📅 نُشر في:
🔄 آخر تحديث:
محتويات المقال
فقد نص القانون المدني على سلطة محكمة الموضوع في تفسير العقود
محتويات قواعد تفسير العقود
- قواعد وأسس سلطة القاضي في تفسير العقود ليست مطلقة
- قواعد سلطة المحكمة في تفسير العقود
- شرح المادة 150 مدنى تفسير العقود
- الشك يفسر لصالح المدين عند تفسير العقود
- شرح تفسير الشك لصالح المدين
- أحكام محكمة النقض عن تفسير العقود
- تطبيق قضائي: ضوابط تفسير المحررات العقدية في الطعن رقم 2206 لسنة 82 قضائية
- الحكم كامل
- لماذا تم نقض الحكم؟
- مذكرتا دفاع أمام محكمة الإحالة بعد النقض
- المذكرة الأولى: دفاع الطاعن
- المذكرة الثانية: دفاع المطعون ضده
- رد المستأنف ضده على الاستئناف أمام محكمة الإحالة بعد النقض
- الخاتمة المراجع القانونية

قواعد وأسس سلطة القاضي في تفسير العقود ليست مطلقة
ولكن هذه السلطة المقررة للقاضى ليست مطلقة فيتقيد بألا يخرج في تفسيره عن مدلول العبارة والا يمسخها والا كان تفسيره معيبا وقضاءه باطلا، ومن ثم اذا كانت عبارات العقد واضحة فلا حاجة الى التفسير.
وان كانت مبهمة فيجب التفسير ويكون بالتعرف على إرادة المتعاقدين من خلال عبارات العقد مجتمعة ليصل المفسر الى حقيقة هذه الإرادة والنية
وهذا الأمر تفسير العقد يختلف عن تكييفه فتكييف المحكمة للعقود أمر أخر بمعنى ان يحرر عقد بيع وهو فى حقيقته هبة فالتكييف هنا أمر قانونى يختلف عن التفسير الذى يرتبط بالنية والواقع
وفى هذا البحث نقدم نصوص القانون المدني التى تضمنت مسألة التفسير وهى المادتين 150 ، 151 ، مرفقا بالأعمال التحضيرية وشرح الفقهاء وأحكام محكمة النقض المرتبطة
قواعد سلطة المحكمة في تفسير العقود
إرادة المتعاقدين هي المرجع في تفسير العقد:
المادة 150 مدنى تنص على
- إذا كانت عبارة العقد واضحة، فلا يجوز الانحراف عنها من طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين.
- أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد ، فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء فى ذلك بطبيعة التعامل، وبما ينبغى أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وفقا للعرف الجارى فى المعاملات.
الأعمال التحضيرية للمادة 150 مدنى وماهية النية المعتبرة لبيان إرادة طرفي العقد :
لا ريب ان إرادة المتعاقدين هي مرجع ما يرتب التعاقد من آثار، بيد ان هذه الإرادة وهى ذاتية بطبيعتها، ولا يمكن استخلاصها الا بوسيلة مادية أو موضوعية، هى عبارة العقد ذاتها،
فإذا كانت هذه العبارة واضحة لزم ان تعد تعبيرا صادقا عن إرادة العاقدين المشتركة، وليس يجوز الانحراف عن هذا التعبير لاستقصاء ما أراده العاقدان حقيقة، من طريق التفسير أو التأويل تلك قاعدة يقتضى استقرار التعامل حرصا بالغا فى مراعاتها.
واذا كانت عبارة العقد غير واضحة أو مبهمة بحيث تحتمل فى جزئياتها أو فى جملتها اكثر من معنى تعين الالتجاء الى التفسير، والجوهري فى هذا هو كشف الإرادة المشتركة للعاقدين، لا الإرادة الفردية لكل منهما، وهذه الإرادة
وان كانت ذاتية الا انه يجب استخلاصها دائما بوسائل مادية، فليس ينبغى الوقوف في هذا الشأن عند المعنى الحرفي للألفاظ، بل يجب ان يعتد بطبيعة التعامل وبالغرض الذى يظهر ان المتعاقدين قد قصداه،
وبما يقتضى عرف التعامل من تبادل الثقة والشرف، ويراعى ان ذلك الفرض يتوخى فى استخلاصه التزام الظاهر وفقا لعبارة النص، كما ان هذا الشرف وتلك الثقة ينسبان الى العرف الجارى، وكل أولئك من قبيل الامارات المادية التى تقدر تقديرا موضوعيا.
ويلاحظ ان القاضي ينبغى ان يلجأ الى الوسائل المادية دون غيرها لاستخلاص إرادة المتعاقدين الذاتية، سواء اكان محل لتفسير العقد ام لا
فليس للقاضى المدني ما يتمتع به القاضي الجنائى من حرية فى تكوين عقيدته، وغنى عن البيان ان مراعاة هذه القاعدة الهامة مسألة من المسائل القانونية التى تخضع لرقابة محكمة النقض
(مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني – جزء 2- ص 296 و 297)
شرح المادة 150 مدنى تفسير العقود
1 – إذا كانت عبارة العقد واضحة، فإن محكمة العقد لا تجيز لقاضي الموضوع ان ينحرف عن معناها الظاهر إلى معنى آخر، ويعتبر الانحراف عن عبارة العقد الواضحة تحريفا لها ومسخا وتشويها مما يوجب نقض الحكم.
نقض جلسة 26/1/1961- مجموعة المكتب الفني – السنة 12- مدني – ص 60
ونقض – جلسة 4/5/1991- المرجع السابق – ص 444
نقض 15/2/1962- المرجع السابق – السنة 13- ص 246
نقض جلسة – 25/2/1962- المرجع السابق ص 259.
ولكن قاضي الموضوع قد يرى نفسه مع ذلك فى حاجة الى تفسير العبارة الواضحة وذلك بشرطين:
الشرط الأول:
ان يفرض بادئ الأمر ان المعنى الواضح من اللفظ هو ذات المعنى الذى تصد اليه المتعاقدان، فلا ينحرف عنه الى غيره من المعاني، الا إذا قام امامه من ظروف الدعوى ما يدل على ان المتعاقدين أساءا استعمال هذا التعبير الواضح، فقصدا معنى وعبرا عنه بلفظ لا يستقيم له هذا المعنى
بل هو واضح فى معنى اخر، ففى هذه الحالة يفسر القاضي اللفظ الواضح، وينحرف عن معناه الظاهر الى المعنى الذى قصد اليه المتعاقدان.
الشرط الثانى:
ان يبين القاضي فى حكمة ظروف الدعوى والأسباب التى حملته على الانحراف عن المعني الواضح، فإن قصر حكمه فى ذلك كان باطلا لعدم اشتماله على الأسباب الكافية التى يجب قانونا ان ينبغى عليها.
ويخلص مما تقدم ان محكمة النقض تبسط رقابتها على محكمة الموضوع في تفسير العبارات الواضحة عن طريق رقابة أسباب الحكم، فإذا التزمت محكمة الموضوع المعنى الظاهر للفظ الواضح،
اما إذا عدلت عن هذه المعنى الظاهر، فإنه يجب عليها ان تبين فى أسباب الحكم لم كان هذا العدول، ومحكمة النقض تراقب هذه الأسباب، فإن اقتنعت بان العدول قد قام على اعتبارات تسوغه، سلم الحكم من النقض، إلا نقص لقصور التسبيب.
ومن جهة أخرى، فالفروض غير الواضحة تحمل اكثر من معنى، فهى فى حاجة الى التفسير، وأول ما يستبعد من هذه المعاني المحتملة هو المعنى الحرفي للألفاظ
فهذا المعنى لا يجوز الوقوف عنده لانه ليس هو حتما المعنى الذى قصد اليه المتعاقدان معا، أي الإرادة المشتركة للمتعاقدين، لان هذه الإرادة المشتركة هى التى التقى عندها المتعاقدان، فهى التى يؤخذ بها، دون اعتداء بما لأى متعاقد منهما من إرادة فردية لم يتلاق معه فيه المتعاقد الاخر.
ويستهدى القاضي للكشف عن هذه الإرادة المشتركة للمتعاقدين بعوامل جاء ذكر بعضها فى نص الفقرة الثانية من المادة 150 مدنى، فهو يستهدى بطبيعة التعامل وبما ينبغى ان يتوافر من امانة وثقة بين المتعاقدين
وفقا للصرف الجارى فى المعاملات، والعوامل التى يستهدى بها القاضي يمكن تقسيمها الى عوامل داخلية تكون فى العقد ذاته، وعوامل خارجية ليست فى العقد.
فمن العوامل الداخلية طبيعة التعامل ، أي طبيعة العقد وموضوعه، فإذا احتملت العبارة معانى مختلفة، اختار القاضي المعنى الذى تقتضيه طبيعة العقد.
من العوامل الخارجية في تفسير العقد، العرف الجارى فى التعامل، فإذا كانت عبارات العقد مبهمة، وجب تفسيرها فى ضوء هذا العرف، ومن العوامل الخارجية أيضا الطريقة التى ينفذ بها المتعاقدان العقد
فإذا قاما بتنفيذ العقد على نحو معين مدة من الزمن، فمرت ارادتهما المشتركة فى ضوء طريقة التنفيذ التى تراضيا عليها، فإذا اعتاد المستأجر مدة من الزمن ان يدفع الأجرة فى محل المؤجر، حمل ذلك على ان المتعاقدين ارادا مخالفة القاعدة
العامة من ان الأجرة تدفع فى محل المستأجر، واتفقا على دفعها فى محل المؤجر
الوسيط – 1 – الدكتور السنهوري – ط 1952- ص 591 ، وما بعدها وكتابة : الوجيز- ص 230 وما بعدها .
2 – قد يبدو لأول وهلة ان التفسير مرحلة لا تأتى الا بعد الانتهاء من البحث فى انعقاد العقد وفى صحته، وهذه هى الفكرة التى يلقيها فى روع الباحث ما درج عليه الفقهاء، بل والشارع نفسه من انهم لا يعالجون موضوع التفسير الا بمناسبة البحث أو آثار العقد.
والواقع ان التفسير لا يقتصر دوره على تحديد مضمون العقد، بل يلجأ اليه كذلك عند البحث فى تكوين العقد وفى صحته
فالقاضي يستعين بالتفسير لتحديد معنى التعبير عن إرادة كل من الطرفين حتى يتبين ما إذا كان العقد قد تم تكوينه بإتفاق الارادتين
ويستعين به كذلك لمعرفة ما إذا كانت الإرادة بحسب ما وضحت له من خلال التفسير صحيحة أو معيبة، ويستعين به أخيرا لتحديد مضمون العقد الذى يجب تنفيذه
ومن هذا يتضح ان عمل القاضي فى هذه المراحل للثلاث يقوم على التفسير
نظرية العقد في قوانين العربية – جزء 2- الدكتور عبد المنعم فرج الصدة طبعة 1960- ص 2 وما بعدها
3 – وقد وضح الفقه الإسلامى عدة قواعد للتفسير، منها قاعدة اذ خفى الاستدلال على الباطن فالعبرة بالظاهر، لان الظاهر دليل الباطن ويقوم مقامه
وقاعدة اعمال الكلام خير من اهماله، فطالما كان هناك معنى للفظ يمكن الأخذ به فالعمل به أولى من تركه
وقاعدة المطلق يجرى على اطلاقه ما لم يقم دليل على تقيده، فمن وكل شخصا ببيع سيارة ولم يحدد له ثمنا
كان له ان يبيعه بثمن مناسب ما لم يقم دليل على تقييد البيع بثمن معين، وقاعدة الأصل إعتبار الغالب، وتقديمه على النادر
وقاعدة المعروف عرفا كالمشروط شرطا فإذا كان هناك عرف وجب تفسيره عبارات العقد فى حدوده، لان هذا العرف كالشرط المذكور فى العقد، ومن ملك شيئا،
ملك ما هو من ضروراته، فمن اشترى سيارة ملك ما هو ضرورى لتيسيرها، وقاعدة ذكر بعض ما لا يتجزأ كذكر كلمه… وقد قنن القانون العراقي هذه القواعد فى المواد 155- 165 مدنى
نظرية الالتزام- الدكتور عبد الناصر العطار – ص207 وما بعدها
4 – خصص المشرع العراقي بضع مواد لتفسير العقد، استمدها من الفقه الإسلامى بصفة عامة، ومن القواعد الكلية للمجلة بصفة خاصة.
