إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه ( شرح مادة 1 اثبات )

شرح المادة الأولي من قانون الاثبات الخاصة بقاعدة إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه – مادة 1 اثبات وهى قاعدة مصدرها القانون المدني ويقول الدكتور السنهوري أن القانون جميعه يتلخص في مسألتين الحق ومصدره و من ثم عملية الإثبات تنصب علي مصدر الحق لا علي الحق نفسه ، وما يتعاطى معه المشرع بقانون الإثبات هو إثبات مصدر الحق نفسه ، ومصدر الحق . أي حق . لا يخرج عن كونه تصرف قانوني أو واقعة قانونية . فما هو التصرف القانوني وما هي الواقعة القانونية

شرح المادة الأولي من قانون الاثبات عن اثبات الالتزام

إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه ( شرح مادة 1 اثبات )

على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه.

  القانون المدني هو مصدر عبارة إثبات الالتزام

بما يوجب البدء بالرجوع إليه ؛في ذلك 

سبق أن وردت عبارة ” إثبات الالتزام ” والتي افتتح بها قانون الإثبات مواده بالنص عليها بالمادة رقم 1 منه كعنوان للباب السادس من الكتاب الأول من القانون المدني ، وكان إيرادها عنوان لهذا الباب مبرراً ومنطقياً ، إذ قسم القانون المدني الكتاب الأول منه في الالتزامات بمعني الحقوق الشخصية إلي ست أبواب

خصص الباب الأول منها للحديث عن مصادر الالتزام ، وخصص الباب الثاني منها للحديث عن آثار الالتزام ، وخصص الباب الثالث منها للحديث عن الأوصاف المعدلة لأثر الالتزام ، وخصص الباب الرابع منها للحديث عن انتقال الالتزام ، وخصص الباب الخامس منها للحديث عن انقضاء الالتزام ، لذا فكان من الطبيعي أن يخصص الباب السادس منه للحديث عن إثبات الالتزام .

فلما صدر قانون الإثبات رقم 25 لسنة 1968 وألغي بصدوره الباب السادس من القانون المدني انتقلت عبارة ” إثبات الالتزام ”  كما هي من عنوان للباب السادس إلي مكان الصدارة بنص المادة رقم 1 من قانون الإثبات .

وما نقرره ليس ترفاً فكرياً وإنما إيضاح دقيق لأصل هذه العبارة لما سيترتب علي ذلك من آثار حال التصدي لنصوص قانون الإثبات شرحاً وتعليقاً ، وساعتها سنجد أن تلك الإشارة  المرجعية كانت ضرورية حتمية  .

كذلك ألغي قانون الإثبات من الباب السابع من الكتاب الأول من قانون المرافعات ، بما يعني أن قانون الإثبات جميع بين ضفتيه بين القواعد الموضوعية والإجرائية معاً . وهذا ما يبرر صياغة المادة الأولي من قانون الإثبات علي النحو الذي صيغت عليه ، ويجري نصها علي أنه

يلغى الباب السادس من الكتاب الأول من القسم الأول من القانون المدني ، والباب السابع من الكتاب الأول من قانون المرافعات المدنية والتجارية ، الصادر بالقانون رقم 77 لسنة 1949 ، ويستعاض عن النصوص الملغاة بنصوص القانون المرافق ، كما يلغى كل نص آخر يخالف أحكامه

المطلوب إثباته تصرف قانوني أم واقعة قانونية

  اللجوء لقانون الإثبات يعني أننا بحاجة إلي الإثبات ، وحين نتحدث عن الإثبات فإن التساؤل الأكثر أهمية يطرح نفسه . ماذا نثبت  هل نثبت الحق أم نثبت مصدره ، بمعني أبسط ما هو المطلوب إثباته ..؟

المنطق يقول أنه من غير المتصور أن يكون جميع المطلوب إثباته من جنس ونوع واحد ، فهناك تصرفات وهناك وقائع ، ومن يباشر دعوى قضائية سواء كمدعي أو كمدعي عليه لا بد أن يطرح علي نفسه هذا التساؤل

ما هو المطلوب إثباته ، هل المطلوب إثباته تصرف قانوني أم واقعة مادية . فمن يرغب في إثبات عقد وليكن عقد إيجار ليس كمن يرغب في إثبات واقعة الوفاء بالأجرة للمؤجر . إثبات العقد هو إثبات لعقد أما إثبات الوفاء بالأجرة فهو إثبات لواقعة مادية .

وسيط السنهوري – طبعة نقابة المحامين 2006 تنقيح المستشار مدحت المراغي  – الجزء الأول المجلد الثاني –  ص 3 

ويقرر سيادته ص 4 :

والقانون جميعه يتلخص في مسألتين :

الحق ومصدره . وإلي اليوم نحن نرتب مسائل القانون من ناحية الحق … وهذا هو الترتيب التقليدي الذي جري عليه القانون المدني  … ومصدر الحق هو التصرف القانوني والواقعة القانونية

راجع كذلك مستشار . عز الدين الدناصوري – موسوعة التعليق علي قانون الإثبات – الطبعة العاشرة – المجلد الأول ص 51 في التعليق علي المادة 2 من قانون الإثبات

ويقرر سيادته فيما يستفاد منه أنه تعريف للوقائع القانونية أنها أمر محسوس يرتب عليه القانون أثراً سواء أكان حدوث ذلك الأمر إرادياً أو غير إرادي كالفعل الضار والفعل النافع والقرابة والجوار

يقول السنهوري رحمه الله أن

القانون جميعه يتلخص في مسألتين . الحق ومصدره .  ونحن نأخذ مما قاله السنهوري بداية للرد علي هذا التساؤل المثار . ونقرر باختصار أن عملية الإثبات تنصب علي مصدر الحق لا علي الحق نفسه ، وما يتعاطى معه المشرع بقانون الإثبات هو إثبات مصدر الحق نفسه ، ومصدر الحق . أي حق . لا يخرج عن كونه تصرف قانوني أو واقعة قانونية .

  • فما هو التصرف القانوني ؟
  • وما هي الواقعة القانونية ؟

إثبات التصرف القانوني

 التصرف القانوني – حين يكون موضوعاً أو محلاً للإثبات – هو الإرادة تتجه إلي إحداث أثر قانوني معين فيرتب القانون عليها هذا الأثر  وقد يكون هذا التصرف حاصل التقاء إرادتين أو حاصل إرادة منفردة :

  • مثال التصرف القانوني ذي الإرادتين العقد فهو تصرف قانوني يقوم علي تطابق إرادتين ، ومثال من ذلك أيضاً الوفاء فهو تصرف قانوني يقوم علي تطابق إرادتين.
  • مثال التصرف القانوني بالإرادة المنفردة الوصية ، فالوصية فهي تصرف قانوني يقوم علي إرادة منفردة ، ومثال ذلك أيضاً الإبراء فهو تصرف قانوني يقوم علي إرادة منفردة.

إثبات الواقعة القانونية

 أما الواقعة القانونية – حين تكون موضوعاً أو محلاً للإثبات – فهي واقعة مادية يترتب علي وقوعها القانون أثراً أو آثاراً قانونية ، ولأن القانون يتدخل بتحديد آثار هذه الواقعة فقد سميت بالواقعة القانونية ، وهذه الوقائع علي نوعين :

  • النوع الأول الوقائع القانونية الطبيعية ، وهي الوقائع التي لا دخل لإرادة الإنسان فيها كالميلاد والوفاة .
  • النوع الثاني فهي الوقائع القانونية الاختيارية ، وهي الوقائع التي يحدثها الإنسان بإرادته كأعمال البناء والهدم والاستيلاء والحيازة ودفع غير المستحق والعمل غير المشروع

وهذا التعدد للوقائع يستفاد منه أن الشخص قد يقصد من وراء هذه الوقائع ترتيب أثر قانوني وقد لا يقصد ذلك ، ففي وقائع الحيازة يقصد الإنسان منها ترتيب أثر قانوني

أما في وقائع دفع غير المستحق فإنه من أن الشخص لم يقصد ترتيب الأثر القانوني ، وقد يقصد عكس هذا الأثر القانوني . وسواء كانت الواقعة القانونية طبيعية أو اختيارية ، وسواء قصد أثرها القانوني أو لم يقصد عكسه ، فهي دائماً واقعة مادية  .

