الهبة لذى رحم محرم

قضت الدستورية العليا في أكتوبر 2021 بعدم دستورية فقرة الهبة لذى رحم محرم مانعا من الرجوع فى الهبة من المادة 502 من القانون المدني ونعرض الحكم كاملا لأهميته في مجال العمل بالمحاماة والتقاضي

الهبة في المادة 502 مدني والدستورية

الهبة لذى رحم محرم

حكمت المحكمة الدستورية في الدعوى 97 لسنة 30 بجلسة  ١٣/ ١٠ / ٢٠٢١ بعدم دستورية نص البند (هــ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 فى مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب

هبة الوالد لذي رحم في الدستورية

الإجـــراءات

  • بتاريخ الثالث عشر من مارس سنة 2008، أودع المدعى صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند هــ من المادة (502) من القانون المدني فيما تضمنه من اعتبار الهبة لذى رحم محرم مانعًا من الرجوع فى الهبة.
  • وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصليًا بعدم قبول الدعوى ، واحتياطييا برفضها.
  • وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
  • ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة

حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – فى أن المدعى كان قد أقام الدعوى … لسنة … مدنى كلى أمام محكمة بورسعيد الابتدائية ضد المدعى عليهم الخامس والسادسة والسابعة فى الدعوى المعروضة، طالبًا الحكم باعتبار الهبة كأن لم تكن مع كل ما يترتب على ذلك من آثار قانونية بما فيها إلغاء التوكيل العام رقم …/هــ لسنة … توثيق بورسعيد.

وقال بيانا لدعواه

إنه وهب لنجلتيه المدعى عليهما السادسة والسابعة نصيبه فى تركة زوجته – والدتهما – ويشمل

  • حصة فى شقتين بالعقار المبين بصحيفة الدعوى
  • ومبلغا ماليا بدفتر توفير لدى الهيئة القومية للبريد،
  • و شقة يمتلكها بالعقار ذاته

وحرر لهما توكيلا بالتصرف فى تلك الأموال إلا أنهما قد أغضبهما زواجه من أخرى أنجبت له ولدين فقدمتا ضده عدة بلاغات كيدية

كما أقامتا دعوى قضى فيها بإلزامه بأن يؤدى لهما نفقة شهرية فضلاً عن أنه ملتزم بالإنفاق على زوجته وولديه وكذا نفقة ومصروفات علاج شقيقه مما أرهق كاهله بعد أن زادت التزاماته المالية

الأمر الذى يوفر له العديد من الأعذار للرجوع فى هبته  فأقام دعواه بالطلبات السالفة البيان
وأثناء نظر الدعوى بجلسة 29/1/2008 دفع بعدم دستورية نص البند هـــ من المادة (502) من القانون المدني وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع وصرحت له بإقامة الدعوى الدستورية فأقام الدعوى المعروضة.

وحيث إن المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 تنص على أنه يرفض طلب الرجوع فى الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية:

  • (أ) …………
  • (ب)………..
  • (ج) …………
  • (د) ………..
  • (هـ) إذا كانت الهبة لذى رحم محرم
وحيث إن من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن

مناط المصلحة الشخصية المباشرة فى الدعوى الدستورية – وهى شرط قبولها – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية وذلك بأن يكون الفصل فى المسألة الدستورية لازمًا للفصل فى الطلبات المرتبطة بها المطروحة على محكمة الموضوع.

متى كان ذلك وكان المدعى يبتغى من دعواه الموضوعية الترخيص له بالرجوع عن هبته لابنتيه، لقيام موجبات ذلك فى حقه. وكان نص البند هــ من المادة (502) من القانون المدني يحول دون تحقيق مبتغاه،

الأمر الذى يوفر له مصلحة شخصية مباشرة فى الطعن على هذا البند فى مجال سريانه على هبة  أى من الوالدين لولده، وبها يتحـدد نطاق هذه الدعوى دون سائر ما انطوى عليه نص هذا البند من أحكام لطبقات أخرى من ذوى رحم محرم.

وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه مخالفة أحكام المادتين (2،40) من دستور سنة 1971 المقابلة لأحكام المادتين (2 ، 53) من دستور سنة 2014 لمخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية التى حضت على البر بالوالدين وعدم عقوقهما

وأكدت معظم مذاهبها على أحقية الوالد فى الرجوع عن هبته لولده دون أية أعذار، فضلاً عن انطواء النص على تمييز غير مبرر، بأن منع الواهب لولده من الرجـوع فــــى الهبة، حال أن غيره من الواهبين يجــــوز لهم الرجوع فى الهبة إذا توافر عذر يبيح لهم ذلك.

