حالات مراجعة الأحكام القضائية

هل حقا يوجد حالات مراجعة الأحكام القضائية ، القاضي عندما يصدر حكمه فأنه يخلع عباءته ويغادر المنصه دونما رجعه اليها في خصوص الدعوى التي اصدر فيها حكمه وهو ما يسمى قانونا باستنفاذ الولايه أي انه لم يعد قادرا على تصحيح ما شاب حكمه من خطأ وتترك هذه المهمه للمحكمة الاعلى درجه لتصحيح ما شاب هذا الحكم من خطأ
فاستنفاذ الولايه يلازمه مسألة جوهريه هي عدم المساس بالحكم وينحصر نطاقه داخل اجراءات الخصومة التي صدر فيها الحكم ولا يسري الا في مواجهة المحكمة التي باشرت سلطتها في خصوص المسألة التي حكمت فيها والقاضي بشر لا يسلم من الخطأ
فماذا يكون الحل في ذلك وقد استنفذ ولايته فالخطأ في الحكم لا يهدد العدل فقط وانما يهدد أيضا حالة النظام والاستقرار القانوني فلا يقوم العدل الا اذا توافرت الثقة في الاحكام
ولذلك فقد وضع المشرع استثناءات خاصا في قانون المرافعات هو مبدأ مراجعة الاحكام .

 ماهية حالات مراجعة الأحكام القضائية

حالات مراجعة الأحكام القضائية

فالطعن في الأحكام قاعده يقررها القانون للمحكمة الاعلى درجه الا انه وضع طريقين يعود بهما القاضي الذي اصدر الحكم لمعاودة نظر الطعن والفصل فيه وهو خروج على المبدأ العام لاستنفاذ ولايته وتتمثل هذه الحالات في القانون المصري في المعارضة والتماس اعادة النظر
وإقرار هذا الاستثناء تكمن في ان المسألة التي طرحت على القاضي وفصل فيها لم تطرح عليه بأبعادها وجوانبها المختلفة وذلك لغياب بعض أطرافها او وجود غش او تزوير ( الماده 241 مرافعات ) وهو مبدأ استثنائي في القانون المصري الذي يعطي هذا الحق للمحاكم الاعلى درجه وهي الاستئناف والنقض والتي تقوم أساسا على تجريح الحكم وتبيان الأخطاء التي وقع بها .
اما النظام الثاني فهو مراجعة الاحكام بغير الطعن فيها وهو نظام خاص لا يعمل به الا في الحدود التي حددها القانون على سبيل الحصر ووفقا للقواعد التي وضعها وضمنها في المواد 191-192-193 من قانون المرافعات ويتحدد نطاق اعمال هذه المواد في ثلاث حالات .
والجدير بالذكر ان تلك الحالات كما تتوافر للأحكام القضائية فإنها كذلك تتوافر للأوامر بأنواعها المختلفة بل وكل ما يصدر عن القاضى ويعد من قبيل الاعمال القضائية وليست الإدارية وتلك الحالات الثلاث نبينها فيما يلي

 حالات المراجعة للأحكام ونظامها القانوني

  • 1) الخطأ المادي ( تصحيح الاحكام ) الماده 191 مرافعات
  • 2 ) غموض المنطوق وابهامه ( تفسير الاحكام ) الماده 192 مرافعات
  • 3) اغفال الفصل في بعض الطلبات ( اكمال الحكم ) الماده 193 مرافعات
هذه هي الحالات التي نص عليها القانون لمراجعة الاحكام وفيما يلي بيان لكل حاله وشروط وقواعد تطبيقها

 الحالة الأولى الخطأ المادي ( تصحيح الأحكام )

نصت مادة 191 من قانون المرافعات على ان
( تتولى المحكمة تصحيح ما يقع فى حكمها من أخطاء مادية بحته كتابية أو حسابية وذلك بقرار تصدره من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم من غير مرافعة و يجرى كاتب المحكمة هذا التصحيح على نسخة الحكم الأصلية و يوقعه هو ورئيس الجلسة ويجوز الطعن فى القرار الصادر بالتصحيح اذا تجاوزت المحكمة فيه حقها المنصوص عليه فى الفقرة السابقة وذلك بطرق الطعن الجائزة فى الحكم موضوع التصحيح أما القرار الذى يصدر برفض التصحيح فلا يجوز الطعن فيه على استقلال )
 وفقا لنص الماده 191 من قانون المرافعات فأنه لا تقوم حالة تصحيح الحكم الا اذا توافر شرطان هما:
  1. الشرط الاول : الخطأ المادي البحت ( الكتابي او الحسابي )
  2.  الشرط الثانى : ان يوجد الخطأ في الحكم نفسه
أولا : الخطأ المادى البحت الكتابي او الحسابي