وهناك حالات يقوم فيها إلي جانب التصرف القانوني عمل مادي لا سبيل إلي إثباته إلا بالبينة

كما لو تم التعاقد كتابة وقام المدين بتنفيذ الالتزام المترتب علي العقد عن طريق أعمال مادية ، ففي هذه الحالة لا يجوز إثبات التصرف القانوني إلا بالكتابة إذا كانت قيمته تزيد علي ألف جنية غير أن تنفيذ الالتزام وهو عمل مادي يجوز إثباته بكافة طرق الإثبات

فإذا قام نزاع بين المؤجر والمستأجر حول استلام العين المؤجرة أو بين البائع والمشتري بشأن وضع يد المشتري علي الشيء المبيع فهي وقائع مادية يجوز إثباتها بكافة طرق الإثبات إلا إذا كان قد نص في العقد علي التسليم قد تم فعلاً فعندئذ لا يجوز إثبات ما يخالف الكتابة إلا بالكتابة

مستشار عز الدين الدناصوري – المرجع السابق -المجلد الأول ص 430

قانون الإثبات يمثل نظرية عامة شاملة

إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه ( شرح مادة 1 اثبات )

  إعادة القراءة المتأنية لنص المادة رقم 1 من قانون الإثبات تبين أن هذه المادة لم تتلقي فقط عبارة ” إثبات الالتزام ” من القانون المدني ، وإنما تلقت أيضاً لفظات أخري هامة هي ” الدائن – المدين “

وهذا ما يطرح التساؤل هذا التساؤل المبدئي :

هل يحكم قانون الإثبات علاقات  الدائن والمدين فقط ..؟

في البدء نقرر أن سبب هذا التساؤل بل وسبب هذا الخلاف هو ما قام به المشرع من نقل حرفي للمادة رقم 389 من القانون المدني – الملغاة – وإعادة إصدارها كما هي نصاً بالمادة رقم 1 من قانون الإثبات .

والإجابة بعد العرض السابق لا 

كان ذلك متصوراً حين كانت نصوص قانون الإثبات جزء من نصوص القانون المدني ، أما وقد ألغيت تلك التبعية بالقانون رقم 25 لسنة 1968 بإصدار قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية ، فقد صار لقانون الإثبات وجوده التشريعي المتميز وصار وفق صريح نصوصه قانوناً عاماً للإثبات في غير المواد الجنائية .

ولا يغير من تلك الحقيقة ما صيغ به عنوان إصدار هذا القانون علي نحو معيب ، فهو ليس قانوناً للإثبات في المواد المدنية والتجارية فقط بل قانوناً عاماً للإثبات يطبق ما لم يوجد نص أحدث منه يحول دون هذا التطبيق

ولا أدل علي ذلك مما أورده القانون رقم 1 لسنة 2000 بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية بالمادة الأولي من أنه :

تسرى أحكام القانون المرافق على إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية والوقف ويطبق فيما لم يرد بشأنه نص خاص فيه أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية وأحكام قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية وأحكام القانون المدني في شأن إدارة وتصفية التركات.

أما عن التساؤل المرتبط فهو . بماذا يلتزم من يدعي حقاً له علي آخر ، هل يلتزم بإثبات القاعدة القانونية التي يستند إليها للمطالبة بما له ، أم يثبت فقط الواقعة القانونية التي تعد مصدراً لهذا الحق ..؟

قولاً واحداً . لا يلتزم المدعي بإثبات القاعدة القانونية أو النص القانوني

فهذه مهمة المحكمة وإن أشار إليه المدعي فلا حرج ، فمحل الإثبات هو الواقعة القانونية التي تعتبر مصدراً للحق المدعى به ، والواقعة محل الإثبات هي الواقعة القانونية بالمعنى العام أي سواء كانت واقعة مادية أم تصرفاً قانونياً ، فمن يدعي أن له ديناً في ذمة آخر عليه أن يثبت مصدر الدين

أي عليه أن يثبت الواقعة القانونية التي أنشأت الدين سواء كان ذلك تصرفاً قانونياً كالعقد، أم واقعة مادية ترتب عليها قيام هذا الدين في ذمته كالعمل غير المشروع .

هذا هو ما ينبغي إثباته ، فالجوهر في هذا الصدد هو أن الإثبات يرد على الواقعة القانونية ذاتها بوصفها مصدراً لحق أو الالتزام دون هذا الالتزام أو ذلك الحق ، ومتى قام المدعي بذلك كان على القاضي أن يطبق القانون على ما ثبت لديه من وقائع، بمعني مقابل أن القاعدة القانونية الواجبة التطبيق ليست محل الإثبات أي لا يكلف الخصوم بإثباتها .

فهذا من عمل القاضي وحده والمفروض في القاضي أنه يعلم بالقانون وعليه وحده أن يبحث عن القاعدة القانونية الواجبة التطبيق على ما ثبت لديه من الوقائع ، وعلى ذلك ينبغي أن نفرق بين القاعدة القانونية التي لا يكلف الخصوم بإثباتها بل يفترض في القاضي العلم به

والواقعة القانونية وهي التي تعتبر محل الإثبات وينبغي على الخصوم إثباتها ، نكرر ونؤكد أن الواقعة القانونية محل الإثبات ليست هي الحق المدعى به أو القاعدة المراد تطبيقها و إنما هي الواقعة مصدر الحق أو الواقعة المنهية للحق ، فقد تنصرف الواقعة ليس فقط إلى وجود الحق أو زواله بل أيضاً إلى نقله وتعديله.

أنظمة الاثبات المدني

إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه ( شرح مادة 1 اثبات )

النظام الأول 

نظام الأدلة الحرة – نظام الإثبات الحر

طبقاً لنظام الأدلة الحرة فإن أصحاب الحقوق ، وبالأدق مدعي الحقوق لا يتقيدون بأدلة بعينها ، كما أن القاضى نفسه لم يتقيد بطرق معينة للإثبات ، بما يعني أن له قبول ما يقدم كدليل علي وجود الحق المدعي به ، أيا كان هذا الدليل ما دام موصلاً الي التدليل علي الحق ، فيترك للقاضي سلطة واسعة فى قبول وتقدير الأدلة المعروضة عليه بل وتحرى الوقائع محل النزاع

وللقاضي أيضاً بناء علي فلسفة الإثبات الحر والأدلة الحرة حرية مطلقة فى استجماع الأدلة بما يساعده على تكوين عقيدته ، وفى استكمال ما نقص منها ، إذا وبناء علي ذلك

فللقاضي دور إيجابي فى تسيير الدعوى بل ان له ان يقضى بعلمه ، وللخصوم – نكرر – حرية كاملة فى تقديم من الأدلة ما يقنع القاضى ويساعده على الوصول إلى الحقيقة ، وقد يلجأ القاضى إلى غير الخصوم ليستكشف الحقيقة .

وفي مقام تقييم هذا النظام ، يمكننا القول بأنه يقرب بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية إلى حد بعيد وقد أخذت به القوانين الانجلو أمريكية والألمانية والسويسرية ، كما يأخذ بهذا النظام بعض فقهاء الشريعة الإسلامية ، كذلك تأخذ به كافة التشريع  فى المواد الجنائية حيث أن الأصل فيها هو مبدأ اقتناع القاضي

وهى بحسب طبيعتها ، لا تقبل تحديد وسائل معينة للإثبات . إلا أنه يعاب على هذا النظام أن من شأنه أن يزعزع الثقة فى التعامل فالتقدير – فى مسائل الإثبات – قد يختلف من قاض إلى قاض آخر

وهذا الاختلاف فى التقدير يعرض المتقاضى للمفاجآت ، فلا يكون على بينة ان الأدلة لمقدمة من شانها إقناع القاضى ، علاوة على ذلك فان القاضى وهو بشر غير معصوم من الخطأ ، قد يغلبه الهوى فيسئ استعمال سلطته الواسعة ويتعسف دون رقابة عليه من القانون  .