وحيث إن الرقابة الدستورية على القوانين

من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلا – على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه لكون نصوصه تمثل دائما القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة

متى كان ذلك

الهبة لذى رحم محرم

وكانت المناعي التى وجهها المدعى للنص المطعون عليه – فى النطاق السالف تحديده – تندرج تحت المناعي الموضوعية التى تقوم فى مبناها على مخالفة نص تشريعي معين لقاعدة فى الدستور من حيث محتواها الموضوعي.

ومن ثم فإن المحكمة تباشر رقابتها على النص المطعون عليه – الذى مازال ساريًا ومعمولا بأحكامه – من خلال أحكام دستور سنة 2014، باعتباره الوثيقة الدستورية السارية.

وحيث إن القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 قد خصص الكتاب الثانى منه للعقود المسماة وأورد فى الباب الأول منه العقود التى تقع على الملكية 

وأفرد الفصل الثالث منه لعقد الهبة فى المواد من (486) حتى (504) مبينا فيها
  • أركان الهبة
  • وآثارها
  • والرجوع فيها
  • وموانع الرجوع

معرفا فى المادة (486) الهبة بأنها عقد يبرم بين الأحياء بموجبه يتصرف الواهب  فى ماله دون عوض مع جواز أن يفرض الواهب على الموهوب له القيام بالتزام معين ووفقا للمادة (487) لا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه

ومن خصائص الهبة على ما أوردت الأعمال التحضيرية للنص المطعـون فيه والتنظيم التشريعي للهبة أنه

يجوز الرجوع فيها رضاء أو قضاء إذا وجد عذر ولم يوجد مانع وقد نظمها المشرع مراعيًا هذا الأصل فأكد فى المادة (500) من القانون المدني على أنه

يجوز للواهب أن يرجع الهبة إذا قبل الموهوب له ذلك فإذا لم يقبل جاز للواهب أن يطلب من القضاء الترخيص له فى الرجوع متى كان يستند فى ذلك إلى عذر مقبول ولم يوجد مانع من الرجوع

وتأكيدا على جواز الرجوع فى الهبة وضع المشرع فى المادة (501) من القانون ذاته أمثلة لهذه الأعذار تيسيرا على القاضى كما حدد فى المادة (502) من ذلك القانون حصرا لموانع الرجوع فى الهبة ومن بينها حالة الهبة لذى رحم محرم ومن ذلك هبة أي من الوالدين لولده.

ومؤدى العبارة الواردة بصدر نص تلك المادة من أن يرفض طلب الرجوع فى الهبة نهي القضاة عن التعرض لموضوع الرجوع أيا كانت الأعذار التى بنى عليها إذا توافر أحد موانع الرجوع الواردة فى تلك المادة عملاً بقاعدة جواز تقييد القاضى بالزمان والمكان والأحداث والأشخاص وشرط صحة تلك القاعدة أن يكون النهى مؤسسا على أسباب موضوعية ترتبط بالغاية المتوخاة منه.

وحيث إنه عن نعى المدعى مخالفة النص المطعون عليه – فى النطاق السالف تحديده – لمبادئ الشريعة الإسلامية، ونص المادة الثانية من الدستور

فمن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن
  • إلزام المشرع باتخاذ مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، طبقًا لنص المادة الثانية من الدستور الصادر سنة 1971، بعد تعديلها بتاريخ 22/5/1980 – وتقابلها المادة الثانية من الدستور الحالي الصادر سنة 2014 – لا ينصرف سوى إلى التشريعات التى تصدر بعد التاريخ الذى فُـرض فيه هذا الإلزام بحيث إذا انطوى أي منها على ما يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية يكون قد وقع فى حومة المخالفة الدستورية،
  • أما التشريعات السابقة على ذلك التاريخ فلا يتأتى إعمال حكم الإلزام المشار إليه بالنسبة لها لصدورها فعلا من قبله فى وقت لم يكن القيد المتضمن هذا الإلزام قائما واجب الإعمال ومن ثم فإن هذه التشريعات تكون بمنأى عن إعمال هذا القيد وهو مناط الرقابة الدستورية وهو القيد الذى يبقى قائما وحاكما لتلك التشريعات بعد أن ردد الدستور الحالي الصادر سنة 2014 الأحكام ذاتها فى المادة الثانية منه.
وحيث كان ما تقدم

وكان نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 لم يلحقه أي تعديل بعد تاريخ 22/5/1980 مما كان لزامه عدم خضوعه لقيد الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية، والمادة الثانية من الدستور،

إلا أنه بالرغم من ذلك، وعلى ما ورد بالأعمال التحضيرية للقانون المدني فقد استقى المشرع الأحكام الموضوعية للهبة من أحكام الشريعة الإسلامية.