واذا طرح نزاع بشأن عقد من العقود، تعين على القاضي ان يبحث أولا على انعقاد العقد أو عدم انعقاده، فإذا تبين له ان العقد ابرم صحيحا تعين عليه ان ينتقل من بحثه الى نقطة أخرى،
وهى هل سبق تنفيذ الإلتزام التعاقدي من قبل، وهل كان التنفيذ كاملا ام جزئيا، وهل كان التنفيذ فى صورتيه متفق مع شروط العقد وحسن النية
فإذا انصب النزاع على بعض محتويات العقد وشروطه، كان على القاضي ان يستجلى هذا الغموض بالرجوع الى قواعد التفسير التى قررها المشرع، فالعبرة فى العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمعاني
على ان الأصل فى الكلام الحقيقة اما إذا تعذرت الحقيقة فيصار الى المجاز ، ومعني هذا انه يتحتم علي القاضي ان يبحث عن نية المتعاقدين وان لا يقف عند حرفية النصوص التى اشتمل عليه العقد، غير ان الالفاظ لا ينبغى ان تهمل لآنها قوالب يعبر بها عن المعاني،
فإذا كانت الالفاظ المستعملة فى العقد تكفى لتحديد طبيعة العقد والالتزام وتعين مداهما، تعيين على القاضي الأخذ بها وعدم مجاوزتها
ولكن القاعدة المتقدمة لا تجعل القاضي مقيدا على الدوام باحترام هذه الالفاظ الواضحة الصريحة، فإذا اعطى المتعاقدان العقد وصفا معينا بعبارات والفاظ واضحة
فإن القاضي غير ملزم بالتقيد بهذا الوصف ويستطيع القاضي بان يعطى الوصف الحقيقى للعقد، غير ما كيفه به المتعاقدان
القانون المدني – الدكتور حسن الذنون – ص 97 وما بعدها
5 – قد يكون هناك تعارض بين المعنى الظاهر للتعبير وبين الإدارة الحقيقة لصاحب هذا التعبير، مرده ان صاحب التعبير لم يختين الكلمات التى تطابق مقصودة أو ان اللفظ المستعمل يحتمل اكثر من معنى
أو الى غير ذلك من الأسباب التى تجعل المخاطب يفهم التعبير فى ضوء كلماته وفى ضوء الظروف الملابسة، على معنى اخر غير المعنى الذى قصده صاحب التعبير.
ومذهب الإرادة يحتم اعمال الإرادة الباطنية دون التعبير الذى خالفها. وواضح ان هذه النتيجة تصطدم مع العدالة، لإضرارها بالمخاطب حسن النية الذى لا يستطيع التعرف على إرادة صاحب التعبير
الا من خلال عبارات التعبير ومن الظروف الملابسة للتعاقد المعروفة لديه، وقد يكون صاحب التعبير مقصرا بعدم مراعاته الدقة فى تعبيره
وإذن فمذهب الإرادة يؤدى الى اهدار مصلحة متعاقد حسن النية لم ينسب اليه أي تقصير ومحاباة متعاقد اخر مهمل، وفضلا عما فى هذه النتيجة من مجافاة للعدالة، فإنها تؤدى الى زعزعة الثقة فى المعاملات واضطرابها
أساس الالتزام العقدي – رسالة – الدكتور عبد الرحمن عباد – ص 61 وما بعدها
يتفرع عن الأخذ بنظرية الإرادة الظاهرة، ان القاضي يقف عند المظهر الخارجي للتعبير عن الإرادة، فلا يتعداه الى البحث عما تنطوى عليه نية المتعاقدين
وهو بحث لا ريب فى عسره، وانما يكتفى بما هو ظاهر له وفى استطاعته تلمسه التثبت منه، وبهذا يصير التفسير مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة النقض
مادام الغرض ليس هو تفسير نية المتعاقدين، بل هو تفسير نص العقد فى مظهره الخارجي، والشأن فى ذلك كتفسير القانون إذا اخطأ فيه قاضي الموضوع.
ويبين من نص المادة 150- مدنى- فى فقرتيهما- ان المشرع قد اغفل فى القانون المدني الجديد ما كانت تنص عليه المادة 138 من القانون المدني القديم من الإرادة الحقيقية للمتعاقدين
ثم هو قد حرم على القاضي استخلاص تلك النية الحقيقية أو محاولة استخلاصها، ويحتم عليه الوقوف عند النية المشتركة،
كما يحتم عليه الاستهداء فى تعرفها بطبيعة التعامل وبما ينبغى ان يتوافر من امانة وثقة بين المتعاقدين وفقا للعرف الجارى وطبيعة المعاملات، وكل هذه وسائل مادية لا شان لها بشخصية المتعاقدين.
واذا كان هذا هو الذى ذهب اليه المشرع فى القانون المدني الجديد تمشيا مع اعتناقه مبادئ نظرية الإرادة الظاهرة
فإنه من ناحية أخرى قد ابقى على مبادئ نظرية الإرادة الباطنة فى المواد 120 وما بعدها الخاصة بعيوب الرضا، فترك القاضي الموضوع للتقدير الكامل لوجود غلط أو تدليس أو اكراه
القوة الملزمة للعقد – المستشار حسين عامر – طبعة 1- 1949- ص 106 وما بعدها
6 – ان سلطة القاضي في تفسير العقد لا تقل عن سلطته فى فسخة أو تعديله، فهو بسلطته التفسيرية يسعى الى صيانة، إزالة ما فيه من شك أو التباس.
وقد اقام المشرع سلطة القاضي فى التفسير على وجوب تحرى الإرادة الظاهرة للمتعاقدين اللذين اتفقت نيتهما وتطابقت ارادتهما على إبرام العقد
فإذا كانت عبارة العقد واضحة صريحة تكشف عن إرادة المتعاقدين وتدل على الغاية التى أنشئ العقد من اجلها، فلا سبيل للتفسير لا يحل للقاضى ان ينحرف عنها.
غير ان عبارة العقد قد تكون واضحة، ولكن تدل الظروف على ان المتعاقدين أساءا استعمال هذا التعبير الواضح، فقصدا معنى وعبرا عنه بلفظ لا يستقيم له هذا المعنى، ففى هذه الحالة لا يأخذ القاضي بالمعنى الواضح للفظ، بل يعدل عنه الى المعنى الذى قصد اليه المتعاقدان.
ولكن لا يجوز للقاضى ان يفعل ذلك الا بشرطين:
الشرط الأول– هو ان يفترض فى بادئ الأمر ان المعنى الواضح من اللفظ هو ذات المعنى الذى قصده المتعاقدان، فلا ينحرف عنه الى غيره من المعاني الا إذا قام امامة من ظروف الدعوى ما يبرر ذلك.
الشرط الثانى- هو انه إذا عدل القاضي عن المعنى الواضح الى غيره من المعاني لقيام أسباب تبرر ذلك، فعليه ان يبين فى حكمه هذه الأسباب…
اما إذا كانت عبارة العقد غير واضحة فقد اصبح محلا للتفسير، وعندئذ يجب على القاضي ان يبحث فى الفاظة وجملة عن النية المشتركة للمتعاقدين، دون ان يقف عند المعنى الحرفي للألفاظ ليستهدي فى الكشف عن هذه النية.
وقد اعد القانون للقاضى وسيلتين ليستهدي بهما:
- الأولى– يستمدها من طبيعة التعامل وما ينبغى ان يتوفر من امانة وثقة بين المتعاقدين.
- الثانية– يستمدها من العرف الجارى فى المعاملات
ولقد اخذ القانون السوري الأحكام المتعلقة بتفسير العقود من القانون المصرى الجديد بالحرف الواحد، وقد اخذ القانون المصرى هذه الأحكام عن القانون المدني المصرى القديم التى اقتبسها بدوره عن القانون المدني الفرنسي.
غير ان القانون المدني الجديد تأثر بنظرية الإرادة الظاهرة،
واتجه اليها اكثر من اتجاهه الى الإرادة الباطنة، بان اوجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين والاستهداء بطبيعة التعامل والعرف الجارى، وهذه العوامل موضوعية تجعل الإرادة الظاهرة هى المصدر الذى يستخلص منه الإرادة الباطنة.
ومن اجل ذلك فإن سلطة القاضي فى القانون السوري والقانون المصرى واحدة لتطابق أحكامهما.
كذلك فإن أحكام القانون المدني الليبي في تفسير العقود منقولة عن مثيلتها فى القانون المصرى، مما جعل سلطة القاضي موحدة فى القوانين العربية الثلاثة.
بينما اقتبس القانون اللبنانى الأحكام المتعلقة بتفسير العقود من القانون المدني الفرنسي، وتأثر بنظرية الإرادة الباطنة فى التحري عن نية الملتزم أو على قصد المتعاقدين، ومنح القاضي سلطة التفسير،
بما لا يخرج عن الغرض المقصود فى العقد، ناظرا الى مجمله، ومستهديا ببنوده التي يفسر بعضها بعضا، ومراعيا أحكام العرف
فإذا تعارض في العقد نص يمكن تأويلة إلي معينين فعلية ان يأخذ منهما ما كان اشد انطباقا على روح العقد، ويفضل من المعنيين ما كان منهما ذا مفعول.
وقد استحدث القانون اللبنانى حكما جديدا لا نظير له فى القانون المدني المصرى، وما نقل عنه أو اقتبس منه من قوانين، وذلك بمنحه القاضي سلطة اكمال العقد وما فى نصوصه من نقص باتباعه احدى وسيلتين
اما بالأحكام المدرجة فى القانون إذا كان العقد مسمى، واما بالرجوع فى غير هذه الحال الى القواعد الموضوعية لأكثر العقود تناسبا مع العقد الذى يراد تفسيره.
اما القانون المدني العراقي فلم ينقل عن القانون المدني المصرى أو اقتبس شيئا من أحكام تفسير العقد، كما فعل فى كثير من أحكامه
وانما اخذ الأحكام الخاصة بتفسير العقد من الشريعة الإسلامية مباشرة ونقلها بالحرف الواحد عن القواعد الكلية المدرجة فى مقدمة مجلة الأحكام العدلية التى كانت تطبق فى العراق قبل القانون المدني
ومن المؤكد ان هذه الأحكام هى افضل ما يستهدى به القاضي في تفسير العقد والالتزام، وقد جمعت بين نظريتي الإرادة الباطنة والإرادة الظاهرة واطلقت سلطان القاضي فى الكشف عن النية المشتركة فى التعاقد والالتزام فى تحرى الغاية المقصودة منهما،
المعنى الذى تؤدى اليه هذه الغاية إذا كانت الالفاظ قاصرة عن أداء المعنى المقصود، كما خولته ان يستهدى بالعرف الجارى والعادة المألوفة
واستعمال الناس للاستدلال على طبيعة التعامل غير ان هذه القواعد الفقهية انما تصلح للاستهداء، وليس فيها حكم القاعدة القانونية
سلطة القاضي – في تعديل العقود في القانون المدني السوري – وبالمقارنة مع قوانين البلاد العربية – مقال – للأستاذ عبد السلام الرومانيتين المحاماة السنة 41- العدد 6 ص 899
الشك يفسر لصالح المدين عند تفسير العقود
المادة 151 مدني
- يفسر الشك في مصلحة المدين.
- ومع ذلك لا يجوز أن يكون تفسير العبارات الغامضة في عقود الإذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن.
الأعمال التحضيرية للمادة 151 مدنى وتفسير الشك لصالح المدين :
اذا عرض ما يدعو الى تفسير العقد، وبقى الشك يكشف إرادة المتعاقدين المشتركة رغم اعمال أحكام التفسير الذى تقدمت الإشارة اليها، فسر هذا الشك فى مصلحة المدين دون الدائن، تلك قاعدة أساسية اخذ بها اغلب التقنيات،
وهى ترد الى ان الأصل فى الذمة البراءة وعلى الدائن ان يقيم الدليل على وجود دينه، باعتبار انه يدعى ما يخالف هذا الأصل، فإذا بقى شك لم يوفق الدائن الى ازالته، فمن حق المدين ان يفيد منه.
الأصل ان يفسر الشك فى مصلحة الدين، عند غموض عبارة التعاقد غموضا لا يتيح زواله، وقد استثنى المشرع من حكم هذا الأصل عقود الإذعان،
فقضى بان يفسر الشك فيها لمصلحة العاقد المذعن، دائنا كان أو مدينا، فالمفروض ان العاقد الاخر هو اقوى العاقدين، يتوافر له من الوسائل ما يمكنه من ان يفرض على المذعن عند التعاقد شروطا واضحة بينه، فإذا لم يفعل ذلك اخذ بخطئه أو تقصيره وحمل تبعه، لانه يعتبر متسببا فى هذا الغموض
(مجموعة الأعمال التحضيرية للقانون المدني – جزء 2- ص 299 و 300)
شرح تفسير الشك لصالح المدين
1- إذا قام شك فى مدى التزام المدين بعقد، فسر هذا الشك فى مصلحته واخذ بالتفسير الاضيق فى تحديد هذا المدى، وذلك المبررات الاتية:
- (1) الأصل براءة الذمة والالتزام هو الإستثناء، لا يتوسع فيه، هذا الى ان النية المعقولة عند الملتزم ان يلتزم الى اضيق مدى تتحمله عبارات العقد، فلا يمكن ان يكون هناك توافق بين إرادة الدائن وإرادة المدين الا فى حدود هذا المدى الضيق
- (2) ان الدائن هو المكلف بإثبات الإلتزام، فإذا كان هناك شك فى الإلتزام من حيث مداه، أراد الدائن الأخذ بمدى واسع، كان عاجزا عن إثبات ذلك، فلا يبقى الا الأخذ بالمدى الضيق ، لانه هو وحده الذى قام عليه الدليل
- (3) ويقال أيضا فى تبرير القاعدة ان الإلتزام يمليه الدائن لا المدين، فإذا املاه مبهما يحوم حوله الشك، فالخطأ خطؤه، وواجب ان يفسر الإلتزام لمصلحة المدين، اذ كان فى مقدور الدائن ان يجعل الإلتزام واضحا لا شك فيه.