  النظام الثاني

نظام الأدلة المقيدة  – نظام الإثبات المقيد

طبقاً لهذا النظام فالأدلة المقبولة لإثبات الحق محددة ومعدودة سلفاً ، وهذه الأدلة تختلف باختلاف كل قضية علي حدة ، وعلى المحكمة وعلى المتقاضين التقيد بهذه الحدود ، فموقف القاضى – فى ظل هذا النظام – سلبي محض فهو يلتزم بطرق الإثبات التى حددها القانون وبالقيمة التى يعطيها لكل طريق وليس له ان يستجمع الأدلة ولا أن يكمل ما نقص منها .

ولا شك أن لهذا النظام مزية كفالة استقرار التعامل وبعث الثقة والاطمئنان فى نفوس المتقاضين ، كذلك فانه يبعد القاضى عن التحكم ويمنع التعسف الذي قد يشيب حكمه ، وفى هذا ضمان لحسن سير العدالة ، على أنه يؤخذ على نظام الإثبات المقيد أنه قد يباعد كثيراً بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القانونية فهو لا يترك للقاضي أية سلطة تقديرية ، فلا يمكن له إقامة الدليل على الواقع إلا بالطريقة التى رسمها القانون وفى هذا انتهاك لمبادئ العدالة  .

تقييم النظامين الحر والمقيد في الاثبات

وبيان ما يترتب علي وجود نظامين للإثبات  أحدهما حر و الآخر مقيد

النظام الذي اختره قانون الإثبات المصري –  نظام الإثبات المختلط

لا يمكن القبول مطلقاً بنظام الأدلة الحرة علي إطلاقه ، كما لا يمكن التسليم بنظام الأدلة المقيدة علي إطلاقه

  1. الأول قد يخلق حالة فوضي لا تجابه كما أنه يعطي القاضي سلطات قد تتجاوز حدود اعتباره بشراً
  2. والثاني قد يضيع الحق فتحقق حالة ظلم يساهم فيها القانون بنصوصه

لذا يتوسط نظام الإثبات المختلط بين إطلاق الإثبات الحر وتقييد الإثبات القانوني ، فيوفق بين النظامين ويجمع ما فيهما من مزايا ويتلاقى ما فيهما من عيوب ، إذ يفرض بعض القيود على القاضي فى إثبات بعض المسائل ويترك له الحرية فى تقدير إثبات بعض المسائل الأخرى

فنفرض مثلا الكتابة لإثبات التصرفات القانونية التى تتجاوز قيمتها نصاباً معيناً ، وتعطى القرائن القانونية قوة حاسمة فى النزاع ، ولكن حيث تجوز البينة

يستطيع القاضى ان يأخذ بها أو يطرحها كما ان له عند اختلاف الشهادة ان يرجح شهادة القلة على الكثرة ، ويترك لتقدير القاضى استنباط القرائن القضائية .ونظام الإثبات المختلط على هذا النحو ، يجمع بين استقرار التعامل بما يفرضه من قيود ، وبين اقتراب الحقيقة القضائية من الحقيقة الموضوعية مما يعطى للقاضي من حرية التقدير  .

م. د . عبد الحكم فوده – موسوعة الإثبات – ص 19 ، د . أحمد سلامة – الإثبات – 1982 – ص 39

مبدأ الأصل براءة الذمة – التعبير الدقيق عن طبائع الأمور

تعد المادة رقم 1 من قانون الإثبات هي المصدر الحقيقي والمباشر لأهم مبدأ يحكم عملية الإثبات في عمومها وهو ما يعرف بمبدأ براءة الذمة ، فماذا يعني هذا المبدأ وما هي النتائج التي تترتب عليه .

في البدء نقرر :

1- أن الحديث عن هذا المبدأ لا يثار إلا بصدد تحديد من هو الملزم بالإثبات ، فمن المؤكد أن كل نزاع يعرض علي القضاء لابد من إثباته ، فالحق بدون دليل هو والعدم سواء بسواء ، وهنا يثور التساؤل من المكلف بعبء الإثبات .

2- أن المنازعات التي تعرض علي القضاء ليحكم فيها إما أن تتعلق بحق من الحقوق الشخصية أو بحق من الحقوق العينية ، ومن المؤكد أن لمبدأ براءة الذمة في كل دلالة خاصة  .

والإثبات نظرية عامة يقول عنها السنهوري

إن نظرية الإثبات ليست مقصورة علي الالتزام بل هي نظرية عامة شاملة …. ، بل تتجاوز منطقة القانون المدني إلي غيرها من مناطق القوانين الأخرى … ويشير بالهامش نصاً ” .. ومصادر وروابط الأسرة ، فهي تتجاوز القانون المدني إلي غيره من القوانين

وسيط السنهوري – طبعة نقابة المحامين 2006 تنقيح المستشار مدحت المراغي  – الجزء الأول المجلد الثاني –  ص 18

أولاً : دلالة مبدأ براءة الذمة في نطاق المنازعات الخاصة بالحقوق الشخصية وأثره : في نطاق المنازعات الخاصة بالحقوق الشخصية فإن مبدأ براءة الذمة يعني :

– في العلاقات المالية فالأصل أن الإنسان غير مدين لغيره ، ومن يتمسك بهذا الأصل لا إثبات عليه فيكفي المدعي عليه بدين أن يلزم الصمت فهو غير مكلف بإثبات براءة ذمته لأنها أصل ومن يدعي خلاف هذا الأصل بأن يدعي أن الغير مدين له وجب عليه أن يثبت مصدر هذا الدين

فمن ادعي أنه أقرض آخر مبلغاً من المال عليه أن يثبت عقد القرض ، ومن يطالب آخر بثمن مبيع عليه أن يثبت عقد البيع والشريك الذي يطالب شريكه بنصيبه في الخسارة عليه أن يثبت عقد الشركة وكذا مقدار الخسارة التي لحقت بالشركة .

– وفي صحة واكتمال الأهلية ، فالأصل أن كل شخص أهل للتعاقد ما لم تسلب أهليته أو يحد منها بحكم القانون وعلي من يدعي العكس أن يقدم الدليل علي صحة ما يدعيه.

– وفي عيوب الإرادة ، فالأصل أن أي عقد خالي من العيوب وعلي من يدعي أن بالعقد عيباً أن يثبته .

ثانياًً : دلالة خاصة لمبدأ براءة الذمة في نطاق الحقوق العينية :  في نطاق المنازعات الخاصة بالحقوق العينية نجد أن مبدأ الأصل براءة الذمة

له دلالة خاصة نظراً لطبيعة الحقوق العينية اختلافها عن الحقوق الشخصية ، فيقال أن الأصل في الحقوق العينية صحة الوضع الظاهر ، ومن ثم لا يلزم من يتمسك بالوضع الظاهر بإثباته ، وعلي من يدعي عكس هذا الوضع الظاهر أن يثبته .

– فالحائز للعين لا يطالب بإثبات ملكيته لأن الظاهر هو أن الحائز مالك ، وعلي من يدعي ملكية العين أن يثبت ذلك .

– و حق الملكية الأصل أنه خال من أي حق عيني ، فالمالك إذا تمسك بهذا لا يطالب بإثباته .