وفى شأن مدى جواز الرجوع فى الهبة أخذ بمذهب الفقه الحنفي الذى أجاز الرجوع فى الهبة إذا توافر العذر المبرر وانعدم المانع ويشمل عدم جواز الرجوع فى الهبة لذى رحم محرم ومن ذلك هبة الوالد لولده،

على سند

من أن الغاية من الهبة فى هذه الحالة صلة الأرحام وقد تحققت بصدور الهبة وإذ كان الرأى الذى تبناه المشرع فى هذا الشأن لا يخرج عن كونه اجتهادا فى الفقه الحنفي

فقد ذهب مالك والشافعي وابن حنبل وعلماء المدينة إلى جواز رجوع الوالد فى هبته لولده وهو ما يعرف ( باعتصار الهبة ) أي أخذ المال الموهوب قسرا عن الابن مستدلين فى ذلك بحديث طاووس من أن

النبي صلى الله عليه وسلم قال

لا يحل لواهب أن يرجع فى هبته إلا الوالد فيما يهب لولده

وفى رواية أخرى

لا يحل للرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة ويرجع فيها إلا الوالد فيما يهب لولده

وفى رواية ثالثة

لا يرجع الواهب فى هبته إلا الوالد فيما يهب لولده

وقد دل الفقهاء باختلافهم هذا

على عدم وجود نص قطعي الثبوت أو الدلالة أو بهما معـا فى مبادئ الشريعة الإسلامية يحكم هذه المسألة ومن ثم تعتبر من المسائل الظنية التى يرد عليها الاجتهاد وتلك المسائل بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان وإذا كان الاجتهاد فيها وربطها منطقيًــا بمصالح الناس حقًــا لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق لولى الأمر ينظر فى كل مسألة بخصوصها بما يناسبها،

وبمراعاة أن يكون الاجتهاد دوما واقعا فى إطار الأصول الكلية للشريعة لا يجاوزها ملتزما ضوابطها الثابتة متحريا مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها كافلاً صون المقاصد الكلية للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال مستلزما فى ذلك كله حقيقة أن المصالح المعتبرة هى تلك التى تكون مناسبة لمقاصد الشريعة ومتلاقية معها

ومن ثم كان حقا لولى الأمر عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثما وكان واجبا عليه كذلك ألا يشرع حكما يضيق على الناس أو يرهقهم فى أمرهم عسرا وإلا كان مصادمًــا لقوله تعالى

مَا يُرِيدُ اللًّه ليَجعَلَ عَلَيكُم فى الدين من حَرَجِ

وحيث إن نص البند (هـ) من المادة (502) من القانون المدني

الهبة لذى رحم محرم

منع الرجوع فى الهبة لذى رحم محرم

وقد ورد هذا النص بصيغة عامة ومطلقة

ليشمل هبة أي من الوالدين لولده

واستقى المشرع هذا المانع من المذهب الحنفي منتهجا بذلك نهجـا مخالفا لاجتهاد باقى المذاهب الإسلامية معللا ذلك المانع بتحقق غاية الواهب من الهبة ممثلة فى صلة الرحم.

 وقد صدر المشرع نص تلك المادة بعبارة يرفض طلب الرجوع فى الهبة إذا وجد مانع من الموانع الآتية …..