وهذا الخطأ قد يكون حسابيا وقد يكون كتابيا على النحو الاتي

 1- بالنسبة للخطأ الحسابي : 
وهو الخطأ في اجراء عمليه حسابيه يقوم بها القاضي في مسببات حكمه او منطوقه كالخطأ في الجمع مثلا عند حساب المبالغ المستحقة للدائن او في الطرح عند خصم المبالغ او الأقساط التي سددها المدين من مبلغ المديونية الأصلية او في الضرب عند حساب الفوائد المستحقة او عند القسمة في اجراء عملية تحويل العملة
 2- بالنسبة للخطأ الكتابي :
 
 وهو كل أخطاء القلم كالسهو ونسيان ذكر بعض البيانات او الخطأ في ذكرها ومن امثلتها الخطأ في ذكر الأرقام كرقم العقار مثلا او الخطأ في رقم الدعوى او الخطأ في أسماء الخصوم او الخطأ في تاريخ اصدار الحكم او بيان الماده التى صدر فيها الحكم اذا كانت مدنيه او مستعجله او تجاريه وقد يكون الخطأ في وصف الحكم غيابي او حضوري
وقد يؤدي الخطأ المادي في الحكم سواء كان حسابيا او كتابيا الي اختلاف واضح ما بين الأسباب والمنطوق فتؤدي الأسباب الي قرار مختلف عما ظهر في المنطوق فتتهدم اركان الحكم مما يؤدي الي انعدامه والوسيلة في هذه الحالة الطعن بالطريق الذي رسمه القانون توصلا الي الغاؤه .
وقد يكون التناقض الموجود بالحكم تناقضا ظاهريا لا ينعدم او يبطل بسببه الحكم ومن ثم لا يصلح لان يكون سببا للطعن فيه توصلا الي الغائه او بطلاته وتظهر هنا الحاجه الي تصحيح الحكم بغير الطعن فيه الامر الذي تدخل معه المشرع لعلاج هذه الحالات فنص على تصحيحها بغير الطعن فيها وفقا للمادة 191 مرافعات .
 
ومثال ذلك ان يذكر الحكم في أسبابه احقية المدع في مبلغ معين من المال ويسبب حكمه على هذا الأساس ثم يذكر احقيته في مبلغ مخالف في المنطوق فهذا الخطأ لا يبطل الحكم حيث انه لا يخرج عن كونه خطأ كتابي من اغلاط القلم لا يؤدي الي بطلان الحكم او انعدامه .
 وحيث انه قد تثور بعض الأسئلة في هذا الموضع وهي :
 ماذا يحدث لو كان الخطأ مثلا كتابيا ولكنه وقع في أسماء الخصوم او صفاتهم او أسماء القضاة الذين اصدروا الحكم ؟
وللإجابة على هذا التساؤل يجب التفرقة بين هذه الأخطاء فهل الخطأ في أسماء الخصوم من الجسامة بحيث يؤدي الي التجهيل بالخصومة ام لا ؟
فاذا كان الخطأ جسيما بحيث جهل بالخصم او أدى الي الالتباس في شخصيته وحقيقة اتصاله بالدعوى هنا لا يمكن اعتماد مبدأ التصحيح وفق الماده 191 وانما يكون بالطعن عليه بالطريق الذي رسمه القانون ذلك ان هذا الخطأ يؤدي الي بطلان الحكم وفق نص الماده 178/3 مرافعات .
وهو الحال كذلك فيما اذا كان الخطأ هو عدم ذكر أسماء القضاة الذين اصدروه فهو خطأ جسيم يبطل الحكم .
اما اذا كان الخطأ في أسماء الخصوم او صفاتهم او في ذكر اسم القاضي او عضو النيابة لا يجهل بالخصوم او يؤدي الي التباس في شخصياتهم ولا يكون له تأثير على سلامه اركان الحكم ففي هذه الحالة يكون الحل بالرجوع للمحكمة التي أصدرت الحكم لتصحيح ما وقعت فيه من خطأ مادي وفق نص الماده 191 
وهناك بعض الأخطاء المادية التي لا يمكن استعمال طريقة التصحيح معها كتلك التي رسم لها القانون طريق خاص ومنها خطأ المحكمة في وصف حكمها على انه ابتدائي او انتهائي على غير الحقيقة فهذا الخطأ لا يمكن استعمال مكنة التصحيح معها اذ ان القانون رسم لها طريقا اخر للطعن عليها وهو الطعن عليه امام محكمة الاستئناف بطريق خاص يطلق عليه ( التظلم من وصف الحكم ) او ( استئناف الوصف ) وفق الماده 291مرافعات .
 