ومن يدعي خلاف هذا الظاهر بأن يدعي أن له حق ارتفاق أو حق انتفاع أو حق رهن علي العين كان عليه أن يثبت قيام الحق الذي يدعيه إذن :

* فمبدأ الأصل براءة الذمة – في مجال الحقوق الشخصية – يعني أن هناك ثابت أصلاً ثابتاً بحكم طبائع الأمور فالأصل دائماً الصحة والكمال ، فالأصل فى العقود أنها صحيحة صادرة عن إرادة حرة لا يشوبها عيب يعدمها أو يبطلها

كما أن الأصل في الإجراءات أنها تمت صحيحة مطابقة للقانون ، هذا الأصل الثابت والمتسق مع طبيعة الأمور وما يجب أن تكون عليه يوجب التسليم بأن من يتمسك بهذا الأصل لا شيء عليه فهو يرتكن إلي قانون كوني طبيعي وعلي من يدعي عكس ذلك بالأدق حصول غير ذلك أن يثبته

لذا قضت محكمة النقض بأنه

الأصل في نطاق الحقوق الشخصية هو براءة الذمة من كل التزام ، فمن يدعي أنه يداين شخصاً فإنه يكون مدعياً خلاف الثابت أصلاً ومن ثم يقع عليه عبء إثبات مصدر هذا الدين

نقض مدني – جلسة 19-6-1973 الطعن رقم 229 لسنة 38 ق السن 24 ص 940

* كما أن مبدأ الأصل براءة الذمة – في مجال الحقوق العينية – يعني أيضاً أن هناك ثابت بحكم طباع الأشياء مفاده صحة الوضع الظاهر ، فحائز الشئ لا يطالب بإثبات ملكيته له لأن الظاهر أن الحائز مالك

لذا قضت محكمة النقض بأنه

من المقرر أن من يدعي الملكية لنفسه يكون هو المكلف بإثبات دعواه وتقديم الأدلة التي تؤيد ما يدعيه

نقض مدني – جلسة 8-6-1982 – الطعن رقم 1514 لسنة 48 ق

فرض مبدأ الأصل براءة الذمة بقوة القانون – القرائن

ذكرنا أن مبدأ الأصل براءة الذمة هو مبدأ تمليه طبائع الأمور ، سواء في مجال الحقوق الشخصية أو في مجال الحقوق العينية ، وهو ما يعني أن من يتمسك بهذا الأصل الثابت بحكم طبائع الأمور لا يكلف بالإثبات وإنما يكلف من يدعي عكسه بالإثبات .

ولم يكتفي المشرع بالثابت أصلاً بحكم طبائع الأشياء فأضاف إليه ثابت جديد بقوة القانون أصطلح علي تسميته بالثابت فرضاً ، ونحن أميل إلي أن نسميه بالثابت قانوناً لنفرق ببساطة بين الثابت بحكم طباع الأمور والثابت بأمر من المشرع والذي نسميه الثابت قانوناً أي بقانون .

ويقول السنهوري عن ذلك الثابت فرضاً ولنفهم ذلك بأنه الثابت بفرض المشرع له :

قد يحل الأصل في نطاق الحقوق الشخصية ومحل الظاهر في نطاق الحقوق العينية وضع يفرض القانون وجوده عن طريق قرينة قانونية يقيمها ، فيكون هذا الثابت فرضاً – بإرادة المشرع – كالثابت أصلاً في نطاق الحقوق الشخصية ، وكالثابت ظاهراً في نطاق الحقوق العينية  .

وسيط السنهوري – المرجع السابق الجزء الأول – المجلد الثاني  – ص 65

تطبيقاً في مجال الحقوق الشخصية

  • – ما تقرره المادة 137 فقرة 1 من القانون المدني بشأن قرينة أن لكل دين سبب مشروع ، فعلي من يدعي العكس أن يثبته .
  • – ما تقرره المادة 173 فقرة 3 من القانون المدني بشأن قرينة تقصير المكلف برقابة القاصر في أداء واجبه بالرقابة عليه ، فلا يكلف المضرور من تصرف القاصر بإثبات تقصير المكلف بالرقابة ، يكفي أن يثبت الضرر الذي لحق وألم به ، أما إثبات تقصير المكلف بالرقابة فلا حاجة له فهو ثابت بقرينة قانونية
  • كذلك الحال في مسئولية حارس الحيوان عن الحيوان ، ومسئولية حارس البناء عن تهدم البناء ، وحارس الآلات الميكانيكية أو الأشياء التي يتطلب حراستها عناية خاصة .
  • – ما تقرره المادة 587 من القانون المدني من أن الوفاء بسقط من الأجرة قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة على هذا القسط حتى يقوم الدليل على عكس ذلك.

 تطبيقاً في مجال الحقوق العينية

إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه ( شرح مادة 1 اثبات )

– ما تقرره المادة 1018 فقرة 1 من أنه إذا فرضت قيود معينه تحد من حق مالك العقار فى البناء عليه كيف شاء كأن يمنع من تجاوز معين فى الارتفاق بالبناء أ وفى مساحة رقعته ، فإن هذه القيود تكون حقوق ارتفاق على هذا العقار لفائدة العقارات التى فرضت لمصلحتها هذه القيود . هذا ما لم يكن هناك اتفاق يقضى بغيره.

علي أنه يراعي بخصوص هذه القرائن التي يجعل بها المشرع الثابت فرضاً أي بقوة القانون كالثابت أصلاً بحكم طبائع الأمور أنها ليست علي درجة واحدة من حيث جواز إثبات عكسها ، فالقرينة التي تقبل إثبات عكسها وهي القرينة القانونية البسيطة إنما تنقل عبء الإثبات ممن يتمسك بها إلي خصمه ، أما القرينة التي لا تقبل إثبات العكس

وهي القرينة القانونية القاطعة فإنها تعفي من يتمسك بها من الإثبات ، ومن ثم فالبينة تكون علي من يدعي خلاف ما هو ثابت فعلاً ، حقيقة كان هذا الثبوت أو ضمناً  .

راجع الشروح الخاصة بمواد القرائن القانونية بنوعيها

لا يجوز الاعتداء علي مبدأ الأصل براءة الذمة – بقلب عبء الإثبات وتكليف المدعي عليه بالإثبات

  لما كان الأصل براءة الذمة – في الحقوق الشخصية والحقوق العينية علي السواء مع اختلاف دلالة المبدأ حسب نوع الحق شخصي أو عيني كما ذكرنا – فإن ذلك يعني في مجال الحقوق الشخصية – وهي الأكثر شيوعاً – أن من يدعي أن شخصاً مديناً له أن يثبت ذلك

فمبدأ براءة الذمة وحدة يدافع عن الشخص ويدرأ عنـه القول بأنه مدين ، لذا فالمدعي عليه لا يلزم بالنفي إلا إذا قدم خصمه ضده دليل إثبات ، فله قبل أن يقدم ضده دليل إن يلزم الصمت والسكون ، ساعتها لا مفر من الحكم برفض دعوى المدعي إذا أخفق في إقامة الدليل علي خرق مبدأ براءة الذمة ، فيظل هذا المبدأ بظلاله حامياً لشخص المدعي عليه  .

قضت محكمة النقض وهو قضاء مستقر ومتواتر لا حدية عنه بأن  :

الأصل براءة الذمة . علي من يدعي انشغالها إثبات ذلك

نقض مدني جلسة 16-5-1993 الطعن رقم 6485 لسنة 62

و عملاً ؛ وبما يعد تطبيقاً لمبدأ براءة الذمة في قانون المرافعات ، توجب المادة 63 من هذا القانون علي من يقيم دعوى قضائية أن تشتمل صحيفة دعواه علي وقائع الدعوى وطلبات المدعي وأسانيدها ، فإذا خلت دعواه مما استوجبها هذا النص وجب الحكم بعدم قبول الدعوى لخلوها من الدليل والسند والمستند إعمالاً للمادة 1 من قانون الإثبات حيث الأصل في الإنسان – وهو هنا المدعي عليه براءة الذمة – وتطبيقاً للمادة 63 من قانون المرافعات

راجع للمؤلف موسوعة شرح قانون المرافعات – الطبعة الأولي 2015 – التعليق علي المادة 63 من قانون المرافعات

لذا يجب حال الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم تقديم المدعي دليلاً علي صحة دعواه إعمالاً للمادة 63 فقرة 6 من قانون المرافعات الإشارة أيضاً إلي المادة 1 من قانون الإثبات .