ونطاق تطبيق هذه القاعدة ان يكون هناك شك فى التعرف على الإرادة المشتركة للمتعاقدين بان يتراوح تفسير العقد بين وجوه متعددة كل وجه منها محتمل ولا ترجيح لوجه على وجه
اما إذا استحال التفسير ولم يستطيع القاضي ان يتبين أي وجه لتفسير العقد، فهذه قرينة على انه ليست هناك إرادة مشتركة للمتعاقدين، بل أراد كل منها شيئا لم يرده الاخر، فلم ينعقد العقد
ولا بد من جهة أخرى ان يكون الشك مما يتعذر جلاؤه، فإذا امكن القاضي ان يكشف عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين مهما كان هذا عسيرا، واستطاع ان يزيح عنها الشك وجب عليه تفسير العقد بموجب هذه الإرادة المشتركة
ولو كان التفسير فى غير مصلحة المدين ويرد على القاعدة استثناء هو ان يكون تفسير العبارات الغامضة فى عقود الإذعان لمصلحة الطرف المذعن دائما لو كان هو الدائن
الوسيط – 1- للدكتور السنهوري – ط 1952- ص 614- وما بعدها ، وكتابة الوجيز – ص 234 وما بعدها
2- تنص التقنيات العربية جميعا على ان يفسر الشك فى مصلحة المدين، وانها فيما عدا نفتين الموجبات والعقود اللبنانى تستثنى عقود الإذعان من هذه القاعدة
حيث تنص على انه لا يجوز ان يكون تفسير العبارات الغامضة فى عقود الإذعان ضارا بمصلحة الطرف المذعن
والواقع ان هذا الإستثناء يصدق أيضا فى القانون اللبنانى، وقد كان القضاء فى مصر يأخذ بحكم هذا الإستثناء فى ظل النقنين القديم
كما يأخذ به القضاء الفرنسي، وقاعدة ان يفسر الشك فى مصلحة المدين تنهض بها الأصول العامة فى القانون، لان الأصل فى الشخص براءة الذمة ، فإذا قام شك حول مدى التزام المدين،
فمر هذا الشك بالطريقة التى تجعل الإلتزام فى اضيق الحدود، كما تبررها القواعد العامة فى الإثبات، لان إثبات مدى الإلتزام يقع على عاتق الدائن
فإذا قام شك فى حقيقة هذا المدى، كان معنى ذلك ان الدائن لم يستطيع إثباته على نحو واسع، فيؤخذ اذن بالمعنى الضيق للالتزام .
فاذا كان العقد ملزما لجانب واحد، كان تفسير الشك لصالح هذا الجانب المدين، واذا كان العقد ملزما للجانبين، كان تفسير الشك فى معنى العبارة الواردة فى شرط معين لصالح الجانب المدين فى هذا الشرط .
ويجب ان يلاحظ المعني المقصود في لفظ المدين في هذه القاعدة ، فالرأي المجمع عليه بين الفقهاء ان المقصود هو المدين في الإلتزام ، غير ان هذا القول علي إطلاقه لا يصدق في جميع الحالات ،
والصحيح ان المدين هنا يراد به المدين في الشرط ، أي الشخص الذي يضار من الشرط الذي يجري تفسيره ، فهو تارة يكون مديناً في الإلتزام الذي يقرره الشرط ، وهذا هو الغالب ، وتارة أخري يكون مديناً في الشرط فحسب .
وتفصيل ذلك انه إذا كانت العبارة الغامضة تفرض إلتزاماً ، فإن الشك يفسر في مصلحة المدين في هذا الإلتزام ، والمدين في هذه الحالة يكون مديناً في الإلتزام والشرط معاً ، وهذا هي الصورة الغالبة .
أما إذا كانت العبارة الغامضة تعفي الشخص من الإلتزام يقع عليه طبقاً للقواعد العامة ، فإن الشك يفسر حينئذ في مصلحة الطرف الذي يضار من الشرط ، وهو الدائن في هذا الإلتزام ، ولكنه في هذه الصورة يكون مديناً في الشرط .
ويستثني من هذه القاعدة ان تكون العبارة الغامضة التي يجري تفسيرها قد وردت في عقد الإذعان ، إذ يفسر الشك في هذه الحالة في مصلحة الطرف المذعن دائناً كان أو مديناً ، وينص بهذا الإستثناء ان الطرف الآخر في هذا العقد
وهو محتكر قانون أو فعل السلطة أو المرافق الذي يرفق العقد في شانه ، يتوفر له من أسباب القوة ما يجعله يفرض شروط العقد ، فهو صانع هذه الشروط وعليه يقع وزر ما فيها من غموض كان في وسعه ان يتحاشاه
نظرية العقد في قوانين البلاد العربية – الجزء 2- الدكتور عبد المنعم فرج الصدة ص 12 وما بعدها
أحكام محكمة النقض عن تفسير العقود
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر/ شحاتة إبراهيم, والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق تتحصل في أن المطعون ضدها أقامت الدعوى رقم 4713 لسنة 1987 تجاري كلي الإسكندرية على الطاعنين
بطلب الحكم بإلزامهما بتقديم كشف حساب عن أرباح الشركة القائمان على إدارتها منذ يناير سنة 1974 وإلزامهما بأن يدفعا لها عشرة جنيهات على سبيل الإكراه المالي عن كل يوم تأخير
والحكم بما يثبت أنه مستحق لها, وقالت بياناً لها أنها شريكة للطاعنين مع آخرين في الشركة المصرية لصناعة الأدوات الكهربائية (……) بحصة قدرها 10%
وإذ استأثر الطاعنين بإدارتها وتحصيل أرباحها, فقد أقامت الدعوى, ومحكمة أول درجة بعد أن ندبت خبيراً فيها, وأودع تقريره
حكمت بتاريخ 30 من يونيه سنة 1992 بإلزام الطاعنين بصفتهما بأن يؤديا للمطعون ضدها مبلغ مقداره 101,437,860 ألف جنيه, استأنف الطاعنان هذا الحكم بالاستئناف رقم 292 لسنة 49 ق لدى محكمة استئناف الإسكندرية, وبعد أن ندبت خبيراً فيه, وأودع تقريره
أعادت الاستئناف لخبير آخر لمباشرة المهمة المبينة بمنطوق الحكم الصادر بتاريخ 13 من فبراير سنة 1994, وبعد أن أودع تقريره
قضت المحكمة بتاريخ 12 من نوفمبر سنة 1997 بتعديل الحكم المستأنف إلى إلزام الطاعنين بصفتهما بأن يدفعا للمطعون ضدها مبلغ مقداره 58,697,600 ألف جنيه.
طعن الطاعنان في الحكمين الصادرين من محكمة الاستئناف بتاريخ 13 من يونيه سنة 1996, 12 من نوفمبر سنة 1997 بطريق النقض
وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم, وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة حددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن مما ينعاه الطاعنان على الحكم المطعون فيه مخالفة الثابت في الأوراق والفساد في الاستدلال
وفي بيان ذلك يقولان أن قضاء المحكمة المطعون على حكمها الصادر بتاريخ 13 من يونيه سنة 1996 والذي انتهى في تفسيره لعقد التخارج المؤرخ 30 من أغسطس سنة 1990
إلى أن عباراته لا تفيد تخالص المطعون ضدها عن حصتها في الأرباح عن الفترة السابقة على إبرامه بالرغم من أن عباراته جاءت واضحة المعنى وقاطعة الدلالة على حصولها وكل المتخرجين الآخرين على كافة حقوقهم السابق منها واللاحق على إبرام هذا العقد وهو ما يعيبه بما يستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله
ذلك بأنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن النص في المادتين 147, 150/1 من القانون المدني يدل على أن العقد هو قانون المتعاقدين والخطأ في تطبيق نصوصه خطأ في تطبيق القانون ويمتنع على أي من المتعاقدين نقض العقد أو تعديله, كما يمتنع ذلك على القاضي
وعليه يلتزم بعبارات العقد الواضحة باعتبارها تعبيراً صادقاً عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين, فلا يجوز الانحراف عنها بدعوى تفسيرها, ولا يلتزم القاضي بإيراد أسباب لقضائه, إذا ما التزم المعنى الواضح لعبارات العقد, ومراعاة هذه القواعد من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض
وأن على القاضي أن يلتزم بأخذ عبارة المتعاقدين كما هي فلا يجوز له تحت ستار التفسير الانحراف عن مؤداها الواضح إلى معنى آخر, ولئن كان المقصود بالوضوح هو وضوح الإرادة لا اللفظ إلا أن المفروض في الأصل أن اللفظ يعبر بصدق عما تقصده الإرادة وعلى القاضي
إذا ما أراد حمل العبارة على معنى مغاير لظاهرها أن يبين في حكمه الأسباب المقبولة التي تبرر هذا المسلك وأن الخروج عن القاعدة المنصوص عليها في المادة 150/1 مدني المشار إليها ينطوي على مخالفة للقانون لما فيه من تحريف ومسخ وتشويه لعبارة العقد الواضحة وتخضع بهذه المثابة لرقابة محكمة النقض
ومن المقرر أيضاً أن أسباب الحكم تعتبر مشوبة بالفساد في الاستدلال إذا انطوت على عيب يمس سلامة الاستنباط ويتحقق ذلك إذا استندت المحكمة في اقتناعها إلى أدلة غير صالحة من الناحية الموضوعية للاقتناع بها أو إلى عدم فهم العناصر الواقعية التي تثبت لديها أو وقوع تناقض بين هذه العناصر
كما في حالة عدم اللزوم المنطقي للنتيجة التي انتهت إليها المحكمة بناء على تلك العناصر التي ثبتت لديها بأن كانت الأدلة التي قام عليها الحكم ليس من شأنها أن تؤدى عقلاً إلى ما انتهى إليه أو استخلص من الأوراق واقعة لا تنتجها.
لما كان ذلك, وكان الثابت في عقد التخارج المؤرخ 30 من أغسطس سنة 1990 اتفاق كل الشركاء في الشركة محل النزاع على تخارج أربعة عشر شريكاً من أصل عشرين وتضمن عجز البند التمهيدي الإشارة إلى تحقيق الشركة خسارة دعت أربعة عشر شريكاً إلى التخارج من الشركة وأكدوا على أنه
“يقروا جميعاً بأنه ليست لهم أية حقوق شخصية أو عينية بالشركة اعتباراً من ذلك التاريخ كما يقر باقي الأطراف المستثمرون في الشركة بعدم وجود أية التزامات مادية أو عينية على الأطراف المتخارجة
واعتباراً من تاريخ تخارجهم تبرأ ذمة الشركة من كافة حقوقهم منها, كما تبرأ ذمة المتخرجين من كافة الالتزامات السابقة واللاحقة على هذا التخارج”
وكانت عبارة العقد على النحو السالف بيانه واضح منها على نحو صريح اتجاه إرادة المتخرجين إلى الإقرار ببراءة ذمة الشركة وباقي الشركاء من كافة حقوقهم وهو ما عناه تأكيدهم على براءة ذمة الشركة من كافة حقوقهم
أخذاً بمعناها العام المطلق الذي ينصرف على نحو قاطع الدلالة إلى ما كان من هذه الحقوق سابقاً أو لاحقاً على إبرام عقد التخارج إذ أن النص عليها جاء عاماً مطلقاً
ومن ثم فلا يجوز تخصيصه وصرفه إلى اللاحق من الحقوق دون سواها, سيما وأنه تلي النزاع القضائي والذي استهل عام 1987
وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وفسر عبارات عقد التخارج على نحو خاطئ وانحرف بها عن مؤداها دون أن يبين سنده في ذلك
وقصر أثره على المستقبل فقط بالرغم من أنه تضمن الإقرار في صياغة عامة منضبطة وقاطعة الدلالة على براءة ذمة الشركة والشركاء من كافة حقوق المتخرجين ومنهم المطعون ضدها الماضي منها واللاحق
وهو ما يعيبه بالفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت في الأوراق ويوجب نقضه لهذا السبب دون حاجة لبحث السبب الآخر من سببي الطعن.