ثانيا : ان يكون الخطأ فى الحكم نفسة

لا يكفي فقط لقيام مكنة التصحيح وجود الخطأ المادي ولكن يستلزم ان يكون الخطأ قد وقع في الحكم واستنادا الي ذلك لا يجوز اجراء التصحيح اذا كان الخطأ قد وقع من الخصوم انفسهم كالخطأ في صحف الدعاوى او المذكرات ذلك ان مكنة التصحيح ليست من المكنات المتاحة للخصوم لتصحيح ما وقعوا فيه من أخطاء .
ومع ذلك فان مكنة التصحيح تقوم اذا كان الخطأ المادي الذي ورد في الطلبات او الدفاع قد عول عليه القاضي وظهر بالتبعية في الحكم الذي أصدره .

 ثالثا : القيام بأعمال تصحيح الأحكام

 طبقا لنص الماده 191 من قانون المرافعات فان من يتولى تصحيح الأخطاء المادية سواء كانت حسابيه او كتابيه هى المحكمة التى أصدرت الحكم ومن ثم لا يكون للمحضر القائم بالتنفيذ لهذا الحكم ان يتولى تصحيح ما شاب الحكم من خطا كتابي او حسابي
ولا يكون كذلك لقاضى التنفيذ وهو يراقب اجراءات التنفيذ التى تتم تحت اشرافه ان يقوم بتصحيح تلك الأخطاء التى وردت بالحكم سواء فى الأسباب او المنطوق وعليهما ان ينبها الخصوم الى ولوج الطريق الذى رسمته الماده 191 من قانون المرافعات ان لم يطلب منهما الخصوم ذلك صراحة لتصحيح ما شاب الحكم من خطا كتابي او حسابي .

 الحالة الثانية غموض المنطوق وابهامه ( تفسير الحكم)

حالات مراجعة الأحكام القضائية

نصت مادة 192 من قانون المرافعات على ان ( يجوز للخصوم أن يطلبوا الى المحكمة التى أصدرت الحكم تفسير ما وقع فى منطوقه من غموض أو ابهام و يقدم الطلب بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى و يعتبر الحكم الصادر بالتفسير متمماً من كل الوجوه للحكم الذى يفسره و يسرى عليه ما يسرى على هذا الحكم من القواعد الخاصة بطرق الطعن العادية وغير العادية )
ووفقا لنص الماده 192 فان تفسير الحكم الا يكون الا اذا توافر شرطان وهما :
  • الشرط الاول : وجود ابهام او غموض .
  • الشرط الثانى : ان يقع الابهام او الغموض في منطوق الحكم .

 أولا : وجود ابهام او غموض بالحكم

 والابهام وفقا لنص هذه الماده يكون نتيجة لإضافة بعض العبارات الي منطوق الحكم قد تؤدي الي اثاره الشك حول المضمون الحقيقي للحكم ومثال ذلك ان تحكم المحكمة بمصادرة عدد من الآلات في قضية تقليد براءة اختراع وتشير في منطوق حكمها الي مصادره الآلات المشار اليها بمحضر الضبط وهنا يثور الشك هل المقصود مصادرة الآلات الموجودة بالمحضر فقط او جميع الآلات المقلدة والتي لم يتضمنها المحضر 
كذلك قد يستخدم القاضي بعض العبارات والتي قد تستقيم من الناحية اللغوية الا انها مغايره للاصطلاح ومثال ذلك ان تحكم المحكمة برفض الدعوى لعدم توافر شروط سماعها وهو حكم وان كان يستقيم من الناحية اللغوية الا انه يختلف عن الحكم الذي وضعه الفقهاء و
هو الحكم بعدم القبول فالمعنيان مختلفان وفقا لاصطلاح الفقهاء فالأول ( رفض الدعوى ) يعني ان المحكمة نظرت موضوع الدعوى ثم أصدرت حكمها ومن ثم لا يحق للمدعي رفع الدعوى مره أخرى بخصوص نفس الموضوع اما عدم القبول فيحق للخصوم رفع الدعوى مره أخرى بعد توافر شروط قبولها .
كذلك قد يكون الغموض في الحكم ناجما عن الصياغة المبهمة له كأن تحكم المحكمة بغلق منشآت المدعي عليه دون تحديد مع ان الدعوى مقامه بخصوص بعض المنشآت المقلقة بالراحة