ويراعي 

أن تحديد من المكلف بعبء الإثبات مسألة قانونية ، بمعني أن المشرع هو من يحدد من المكلف بعبء الإثبات ، وقد حدد المشرع فعلاً ذلك بنصه علي أن الدائن هو المكلف بعبء الإثبات ، فإذا ادعي المدعي علي المدعي عليه حقاً فنفي ذلك المدعي عليه إلا أن المحكمة كلفت المدعي عليه بنفي هذا الإدعاء

فإنها بذلك تكون قد قلبت عبء الإثبات وكلفت المدعي عليه بنفي واقعة كان المدعي مكلفاً بإثباتها ولم يثبتها ومن ثم يجوز الطعن بالنقض علي هذا الحكم بطريق النقض

وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض وهو قضاء مستقر وثابت بأنه 

تحديد من يحمل عبء الإثبات . مسألة قانونية. خضوعها لرقابة محكمة النقض

نقض مدني – جلسة 25-6-1998 الطعن رقم 1798 لسنة 62 ق

الجانب الحركي للمبدأ – استفادة المدعي   من المبدأ إذا أثبت عكسه – الثابت فعلاً

مبدأ براءة الذمة لا يعني حماية المدعي عليه طوال الوقت ، فإذا أفلح المدعي في إثبات عكسه ، كأن يثبت أن المدعي عليه مدين له حقاً بأن قدم الدليل علي ذلك ، صار بما قدمه من أدلة في وضع أصطلح علي تسميته الثابت عرضاً ونحن نفضل تسميته كالسنهوري بالثابت فعلاً .

ساعتها يزول أثر المبدأ بالنسبة لهذا الخصم ، ويصبح المدعي عليه بإثبات عكس هذا الثابت فعلاً ، فإما أن يثبت بالدليل عكس ذلك فيعود مبدأ الأصل براءة الذمة في جانبه ، أو يخفق في ذلك ومن ثم وجب الحكم لخصمه

ويقول السنهوري في ذلك

” الأصل براءة الذمة وهذا هو الظاهر أصلاً فإذا ادعي شخص ديناً علي آخر فإنما يدعي عكس الظاهر أصلاً ويقع عليه عبء إقامة الدليل فإن تمكن من إقامة الدليل أصبح الظاهر عرضاً أن المدعي عليه مدين ، فإما أن يسلم بالدين وإما أن يدعي انقضاءه بالوفاء أو بغيره وحينئذ يكون مدعياً خلاف الظاهر عرضاً وينقل إليه عبء الإثبات فيما يتعلق بسبب انقضاء الدين ”  .

وسيط السنهوري – الجزء الأول – ط 2 ص 90 وما بعدها

وعملاً 

ونظراً لطبيعة الدعوى القضائية كوسيلة وآلية للحصول علي الحقوق فإن المدعي عليه في غالب الأحوال لن يقف معتصماً بمبدأ براءة الذمة طويلاً ، فما أن يقدم خصمه دليلاً ضده يسعى هو في المقابل إلي تقديم دليل مقابل ، ساعتها تتداول الأدلة المعروضة ويكون كل من المدعي والمدعي عليه مستفيد إلي حد ما بمبدأ الأصل براءة الذمة حتي يقدم الخصم دليلاً ضحد هذا المبدأ .

ويقول السنهوري

ومن يتمسك بما هو ثابت أصلاً أو ظاهراً أو فرضاً يمكن أن نقول أنه يتمسك بما هو ثابت حكماً ، وهو لا يكلف بالإثبات ، بل من يدعي خلاف ما هو ثابت حكماً هو الذي يحمل عبء الإثبات كذلك الحال فيمن يتمسك بما هو ثبات ثابت فعلاً لا يكلف هو أيضاً بالإثبات ، وإنما يحمل عبء الإثبات من يدعي خلاف ما هو ثابت فعلاً .

والثابت فعلاً هو ما أقام الخصم الدليل عليه بالطرق القانونية حقيقة أو ضمناً ، مثل ذلك دائن يرفع دعوى الدين علي مدينه ، فيدعي خلاف الأصل وهو براءة الذمة ، فعليه إذن عبء الإثبات .

فإذا ما أثبته حقيقة بسند مكتوب مثلاً ، فلا يجوز للمدين أن يدعي وفاء الدين ، أي خلاف ما هو ثابت حقيقة إلا إذا حُمل عبء إثبات ما يدعيه ، ولو أن المدين لم يكلف المدعي بإثبات الدين حقيقة بل دفع الدعوى بالمقاصة كان هذا بمثابة إقرار ضمني منه بالدين ، فيكون الدين ثابتاً ضمناً وعلي المدين إذن عبء إثبات انقضاءه بالمقاصة لأنه يدعي خلاف ما هو ثابت ضمناً

وسيط السنهوري – المرجع السابق الجزء الأول – المجلد الثاني  – ص  66 ، 67

مبدأ براءة الذمة ليس مطلقا

  يظل مبدأ الأصل براءة الذمة فاعلاً ما لم يقدم المدعي دليله علي صحة دعواه ، لأنه بتقديمه هذا الدليل صار الحق المدعي به أو المطالب به ثابت عرضاً ، وقد أعلنا أننا نفضل استخدام عبارة الثابت فعلاً. ساعتها ينشط المدعي عليه

فإما أن يسلم بطلبات المدعي ، وإما أن يثبت عكسها. وقد يكون أكثر حرصاً علي صالحه – من وجهة نظره – فلا ينتظر الخصم ليقدم الدليل فيقدم هو الدليل وهو ما اصطلح علي تسميته بالتبرع بالدليل ،

وقد يتجاوز الأمر ذلك بوجود اتفاق مسبق بين الخصوم علي التزام المدعي عليه بالإثبات

وسيلي بيان ذلك كله علي النحو التالي :

أولاً – قواعد الإثبات ليست من النظام العام فيجوز الاتفاق علي مخالفتها  بتحمل المدعي عليه عبء الإثبات

من القواعد الخاصة بالإثبات تلك القواعد الخاصة بتحديد عبء الإثبات ، بمعني تحديد المكلف بالإثبات ، وقواعد عبء الإثبات ليست متعلقة بالنظام العام ومن ثم يجوز للخصوم أن يتفقوا مقدماً علي مخالفتها ، بمعني أن يتفقوا علي نقل عبء الإثبات ، ويقع هذا الاتفاق صحيحاً سواء تم قبل حدوث الواقعة المتنازع عليها أو بعد حدوثها وفي أثناء نظر النزاع بشأنها .

وإيضاحاً للأمر نقول أن قواعد الإثبات عموماً نوعين ، إما ان تكون قواعد شكلية خاصة بالإجراءات ، وإما أن تكون موضوعية خاصة بالأدلة ذاتها

أما عن النوع الأول من القواعد وهى القواعد الخاصة بالإجراءات فلا جدال فى أنها تعتبر من النظام العام ، وذلك لتعلقها بنظام التقاضي

أما بالنسبة للقواعد الموضوعية وهى القواعد التى تتعلق بمحل الإثبات ، وعبئه ، وطرقه ، فان الخلاف بشأنها قد حسم والقول الصحيح بأنها لا تتعلق بالنظام العام بل بمصلحة خاصة بالخصوم يدرونها كما يرون ، والواقع أنه يترتب على معرفة ما إذا كانت هذه القواعد من النظام العام ام أنها ليست كذلك نتائج هامة

فإذا اعتبرت من النظام العام ترتب على ذلك جواز التمسك بالقاعدة فى أية حالة كانت عليها الدعوى ولو لأول مرة أمام محكمة النقض ، كما أنه لا يجوز الاتفاق على مخالفتها وإلا كان الاتفاق باطلاً ، ويكون للقاضي بل عليه أن يرفض ما يخالفها من تلقاء نفسها ، كما أن الخصم لا يتقيد بتنازله عن التمسك بها

أما إذا لم تعتبر هذه القواعد من النظام العام ، فانه يترتب على ذلك نتائج عكسية . وعلى ذلك فطالما ان قواعد الإثبات فى هذا الشأن لا تتعلق بالنظام العام فليس ثمة ما يمنع من ان يأخذ احد الطرفين عبء الإثبات على عاتقه حتى ولو لم يكن ملزماً فى الأصل بتحمل هذا العبء .

ثانياً- يجوز التبرع بالإثبات  – وهو يلزم المتبرع بالإثبات باعتباره اتفاق علي نقل عبء الإثبات ؛

يقصد بجواز التبرع بالإثبات أن الخصم غير المكلف بالإثبات هو من يقدم الدليل ،  صحيح أنه لن يقدم – في غالب الأحوال – دليلاً ضده نفسه وهو وارد كـأن يسلم بالطلبات إلا أنه لا يوجد ما يحول بينه وبين البدء بتقديم الدليل ، صحيح أن له الاعتصام بمبدأ الأصل براءة الذمة لكنه قد يتجاوز هذا المبدأ فيسعى إلي تقديم دليل براءته من الالتزام المدعي به .