وحيث إن الموضوع صالح للفصل فيه, ولما تقدم, وكان الثابت في عقد التخارج اقتضاء المطعون ضدها لنصيبها في أرباح الشركة
وهو ما تبرأ معه ذمة الطاعنين من أية مستحقات لها وتفتقد معه مطالبتها الأساس القانوني ويتعين معه إلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً برفض دعواها مع إلزامها بالمصروفات عن درجتي التقاضي.
لذلك
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه, وألزمت المطعون ضدها المصروفات ومائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة, وقضت في موضوع الاستئناف رقم 292 لسنة 49 ق الإسكندرية بإلغاء الحكم المستأنف وبرفض الدعوى, وألزمت المستأنف ضدها المصروفات
[الطعن رقم 25 – لسنة 68 ق – تاريخ الجلسة 22 / 1 / 2013 ]
المقرر في قضاء هذه المحكمة أن لمحكمة الموضوع نية المتعاقدين وما إنعقد عليه بشرط أن يكون هذا الاستخلاص سائغاً
وأن تفسير العقود والشروط المختلفة عليها فيها واستظهار قصد طرفيها ما تستقل به محكمة الموضوع ما دام قضاؤها في هذا الشأن يقوم على أسباب سائغة ،
كما أنه من المقرر أيضاً أن مفاد المادة 1/150 من القانون المدني أن القاضي ملزم بأن يأخذ عبارة المتعاقدين الواضحة كما هي فلا يجوز له تحت ستار التفسير الانحراف عن مؤداها الواضح إلى معنى آخر ولئن المقصود بالوضوح هو وضوح الإرادة لا اللفظ
إلا أن إلا أن المفروض فى الأصل أن اللفظ يعبر عما تقصده الإرادة . وعلى القاضي إذا ما أراد حمل العبارة على معنى مغاير لظاهرها أن يبين فى حكمه الأسباب المقبولة التي تبرر هذا المسلك ،
لما كان ذلك وكان الخلاف بين طرفي النزاع يدول حول تفسير البندين الثاني والرابع عشر من بنود عقد الإتفاق المؤرخ 1/1/1987 وكان البند الثاني منه قد نص على:
“أن مدة الإنتفاع بالعين عشرين سنة تبدأ من أول نوفمبر1985 وتنتهي في أكتوبر2005”
ونص في البند الرابع عشر على أنه:
“للمنتفع بعد إنتهاء المدة المتفق عليها أن يظل بالعين إذا رغب في ذلك نظير دفع المبلغ المحدد سنوياً\” وكان المعنى الظاهر لتلك العبارات إتفاق الطرفين بداءة في البند الثاني على تحديد مدة الإنتفاع بالعين بعشرين عاماً تنتهي في 31/10/2005
مع جعل حق الإستمرار في الإنتفاع بها مرهوناً بإرادة المنتفع “الطاعن” إعمالاً للبند الرابع عشر متى قام بالتنبيه بذلك ملتزماً بأداء المبلغ المتفق عليه
وإذا خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وأعمل هذا النظر وأعمل حكم البند الثالث من العقد ورتب على ذلك طرد الطاعن من العين حالة أنه قام بالتنبيه على المطعون ضده برغبته في الإستمرار وسدد المبالغ المتفق عليها بإنذار العرض المؤرخ 27/3/2006
فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يوجب نقضه دون حاجة لبحث باقي أسباب الطعن .
طعن رقم 11516 لسنة 77 ق جلسة 5/2/2009
من المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن النص في المادتين 147 و 150/1 من القانون المدني – الواجب التطبيق على واقعة الدعوى
يدل على أن العقد هو قانون المتعاقدين والخطأ في تطبيق نصوصه خطأ في تطبيق القانون ويمتنع على أي من المتعاقدين نقض العقد أو تعديله كما يمتنع ذلك على القاضي وعليه أن يلتزم بعبارات العقد الواضحة باعتبارها تعبيرا صادقا عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين
فلا يجوز الانحراف عنها بدعوى تفسيرها ولا يلتزم القاضي بإيراد أسباب لقضائه إذا ما التزم المعنى الواضح لعبارات العقد ومراعاة هذه القواعد من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض،
وأن على القاضي أن يلتزم بأخذ عبارة المتعاقدين كما هي فلا يجوز له تحت ستار التفسير الانحراف عن مؤداها الواضح إلى معنى آخر، ولئن كان المقصود بالوضوح هو وضوح الإرادة لا اللفظ
إلا أن المفروض في الأصل أن اللفظ يعتبر بصدق عما تقصده الإرادة وعلى القاضي إذا ما أراد حمل العبارة على معنى مغاير لظاهرها أن يبين في حكمه الأسباب المقبولة التي تبرر هذا المسلك
وأن الخروج عن القاعدة المنصوص عليها في المادة 150/1 مدني المشار إليها ينطوي على مخالفة للقانون لما فيه من تحريف وفسخ وتشويه لعبارة العقد الواضحة وتخضع بهذه المثابة لرقابة محكمة النقض.
[الطعن رقم 17182 – لسنــة 76 ق – تاريخ الجلسة 20 / 11 / 2008]
التعرف علي مدي سعة الوكالة . وجوب الرجوع فيه اليه عبارة التوكيل وما جرت به نصوصه وملابسات صدوره وظروف الدعوى . إفراغ الوكالة في نموذج مطبوع وإضافة المتعاقدين شروطاً أو عبارات به تتعارض مع الشروط المطبوعة . وجوب تغليب الشروط المضافة . علة ذلك .
من المقرر فى قضاء هذه المحكمة ان المناط في التعرف علي مدي سعة الوكالة من حيث ما تشتمل عليه من تصرفات قانونية خول الموكل للوكيل إجراءها أو من أموال تقع عليها هذه التصرفات يتحدد بالرجوع إلي عبارة التوكيل ذاته وما جرت به نصوصه وإلي الملابسات التي صدر فيها وظروف الدعوي
فإذا استعمل المتعاقدان نموذجاً مطبوعاً للعقد أو المحرر وأضافا اليه بخط اليد أو بأية وسيلة أخري شروطاً أو عبارات تتعارض مع الشروط والعبارات المطبوعة وجوب تغليب الشروط والعبارات المضافة باعتبارها تعبيراً واضحاً عن إرادة المتعاقدين .
( الطعن 1490 لسنة 61 ق جلسة 25/6/1992 س 43 ص 887 )
النص في المادة 150/ 1 من القانون المدني على أنه:
“إذا كان عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين…”
يدل على
أن القاضي ملزم بأخذ عبارة المتعاقدين الواضحة كما هي فلا يجوز له تحت ستار التفسير الانحراف عن مؤداها الواضح إلى معنى آخر” ولئن كان المقصود بالوضوح هو وضوح الإرادة لا اللفظ
إلا أن المفروض في الأصل أن اللفظ يعبر بصدق عما تقصده الإرادة، وعلى القاضي إذا ما أراد حمل العبارة على معنى مغاير لظاهرها أن يبين في حكمه الأسباب المقبولة التي تبرر هذا المسلك
وما تقضي به المادة المشار إليها يعد من القواعد التي وصفها المشرع على سبيل الإلزام وينطوي الخروج عليها على مخالفة القانون لما فيه من تحريف ومسخ، وتشويه لعبارة العقد الواضحة وتخضع بهذه المثابة لرقابة محكمة النقض.
[الطعن رقم 909 – لسنــة 48 ق – تاريخ الجلسة 20 / 06 / 1981 – مكتب فني 32 – رقم الجزء 2 – رقم الصفحة 1856 – تم قبول هذا الطعن]
تطبيق قضائي: ضوابط تفسير المحررات العقدية في الطعن رقم 2206 لسنة 82 قضائية
الأصل أن تفسير العقد يكون بالالتزام بعباراته الواضحة، فإذا احتمل الاتفاق أكثر من معنى وجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين والاستهداء بطبيعة التعامل والعرف الجاري.
ولا يجوز الحكم بفسخ العقد على أساس مديونية مفترضة قبل استظهار مصدر الالتزام ومقداره واستحقاقه وما إذا كان قد تم الوفاء به.
| المسألة | ما قرره الحكم |
|---|---|
| القوة الملزمة للعقد | العقد الصحيح لا ينفرد أحد طرفيه بنقضه أو تعديله، ولا ينشئ القاضي عقدًا عن المتعاقدين. |
| تفسير العبارات | تُحترم العبارة الواضحة، وعند وجود محل للتفسير يُبحث عن النية المشتركة وفق المادة 150 مدني. |
| تكرار مبلغ الثمن | لا يكفي وحده للجزم بوجود ثمنين مستقلين أو بثبوت سداد المبلغين؛ بل يجب استظهار حقيقة الاتفاق. |
| أثر الإخلال | لا يُقضى بالفسخ قبل تحديد الالتزام الذي قيل بالإخلال به والتحقق من عدم تنفيذه. |
| نتيجة الطعن | نقض الحكم والإحالة؛ دون حسم نهائي لمسألة ما إذا كان المبلغ الثاني مستقلًا أو مسددًا. |
أرست محكمة النقض – الدائرة المدنية – في الطعن رقم 2206 لسنة 82 قضائية، بجلسة 21 من يونيو سنة 2021، أحكاما بالغة الأهمية في شأن القوة الملزمة للعقد، ومبدأ سلطان الإرادة، وضوابط تفسير المحررات العقدية
ووجوب استظهار النية المشتركة للمتعاقدين، والاستهداء بالعرف الجاري في المعاملات عند غموض الاتفاق، وعدم جواز القضاء بفسخ العقد قبل الوقوف على حقيقة الالتزامات التي رتبها.
وقد تم استخلاص ثمانية مبادئ قضائية من هذا الحكم، تكشف عن دقة المنهج الذي انتهجته المحكمة في الموازنة بين احترام إرادة المتعاقدين، وصون استقرار المعاملات، وإخضاع التفسير القضائي لحدود الاتفاق وحقيقته.
المبدأ الأول: العقد شريعة المتعاقدين، فلا تنقضه إرادة منفردة ولا تعدله مشيئة عارضة
لما كان النص في الفقرة الأولى من المادة 147 من القانون المدني قد قرر أن العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين
فإن مؤدى ذلك أن الإرادة متى التقت على إنشاء رابطة عقدية صحيحة، مستوفية أركانها وشروطها، وغير مصادمة للنظام العام أو الآداب، انعقدت لها قوة ملزمة لا يستقل أحد طرفيها بالتحلل منها أو إعادة تشكيلها وفقا لهواه.
فالعقد ثمرة إرادتين، وما أنشأته الإرادتان لا تنقضه إرادة واحدة؛ إذ ليس لأحد المتعاقدين أن يجعل من رغبته اللاحقة سلطة تعلو على التزامه السابق
ولا أن يتخذ من تغير مصلحته ذريعة للتنصل مما ارتضاه. فالعقد ليس وعدا متروكا للأهواء، وإنما رابطة قانونية تستمد قوتها من توافق الإرادتين، وتستقر آثارها في ذمة طرفيها.
ومن ثم، فإن سلطان الإرادة لا يقف عند لحظة إبرام العقد، بل يمتد إلى مرحلة تنفيذه، حارسا لحقوق المتعاقدين، ومانعا من الانفراد بتغيير ما انعقد عليه الاتفاق.
المبدأ الثاني: لا يملك القاضي إنشاء العقد أو تعديل مضمونه، وإنما يقتصر دوره على تفسيره والكشف عن حقيقته
إن وظيفة القاضي في مجال العقود ليست أن يحل إرادته محل إرادة المتعاقدين، ولا أن يعيد صياغة اتفاقهما بما يراه أوفق بمصلحة أحدهما، وإنما تنحصر مهمته في استجلاء حقيقة ما اتجها إليه، والكشف عن المضمون القانوني الذي انصرفت إليه إرادتهما المشتركة.
فإذا كانت عبارة العقد واضحة، امتنع الانحراف عنها أو تحميلها ما لا تحتمل؛ لأن العبارة الواضحة مرآة الإرادة، والخروج عليها ليس تفسيرا بل إنشاء لالتزام لم يتجه إليه المتعاقدان.
أما إذا شاب الاتفاق غموض أو احتمل أكثر من معنى، تعين على المحكمة أن تستظهر حقيقته، لا أن تستبدل به حقيقة أخرى؛ فالفارق دقيق بين تفسير العقد وتغييره، وبين الكشف عن الإرادة واصطناعها.
وهكذا رسمت محكمة النقض حدا فاصلا بين سلطة القضاء في التفسير وسلطته في الإنشاء؛ فالأولى ولاية قضائية مشروعة، والثانية افتئات على سلطان الإرادة.
