تعددت السندات المؤيدة ، وكانت متطابقة ، ودعمتها الحيازة ، وكان أحدها يرجع تاريخه إلى ثلاثين سنة على الأقل .

فيجوز للقاضى فى هذه الحالة ، إذا كان السند الأصلى قدم ، أن يعد السندات المؤيدة دليلا كاملا ، ويترك ذلك إلى تقديره . وهذه الأحكام ينتقدها الفقه فى فرنسا ، لأنها لا تتفق مع القواعد العامة .

فإن هذه تقضى – وهذا ما يجب إتباعه فى مصر ما دام لا يوجد نص فى هذه المسألة – بأنه إذا وجد سند مؤيد لسند سابق ، اعتد بالسند المؤيد كدليل إثبات كامل ، إذ هو موقع من المدين وليس مجرد صورة لورقة عرفية ، سواء فى ذلك أشتمل على نص السند الأصلى أو لم يشتمل

وتعددت السندات المؤيدة أيا كان تاريخها أو لم تتعدد . ولكن لما كان السند المؤيد يشير إلى سند أصلى ، فالمفروض أن السند المؤيد مطابق للسند الأصلى ، إلى أن يثبت المدين العكس بإبرازه السند الأصلى .

وبهذا تقضى المادة 292 من المشروع الفرنسي الإيطالي . وقد كان المشروع التمهيدى للتقنين الجديد يحتوى على نص مماثل ، إذ كانت المادة 537 من هذا المشروع تنص على ما يأتى :

” السند المؤيد لسند سابق يكون حجة على المدين . على أنه يجوز للمدين أن يثبت عدم صحة هذا السند بتقديم السند الأصلى ” . ولكن لجنة المراجعة حذفت هذا النص ، ويغلب أن يكون ذلك اكتفاء بالقواعد العامة.

Print Friendly, PDF & Email
عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 842

شاركنا برأيك