ويراعي للأهمية خطورة التبرع بالإثبات علي النحو السابق ، لأن الخصم المتبرع بالإثبات لم يمكنه العدول عن ذلك لاحقاً ، كما لن يمكنه الطعن لاحقاً بأنه غير مكلف بالإثبات من الأساس ، لأن التبرع هنا وكما استقر عليه قضاء محكمة النقض هو اتفاق صحيح علي نقل عبء الإثبات .

قضت محكمة النقض بأن 

القواعد التي تبين علي أي خصم يقع عبء الإثبات لا تتصل بالنظام العام ، ويجوز للخصم الذي لم يكن مكلفاً في الأصل بحمل عبء الإثبات إثبات واقعة أن يتطوع لإثباتها بطلب إحالة الدعوى إلي التحقيق من أجلها ، فإذا أجابته المحكمة إلي طلبه امتنع عليه أن يحتج بأنه لم يكن مكلفاً قانوناً بالإثبات وذلك علي أساس أن تقدمه بهذا الطلب وسكوت خصمه عنه يعد بمثابة اتفاق بينهما علي نقل عبء الإثبات إليه

نقض مدني – جلسة 29-11-1966 مج المكتب الفني السنة 17 ص 1735

كما قضت محكمة النقض في هذا الصدد :

القواعد التى تبين على أي خصم عبء الإثبات لا تتصل بالنظام العام ويجوز الاتفاق على مخالفتها ، ومتى كان الطاعن قد طلب من المحكمة إحالة الدعوى إلى التحقيق لإثبات ما يدعيه فليس له ان ينعى على الحكم إجابته إلى مـا طلب حتى ولو كان فيها متطوعا لإثبات ما هو غير ملزم بحمل عبئه

نقض مدني – طعن رقم 1186 لسنة 50 ق  – جلسة 13/3/1985

ثالثاً – لا تعارض بين مبدأ براءة الذمة ودور المحكمة في تسير الخصومة باتخاذ ما تراه من إجراءات الإثبات كاستجواب الخصوم  ورد وإبطال أي محرر تراه مزوراً … الخ  ؛

مبدأ براءة الذمة علي النحو السابق لا يعني أنه ليس للمحكمة الحق في إدارة دفة الخصومة بما لا يتعارض مع هذا المبدأ ، ولو بدا أن هناك تعارض – والحقيقة أن هناك تعارض لكنه تعارض موضوعي ومبرر بإرادة المشرع

فالمشرع وإن سلم بمبدأ براءة الذمة فهو كما سلف القول ليس مبدأ مطلقاً طليق من كل قيد ، من هذه القيود ذلك الدور الممنوح المحكمة والورد بنصوص تشريعية صريحة .

* فللمحكمة دور في البحث عن الحقيقة وإظهار العدالة :

تطبيقاً  تنص المادة 118من قانون المرافعات علي أنه :

للمحكمة ولو من تلقاء نفسها أن تأمر بإدخال من ترسى إدخاله لمصلحة العدالة أو لإظهار الحقيقة .

وتعين المحكمة ميعادا لا يجاوز ثلاثة أسابيع لحضور من تأمر بإدخاله ومن يقوم من الخصوم بإدخاله ويكون ذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى.

* وللمحكمة دور في البحث عن أدلة وتقييم الدليل :

تطبيقاً تنص المادة 105 من قانون الإثبات علي أنه :

للمحكمة أن تستجوب من يكون حاضراً من الخصوم ولكل منهم أن يطلب استجواب خصمه الحاضر.

وتطبيقاً . تنص المادة 108 من قانون الإثبات علي أنه :

إذا رأت المحكمة أن الدعوى ليست فى حاجة إلى استجواب رفضت طلب الاستجواب .

وتطبيقاً . تنص المادة 109 من قانون الإثبات :

يوجه الرئيس الأسئلة التى يراها إلى الخصم ، ويوجه إليه كذلك ما يطلب الخصم الآخر توجيهه منها وتكون الإجابة فى الجلسة ذاتها إلا إذا رأت المحكمة إعطـاء ميعاد للإجابة .

وتطبيقاً تنص المادة 110 من قانون الإثبات

” للقاضي أن يوجه اليمين المتممة من تلقاء نفسه إلى أي من الخصمين ليبني على ذلك حكمه فى موضوع الدعوى أو فى قيمة ما يحكم به .

ويشترط فى توجيه هذه اليمين ألا يكون فى الدعوى دليل كامل وألا تكون الدعوى خالية من أي دليل .

* وللمحكمة دور في تبصرة الخصوم بما يتطلبه حسن سير الدعوى :

تطبقاً . تنص  المادة 4 من القانون 1 لسنة 2000م بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية : يكون للمحكمة – في إطار تهيئة الدعوى للحكم – تبصرة الخصوم في مواجهتهم بما يتطلبه حسن سير الدعوى ومنحهم أجلا لتقديم دفاعهم  .

د.  سمير الحمصاني – دور المحاكم في توجيه الخصومة – رسالة جامعة عين شمس – 1999

رابعاً – لا تعارض بين مبدأ براءة الذمة واعتماد المشرع لنظام الأدلة المختلط ؛

  إذا قلنا أن من حق صاحب الحق أن يقيم أي دليل علي حقه ، فإن حاصل ذلك أننا سنواجه كم لا يحصي من الأدلة ، كما أننا قد نواجه أدلة غير مشروعة ، ما دام لصاحب الحق أن يثبت حقه بأي دليل ، وقد يؤدي بنا الأمر في المنتهي الي هدم مبدأ مشروعية الدليل وهو أحد أهم المبادئ الحاكمة للدليل عموماً

وإذا قلنا أنه ليس لصاحب الحق سوي تقديم أدلة بعينها محدودة ومعدودة سلفاً ومعلومة القيمة والأثر ، فإن حاصل ذلك أن الحق قد يضيع بسبب عدم القدرة علي تقديم دليل بعينه ، صحيح أن حصر الأدلة وعدها وتحديد قوة كل دليل علي حده يحقق مستوي راق من الاستقرار إلا أنه قد يضيع الحق

والسطور السابقة تعني أننا في مجال إثبات الحقوق إما أن نختار نظام الأدلة الحرة أو الإثبات الحر كما يسميه الفقه ، وإما أن نختار نظام الأدلة المقيدة أو الإثبات المقيد كما يسميه الفقه أيضاً

مبدأ براءة الذمة يحول دون أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي كدليل

  مبدأ براءة الذمة بما يعنيه أنه لا يجوز الإدعاء بأن شخصاً مدين إلا إذا كان بيد المدعي دليل يضحد هذا المبدأ يعني في مجال إصدار القاضي لحكمه ممنوع عليه أن يستند إلى أدلة استنبطها بنفسه خارج الجلسة ، فلا يجوز له ان يأخذ بأدلة قامت فى قضية أخرى أو قامت فى القضية المعروضة عليه ولم يعلم بها احد طرفي الخصومة بمعني مقابل مقصود علم بها بنفسه .