المبدأ الثالث: العبرة في تفسير العقود بحقيقة الإرادة لا بمجرد الألفاظ والأوصاف التي يسبغها المتعاقدون عليها
المقرر أن لمحكمة الموضوع سلطة تفسير العقود بما تراه أوفى بمقصود عاقديها، غير أن هذه السلطة لا تنفصل عن حقيقة الاتفاق، ولا تتسع إلى حد الاعتداد بالأوصاف التي أطلقها المتعاقدون على تصرفهم متى خالفت حقيقة ما انصرفت إليه إرادتهم.
فالعبرة ليست بما تسمى به العقود، وإنما بما تضمنته من حقوق والتزامات؛ إذ قد يحمل المحرر وصفا، بينما تكشف بنوده عن حقيقة مغايرة، وقد تسعف الألفاظ في ظاهرها بمعنى، ثم تكشف ظروف التعامل وملابساته عن معنى آخر.
ومن ثم، فإن مناط التفسير هو وضوح الإرادة لا مجرد وضوح الألفاظ، وحقيقة المراد لا زخرف العبارات؛ فلا يقف القاضي عند ظاهر اللفظ إذا كان في الأوراق ما يكشف عن حقيقة الاتفاق، ولا يتجاوز عبارته إذا كانت واضحة الدلالة على المقصود.
المبدأ الرابع: سلطة محكمة الموضوع في تفسير العقود ليست مطلقة، وإنما يحدها احتمال العبارة وسائغية الأسباب
وإن كانت محكمة الموضوع تستقل بتفسير العقود واستخلاص قصد المتعاقدين، فإن استقلالها لا يعني إطلاق يدها في التأويل، ولا يعفيها من إقامة قضائها على أسباب سائغة لها أصل ثابت في الأوراق.
فالتفسير القضائي ليس ضربا من التخمين، ولا مجالا لإطلاق الظنون، وإنما هو استدلال منضبط، قوامه قراءة بنود العقد في مجموعها، وربط بعضها ببعض، واستظهار ما تحتمله عباراته، دون تحميلها ما لا تطيق أو اقتطاع بعضها من سياقها.
فإذا جاوزت المحكمة حدود المعنى الذي تحتمله عبارات الاتفاق، أو أقامت قضاءها على استخلاص لا يسنده أصل ثابت، اختل بنيان حكمها، وغدا التفسير الذي انتهت إليه حائلا دون إنفاذ الإرادة الحقيقية للمتعاقدين.
ومن هنا، فإن رقابة محكمة النقض لا تنصرف إلى مجرد المفاضلة بين معنيين محتملين، وإنما تمتد إلى التحقق من التزام محكمة الموضوع بالضوابط القانونية الحاكمة لعملية التفسير.
المبدأ الخامس: حسن النية واجب يحكم تنفيذ العقد، ولا ينفصل عن تفسيره أو تقدير آثاره
أوجبت المادة 148 من القانون المدني تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية؛ ومؤدى ذلك أن الالتزام العقدي لا يستقيم بمجرد الوقوف عند حرفية النصوص، وإنما يتعين أن يجري تنفيذه في إطار الأمانة والثقة اللتين قام عليهما التعامل.
فحسن النية ليس عبارة تزيينية تضاف إلى النصوص، ولا التزاما أدبيا مجردا من الأثر القانوني، بل هو ضابط يحكم سلوك المتعاقدين عند تنفيذ التزاماتهم، ويحول دون اتخاذ ظاهر الاتفاق ستارا للإضرار بالطرف الآخر أو الالتفاف على مقتضيات التعامل.
وإذ كان العقد شريعة المتعاقدين، فإن حسن النية هو ميزان تنفيذ هذه الشريعة؛ فلا يستقيم أن يتمسك أحدهما بحرف النص ليهدر مقصودة، أو يتخذ من غموض العبارة منفذا للتنصل من مقتضياتها.
وبذلك يتكامل سلطان الإرادة مع حسن النية؛ فالأول يحمي الاتفاق من العبث، والثاني يحمي تنفيذه من التعسف والانحراف.
المبدأ السادس: العرف الجاري في المعاملات وسيلة معتبرة للكشف عن الإرادة المشتركة عند غموض العقد
لم يقصر المشرع في المادة 150 من القانون المدني عملية تفسير العقد على المعنى الحرفي لألفاظه، بل أوجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين، والاستهداء في ذلك بطريقة التعامل، وبما ينبغي من أمانة وثقة بينهما، وفقا للعرف الجاري في المعاملات.
ومؤدى ذلك أن العرف ليس عنصرا غريبا عن التفسير العقدي، ولا دخيلا على تكوين العقيدة القضائية، وإنما هو أحد الأدوات التي يستعين بها القاضي لاستجلاء ما استغلق من معاني الاتفاق، واستكشاف ما جرى عليه التعامل في نظائره.
فإذا كان ظاهر المحرر لا يكشف وحده عن حقيقة المقصود، دنا القاضي من ظروف التعامل، ورنا ببصره إلى طبيعة المعاملة وما استقر عليه العرف بشأنها، حتى تتساند القرائن وتتآلف الدلالات، وتنكشف الإرادة التي ران عليها غموض الألفاظ.
غير أن الاستهداء بالعرف لا يجيز مصادمة العبارة الواضحة، وإنما يعمل في نطاق ما يقتضيه تفسير العقد، وبالقدر الذي يعين على الكشف عن حقيقة الاتفاق.
المبدأ السابع: لا يجوز تجزئة الصفقة العقدية أو افتراض تعدد أثمانها دون استظهار حقيقة الاتفاق والعرف الذي يحكم المعاملة
كشفت وقائع الطعن عن أهمية بالغة لفهم وحدة الصفقة العقدية؛ إذ تضمن العقد بيعا لحصة شائعة في كامل مسطح الأرض بثمن مقداره 104500 جنيه
وأثبت المحرر سداد هذا الثمن بالكامل، ثم تضمن قسمه الثاني المعنون «الوحدة المخصصة» تخصيص وحدة سكنية بالطابق السادس للطاعن، لقاء مبلغ مماثل قدره 104500 جنيه.
وكان موطن النزاع أن الحكم المطعون فيه اعتبر المبلغ الوارد بالقسم الثاني تكلفة مستقلة مستحقة السداد، ورتب على عدم أدائه فسخ العقد، دون أن يستظهر حقيقة العلاقة بين المبلغين، أو يتحقق مما إذا كان المبلغ الثاني يمثل ثمنا إضافيا مستقلا، أم أن الصفقة قد أبرمت في إطار تعامل واحد له مقتضياته وأحكامه.
وهنا تتجلى دقة نظر محكمة النقض؛ إذ لم تجزم بأن المبلغين ثمن واحد، ولم تقرر أن المبلغ الثاني قد سدد، وإنما عابت على محكمة الموضوع إغفالها بحث هذه المسألة
مع أن العرف الجاري في مثل تلك المعاملات قد جرى على عدم تجزئة الصفقة، وتحديد مبلغ للحصة الشائعة في الأرض ومبلغ مماثل يعادل قيمة الوحدة ذاتها.
ومن ثم، فلا يكفي تعدد البنود أو تكرار المبالغ للقول حتما بتعدد الالتزامات، كما لا يجوز افتراض وحدة الثمن بغير دليل؛ وإنما يتعين استظهار حقيقة الاتفاق
وتحديد طبيعة كل مبلغ، وبيان كيفية استحقاقه وسداده، حتى لا ينقلب التفسير إلى افتراض، ولا يتحول القضاء إلى إنشاء لالتزام لم يثبت على وجهه الصحيح.
المبدأ الثامن: القضاء بفسخ العقد يستلزم استظهار حقيقة الالتزام والإخلال به، وإغفال بحث بند الثمن يعيب الحكم بالقصور والخطأ في تطبيق القانون
إن الفسخ جزاء خطير يرد على الرابطة العقدية، ويترتب عليه زوالها وآثارها، فلا يسوغ إعماله لمجرد القول بتخلف أحد المتعاقدين عن الوفاء
دون التحقق أولا من طبيعة الالتزام المدعى الإخلال به، ومصدره، ومقداره، وموعد استحقاقه، وما إذا كان قد نفذ بالفعل أم لا.
فلا فسخ بغير إخلال ثابت، ولا إخلال قبل تحديد الالتزام، ولا تحديد صحيح للالتزام بغير تفسير يكشف عن حقيقة الاتفاق.
ولما كان الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قد قضى بفسخ العقد استنادا إلى تخلف الطاعن عن سداد قيمة تكلفة الوحدة السكنية
دون أن يتعرض لتفسير بند الثمن، أو يستظهر ما إذا كان المبلغ الوارد بالقسم الثاني مغايرا للمبلغ الذي أثبت العقد سدادَه بالقسم الأول
أو يبين كيفية استحقاقه وسداده، فإنه يكون قد أقام قضاءه على استخلاص غير مكتمل، وأغفل بحث مسألة جوهرية يتغير بها وجه الرأي في الدعوى.
ومن ثم، انتهت محكمة النقض إلى أن هذا الإغفال يعيب الحكم بالقصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون، فقضت بنقضه وإحالة القضية إلى محكمة استئناف القاهرة.
وهكذا قررت المحكمة أن الفسخ لا يستقيم على مجرد افتراض المديونية، وإنما يتعين أن يسبقه تحقيق الالتزام وتحديد مضمونه واستظهار الإخلال به؛ فالقضاء بالفسخ نتيجة، ولا تصح النتيجة إذا اختل أساسها.

وخلاصة ما أرسته المحكمة أن العقد لا يفسر بمعزل عن إرادة عاقديه، ولا ينفذ بمعزل عن حسن النية، ولا يفسخ بمعزل عن التحقق من حقيقة الالتزام والإخلال به
فحيث تستقيم الإرادة يستقيم الاتفاق، وحيث ينضبط التفسير تستقر المعاملات، وحيث يقوم القضاء على أسباب سائغة تستوي العدالة على ميزانها.
وقد انتهت المحكمة إلى نقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة استئناف القاهرة، وإلزام المطعون ضده بالمصروفات.
الحكم كامل
باسم الشعب
محكمة النقض
دائرة الاثنين مدني «د»
الطعن رقم ٢٢٠٦ لسنة ٨٢ قضائية
جلسة الاثنين الموافق ٢١ من يونيو سنة ٢٠٢١
برئاسة السيد القاضي / مجدي مصطفى، نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة القضاة / وائل رفاعي، وعصام توفيق، ورفعت هيبة، نواب رئيس المحكمة، وأحمد الفقي.
(١–٣) عقد «أركان العقد وشروط انعقاده: سلطان الإرادة: تحديد موضوع العقد: تكييف العقد: تفسير العقد: تحديد نطاق العقد». محكمة الموضوع «سلطتها في تفسير العقود».
(١) مبدأ سلطان الإرادة. لازمه. عدم استقلال أيٍّ من طرفيه، متى وقع صحيحًا لا يخالف النظام العام أو الآداب، بنقضه أو تعديله. علة ذلك. امتناع ذلك على القاضي. اقتصار عمله على تفسير مضمونها بالتزامه بعدم الخروج على عبارة العقد الواضحة. علة ذلك. المواد ١٤٧/١، ١٤٨، ١٥٠ مدني.
(٢) تفسير العقود واستخلاص قصد عاقديها. من سلطة محكمة الموضوع. مناطه. الرجوع إلى إرادة المتعاقدين وقيامه على أسباب سائغة.
(٣) ثبوت بيع المطعون ضده للطاعن، بموجب عقد البيع موضوع التداعي، حصةً مشاعًا في كامل مسطح الأرض، والتأشير عليه بما يفيد سداد كامل الثمن، وتخصيص القسم الأول من العقد لهذا الجزء
وإكمال الطرفين التعاقد في القسم الثاني المعنون «الوحدة المخصصة» باختصاص الطاعن بوحدة بالطابق السادس لقاء ثمن محدد، وعدم تضمنه بيان ما إذا كان هذا المبلغ مغايرًا للمبلغ المتفق عليه بالقسم الأول، وإن كان قد سُدِّد
وكيفية سداده. قضاء الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه بفسخ العقد استنادًا إلى تخلُّف الطاعن عن سداد قيمة تكلفة الوحدة السكنية المباعة له، دون التعرض لبيان تفسير العقد في خصوص بند الثمن
رغم جريان العرف في تلك المعاملات على عدم تجزئة الصفقة وتحديد مبلغ للحصة الشائعة في الأرض ومبلغ مماثل آخر يعادل قيمة الوحدة ذاتها. خطأ وقصور.
