دستورية الشفعة في قضاء الدستورية العليا (3 لسنة 1ق)

حكم دستورية الشفعة في قضاء الدستورية العليا ذلك أن الشفعة رخصة في بيع العقار حلول الشفيع محل المشترى في حقوقه والتزاماته وهي لازمة للبائع بقوة القانون، واعتبرها الفقه الإسلامي ابغض الحلال بعد الطلاق،

دستورية الشفعة لأنها غير محرمة

دستورية الشفعة

  • الشفعة هي غير محرمة شرعا وقد قررها القانون المدني واعتبرها قيدا على حرية التصرف واستثناء من القواعد العامة المتعلقة بالمعاملات مما يحول دون التوسع في تفسير نصوصها أو القياس عليها،
  • وقد شرعت لاعتبارات اجتماعية قدرها المشرع ومصالح عليها فضلها على مصلحة أطراف البيع، وليس في ذلك خروج على مبدأ المساواة أو إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص الذي أقره الدستور  وهو ما يجعل الشفعة لا تتعارض مع أحكامه
  • وقد قضت المحكمة بجلسة 6/3/1971 برفض الدعوى استنادا إلي ما ذهب إليه في أسبابها من دستورية نظام الشفعة

حكم دستورية الشفعة

لأهمية هذا الحكم نقوم بسرده ونشره

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الأمة

المحكمة العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 6 مارس 1971 – الموافق 9 من المحرم 1391، المؤلفة برئاسة السيد المستشار بدوى إبراهيم حمودة                                                                                        (رئيس المحكمة)

وحضور السادة المستشارين محمد عبد الوهاب خليل نائب رئيس المحكمة وعمر حافظ شريف وحسين قاسم وحسين زكى واحمد طوسون حسين ومحمد بهجت عتيبة .                                             (أعضاء)

وحضور السيد المستشار عادل عزيز زخارى نائب رئيس المحكمة ورئيس هيئة مفوضي الدولة .                                                                                                                                                                      (أمين السر)

وحضور السيد/ سيد عبد الباري إبراهيم

أصدرت الحكم الأتي

في الدعوى المقيدة بجدول المحكمة برقم 3 لسنة 1 قضائية “دستورية”

المرفوعة من : أسامة محمد النعناعي.

ضـــد

  • 1-         محمد السيد العجمى
  • 2-         يوسف ايفان اوموف
  • 3-         السيد/ رئيس الوزراء

الوقائـــع

أقام محمد السيد العجمي الدعوى رقم 681 لسنة 1966 مدني أمام محكمة طنطا الابتدائية ضد يوسف ايفان أوموف وأسامة محمد النعناعى يطلب الحكم بأحقيته في أخذ ثلاثة وعشرين فدانا وسبعة قراريط وثمانية أسهم المبينة بصحيفة الدعوى المبيعة من المدعى عليه الأول إلي المدعى عليه الثاني بالشفعة مقابل مبلغ 6677.220 جنيها أو ما يظهر انه الثمن الحقيقي وملحقاته مع تسليم العين المشفوع فيها إلي

واستند في دعواه إلي أن الأرض المبيعة تجاور أرضه وان لأرضه حق ارتفاق بالصرف وحق ارتفاق بالمرور عليها كما أن للأرض المبيعة حق ارتفاق بالري على أرضه –

وقد دفع المدعى عليه  الثاني بسقوط حق المدعى في الأخذ بالشفعة استنادا إلي انه علم بالبيع وبكافة تفاصيله عندما عرضت عليه الصفقة لشرائها فرفضها مما يفيد نزوله عن حقه في أخذ الأرض بالشفعة

وفي 6 من فبراير سنة 1967 قضت المحكمة برفض الدفع بسقوط الحق في الشفعة وقبل الفصل في الموضوع بندب خبير زراعي من مكتب الخبراء بطنطا لأداء المهمة الموضحة بالحكم

وبعد تقديم التقرير قضت المحكمة في 27 من شهر مايو سنة 1968 بأحقية المدعى في أخذ الأرض المشار إليها بالشفعة مقابل مبلغ 6677.220 جنيها وملحقاته الرسمية والتسليم.