لكننا نؤكد أن ما سبق لا يعني انه ليس للقاضي – حال تداول الدعوى أمامه –  القيام بدور إيجابي فى الإثبات 

فحياد القاضى فى ظل نظام الإثبات المختلط هو إيجابي لا سلبي ، وهذا ما أكدته المذكرة الإيضاحية لقانون الإثبات فقد قررت إن الغاية من تبني سياسة الإثبات المختلط تحقيق مزيد من إيجابية القاضى وفاعليته بتزويده بمزيد من حرية الحركة فى هذه المرحلة الهامة من مراحل الدعوى حتى لا يترك كشف الحقيقة رهينا بمبارزة الخصوم وحدهم

والحرص على استقرار الحقوق وسند باب الحيلة أمام طلاب الكيد أو هواة المطل ، ومن الأمثلة على الدور الإيجابي للقاضي فى الإثبات فى ظل القانونية المصري أن للقاضي ان يستدعى من يرى سماع شهادته ، وان يأمر بحضور الخصم لاستجوابهم ، او إدخال شخص لأجل إلزامه بتقديم ورقة تحت يده

وان يجرى تحقيقا استكشافا للحقيقة ، وان يوجه اليمين الحاسمة من تلقاء نفسه إلى أى من الخصمين ، وان يقرر من تلقاء نفسه الانتقال لمعاينة المتنازع فيه ، وان ينتدب خبيرا عند الاقتضاء كذلك يخول للقاضي استنباط القرائن القضائية وذلك فى الحدود التى يجيزها القانون

وللقاضي – أيضا – سلطة تقدير ما يترتب على العيوب المادية فى المحرر من إسقاط قيمته ، والحكم ببطلان او رد الورقة ولو لم يدع بتزويرها ، وللقاضي – كذلك سلطة العدول عما أمر به من إجراءات الإثبات وبعدم التقيد بنتيجة الإجراءات المتعلقة بالإثبات

رسالة الإثبات – أحمد نشأت  – ص 47 – الطبعة الرابعة

وخبرة القاضي شيء وعلمه الشخصي شيء آخر تماماً ، فيجوز للقاضي الاستناد إلي خبرته دون علمه الشخصي ؛

قضت محكمة النقض

ليس من قبيل قضاء القاضى بعلمه أن تقوم المحكمة فى حكمها أن ثمن القطن فى السنين المقدم عنها الحساب وهى 1920 ، 1921 ، 1922 كان ثلاثة أضعاف ثمنه فى سنة 1927 فان هذا القول لم يكن صدوره منها عن علم قضاتها الشخصي وإنما هو من التحصيل المستقى من الخبرة بالشئون العامة المفروض إلمام الكافة بها

نقض مدني – جلسة 15/2/1940 – مجموعة عمر ج 2 ص 67 بند 30

كما قضت محكمة النقض أيضاً 

المبدأ الأساسي الذي يحكم النظرية العامة فى الإثبات هو مبدأ حياد القاضى ، فلا يجوز ان يقضى بعلمه الشخصي عن وقائع الدعوى دون أن يكون من قبيل ذلك ما يحصله استقاء من خبرته بالشئون العامة المفروض إلمام الكافة بها ، وإذ كان تقرير الحكم المطعون فيه ان العادة جرت فى حي الزمالك الذي تقع به شقة النزاع على التأجير مفروشا

استنادا إلى قرارات وزارة الإسكان ليس من قبيل استعانة القاضى فى قضائه بما هو متعارف عليه بين الناس ، ولا يبرره الاستناد إلى قرارات وزارية صدرت بعد مرور قرابة عشرين سنة على التعاقد وفى ظل ظروف اقتصادية تختلف عن تلك التى حرر فيها العقد ، فلا يبرأ من عيب الفساد فى الاستدلال

نقض مدني – الطعن رقم 49لسنة 44ق-جلسة 12/4/1978 س29 ص 999

 لا تعارض بين افتراض براءة الذمة والحق في الإطلاع والمناقشة ما يقدم من المدعي

الطابع العملي للخصومة وما يوجبه سيرها من الإطلاع علي يقدم من الخصم من مستندات بل ومناقشتها لا يعني أن مجرد الإطلاع أو حتي التأجيل للاطلاع أو المناقشة معناه التنازل عن مبدأ براءة الذمة ، فيظل المدعي عليه متمتعاً بظلال مبدأ براءة الذمة ، بل أن الإطلاع والمناقشة هو تأكيد لهذا المبدأ لأنه لا يتصور الإعمال النظري المجرد للمبدأ دون علم بما يقدم ومناقشته

ويستثني من هذه القاعدة حالة مناقشة الخصم لمحرر عرفي قدم ضده ، فقد اعتبر المشرع أن مجرد المناقشة هنا تعني إذا أنكر من يشهد عليه المحرر خطه أو إمضاءه أو ختمه أو بصمة إصبعه أو أنكر ذلك خلفه أو نائبه وكان المحرر منتجاً فى النزاع ولم تكف وقائع الدعوى ومستنداتها لتكوين عقيدة المحكمة فى شأن صحة الخط أو الإمضاء أو الختم أو بصمة إصبعه أمرت المحكمة بالتحقيق بالمضاهاة أو بسماع الشهود أو بكليهما

قضت محكمة النقض في هذا الصدد 

إن حق الدفاع يقتضي أول ما يقتضيه احترام مبدأ المواجهة الذي يستلزم تمكين الخصوم من الإلمام بما بيدي ضدهم وتمكينهم من الدفاع في شأنه ولا يقتصر هذا الحق علي منع الخصوم من إبداء دفاع في غيبة الخصم الآخر

وإنما يقوم في جوهره علي وجوب عدم بناء الحكم علي وقائع و مستندات لم تعط الفرصة للخصوم في مناقشتها ويستلزم إعطاء الفرصة لكل طرف في الخصومة ليعرف ما هو منسوب إليه ومناقشته فلا يجوز أن يفاجأ بأمر لم يطلب منه الدفاع فيه

نقض مدني – جلسة 3-2-2005 الطعن رقم 6976 لسنة 72 ق

ولا استثناء من هذه القاعدة ولا يمكن التذرع للقول بوجود استثناء بالتمسك بما تقرره المادة 14 فقرة 3 من قانون الإثبات والتي يجري نصها علي أنه : ومن احتج عليه بمحرر عرفي وناقش موضوعه ، لا يقبل منه إنكار الخط أو الإمضاء أو الختم أو بصمة الإصبع

فالمناقشة هنا وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة لا تفيد مجرد الرغبة في العلم بماهية المحرر المقدم بل المناقشة التي تفيد التسليم بصحة نسبة الخط أو الإمضاء أو الختم أو البصمة لمن يشهد عليه المحرر

نقض مدني – الطعن رقم  2383  لسنة 61  مكتب فنى 47  صفحة رقم 1665بتاريخ 31-12-1996

وفي قضاء رائع قررت المحكمة الدستورية العليا 

حق الدفاع ضمانة أساسية يوفر الدستور من خلالها الفاعلية لأحكامه التى تحول دون الإخلال بحقوق الفرد و حرياته بغير الوسائل القانونية التى يقرها الدستور سواء فى جوانبها الموضوعية أو الإجرائية، و هى بعد تؤمن لكل مواطن حماية متكافئة أمام القانون، و تعززها الأبعاد القانونية لحق التقاضي الذي قرر الدستور فى المادة 68 انصرافه إلى الناس كافة، مسقطاً عوائقه و حواجزه على اختلافها

و ملقياً على الدولة بمقتضاه التزاما أصيلاً بأن تكفل لكل متقاض نفاذا ميسراً إلى محاكمها للحصول على الترضية القضائية التى يقتضيها رد العدوان على الحقوق التى يدعيها أو الإخلال بالحرية التى يمارسها

و كان حق الدفاع – بالنظر إلى أبعاده و على ضوء الأهمية التى يمثلها فى بلورة الدور الاجتماعي للقضاء كحارس للحرية و الحقوق على اختلافها انتقالاً بمبدأ الخضوع للقانون من مجالاته النظرية إلى تطبيقاته العملية – قد أضحى – مستقراً كحقيقة مبدئية لا يمكن التفريط فيها، مندرجاً فى إطار المبادئ الأساسية للحرية المنظمة، واقعاً فى نطاق القيم التى غدا الإيمان بها راسخاً فى وجدان البشرية

و كانت ضمانة الدفاع بالتالي لم تعد ترفا يمكن التجاوز عنه، فإن التعلق بأهدابها الشكلية دون تعمق لحقائقها الموضوعية يعتبر انكاراً لمضمونها الحق مصادماً لمعنى العدالة، منافياً لمتطلباتها، و من ثم لم يجز الدستور للسلطة التشريعية إهدار هذا الحق أو الانتقاص منه بما يعطل فعاليته أو يحد منها

كاشفاً بذلك عن أن إنكار ضمانة الدفاع أو تقييدها بما يخرجها عن الأغراض المقصودة منها، إنما يؤول فى أغلب صوره إلى إسقاط الضمانة التى كفلها الدستور لكل مواطن فى مجال الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي

و يعرض حق الإنسان فى الحياة و الحرية الشخصية و الكرامة الواجبة لصون آدميته لمخاطر مترامية فى أبعادها عميقة فى آثارها، و هو ما يعتبر هدما للعدالة ذاتها بما يحول دون وقوفها سوية على قدميها