١- المقرر – في قضاء محكمة النقض – أن النص في الفقرة الأولى من المادة ١٤٧ من القانون المدني على أن «العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين»
وفي المادة ١٤٨ منه على أنه «يجب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية»،
وفي المادة ١٥٠ من القانون ذاته على أنه «إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين،
أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف على المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء في ذلك بطريقة التعامل، وبما ينبغي من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وفقًا للعرف الجاري في المعاملات»
يدل على أن مبدأ سلطان الإرادة ما زال يسود الفكر القانوني، ولازم ذلك أن ما اتفق عليه المتعاقدان، متى وقع صحيحًا لا يخالف النظام العام أو الآداب، أصبح ملزمًا للطرفين، فلا يجوز نقض العقد ولا تعديله من جهة أيٍّ من الطرفين؛ إذ إن العقد وليد إرادتين
وما تعقده إرادتان لا تحله إرادة واحدة، وهذا هو الأصل. كما يمتنع ذلك على القاضي أيضًا؛ لأنه لا يتولى إنشاء العقود عن عاقديها
وإنما يقتصر عمله على تفسير مضمونها بالتزام عبارات العقد الواضحة وعدم الخروج عنها، بحسبانها تعبيرًا صادقًا عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين، وذلك احترامًا لمبدأ سلطان الإرادة وتحقيقًا لاستقرار المعاملات.
٢- المقرر – في قضاء محكمة النقض – أنه ولئن كان لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تفسير صيغ العقود بما تراه أوفى بمقصود العاقدين منها، إلا أن ذلك مشروط بألا تخرج في تفسيرها عما تحتمله عبارات العقد، والمناط في ذلك بوضوح الإرادة لا وضوح الألفاظ،
وما عناه العاقدون منها بالتعرف على حقيقة مرماهم، دون الاعتداد بما أطلقوه عليها من أوصاف وما ضمنوها من عبارات، متى تبين أن هذه الأوصاف والعبارات تخالف الحقيقة، إلا أن شرط ذلك أن تقيم قضاءها على أسباب سائغة.
٣- إذ كان البيِّن من مطالعة العقد سند الدعوى، المؤرخ ٢٩/٤/٢٠٠١، أنه قد أُبرم فيما بين طرفي التداعي، وباع بموجبه المطعون ضده للطاعن ١٦ سهمًا مشاعًا في كامل مسطح الأرض المبنية
وأن ذلك لقاء ثمن مقداره ١٠٤٥٠٠ جنيه، وتأشر على البند الخاص ببيان كيفية السداد على أقساط بأن الثمن قد سُدِّد كاملًا، وخصص لهذا القسم الجزء الأول من العقد، ثم أكمل الطرفان التعاقد في القسم الثاني المعنون «الوحدة المخصصة» ببيان أن للطاعن ستة أسهم مشاعًا في أرض التداعي
وأنه تم تخصيص وحدة للطاعن بالطابق السادس والمبيَّنة بالبند الأول من ذلك القسم لقاء مبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه، ولم يتضمن بيان ما إذا كان هذا المبلغ مغايرًا للمبلغ المتفق عليه بالقسم الأول، وإن كان قد سُدِّد وكيفية سداده
إلا أن الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قضى بفسخ العقد على سند من أن الطاعن تخلَّف عن سداد قيمة تكلفة الوحدة السكنية المباعة له، دون التعرض لبيان تفسير العقد في خصوص بند الثمن
إذ إن العرف الجاري في تلك المعاملات ألا يتم تجزئة الصفقة وتحديد مبلغ للحصة الشائعة في الأرض ومبلغ مماثل آخر يعادل قيمة الوحدة ذاتها
بما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر / أحمد الفقي، «القاضي بالمحكمة»، والمرافعة، وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن المطعون ضده أقام على الطاعن الدعوى رقم ٨٣٩٥ لسنة ٢٠١٠ مدني شمال القاهرة الابتدائية
بطلب الحكم بفسخ عقد البيع المؤرخ ٢٩/٤/٢٠٠١ والتسليم. وقال بيانًا لذلك: إنه باع بموجب ذلك العقد إلى الطاعن حصة مقدارها ستة أسهم مشاعًا في قطعة الأرض من العقار المبين بالصحيفة، لقاء ثمن مقداره مائة وأربعة آلاف وخمسمائة جنيه
سُدِّد بالكامل في مجلس العقد. وإذ رغب الطاعن وآخرون في إقامة عمارة سكنية عليها وتخصيص شقة لكلٍّ منهم، فتم الاتفاق على أن يُخصَّص له وحدة سكنية بالدور السادس، نظير مبلغ مائة وأربعة آلاف وخمسمائة جنيه يعادل قيمة تكاليف إقامتها.
وقد ورد بالبند العاشر من العقد المشار إليه أنه في حالة التأخير في سداد أقساط التخصيص تحل باقي الأقساط فورًا، ويُفسخ العقد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى تنبيه أو إنذار أو إعذار. وإذ تقاعس الطاعن عن سداد ذلك المبلغ، فقد أقام الدعوى.
والمحكمة حكمت بالطلبات. استأنف الطاعن ذلك الحكم بالاستئناف رقم ٤٧٧٠ لسنة ١٥ ق استئناف القاهرة، وبتاريخ ٢٠/١٢/٢٠١١ قضت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف.
طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه نقضًا جزئيًّا فيما قضى به من فسخ العقد بخصوص شراء الطاعن الحصة في الأرض المقام عليها عقار التداعي.
وإذ عُرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة، فقررت استبعاد السبب الرابع، وحددت جلسة لنظر باقي الأسباب، وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن الطاعن ينعى بالأسباب من الأول حتى الثالث على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه والفساد في الاستدلال.
وفي بيانها يقول: إن العقد سند الدعوى هو عقد تخصيص وحدة سكنية في عقار قائم بالفعل، وليس أرض فضاء، وإنه خالص الثمن؛ حيث خلا الجزء الثاني من ذلك العقد، والمعنون «الوحدة المخصصة»، من أي مستحقات عليه أو أقساط متأخرة أو مواعيد سداد.
إلا أن الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه أخطأ في تفسيره، إذ كيَّفه على أنه عقد بيع قطعة أرض مقدارها ستة أسهم تعادل ١٦٥ م٢ مشاعًا في كامل مساحة العقار البالغة ٧٦٣٫٤٢ م٢، وانتهى من ذلك إلى أن طلبات المطعون ضده هي فسخ ذلك العقد الذي يتكون من شقين، لكلٍّ منهما بنود منفردة، بالمخالفة للثابت بالأوراق، بما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله
ذلك أن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن النص في الفقرة الأولى من المادة ١٤٧ من القانون المدني على أن «العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين»،
وفي المادة ١٤٨ منه على أنه «يجب تنفيذ العقد طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية»،
وفي المادة ١٥٠ من القانون ذاته على أنه «إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين، أما إذا كان هناك محل لتفسير العقد فيجب البحث عن النية المشتركة للمتعاقدين دون الوقوف على المعنى الحرفي للألفاظ
مع الاستهداء في ذلك بطريقة التعامل، وبما ينبغي من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وفقًا للعرف الجاري في المعاملات»
يدل على أن مبدأ سلطان الإرادة ما زال يسود الفكر القانوني، ولازم ذلك أن ما اتفق عليه المتعاقدان، متى وقع صحيحًا لا يخالف النظام العام أو الآداب، أصبح ملزمًا للطرفين، فلا يجوز نقض العقد ولا تعديله من جهة أيٍّ من الطرفين
إذ إن العقد وليد إرادتين، وما تعقده إرادتان لا تحله إرادة واحدة، وهذا هو الأصل. كما يمتنع ذلك على القاضي أيضًا؛ لأنه لا يتولى إنشاء العقود عن عاقديها
وإنما يقتصر عمله على تفسير مضمونها بالتزام عبارات العقد الواضحة وعدم الخروج عنها، بحسبانها تعبيرًا صادقًا عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين، وذلك احترامًا لمبدأ سلطان الإرادة وتحقيقًا لاستقرار المعاملات.
كما أنه من المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أنه ولئن كان لمحكمة الموضوع السلطة التامة في تفسير صيغ العقود بما تراه أوفى بمقصود العاقدين منها
إلا أن ذلك مشروط بألا تخرج في تفسيرها عما تحتمله عبارات العقد، والمناط في ذلك بوضوح الإرادة لا وضوح الألفاظ، وما عناه العاقدون منها بالتعرف على حقيقة مرماهم، دون الاعتداد بما أطلقوه عليها من أوصاف وما ضمنوها من عبارات
متى تبين أن هذه الأوصاف والعبارات تخالف الحقيقة، إلا أن شرط ذلك أن تقيم قضاءها على أسباب سائغة.
لما كان ذلك
وكان البيِّن من مطالعة العقد سند الدعوى، المؤرخ ٢٩/٤/٢٠٠١، أنه قد أُبرم فيما بين طرفي التداعي، وباع بموجبه المطعون ضده للطاعن ٦ أسهم مشاعًا في كامل مسطح الأرض المبنية، وأن ذلك لقاء ثمن مقداره ١٠٤٥٠٠ جنيه
وتأشر على البند الخاص ببيان كيفية السداد على أقساط بأن الثمن قد سُدِّد كاملًا، وخصص لهذا الجزء القسم الأول من العقد، ثم أكمل الطرفان التعاقد في القسم الثاني المعنون «الوحدة المخصصة» ببيان أن للطاعن ستة أسهم مشاعًا في أرض التداعي
وأنه تم تخصيص وحدة للطاعن بالطابق السادس والمبيَّنة بالبند الأول من ذلك القسم لقاء مبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه، ولم يتضمن بيان ما إذا كان هذا المبلغ مغايرًا للمبلغ المتفق عليه بالقسم الأول، وإن كان قد سُدِّد وكيفية سداده
إلا أن الحكم الابتدائي المؤيد بالحكم المطعون فيه قضى بفسخ العقد على سند من أن الطاعن تخلَّف عن سداد قيمة تكلفة الوحدة السكنية المباعة له
دون التعرض لبيان تفسير العقد في خصوص بند الثمن؛ إذ إن العرف الجاري في تلك المعاملات ألا يتم تجزئة الصفقة وتحديد مبلغ للحصة الشائعة في الأرض ومبلغ مماثل آخر يعادل قيمة الوحدة ذاتها
بما يعيب الحكم المطعون فيه بالقصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون، بما يوجب نقضه.
لذلك
نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة، وألزمت المطعون ضده بالمصروفات.
لماذا تم نقض الحكم؟
نُقض الحكم لأن محكمة الاستئناف أيّدت فسخ العقد من دون أن تفسّر بند الثمن، فجاء قضاؤها قاصر التسبيب ومخطئًا في تطبيق القانون.
العقد المؤرَّخ ٢٩/٤/٢٠٠١ قسمان:
القسم الأول: بيع حصّة مشاعة في الأرض (ستة أسهم) بمبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه، ومؤشَّر عليه بأن الثمن سُدِّد كاملًا.
القسم الثاني بعنوان «الوحدة المخصصة»: تخصيص وحدة للطاعن بالطابق السادس لقاء المبلغ نفسه (١٠٤٥٠٠ جنيه)، من دون بيان ما إذا كان هذا المبلغ غير المبلغ الأول، وهل سُدِّد، وكيف يُسدَّد.
الحكم المنقوض اعتبر أن الطاعن تخلّف عن سداد تكلفة الوحدة السكنية، فقضى بالفسخ.
ومحكمة النقض رأت أن هذا الفهم يخرج عن عبارة العقد؛ فالعرف في هذه المعاملات ألا تُجزَّأ الصفقة إلى ثمن للحصة في الأرض وثمنٍ مماثلٍ مستقل للوحدة.
والقاضي يفسّر العقد ولا ينشئه، ولا يملك الخروج عن عباراته الواضحة، احترامًا لسلطان الإرادة واستقرار المعاملات.
لذلك نُقض الحكم وأُحيلت القضية إلى محكمة استئناف القاهرة لنظرها من جديد، وأُلزم المطعون ضده بالمصروفات.
مذكرتا دفاع أمام محكمة الإحالة بعد النقض
هاتان المذكرتان مثال عملي لما يُقدَّم أمام محكمة الإحالة بعد النقض.
الأولى بدفاع الطاعن، والثانية بدفاع المطعون ضده، في الاستئناف رقم ٤٧٧٠ لسنة ١٥ قضائية القاهرة بعد نقض الحكم في الطعن رقم ٢٢٠٦ لسنة ٨٢ قضائية.
وتتقيد المحكمة فيهما بالمبدأ الذي قررته محكمة النقض، ثم تفصل في تفسير العقد على ضوء أوراق الدعوى
شرح أثر مبدأ النقض في الاستئناف
مبدأ النقض هنا هو القاعدة القانونية التي فصلت فيها محكمة النقض، ومحكمة الاستئناف — بصفتها محكمة الإحالة — ملزمة باتباعها، فلا تعيد القضاء بالفسخ على السبب الذي نُقض من أجله.
أثره أمام الاستئناف
نقض الحكم في الطعن رقم ٢٢٠٦ لسنة ٨٢ قضائية لم يحسم الدعوى برفضها.
ألغى حكم الاستئناف وأعاد القضية إلى محكمة استئناف القاهرة لتحكم فيها من جديد بهيئة أخرى.
والمادة ٢٦٩ من قانون المرافعات توجب على محكمة الإحالة أن تتبع حكم النقض في المسألة القانونية التي فصلت فيها.
المسألة التي حُسمت
لا يجوز فسخ عقد ٢٩/٤/٢٠٠١ على مجرد القول إن الطاعن تخلّف عن سداد تكلفة الوحدة، من دون تفسير بند الثمن تفسيرًا تحتمله عبارات العقد ويقوم على أسباب سائغة.
ومبنى ذلك ثلاثة حدود لا تملك محكمة الاستئناف تجاوزها:
سلطان الإرادة. العقد شريعة المتعاقدين. القاضي يفسّر ولا ينشئ التزامًا لم تتفق عليه الإرادتان، ولا يخرج عن العبارة الواضحة (المواد ١٤٧ و١٤٨ و١٥٠ مدني).
سلطة التفسير مقيّدة. لمحكمة الموضوع تفسير العقد بما تراه أوفى بمقصود العاقدين، بشرط ألا تخرج عمّا تحتمله عباراته، وأن يكون المناط وضوح الإرادة لا مجرد الألفاظ، وأن تُقام الأسباب.
بند الثمن في هذا العقد. الحصّة المشاعة بيعت بمبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه، ومؤشَّر على بند السداد بأن الثمن سُدِّد كاملًا، وخُصص لذلك القسم الأول.
والقسم الثاني «الوحدة المخصصة» ذكر المبلغ نفسه لوحدة بالطابق السادس، من دون أن يبيّن أنه مبلغ مغاير، ولا أنه لم يُسدَّد، ولا كيفية سداده. والعرف في هذه المعاملات ألا تُجزَّأ الصفقة إلى ثمن للحصة في الأرض ومبلغ مماثل مستقل لقيمة الوحدة.
ما يمتنع على الاستئناف وما يبقى له
تمتنع إعادة الفسخ بالسبب القديم: افتراض دين ثانٍ بالمبلغ ذاته غير مدفوع، من دون مواجهة دلالة تكرار المبلغ والتأشير بالسداد.
ويبقى لها أن تفسّر العقد من جديد وتفصّل في الموضوع. فإن انتهت، بأسباب سائغة لا تهدم العبارة، إلى أن المبلغ دين واحد سُدِّد، رفضت الفسخ.
وإن انتهت إلى أن القسم الثاني والبند العاشر ينشئان تكلفة وحدة لم تُسدَّد، جاز لها القضاء بالفسخ في هذا الحد، لا على الافتراض الذي نُقض.
المذكرة الأولى: دفاع الطاعن
محكمة استئناف القاهرة دائرة [ ] مدني محكمة الإحالة بعد النقض
مذكرة بدفاع الطاعن
في الاستئناف رقم ٤٧٧٠ لسنة ١٥ قضائية القاهرة، المحال بعد النقض في الطعن رقم ٢٢٠٦ لسنة ٨٢ قضائية، جلسة ٢١ من يونيو سنة ٢٠٢١.
ضد: المطعون ضده
أولًا: الوقائع
باع المطعون ضده للطاعن، بعقد ٢٩/٤/٢٠٠١، حصّةً مقدارها ستة أسهم مشاعًا في أرض العقار، لقاء مبلغ مائة وأربعة آلاف وخمسمائة جنيه (١٠٤٥٠٠ جنيه)
وسُدِّد هذا الثمن كاملًا في مجلس العقد، وتأشر على البند الخاص بكيفية السداد بأن الثمن سُدِّد كاملًا. وخُصص لهذا التصرف القسم الأول من العقد.
ثم أتم الطرفان التعاقد في القسم الثاني المعنون «الوحدة المخصصة»، بأن للطاعن ستة أسهم مشاعًا في أرض التداعي، وأن له وحدةً بالطابق السادس
المبينة بالبند الأول من ذلك القسم، لقاء مبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه، من دون بيان أن هذا المبلغ مغايرٌ للمبلغ المتفق عليه في القسم الأول، ولا أنه لم يُسدَّد، ولا كيفية سداده.
أقام المطعون ضده الدعوى رقم ٨٣٩٥ لسنة ٢٠١٠ مدني شمال القاهرة الابتدائية بطلب فسخ العقد والتسليم، على سند من أن البند العاشر يرتّب فسخًا عند التأخير في سداد أقساط التخصيص
وأن الطاعن تقاعس عن سداد «تكلفة الوحدة». قُضي بالطلبات، وأيّد الاستئناف هذا القضاء بتاريخ ٢٠/١٢/٢٠١١.
طُعن بالنقض، فقضت محكمة النقض بقبول الطعن ونقض الحكم والإحالة، تأسيسًا على القصور في التسبيب والخطأ في تطبيق القانون
لأن الحكم فسخ العقد من دون تفسير بند الثمن، رغم أن العرف في هذه المعاملات ألا تُجزَّأ الصفقة إلى ثمن للحصة في الأرض ومبلغٍ مماثلٍ مستقل لقيمة الوحدة.
ثانيًا: الدفاع
١. محكمة الإحالة مقيّدة بمبدأ النقض
الحكم المنقوض أُلغي لمخالفته القانون وقصور تسبيبه. ولا تملك محكمة الإحالة أن تعيد القضاء بالفسخ على السبب ذاته، وهو افتراض دينٍ ثانٍ بمبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه لم يُسدَّد، من دون أن تفسّر العقد تفسيرًا تُقيمه على عباراته وعلى ما تحتمله، وتُسند قضاءها إلى أسباب سائغة.
٢. العقد شريعة المتعاقدين، والثمن الواحد سُدِّد
نصت المادة ١٤٧/١ مدني على أن العقد شريعة المتعاقدين، فلا يُنقض ولا يُعدَّل إلا باتفاق الطرفين. ونصت المادة ١٤٨ على تنفيذه طبقًا لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع حسن النية. ونصت المادة ١٥٠ على أنه إذا كانت عبارة العقد واضحة فلا يجوز الانحراف عنها
فإن كان للتفسير محلٌ وَجَب البحث عن النية المشتركة دون الوقوف عند المعنى الحرفي، مع الاستهداء بطريقة التعامل وبما ينبغي من أمانة وثقة، ووفقًا للعرف الجاري.
والثابت بالعقد نفسه:
- أن المبلغ المتفق عليه ١٠٤٥٠٠ جنيه.
- أن هذا المبلغ سُدِّد كاملًا، والتأشير بذلك وارد على بند السداد.
- أن القسم الثاني أعاد ذكر المبلغ ذاته، ولم يقل إنه مبلغٌ إضافي، ولم يذكر أقساطًا، ولا مواعيد، ولا متأخرات.
فتكرار الرقم لا ينشئ دينًا ثانيًا. والفرض الذي أقام عليه المطعون ضده دعواه — أن هناك تكلفة وحدة تساوي ثمن الحصة تمامًا وما زالت غير مدفوعة — قولٌ لا تحتمله عبارة العقد، وهو عين ما حظرته محكمة النقض.
٣. العرف في هذه التعاملات عدم تجزئة الصفقة
جرى العرف، كما قررت محكمة النقض في هذا الطعن، على ألا تُجزَّأ الصفقة بتحديد مبلغ للحصة الشائعة في الأرض ومبلغٍ آخر يماثله لقيمة الوحدة. والقسم الثاني لم يُفصح عن مغايرة بين المبلغين. والشك في قيام الالتزام، أو في بقائه، يُفسَّر لمصلحة المدين، ولا يُفترض الدين مع خلو الورقة من أصل استحقاقه.
٤. الشرط الفاسخ لا يعمل قبل ثبوت الدين
البند العاشر، أيًّا كان وصفه، جزاءٌ على التأخير في سداد أقساط التخصيص. والجزاء لا يسبقه إلا التزام ثابت غير منفَّذ. وعبء إثبات الالتزام على من يدّعيه، وعبء إثبات الوفاء ينتقل إلى المدين بعد ثبوت الدين. والمطعون ضده لم يثبت دينًا مستقلًّا
بينما التأشير بسداد الثمن كاملًا ثابت بورقة العقد. والشرط الفاسخ الصريح يُفسَّر تفسيرًا ضيّقًا، ولا يُمدَّد إلى التزام لم يُكتب، ولا يُعفي من إثبات واقعة الإخلال.
٥. التكييف الذي أخذ به الحكم المنقوض يخالف الأوراق
العقد ليس بيع أرض فضاء يُفسخ لإخلال لاحق، بل تخصيص وحدة في عقار، مع حصّة مشاعة سُدِّد ثمنها.
وخلو القسم المعنون «الوحدة المخصصة» من أي مستحقات أو أقساط متأخرة أو مواعيد سداد يقطع بأن ذمة الطاعن بريئة من المبلغ المطالب به.
وقضاء الفسخ رغم ذلك انحرافٌ عن عبارة العقد، وإنشاءٌ لالتزام لم تتفق عليه الإرادتان، وهو ما يمتنع على القاضي؛ فالعقد وليد إرادتين، وما تعقده إرادتان لا تحله إرادة واحدة.
الطلبات
يلتمس الطاعن الحكم:
- برفض دعوى المطعون ضده (فسخ عقد ٢٩/٤/٢٠٠١ والتسليم) بحالتها.
- بتثبيت التعاقد بقسميه، وبقاء حصّة الطاعن المشاعة وتخصيص وحدته بالطابق السادس، بعد ثبوت سداد المبلغ المتفق عليه.
- بإلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجات التقاضي.
المذكرة الثانية: دفاع المطعون ضده
محكمة استئناف القاهرة دائرة [ ] مدني محكمة الإحالة بعد النقض
مذكرة بدفاع المطعون ضده
في الاستئناف رقم ٤٧٧٠ لسنة ١٥ قضائية القاهرة، المحال بعد نقض الحكم في الطعن رقم ٢٢٠٦ لسنة ٨٢ قضائية.
ضد: الطاعن
أولًا: الوقائع
باع المطعون ضده للطاعن حصّة مقدارها ستة أسهم مشاعًا في قطعة الأرض، لقاء ١٠٤٥٠٠ جنيه سُدِّدت في مجلس العقد.
ثم رغب الطاعن وآخرون في إقامة عمارة سكنية وتخصيص شقة لكل منهم، فاتُّفق على أن تُخصَّص للطاعن وحدة بالدور السادس نظير مبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه يعادل قيمة تكاليف إقامتها.
ونص البند العاشر على أنه إذا تأخّر في سداد أقساط التخصيص حلّت باقي الأقساط فورًا، وانفسخ العقد من تلقاء نفسه بغير تنبيه ولا إنذار ولا إعذار.
تقاعس الطاعن عن سداد تكلفة الوحدة، فأُقيمت الدعوى بالفسخ والتسليم، وقُضي بها ابتدائيًّا واستئنافيًّا.
ثم نقضت محكمة النقض الحكم لا لأنها حسمت براءة ذمة الطاعن، بل لأن الحكم لم يفسّر بند الثمن ولم يبيّن إن كان مبلغ القسم الثاني هو عين المبلغ الأول أو مغايرًا له، وهل سُدِّد وكيف.
ثانيًا: الدفاع
١. النقض إحالة لا فصل في الموضوع
محكمة النقض لم تقض برفض الدعوى، ولا قضت بأن الثمن سُدِّد مرتين أو أنه دين واحد قطعًا. نقضت لقصور التسبيب، وأحالت لتعيد محكمة الموضوع تفسير العقد على أسباب سائغة، من دون الخروج عمّا تحتمله عباراته.
وتفسير العقد واستخلاص قصد العاقدين من سلطة محكمة الموضوع، ما دام قضاؤها قائمًا على أسباب تكفي لحمله.
٢. العقد شقان، ولكل شق محلٌّ وثمنٌ وبنود
القسم الأول محله الحصّة المشاعة في الأرض، وثمنه ١٠٤٥٠٠ جنيه، والتأشير بالسداد وارد على بند سداد هذا الثمن.
القسم الثاني محله «الوحدة المخصصة» بالطابق السادس، ونص على مبلغ ١٠٤٥٠٠ جنيه بوصفه ما يعادل تكاليف الإقامة، لا بوصفه إعادةً لثمن الأرض.
ولو كان المبلغ عين الثمن المدفوع لما احتاج الطرفان إلى قسم ثانٍ، ولا إلى بند عاشر يجعل التأخير في أقساط التخصيص موجبًا لحلول الباقي وفسخ العقد بغير إعذار.
والطاعن نفسه، في أسباب طعنه، واجه العقد على أنه ذو شقين ولكل منهما بنود منفردة. وهذا الإقرار ببنية العقد يحول بينه وبين القول إن القسم الثاني لغو أو مجرد تكرار.
٣. عبارة الشرط الفاسخ واضحة، والعرف لا يهدمها
المادة ١٥٠ مدني تمنع الانحراف عن العبارة الواضحة. والبند العاشر واضح في محلّه: أقساط التخصيص، لا ثمن الحصّة الذي سُدِّد في مجلس العقد.
والاتفاق على الفسخ من تلقاء النفس دون حكم، مع الإعفاء الصريح من التنبيه والإنذار والإعذار، شرط فاسخ صحيح وفق المادة ١٥٨ مدني، يُعمل عند تحقّق الواقعة التي عُلّق عليها.
أما العرف بعدم تجزئة الصفقة فلا يُستدعى إلا حيث يكون في العبارة محل للتفسير.
وهو لا يُلغي بندًا مكتوبًا يجعل لتكلفة الوحدة أقساطًا، ويرتّب على التأخير فيها جزاء الفسخ. وحمل المبلغين على أنهما دين واحد يعطّل البند العاشر تعطيلًا كاملًا، ويخالف ما يجب من تنفيذ العقد بما اشتمل عليه.
٤. التأشير بالسداد قاصر على ثمن الحصّة
الأصل براءة الذمة، غير أن الدائن إذا أثبت مصدر الالتزام انتقل عبء إثبات التخلص منه إلى المدين. ومصدر التزام تكلفة الوحدة هو القسم الثاني والبند العاشر.
والتأشير بأن «الثمن سُدِّد كاملًا» لاحقٌ ببند سداد ثمن الأرض في القسم الأول، ولا توجد تأشيرة مماثلة على مبلغ الوحدة. ولو كان مبلغ القسم الثاني قد سُدِّد لأُشر عليه كما أُشر على الأول.
وخلو القسم الثاني من جدول الأقساط لا ينفي الالتزام؛ فقد أُجمل المبلغ وأُحيل جزاء التأخير إلى البند العاشر.
٥. ما يمتنع هو الفسخ على سبب مبتور، لا الفسخ بعد التفسير
ما عابته محكمة النقض أن الحكم افترض تخلّف الطاعن عن تكلفة الوحدة من دون أن يواجه دلالة ذكر المبلغ مرتين.
والمحكمة، بعد هذا التفسير، تملك أن تقضي بالفسخ إن انتهت بأسباب سائغة إلى أن المبلغ الثاني تكاليف إقامة غير مدفوعة.
والطاعة لمبدأ النقض تكون ببيان هذا التفسير، لا برفض الدعوى حتمًا.
٦. الطلب الاحتياطي يحفظ الحق إن ضاق النص عن فسخ البيع كله
على سبيل الاحتياط، إن رأت المحكمة أن سداد ثمن الحصّة المشاعة ثابت بالتأشير، وأن الفسخ لا يمتد إلى هذا الشق، فإن شق التخصيص مستقل في محله وفي جزائه.
فيُفسخ تخصيص الوحدة وحدها لإخلال الطاعن بسداد تكلفتها، ويُقضى بالتسليم في حدودها، ويبقى بيع الحصّة المشاعة قائمًا.
وهذا بعض ما رأته النيابة حين أشارت إلى نقضٍ جزئي قاصر على فسخ شراء الحصّة في الأرض.
الطلبات
يلتمس المطعون ضده الحكم:
أصليًّا: بفسخ عقد ٢٩/٤/٢٠٠١ والتسليم، بعد تفسير بند الثمن على أن مبلغ القسم الثاني تكاليف إقامة الوحدة، وأنه التزام قائم لم يُسدَّد، وتحقّق الشرط الفاسخ في البند العاشر.
واحتياطيًّا: بفسخ الشق الخاص بتخصيص الوحدة السكنية بالطابق السادس والتسليم، مع بقاء بيع الحصّة المشاعة في الأرض، إن ثبت لدى المحكمة سداد ثمنها وحدها.
وفي الحالتين: بإلزام الطاعن بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
محكمة الإحالة مقيّدة بسبب النقض: لا تعيد الفسخ على مجرد افتراض دين ثانٍ. الطاعن يتمسّك بأن المبلغ الواحد سُدِّد، والمطعون ضده يتمسّك بأن القسم الثاني والبند العاشر ينشئان تكلفة وحدة لم يُؤشَّر بسدادها، ويسأل الفسخ كلّه أو فسخ التخصيص وحده.
رد المستأنف ضده على الاستئناف أمام محكمة الإحالة بعد النقض
صيغة ردّ على الاستئناف أمام محكمة الإحالة، من المستأنف ضده (المطعون ضده في النقض). لا تطلب تأييد الحكم المنقوض بسببِه القديم، بل تفسّر بند الثمن ثم تتمسّك بالفسخ.
محكمة استئناف القاهرة دائرة ( ) مدني — محكمة الإحالة بعد النقض
مذكرة بالرد على الاستئناف
في الاستئناف رقم ٤٧٧٠ لسنة ١٥ قضائية القاهرة، المحال بعد النقض في الطعن رقم ٢٢٠٦ لسنة ٨٢ قضائية، جلسة ٢١ من يونيو سنة ٢٠٢١.
مقدمة من: المستأنف ضده (المدعي أول درجة، والمطعون ضده في النقض). ضد: المستأنف (المدعى عليه أول درجة، والطاعن في النقض).
عن الحكم: حكم محكمة شمال القاهرة الابتدائية في الدعوى رقم ٨٣٩٥ لسنة ٢٠١٠ مدني، القاضي بفسخ عقد البيع المؤرَّخ ٢٩/٤/٢٠٠١ والتسليم.
الوقائع
باع المستأنف ضده للمستأنف، بالعقد المؤرَّخ ٢٩/٤/٢٠٠١، حصّةً مقدارها ستة أسهم مشاعًا في أرض العقار المبيّن بصحيفة الدعوى، لقاء مائة وأربعة آلاف وخمسمائة جنيه
سُدِّدت في مجلس العقد. ثم اتُّفق على تخصيص وحدة سكنية له بالدور السادس نظير مبلغ مماثل يعادل تكاليف إقامتها.
ونص البند العاشر على أنه إذا تأخّر في سداد أقساط التخصيص حلّت باقي الأقساط فورًا، وانفسخ العقد من تلقاء نفسه بغير تنبيه ولا إنذار ولا إعذار.
تقاعس المستأنف عن سداد تكلفة الوحدة، فأقيمت الدعوى بالفسخ والتسليم، وقُضي بها. استأنف المحكوم عليه، فأيّد الاستئناف الحكم بتاريخ ٢٠/١٢/٢٠١١.
ثم نقضت محكمة النقض حكم الاستئناف وأحالت القضية، لأن القضاء بالفسخ لم يفسّر بند الثمن ولم يبيّن إن كان مبلغ القسم الثاني مغايرًا للمبلغ المسدَّد في القسم الأول.
الرد على أسباب الاستئناف
الاستئناف، فيما ينعى به على الحكم المستأنف من الخطأ في تكييف العقد ومن أن الثمن خُلِّص ومن أن القسم المعنون «الوحدة المخصصة» خلا من مستحقات، مردود بما يلي:
أولًا: النقض لا يسقط الحق في الفسخ. محكمة الإحالة مقيّدة بالمسألة القانونية التي فصلت فيها محكمة النقض، وهي امتناع الفسخ على افتراض دينٍ ثانٍ من دون تفسير بند الثمن.
وهي لا تُلزم برفض الدعوى. وتفسير العقد، بعد هذا القيد، من سلطة محكمة الموضوع إن أقامت قضاءها على أسباب سائغة ولم تخرج عن عبارة العقد.
ثانيًا: العقد شقان، لا صفقة مبهمة. القسم الأول محله الحصّة المشاعة، وثمنه ١٠٤٥٠٠ جنيه، والتأشير بالسداد وارد على هذا الثمن وحده.
والقسم الثاني محله الوحدة المخصصة بالطابق السادس، ومبلغه ١٠٤٥٠٠ جنيه بوصفه تكاليف الإقامة، لا إعادةً لثمن الأرض.
ولو كان المبلغ عين الثمن المدفوع لما كُتب قسم ثانٍ، ولا بند يجعل التأخير في أقساط التخصيص موجبًا للفسخ بغير إعذار.
ثالثًا: العبارة الواضحة لا يهدمها العرف.
المادة ١٥٠ مدني تمنع الانحراف عن العبارة الواضحة. والبند العاشر واضح في محلّه:
أقساط التخصيص لا ثمن الحصّة. والعرف بعدم تجزئة الصفقة لا يُلغي بندًا مكتوبًا، ولا يُعطّل شرطًا فاسخًا صريحًا أُعفي فيه من الإعذار وفق المادة ١٥٨ مدني.
رابعًا: التأشير بالسداد لا يمتد إلى تكلفة الوحدة. عبء إثبات الالتزام على الدائن، فإذا أثبته انتقل عبء إثبات الوفاء إلى المدين.
ومصدر تكلفة الوحدة القسم الثاني والبند العاشر، ولا تأشيرة على سداده. وخلو هذا القسم من جدول مواعيد لا ينفي الالتزام بعد أن أُجمل المبلغ وأُحيل الجزاء إلى البند العاشر.
خامسًا: تكييف الحكم المستأنف، إن شابه قصور، فلا يُصحَّح بإنكار الشق الثاني. المستأنف نفسه واجه العقد على أنه ذو شقين لكل منهما بنود.
والمحكمة، بعد تفسير الثمن، تقضي بالفسخ إن ثبت أن مبلغ الوحدة تكاليف لم تُسدَّد، وهذا غير السبب المبتور الذي نُقض.
الطلبات
يلتمس المستأنف ضده الحكم:
- بقبول الاستئناف شكلًا.
- في الموضوع أصليًّا: برفضه، والقضاء من جديد بفسخ عقد ٢٩/٤/٢٠٠١ والتسليم، بعد تفسير بند الثمن على أن مبلغ القسم الثاني تكاليف إقامة الوحدة، وأنه لم يُسدَّد، وأن الشرط الفاسخ في البند العاشر قد تحقّق.
- واحتياطيًّا: بفسخ شق تخصيص الوحدة السكنية بالطابق السادس والتسليم، مع بقاء بيع الحصّة المشاعة إن رأت المحكمة أن ثمنها وحده هو المسدَّد.
- بإلزام المستأنف بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجتي التقاضي.
وكيل المستأنف ضده
الخاتمة المراجع القانونية

- الوسيط-1- الدكتور السنهوري – ط 1952- ص 591 ، وما بعدها وكتابة : الوجيز- ص 230 وما بعدها .
- نظرية العقد في قوانين العربية – جزء 2- الدكتور عبد المنعم فرج الصدة طبعة 1960- ص 2 وما بعدها .
- نظرية الالتزام- الدكتور عبد الناصر العطار – ص207 وما بعدها .
- القانون المدني – الدكتور حسن الزنون – ص 97 وما بعدها .
- أساس الالتزام العقدي – رسالة – الدكتور عبد الرحمن عباد – ص 61 وما بعدها .
- القوة الملزمة للعقد – المستشار حسين عامر – طبعة 1- 1949- ص 106 وما بعدها .
- سلطة القاضي – في تعديل العقود في القانون المدني السوري – وبالمقارنة مع قوانين البلاد العربية – مقال – للأستاذ عبد السلام الرومانيتين المحاماة السنة 41- العدد 6 ص 899.
الاطلاع على المصدر القانوني الأصلي
⚖️ هل لديك قضية مشابهة؟ لا تترك موقفك القانوني للتوقعات
كثير من النزاعات المدنية والعقارية وقضايا الميراث تبدأ بتفصيل صغير، لكن هذا التفصيل قد يغيّر مسار الدعوى بالكامل. قبل رفع دعوى، أو تقديم طعن، أو توقيع اتفاق، احصل على تقييم قانوني دقيق من مكتب الأستاذ عبدالعزيز حسين عمار المحامي بالنقض والإدارية العليا.
🔍 ابحث عن موضوع قانوني
📰 أحدث الأبحاث القانونية
- 📑 المانع الأدبي في إثبات صورية عقد البيع – رابطة الأخوة وأثره – حكم محكمة النقض
- 📑 إدارة المال الشائع بالأغلبية: متى يجوز التسليم الحكمي دون قسمة؟
- 📑 تجريم العملات المشفرة في مصر: هل البيتكوين ممنوع في مصر؟
- 📑 حجية عقد البيع المودع لدى أمين جلسة عرفية: نقض 6711 لسنة 94 ق
- 📑 أنواع إقامة الأجانب في مصر وشروط الحصول عليها وتجديدها 2026
⚖️ مكتب عبدالعزيز حسين عمار للمحاماة
الأستاذ عبدالعزيز حسين عبدالعزيز، المحامي بالنقض والإدارية العليا، المعروف باسم مكتب عبدالعزيز حسين عمار للمحاماة، يقدم خدمات قانونية في القضايا المدنية والعقارية وقضايا الميراث والطعون أمام المحاكم.
ساعات العمل: من السبت إلى الأربعاء من الساعة 12 ظهرًا إلى 3 عصرًا، بحجز موعد مسبق بالاتصال على 01285743047.
الموقع الرسمي: azizavocate.com