فهنا تثور المشكلة هل الغلق لكافة منشآت المدعى عليه ام المنشآت المقلقة بالراحة فقط ؟

وكذلك قد يكون الغموض ناجما عن ظاهرة القضاء الضمني كأن يحكم برفض دعوى صحة التعاقد لان المشتري لم ينفذ التزامه بسداد الثمن فهذا القضاء به اشاره ضمنيه بأن الالتزام بسداد الثمن قائم لم ينقضي ولو لم ينص عليه الحكم صراحة .
فاذا ما اشكل الامر حول ما يتضمنه الحكم من قرارات ضمنيه فتقوم مكنة التفسير .

 ثانيا : ان يقع الابهام او الغموض فى منطوق الحكم

 ولا يكفي فى تلك الحالة ان يوجد الابهام او الغموض في الحكم وانما يلزم شرط اخر هو ان يكون هذا الابهام او الغموض في منطوق الحكم .
وقد اختلف الفقهاء في تحديد ما هو المنطوق هل هو بالمعنى الشكلي الضيق أي الجزء المخصص ليضع فيه القاضي حكمه
ام المنطوق بالمعنى الموضوعي أي إجابة المحكمة بالرفض او الايجاب على طلبات الخصوم أيا كانت هذه الإجابة وفي أي مكان بالحكم !
والرأي الراجح هو المنطوق بمعناه الموضوعي الواسع اذ تعتبر إجابة المحكمة او رفضها طلبات للخصوم مكملة لمنطوق الحكم دون انسحاب ذلك الي أسبابه .
وعلى هذا فان التفسير يشمل القرار القضائي أيا ما كان موقعه في الحكم دون تفسير أسباب الحكم اذ ان أسباب الحكم لا تعد ضمن منطوقه انما المنطوق هو الفصل في أي طلب للخصوم أيا كان موضعه بالحكم .
اذا لا تقوم مكنة طلب التفسير الا اذا وقع ابهام او غموض في منطوق الحكم وتقرير وجود ابهام او غموض في المنطوق هي من سلطات المحكمة فان رأت ان الحكم واضح حكمت برفض طلب التفسير دون التقدير الشخصي لأطراف الخصومة
ويظل طلب التفسير قائما طالما الحكم قائم لم يلغ سواء كان قابلا للطعن او طعن عليه بالفعل ولم يصدر فيه حكم بالإلغاء او حتى اصبح الحكم نهائيا وباتا باستنفاذ كافة طرق الطعن عليها .
ويجب ان تلتزم المحكمة في حدود سلطتها بالتفسير فقط دون المساس بالحكم المفسر بالتبديل او التعديل بأية صوره كانت فاذا فعل القاضي ذلك يكون قد جاوز حدود سلطته المقررة قانونا وتصلح هذه المخالفة للطعن في الحكم .

ثالثا : القيام بأعمال تفسير الأحكام

طبقا لنص الماده 192 من قانون المرافعات فان من يتولى تفسير الغموض او اللبس فى الاحكام هى المحكمة التى أصدرت الحكم وعلى ان يكون ذلك بالإجراءات المعتادة لرفع الدعوى ويخضع الحكم الصادر فى طلب التفسير للقواعد العادية وغير العادية للطعن فى الاحكام ويكون الحكم الصادر فى طلب التفسير متمما من كل الوجوه للحكم المفسر
ومن ثم لا يكون للمحضر القائم بالتنفيذ للحكم الذى يتم تفسيره ان يتولى هو او قاضى التنفيذ وهو يراقب اجراءات التنفيذ التى تتم تحت اشرافه ان يقوم بتفسير ما عسى ان يلحق بالحكم الذى يجرى تنفيذه من لبس او غموض وعليهما ان ينبها الخصوم الى ولوج الطريق الذى رسمته المادة 192 من قانون المرافعات ان لم يطلب منهما الخصوم ذلك صراحة لتصحيح ما شاب الحكم من غموض او ابهام او لبس .

برومو يوتيوب رابط موقع عمار الجديد للقانون

 

عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 848

شاركنا برأيك