سواء كان الإنكار أو التقييد منصرفاً إلى حق الدفاع بالأصالة – بما يقوم عليه من ضمان الحرية الكاملة لكل فرد فى أن يعرض وجهة نظره فى شأن الوقائع المنسوبة إليه و أن يبين حكم القانون بصددها – أم كان متعلقاً بالدفاع بالوكالة – حين يقيم الشخص باختياره محامياً يراه أقدر على تأمين المصالح التى يرمى إلى حمايتها، و على أساس من الخبرة و المعرفة القانونية و الثقة

الطعن رقم  6 لسنة 13  مكتب فنى 05  صفحة رقم 344 بتاريخ 16-05-1992

عبء الإثبات في قضاء محكمة النقض

إثبات الالتزام وإثبات التخلص منه

قاعدة أساسية في الاثبات

  مبدأ براءة الذمة – وهو نافذ في مجال الحقوق الشخصية أو ما يعرف بالالتزامات كما أنه نفاذ في الحقوق العينية وهو ما يعرف في هذا الصدد بحكم الظاهر – يعني في المجال الأول أي الحقوق الشخصية أنه لا يجوز الإدعاء بأن شخصاً مدين إلا إذا كان بيد المدعي دليل يضحد هذا المبدأ ، فلا يجوز للمحكمة أن تأخذ بأدلة قامت فى قضية أخرى أو قامت فى القضية المعروضة عليه ولم يعلم بها احد طرفي الخصومة بمعني مقابل مقصود علم بها بنفسه .

عبء إثبات المسئولية التقصيرية من خطأ وضرر وعلاقة سببيه يقع علي عاتق المدعي

قضت محكمة النقض – ليس لمحكمة الموضوع إقامة المسئولية التقصيرية علي خطأ لم يدعه المدعي متي كان أساسها خطأ يجب إثباته . عبء إثبات الخطأ والضرر يقع علي عاتق المضرور

نقض مدني جلسة 22-6-1967 – المكتب الفني السنة 18 ص 1316

عبء إثبات الملكية بطريق التقادم علي المدعي لأنه يدعي خلاف الظاهر

قضت محكمة النقض 

ادعاء اكتساب الملكية بالتقادم مخالفة الظاهر . عبء الإثبات علي المدعي . خطأ تأسيس القضاء برفض الدعوى علي مجرد إخفاق المدعي في إثبات ما هو غير مكلف قانوناً بإثباته

نقض مدني – جلسة 22-3-1980 – سنة 31 ق

عبء إثبات عدم الالتزام بالعقد يقع علي من يدعي الإخلال به

قضت محكمة النقض – إذا كانت الالتزامات التي اعتبر الحكم المطعون فيه الطاعن مخلاً بها هي التزامات بتحقيق نتيجة إيجابية ، فإن عبء إثبات تحقيق هذه النتيجة يقع علي عاتق المدين الطاعن وما علي الدائن إلا أن يثبت الالتزام ، ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه إذ اعتبر إخلال الطاعن بتلك الالتزامات ثابتاً بعدم تقديمه أي دليل علي وفائه به لم يخالف قواعد الإثبات

نقض مدني – جلسة 12-6-1969 سنة 20 ق ص 929

عبء إثبات الدفوع علي من يبدي هذه الدفوع

قضت محكمة النقض . الدفع بعدم اختصاص المحكمة محلياً . عبء إثباته . يقع علي عاتق المدعي عليه مبدي الدفع

 نقض مدني – جلسة 12-1-1977 سنة 28 ص 232

عبء إثبات عدم وقوع ضرر من الإخلال بالشرط الجزائي أو حجم الضرر يقع علي عاتق المدين بهذا الشرط

قضت محكمة النقض 

متي وجد شرط جزائي في العقد فإن تحققه يجعل الضرر واقعاً في تقدير المتعاقدين . فلا يكلف الدائن بإثباته وإنما يقع علي المدين عبء إثبات أن الضرر لم يقع أو أن التعويض مبالغ فيه إلي درجة كبيرة

نقض مدني – جلسة 22-3-1980 – سنة 31 ق

 عبء الإثبات في قضايا الإيجارات الخاضعة لقانون إيجار الأماكن

قضت محكمة النقض 

إن المقرر في قواعد الإثبات أن البينة علي من ادعي خلاف الأصل ، بمعني أن من يتمسك بالثابت أصلاً لا يكلف بإثباته – إنما يقع علي عاتق من يدعي خلاف هذا الأصل عبء إثبات ما يدعيه . باعتبار أنه يستحدث جديداً لا تدعمه قرينة بقاء الأصل علي أصله ،

ولما كان الأصل هو خلوص المكان المؤجر لمستأجرة ومن يتبعه وخلوه من غير هؤلاء ، فإنه يكفي المؤجر إثباتاً للواقعة التي يقوم عليها طلبه بإخلاء المكان استناداً إلي حكم المادة 31 فقرة ب من القانون رقم 49 لسنة 1977 أن يقيم الدليل علي وجود غير المستأجر ومن يتبعه في المكان المؤجر طبقاً لأحكام عقد الإيجار أو القانون

لينتقل عبء إثبات العكس علي عاتق المستأجر بوصفه مدعياً خلاف الأصل ليثبت أن وجود ذلك الغير يستند إلي سبب قانوني يبرر ذلك هو استناده في شغل العين المؤجرة إلي حكم المادة 594/2 مدني ، فإذا أثبت ذلك درأ عن نفسه جزاء الإخلاء

 نقض مدني – جلسة 7-2-1981 مج أحكام النقض في 50 عام ج 1

من أصول الإثبات أن سكوت المدعي عليه عن النفي لا يصلح للحكم للمدعي بطلباته متي كان الأخير لم يثبت ما يدعيه ، وكان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر إذ اعتد في قضائه كذلك علي سكوت الشركة الطاعنة عن نفي مسئوليتها المدعي بها دون أن يكون المدعون قد أثبتوا توافر عناصر هذه المسئولية ، فإنه يكون قد خالف القانون وشابه فساد في الاستدلال

نقض مدني – جلسة 28-2-1989 الطعن رقم 2029 لسنة 56 ق

 أحكام نقض حديثة على المادة الأولى من قانون الإثبات

انشغال ذمة المدين بالالتزام بمجرد اثبات الدائن نشأته . على المدين إثبات براءة ذمته منه . م ١ اثبات .

أن النص في المادة الأولى من قانون الإثبات على أنه ” على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخلص منه ” يدل على أنه يكفى إثبات نشأة الالتزام فيثبت بذلك انشغال ذمة المدين به ويكون عليه بعد ذلك إثبات براءة ذمته منه 

الطعن رقم ١٧٠٨٤ لسنة ٧٦ ق – الدوائر المدنية – جلسة ٢٠١٥/٠٥/٠٢

الطعن رقم ٦١٤٥ لسنة ٨٢ ق – الدوائر المدنية – جلسة ٢٠١٨/٠٩/١٦

الأصل براءة الذمة . الإثبات على من يدعى ما يخالف الثابت أصلًا أو عرضًا مدعيًا كان أو مدعى عليه . تناوب الخصمان في الدعوى عبء الاثبات تبعاً لما يدعيه كل منهما .

المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن النص في المادة الأولى من قانون الاثبات رقم ٢٥ لسنة ١٩٦٨ على أن ” على الدائن إثبات الالتزام وعلى المدين إثبات التخالص منه مفاده – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أنه إذا اثبت أولهما دينه وجب على الآخر أن يثبت براءة ذمته منه لأن الأصل خلوص الذمة وانشغالها عارض ومن ثم كان الإثبات على من يدعى ما يخالف الثابت أصلاً أو عرضاً مدعياً كان أو مدعى عليه وبذلك يتناوب الخصمان في الدعوى عبء الاثبات تبعاً لما يدعيه كل منهما .

الطعن رقم ٥٩٥٣ لسنة ٧٩ ق – الدوائر المدنية – جلسة ٢٠١٧/٠٢/٢١

Print Friendly, PDF & Email
عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 838

شاركنا برأيك