استأنف أسامة محمد النعناعى المدعى عليه الثاني الحكمين سالفي الذكر أمام محكمة استئناف طنطا ودفع بعدم دستورية نصوص الشفعة الواردة في القانون المدني.

وفي 5 من ابريل سنة 1970 قضت محكمة الاستئناف بقبول الاستئنافين شكلا وبوقف سير الخصومة فيهما ريثما تفصل المحكمة العليا في الدفع بعدم دستورية القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 سنة 1948 بالنسبة إلي مواد الشفعة وحددت للمستأنف ميعاد أقصاه ستون يوما يبدأ من يوم صدور الحكم لرفع الدعوى في هذا الخصوص.

وفي 28 من مايو سنة 1970 أقام أسامة محمد النعناعى هذه الدعوى ضد محمد السيد العجمي ويوسف ايفان اوموف بصحيفة أودعها قلم كتاب المحكمة وطلب الحكم بعدم دستورية الحالة الثانية من الفقرة (هـ) من المادة 936 من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 سنة 1948 مستندا في ذلك إلي الأسباب المبينة في صحيفة الدعوى وفي مذكراته التي أودعها قلم الكتاب.

وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريرا بالرأي القانوني وانتهت فيه إلي أنها ترى الحكم برفض الدعوى.

كما أودعت الحكومة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى وإلزام رافعها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.

وأودع المدعى عليه الأول مذكرتين طلب فيهما الحكم برفض الدعوى وإلزام المدعى بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة وأودعت الحكومة مذكرة تكميلية صممت فيها على طلب رفض الدعوى.

وقد نظرت المحكمة الدعوى بجلستي 10 من أكتوبر سنة 1970 و 5 من ديسمبر سنة 1970 على النحو المبين بمحضرة الجلستين ثم أرجأت إصدار الحكم إلي جلسة 13 من فبراير سنة 1971 وفي هذه الجلسة قررت المحكمة مد اجل الحكم إلي جلسة اليوم.

المحكمـــة

دستورية الشفعة

بعد الإطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.

من حيث أن الدعوى استوفت الأوضاع الشكلية المقررة قانونا.

ومن حيث أن المدعى يطلب الحكم بعدم دستورية الحالة الثانية من الفقرة (هـ) من المادة 936 من القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 استنادا إلي أن نظام الشفعة إذ يخول الشفيع دون سواء حق شراء الأرض المبيعة إلي غيره بطريقة مشروعة يؤدى إلي الاحتكار والاستغلال عن طريق جمع الأراضي الزراعية مما يتعارض مع النظام الاشتراكي الذي جعل منه الدستور في مادته الأولى والتاسعة أساسا للنظام الاقتصادي في الدولة

كما يهدر مبدأ تكافؤ الفرص الذي كلفته الدولة لجميع المصريين في المادة الثامنة من الدستور ومن ثم تكون نصوص القانون المدني التي تنظم الشفعة مخالفة للدستور ولا يحصنها نص المادة 166 منه،

ذلك لان هذا النص يقصر حصانته على القوانين الصادرة منذ قيام الثورة في 23 من يوليو سنة 1952 حتى تاريخ صدور الدستور في 25 من مارس سنة 1964 دون سواها من الوانين السابقة ومنها القانون المدني يؤيد هذا النظر أن المشرع يحرم الشفعة في الأرض التي يتصرف فيها ملاكها إعمالا لقانون الإصلاح الزراعي

وكذا الأرض التي توزع على صغار المزارعين تنفيذا لهذا القانون كما يحرمها في الأرض التي تبيعها الدولة طبقا لأحكام القانون رقم 100 سنة 1964 بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة والتصرف فيها.

 المدعى عليه الأول دفع الدعوى بعدم جواز الطعن بعدم دستورية التشريعات السابقة على صدور الدستور

ومن هذه التشريعات النصوص المنظمة لحق الشفعة والواردة في القانون المدني الصادر بالقانون رقم 131 لسنة 1948 ومبنى هذا الدفع أن المادة 166 من الدستور تقضى باستمرار نفاذ التشريعات السابقة على صدوره حتى تلغيها أو تعديلها السلطة التشريعية ومن ثم يظل حق الشفعة قائما كوسيلة مشروعة للتملك في الحدود التي يجيزها القانون.

 الحكومة طلبت رفض الدعوى

استنادا إلي أن الدستور إذ نص في المادة 166 منه على استمرار نفاذ التشريعات السابقة على صدوره حتى تلغيها أو تعدلها السلطة التشريعية فإنه يسلم بقيام تعارض بين بعض التشريعات المذكورة وبعض أحكام الدستور ومع ذلك اقر استمرار نفاذها حتى تعدلها أو تلغيها السلطة التشريعية

ومن ثم فلا تخضع للطعن بعدم الدستور أمام المحكمة العليا ثم قالت في مذكرتها التكميلية : أن ولاية هذه المحكمة لا تتناول تلك التشريعات إلا إذا صدرت مخالفة للأحكام والأوضاع الدستورية النافذة وقت صدورها

وعندئذ تجرى عليها رقابتها على أساس هذه الأوضاع وتلك الأحكام – وقد صدرت نصوص القانون المدني المنظمة لحق الشفعة سليمة غير مشوبة بهذا العيب، إذ أنها تقرر حقا مشروعا للشفيع لا يخالف الدستور.

رد المحكمة علي الدفع بعدم جواز الطعن في دستورية نصوص القانون المدني المنظمة لحق الشفعة.

من حيث أن المادة 166 من الدستور التي يستند إليها المدعى عليه الأول والحكومة في تأييد هذا الدفع تنص على “أن كل ما قررته القوانين والقرارات والأوامر واللوائح من أحكام قبل صدور هذا الدستور يبقى نافذا ومع ذلك يجوز إلغاؤها أو تعديلها وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في هذا الدستور”

وقد تردد هذا النص في مدلوله ومعناه مع اختلاف يسير في صيغته في الدساتير المتعاقبة منذ سنة 1923 ومنها الدستور الصادر في عام 1956 الذي تضمن نصين لكل منهما مجال يختلف عن مجال الآخر أولهما نص المادة 190 وهو مطابق لنص المادة 166 من الدستور الذي تقدم ذكره

والثاني نص المادة 191 الذي يقضى بأن جميع القرارات التي صدرت من مجلس قيادة الثورة وجميع القوانين والقرارات التي تتصل بها وصدرت مكملة أو منفذة لها

وكذلك كل ما صدر من الهيئات التي أمر المجلس المذكور بتشكيلها من قرارات أو أحكام وجميع الإجراءات والأعمال والتصرفات التي صدرت من هذه الهيئات التي أنشئت بقصد حماية الثورة ونظام الحكم لا يجوز الطعن فيها أو المطالبة بإلغائها أو التعويض عنها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت”

وظاهر من هذين النصين أن لكل منهما مجالا يختلف عن مجال الآخر وان المشرع لم يلتزم في دستور سنة 1956 موقفا واحدا من التشريعات السابقة على تاريخ العمل به بل غاير بينهما فيما أسبغه عليه من الحماية فاتخذ بالنسبة إلي بعضها موقفا اقتضته ضرورة تحصين التشريعات والتدابير والإجراءات الثورية الاستثنائية التي اتخذت في ظروف لا تقاس فيها الأمور بالمقياس العادي

وذلك بالنص على عدم جواز الطعن فيها و المطالبة بإلغائها أو التعويض عليها بأي وجه من الوجوه وأمام أية هيئة كانت – بينما اتخذ بالنسبة إلي سائر التشريعات الآخرى أسلوبا آخر ينطوي على حماية أدنى من تلك التي أسبغها على التشريعات الثورية الاستثنائية المتقدم ذكرها

وذلك بالنص على بقائها نافذة مع إجازة إلغائها أو تعديلها وفقا للقواعد والإجراءات المقررة في الدستور – وهذه المغايرة التي قصد إليها المشرع عند تحديد موقفه من التشريعات السابقة على الدستور قاطعة في الدلالة على انه إذ تناول موضوع التشريعات السابقة على الدستور في نصين مختلفين في دستور واحد

فإن كلا منهما يقرر حكما يختلف عما يقرره الآخر وانه إنما يستهدف تحصين التشريعات التي حددها على سبيل الحصر في المادة 191 منه دون غيرها من التشريعات التي وقف بالنسبة إليها عند حد النص على استمرار نفاذها وذلك تجنبا لحدوث فراغ  تشريعي يؤدى إلي الاضطراب والفوضى والإخلال بسير المرافق العامة والعلاقات الاجتماعية إذا سقطت جميع التشريعات المخالفة للدستور فور صدوره –

ولو أن المشرع أراد تحصين التشريعات السابقة على الدستور ضد الطعون القضائية لأفصح عن ذلك في نص واحد عام يتناولها كافة ولم يكن في حاجة إلي إيراد نص آخر يفيد ذات المعنى في موضوع واحد ومن حيث أن المشرع اجتزأ بنقل المادة 190 من دستور سنة 1956 إلي المادة 166 من دستور سنة 1964 ولم ينقل المادة 191 من ذلك الدستور التي استنفذت أغراضها إذا أسبغت على التشريعات الثورية الاستثنائية التي صدرت منذ قيام الثورة حتى عام 1956 حصانة نهائية لا مبرر ولا مسوغ لتكرار النص عليها –

ولا ريب في أنه لا يعنى بنص المادة 166 من دستور سنة 1964 غير ما عناه بأصله الوارد في المادة 190 من دستور سنة 1956 وهو مجرد استمرار نفإذا التشريعات السابقة على الدستور دون تطهيرها مما قد يشوبها من عيوب ودون تحصينها ضد الطعن بعدم الدستورية شأنها في ذلك شأن التشريعات التي تصدر في ظل الدستور القائم فليس معقولا أن تكون التشريعات التي صدرت قبل صدور الدستور

وعلى الخصوص التشريعات الصادرة قبل قيام الثورة في ظل سياسية واجتماعية واقتصادية مغايرة في أسسها وأصولها ومبادئها للنظم التي استحدثها الدستور – ليس معقولا أن تكون هذه التشريعات بمنأي عن الرقابة التي تخضع لها التشريعات التي تصدر في ظل الدستور وفي ظل نظمه وأصوله المستحدثة مع أن رقابة دستوريتها أولى وأوجب.

ومن حيث أن الحكومة تقول في مذكرتها التكميلية بعد إثارة الدفع بعدم جواز الطعن على النحو المتقدم ذكره :

أن ولاية المحكمة العليا لا تتناول التشريعات السابقة على الدستور إلا إذا صدرت مخالفة للأحكام والأوضاع الدستورية النافذة عن صدورها وتكون رقابتها لهذه التشريعات السابقة على الدستور وهذا القول مرود بأن رقابة دستورية القوانين منذ عرفت في الدول ذات الدساتير الجامدة تستهدف ألا صون الدستور القائم وحماية من الخروج على أحكامه –

ذلك أن نصوص هذا الدستور تمثل دائما القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات باعتبارها أسمى القواعد الآمرة.

ومن حيث انه على مقتضى ما تقدم يكون الدفع بعدم جواز الطعن في دستورية الفقرة (هـ) من المادة 936 من القانون المدني غير قائم على أساس سلم من القانون ومن ثم يتعين رفضه.

رد المحكمة علي طلب عدم الدستورية

دستورية الشفعة

من حيث أن المدعى يطلب الحكم بعدم دستورية الحالة الثانية من الفقرة (هـ) من المادة 936 من القانون المدني التي تقضى بثبوت الحق في الشفعة للجار المال إذا كان للأرض المبيعة حق ارتفاق على أرض الجار أو كان حق الارتفاق لأرض الجار على الأرض المبيعة ويقول بيانا لأوجه مخالفة هذا النص لأحكام الدستور:
  • أولا : أن هدف نظام الشفعة هو جمع الأراضي في يد شخص واحد مما يؤدى إلي الاستغلال ويتعارض مع النظام الاشتراكي الذي  أرست أصوله المادتان : الأولى والتاسعة وجعلت منه هذه المادة الأخيرة الأساس الاقتصادي للدولة.
  • ثانيا : أن نظام الشفعة إذ يخول الشفيع دون سواء حق شراء الأرض المبيعة لغيره فإنه يخوله سلطة احتكار هذا الحق ويحرم المشترى ثمرة تعاقد إبرامه بطريقة مشروعة ويهدر بذلك مبدأ تكافؤ الفرص الذي كفلته الدولة في المادة الثامنة من الدستور لجميع المصريين .
ومن حيث أن الحكومة والمدعى عليه  الأول دفعا الدعوى استنادا إلي أن حق الشفعة لا يعارض مع النظام الاشتراكي ولا يخل بمبدأ تكافؤ الفرص وانه مجرد وسيلة مشروعة لكسب الملكية في الحدود المقررة قانونا، كما انه يستهدف منع المنازعات وإقرار الوئام بين ملاك يعملون لصالحهم ولصالح المجتمع .

ومن حيث انه بالنسبة إلي الوجه الأول من وجهي الطعن المدني على مخالفة الحالة الثانية من الفقرة (هـ) من المادة 936 من القانون المدني لأحكام المادتين : الأولى والتاسعة من الدستور فإن المادة الأولى من الدستور تنص على أنه

” الجمهورية العربية المتحدة دولة ديمقراطية اشتراكية ” وكما تنص المادة التاسعة منه على أن الأساس الاقتصادي للدولة هو النظام الاشتراكي الذي يحظر أي شكل من أشكال الاستغلال بما يضمن بناء المجتمع الاشتراكي بدعاميته من الكفاية والعدل “

وفي خصوص تنظيم الملكية الزراعية في ظل النظام الاشتراكي الذي جعل منه الدستور أساسا اقتصاديا للدولة أرسى الدستور في المادة السابعة عشرة مبدأ تحديد الملكية الزراعية كأصل من الأصول التي يقوم عليها هذا النظام وأحال إلي القانون في تعيين الحد الأقصى لهذه الملكية

وقد صدرت قوانين الإصلاح الزراعي المتعاقبة التي قيدت الملكية الزراعية بحد أقصى لا تجاوزه وقضت بتوزيع ما يزيد على هذا الحد من الأراضي الزراعية على العاملين في الزراعة تحقيقا لأهداف المشرع من توسيع قاعدة الملكية الزراعية وتطبيقا للنظام الاشتراكي الذي يقر الملكية الفردية في مجال الزراعة في حدود لا تسمح بالإقطاع

ولم يعرض المشرع وهو بصدد من هذه التشريعات الاشتراكية لحق الشفعة إلا حيث اقتضى ذلك تحقيق أهداف الإصلاح الزراعي فحظر الشفعة في التصرفات الناقلة للملكية التي تتناول ما لم يستول عليه من الأرض الزراعية الزائدة على الحد الأقصى (المادة 4 مكررة من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952 بالإصلاح الزراعي المضافة بالمرسوم بقانون رقم 311 لسنة 1952)

كما حظرها في توزيع الأراضي على صغار المزارعين تنفيذا لقانون الإصلاح الزراعي (الفقرة الأخيرة من المادة 9 من المرسوم بقانون رقم 178 لسنة 1952سالف الذكر)

وكذلك منع الشفعة في بيع العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة (الفقرة الأخيرة من المادة 58 من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 100 لسنة 1964 بتنظيم تأجير العقارات المملوكة للدولة ملكية خاصة والتصرف فيها)

وفيما عدا تلك الحالات الاستثنائية التي ألغى فيها المشرع حق الشفعة تحقيقا لأهداف الإصلاح الزراعي ما زال هذا الحق قائما كسب مشروع  من أسباب كسب الملكية في الحدود المقررة قانونا.

ومن حيث أن الأصل في سلطة التشريع في موضوع تنظيم الحقوق أن تكون سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بقيود محدودة ولما كان الدستور لم يعرض لأسباب كسب الملكية ومنها حق الشفعة ولم يقيد سلطة المشرع في تحديدها وتنظيمها اكتفاء بتعيين حد أقصى للملكية  الزراعية يحول دون قيام الإقطاع

فمن ثم تكون سلطته في هذا الصدد سلطة تقديرية في نطاق الحد الأقصى المشار إليه – ولا ريب أن ترجيح نظام الشفعة عند قيام أسبابها ومنها الجوار والاشتراك في حقوق الارتفاق على مبدأ حرية التصرف استنادا إلي أن الشفعة إذ تجمع بين العقار المشفوع فيه والعقار المشفوع به في ملكية الشفيع وحده في نطاق الحد الأقصى للملكية الزراعية

فإنها تؤدى إلي تطهير الأرض من هذه الحقوق فضلا عما يترتب عليها من دفع الضرر عن الجار وتجنب مشكلات المشاركة في حقوق الارتفاق وكافة منازعات الجوار، لا ريب في أن ذلك الترجيح مما يدخل في حدود سلطة المشرع التقديرية التي لم يقيدها الدستور في هذا الصدد.

ومن حيث إنه عن الوجه الثاني من أوجه الطعن فإن المدعى ينعى على النص المطعون فيه انه مخالف للمادة الثامنة من الدستور

ويقول في بيان ذلك أن الشفعة تخل بمبدأ تكافؤ الفرص، لأنها تخول الشفيع وحده دون سواه رخصة تجعل منه المحتكر الوحيد لشراء الأرض المشفوع فيها – وهذا النعي مردود بأن المساواة التي يوجبها إعمال مبدأ تكافؤ الفرض تتحقق بتوافر شرطي العموم والتجريد في التشريعات المنظمة للحقوق

ولكنها ليست مساواة حسابية ذلك لأن المشرع يملك بسلطته التقديرية لمقتضيات الصالح العام وضع شروط تتحدد بها المراكز القانونية التي يساوى بها الأفراد أمام القانون بحيث إذا توافرت هذه الشروط في طائفة من الأفراد وجب إعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونية

وإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط في البعض دون البعض الآخر انتفي مناط التسوية بينهم وكان لمن توافرت فيهم الشروط دون سواهم أن يمارسوا الحقوق التي كفلها المشرع لهم – والتجاء المشرع إلي هذا الأسلوب في تحديد شروط موضوعية يقتضيها الصالح العام للتمتع بالحقوق – لا يخل بشرطي العموم والتجريد في القاعدة القانونية، ذلك لأن المشرع إنما يخاطب الكافة من خلال هذه الشروط.

ومن حيث أن شأن حق الشفعة كشأن غيره من الحقوق في هذا الصدد ذلك لان استعماله منوط بتوافر أسباب حددها المشرع على سبيل الحصر تنظيما لموضوع كسب الملكية عن طريق الشفعة بحيث إذا توافر سبب من أسبابها في فرد من الأفراد أصبح في مركز قانوني يخوله رخصة الشفعة في العقار

ولا يقاس به غيره ممن لم يتوافر فيه سبب من هذه الأسباب، إذ يكون في مركز قانوني مغاير – ولم يتعد المشرع في تنظيم موضوع كسب الملكية بسبب الشفعة على الوجه المتقدم جانب المساواة أمام القانون ولم يخالف مبدأ الفرص الذي أقره الدستور في المادة الثامنة .

ومن حيث انه يخلص من كل ما تقدم أن الدعوى لا تقوم على أساس سليم من القانون ومن ثم يتعين رفضها مع إلزام المدعى بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة ومصادرة الكفالة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة

برفض الدفع بعدم واز الطعن بعدم دستورية الحالة الثانية من الفقرة (هـ) من المادة 936 من القانون المدني وفي الموضوع برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة. وألزمته المدعى بالمصروفات وبمبلغ أربعين جنيها مقابل أتعاب المحاماة للحكومة والمدعى عليه الأول مناصفة بينهما.

(الدعوى رقم 3 لسنة 1ق دستورية جلسة 6/3/1971)

رأي محكمة النقض بشأن الدستورية

دستورية الشفعة

قضت محكمة النقض بأن

“إذا كانت المحكمة العليا قد انتهت في حكمها الصادر بتاريخ 6/3/1971 في الدعوى رقم 3 لسنة 1ق إلي رفض الطعن بعدم دستورية نظام الشفعة تأسيسا على أن حق الشفعة ليس فيه خروج على مبدأ المساواة أمام القانون ولا يخالف مبدأ تكافؤ الفرص الذي أقره الدستور فإن النعي بعدم الدستورية يكون غير سديد”

(نقض 5/3/1979 طعن 61 س41ق ).

خاتمة دستورية الشفعة

مما تقدم يتضح لنا أن النصوص المنظمة للشفعة في التقنين المدني دستورية .

عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 978

شاركنا برأيك