 مما مؤداه

نهى القضاء عن بحث الأعذار التى قد تحل بالوالد الواهب وتستدعى رجوعه فى الهبة  وإن كانت تلك الأعذار من بين الأمثلة التى ورد النص عليها فى المادة (501) من ذلك القانون

 ومن ذلك

 ( أن يخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو نحو أحد أقاربه بحيث يكون هذا الإخلال جحودا كبيرًا من جانبه أو أن يصبح الواهب عاجزا عن أن يوفر لنفسه أسباب المعيشة بما يتفق مع مكانته الاجتماعية أو يصبح غير قادر على الوفاء بما يفرضه عليه القانون من نفقة على الغير )

 ومؤدى ذلك أن النص المطعون فيه

وإن وقع فى دائرة الاجتهاد المباح شرعًــا لولى الأمر إلا أنه – فى حدود نطاقه المطروح فى الدعوى المعروضة – يجعل الوالد الواهب فى حرج شديد ويرهقه من أمره عسرًا ويعرضه لمذلة الحاجة بعد أن بلغ من العمر عتيا إذا ما ألمت به ظروف أحوجته لاسترداد المال الموهوب

وامتنع الابن عن إقالته من الهبة إضرارا به مستغلا فى ذلك المانع الوارد بالنص المطعون فيه الذى يحول بين الوالد والحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع فى الهبة ضاربا عرض الحائط بالواجب الشرعي لبر الوالدين والإحسان إليهما وصلتهما وطاعتهما فى غير معصية والامتناع عن كل ما يفضى إلى قطيعتهما.

فضلاً عن أن

ما توخاه المشرع من ذلك المانع بالحفاظ على صلة الأرحام ينافيه مواجهة حالة جحود الأبناء وعقوقهم لوالديهم ومن ثم يكون منع القضاء من الترخيص للوالد بالرجوع فى هبته لولده ولو كان هناك عذر يبيح له ذلك مصادما لضوابط الاجتهاد والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية ومخالفًا بذلك نص المادة (2) من الدستور

وحيث إن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن

القيم الدينية والخلقية لا تعمل بعيدًا أو انعزالاً عن التقاليد التى تؤمن بها الجماعة بل تعززها وتزكيها بما يصون حدودها ويرعى مقوماتها ومن أجل ذلك جعل الدستور فى المادة (10) منه قوام الأسرة الدين والأخلاق والوطنية كما جعل الأخلاق والقيم والتقاليد، والحفاظ عليها والتمكين لها، التزامـا على عاتق الدولة بسلطاتها المختلفة والمجتمع ككل

وغدا ذلك قيدا على السلطة التشريعية فلا يجوز لها أن تسن تشريعًــا يخل بها ذلك أنه وفقا لنص المادة (92) من الدستور وإن كان الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق والحريات أنها سلطة تقديرية إلا أن المشرع يلتزم فيما يسنه من قوانين باحترام الأُطر الدستورية لممارسته اختصاصاته

وأن يراعى كذلك أن كل تنظيم للحقوق لا يجوز أن يصل فى منتهاه إلى إهدار هذه الحقوق أو الانتقاص منها ولا أن يرهق محتواها بقيود لا تكفل فاعليتها الأمر الذى يضحى معه النص المطعون عليه فيما تضمنه من رفض طلب رجوع الوالد فى هبته لولده إذا وجد مانع مخالفــا أيضا – نصى المادتين (10، 92) من الدستور.

وحيث إنه عن النعي بإخلال النص المطعون عليه – فى النطاق السالف تحديده – بحق الواهب لولده دون غيره مـن الواهبين لغير ذي رحم محرم فى الحصول على ترخيص من القضاء بالرجوع فى الهبة عند توافر العذر

فإن ما نص عليه الدستور فى المادة (97) من أن التقاضي حق مصون ومكفـول للكافة قد دل على أن هذا الحق فى أصل شرعته من الحقوق العامة المقررة للناس جميعا لا يتمايزون فيما بينهم فى مجال النفاذ إليه وإنما تتكافا مراكزهم القانونية فى سعيهم لرد الإخلال بالحقوق التى يدعونها ولتأمين مصالحهم التى ترتبط بها

مما مؤداه أن قصر مباشرة حق التقاضي على فئة من بينهم أو الحرمـان منه فى أحوال بذاتها أو إرهاقـه بعوائـق منافية لطبيعته إنما يعـد عملاً مخالفا للدستور الذى لم يجـز إلا تنظيم هذا الحق وجعل الكافة سـواء فى الارتكان إليه

 ومن ثم

فإن غلق أبوابه دون أحدهم أو فريق منهم إنما ينحل إلى إهداره ويكرس بقاء العدوان على الحقوق التى يطلبونها وعدم حصولهم على الترضية القضائية باعتبارها الغاية النهائية التى يناضل المتقاضون من أجل الحصول عليها لجبر الأضرار التى أصابتهم من جراء العدوان على تلك الحقوق.

وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن

مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه فى المادة (53) من الدستور الحالي، ورددته الدساتير المصرية المتعاقبة جميعها بحسبانه ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها وأساسا للعدل والسلام الاجتماعي غايته صون الحقوق والحريات فى مواجهة صور التمييز التى تنال منها أو تقيد ممارستها باعتباره وسيلة لتقرير الحماية القانونية المتكافئة التى لا تمييز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة

وقيدا على السلطة التقديرية التى يملكها المشرع فى مجال تنظيم الحقوق التى لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التى تتحد وفق شروط موضوعية يتكافا المواطنون خلالها أمام القانون فإن خرج المشرع على ذلك سقط فى حمأة المخالفة الدستورية.

وحيث إن الأصل فى كل تنظيم تشريعي أن يكون منطويا على تقسيم أو تصنيف أو تمييز من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض أو عن طريق المزايا أو الحقوق التى يكفلها لفئة دون غيرها إلا أن اتفاق هذا التنظيم مع أحكام الدستور

يفترض ألا تنفصل النصوص القانونية التى نظم بها المشرع موضوعا محددا عن أهدافها ليكون اتصال الأغراض التى توخاها بالوسائل المؤدية إليها منطقيا وليس واهيـا أو واهنـا بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستوريا.

ومرد ذلك

أن المشرع لا ينظم موضوعا معينا تنظيمًا مجردًا أو نظريا بل يثغيا بلوغ أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا لمصلحة عامة لها اعتبارها يقوم عليها هذا التنظيم متخذًا من القواعد القانونية التى أقرها مدخلاً لها فإذا انقطع اتصال هذه القواعد بأهدافها كان التمييز بين المواطنين فى مجال تطبيقها تحكميا ومنهيًا عنه بنص المادة ( 53) من الدستور.

وحيث كان ما تقدم

وكان الواهبون لأموالهم على اختلاف حالاتهم وأغراضهم منها فى مركز قانونى متكافئ وقد أجاز المشرع – على ما سلف بيانه – للواهب الرجوع فى الهبة إذا ألمت به ظروف وأعذار تستدعى هذا الرجوع وامتنع الموهوب له عن إقالته من الهبة وناط المشرع بالقاضي سلطة تقديرية فى شأن بحث جدية الأعذار التى يبديها الواهب فى هذا الشأن ويقضى على ضوء ذلك

 إلا أن المشرع خرج عن هذا الأصل

 

وأورد حالات لمنع الرجوع فى الهبة ضمنها نص المادة (502) من القانون المدني من بينها هبة الوالد لولده مانعـا القضاء من بحث الأعذار التى يسوقها الوالد فى هذا الشأن الأمر الذى يحول بينه والحصول على الترضية القضائية لمجرد توافر هذه القرابة بينه والموهوب له.

 فضلا عن أن الغاية التى توخاها المشرع من ذلك المنع

وهى الحفاظ على صلة الرحم، لم يراع فيها مواجهة عقوق الابن الموهوب له إذ امتنع طواعية عن إقالة والده من الهبة فى هذه الحالة بما يزكى هذا العقوق حال أن المشرع أجاز فى المادة (501) من القانون المدني الترخيص للواهب بالرجوع فى الهبة إذا أخل الموهوب له بما يجب عليه نحو الواهب أو أحد أقاربه بحيث يكون هذا الإخلال جحودًا كبيرًا من جانبه.

ومؤدى ذلك أن المانع الوارد بالنص المطعون فيه فضلا عن عدم ارتباط الوسيلة التى أوردها فى ذلك النص بالغاية المتوخاة منها فإنه يخل بمبدأ المساواة بين الواهبين المتماثلة مراكزهم فى الحصول على الترضية القضائية وذلك لغير سبب موضوعي بالمخالفة لنصى المادتين (53، 97) من الدستور .

فلهذه الأسباب

الهبة لذى رحم محرم

حكمت المحكمة

بعدم دستورية نص البند ( هــ ) من المادة ( 502 ) من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 فى مجال سريانها على هبة أي من الوالدين لولده وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الدعوى رقم 97 لسنة 30 – دستورية – جلسة  ١٣/ ١٠ / ٢٠٢١
Print Friendly, PDF & Email

عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقضAuthor posts

الأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ودعاوى الإيجارات ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص وطعون مجلس الدولة والنقض ليسانس الحقوق 1997

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *