العقود الرقمية عبر الويب ( العقود الذكية )

مقال العقود الرقمية عبر الويب و التنظيم القانوني للعقود الذكية وسوف نتعرف علي مجال العقود الذكية في القانون المصري و البنوك و المصارف الاسلامية وهذه العقود ظهرت نتيجة التطور في المعاملات عبر الويب

( العقود الرقمية و التعاقد الالكتروني )

العقود الرقمية

لقد تطور سوق التبادل التجاري و تعقدت المعاملات بين الدول  بسرعة متزايدة بسبب كثرة العروض التجارية و تنوعها و تضاعفت الحاجة للمواد الأجنبية لأغراض التنمية و الاستهلاك  .

وأدى التحول الأخير في النظم الاقتصادية لكثير من الدول و تبنيها مبدأ اقتصاد السوق L économie  du marché   إلى إيجاد سوقا جديدا واسعا لهذا التبادل التجاري  ،

حيث يسمح هذا النظام الاقتصادي الحر للشركات في أن تتعامل وتطور علاقاتها التعاقدية ، و تمارس نشاطها الطبيعي باستقلالية داخل البلد و خارجه لتأمين حاجة السوق المحلية من البضائع والخدمات .

تنشأ العلاقات التجارية الدولية الالكترونية  في البحث أولا عن موردين لجنس البضاعة وكميتها . ويتم بعد ذلك التفاوض على ثمن العقد و تاريخ و مكان التنفيذ ومعايير أخرى تتعلق بظروف تسليم  المبيع و دفع الثمن،

وكذلك تحديد القضاء والقانون المختص عند النزاع . وهذا يعني إنه لابد من إيجاد البنية القانونية لتحرير الرابطة العقدية بين الطرفين مستوفية شروط ملائمة لضمان حقوقهما .

بنود العقد الدولي

 ما هي أهم البنود التي ينبغي أن يتضمنها العقد الدولي لضمان التوازن المالي والقانوني بينهما ؟

قد يتعرض تنفيذ العقد الدولي تبعا لخصوصياته إلى مخاطر وصعوبات تحول دون تنفيذه بالشروط التي وردت في العقد . فهي قد تجعل أحيانا تنفيذ العقد مستحيلا impossibilité d exécution،  بصورة نهائية ، أو أن تكون استحالة التنفيذ حادث مؤقت . وفي الحالتين يصبح عدم التنفيذ ضارا بحقوق الدائن مما يؤدي إلى الإخلال بقاعدة التوازن العقدي بين الطرفين .

ينصب عدم التنفيذ في العقد التجاري الدولي غالبا على محل العقد أو محل الالتزام . وهو لا يختلف في ذلك عن عقد البيع المحلي . ومعروف فقهيا بأن محل العقد هو المعقود عليه  وهو الشيء  الذي ورد عليه العقد وثبت أثره فيه ، أما محل الالتزام  فمعناه  تنفيذ ما اتفق عليه المتعاقدين  .

فان محل العقد هو الشيء المبيع و الثمن ، ومحل التزام البائع هو ليس فقط تسليم المبيع و إنما أيضا حمايته من العيوب الخفية و ضمان الاستحقاق . أما محل التزام المشتري هو دفع الثمن و استلام المبيع

ونحن هنا لسنا بصدد تحليل الالتزامات المتقابلة الناشئة عن  العقد الدولي تجاه كل من الطرفين المتعاقدين

غير إن طبيعة محل العقد الدولي وأهمية التزامات الطرفين في هذا العقد يستلزم الأخذ بعين الاعتبار كثير من المفاجئات التي تحول دون  تنفيذها . ونحن نعلم إن هذه الالتزامات تخضع  في الأصل لمبدأ القوة الملزمة للعقد Le force obligatoire الذي يصعب التحلل عنها إلا عند استحالة التنفيذ لأسباب قاهرة .

فعندما يصبح تنفيذ العقد مستحيلا لسبب أو لآخر فنحن أمام حالة القوة القاهرة  La force majeure . وهذه الظاهرة التي تسمى أيضا بالحادث الجبري أو المفاجيء  تعبر عن مفهوم غير شخصي لأنه حدث لا يتصل بتصرف شخص ما أو مجموعة أشخاص

ويتخذ الحادث هذه الصفة وهذا التكييف عندما يكون غير متوقعا ، لا يمكن مقاومته وسببه أجنبي ، بمعنى انه لا دخل لإرادة طرفي العقد فيه ،

فهو يستبعد فكرة الخطأ  في تنفيذ الالتزامات . وقد حاول الفقه أن يقدم له تعريفا عاما و اعتبره ذلك الحادث الذي لا يمكن تجاوزه مطلقا ، غير متوقع ، و غير منظور ، ينتج عن قوة أجنبية كالعاصفة و الانهيار و الهزة الأرضية وكذلك  الحرب و أحيانا قرار السلطة

ومن المتوقع كثيرا أن يتعرض طرفي العقد على السواء ، البائع أو المشتري ، لحالات القوة القاهرة . وينتج عن ذلك استحالة تنفيذ الالتزامات الناشئة عن العقد بشكل مؤقت أو بصورة نهائية .

وإذا صح  هذا الافتراض  في العقود المحلية داخل البلد الواحد ، فإن احتمال نشوء القوة القاهرة يتضاعف وقوعه في العقد الدولي لأسباب عديدة منها :

إن تنفيذ العقد الدولي تتجاوز عناصر تنفيذه جغرافيا حدود الدولة الواحدة سواء ما كان يتعلق في نوع وكمية المبيع ، أم في تنوع وسائل نقله .

عند ذلك تبرز مشاكل النقل الدولي ومنها اجتياز  الحدود وتوفير الترخيص  الرسمي الخاص بالاستيراد و التصدير وتحويل العملات اللازمة لتسديد الثمن وكذلك مراعاة المعايير الصحية والبيئية لجنس المبيع .

انعقاد العقد و وقت التنفيذ الفعلي له . ومن الدارج أيضا في العقود الدولية أن يحصل التعاقد على الشيء محل البيع ، وإن كان غير متوفرا وقت إبرام العقد على أن يتم صنعه في المستقبل طبقا لنموذج متفق عليه حيث يجوز أن يكون  محل العقد معدوما وقت التعاقد إذا كان ممكن الحصول في المستقبل

و عين تعيينا نافيا للجهالة و الغرر. ويكفي أن يتفق الطرفان على نموذج يمثل محل العقد La vente sur échantillon  وهو ما يسمى البيع بالعينة ، و يجري تسليم المبيع في تأريخ لاحق على أن يكون مطابقا للنموذج في جنسه وخصائصه التقنية المتفق عليها

إن حالة القوة القاهرة لا تستهدف التزامات البائع فقط فتحول دون  تنفيذها  ، إنما يتعرض إليها أيضا المشتري مما تجعله غير قادرا على الوفاء بالتزاماته العقدية وأهمها استلام المبيع أو دفع الثمن وسواء كان المانع مؤقتا أم نهائيا لنفس الأسباب التي وردت أعلاه .

ولكن هل تقترب  القوة القاهرة إلى غيرها من الحوادث المفاجئة التي تعيق تنفيذ العقد ؟

من المفيد هنا التمييز بين حالة القوة القاهرة و الظرف الطارئ  L’imprévision والذي نسميه أيضا Le Hardship  في الفقه الانكليزي .وهو ذلك الحادث الذي لا يجعل تنفيذ العقد مستحيلا كما هو الحال في القوة القاهرة ، ولكنه ممكن التنفيذ ، إلا أن تنفيذه بالشروط التي جاءت بها نصوص العقد تحمل المدين بالتنفيذ أعباء مالية وخسارة جسيمة و باهضة  النتائج

فهو ينتج عن تغيير جذري بوضع المتعاقد بفعل الظروف المحيطة بتنفيذ العقد سواء كانت اقتصادية ، اجتماعية  أم سياسية لها أثر مباشر على التوازن الأساسي للعقد ،

و من ثم تقود إلى الإخلال  بالتوازن الاقتصادي الذي يجب أن يتمتع به العقد خلال مدة تنفيذه . ولكن يقترب الظرف الطارئ مع القوة القاهرة باعتباره وضع جديد لا دخل  لإرادة طرفي العقد في إنشائه  وإنما مصدره أجنبي عنهما ولا يختص مطلقا بتصرفاتهما أو سلوكهما المرافق لتنفيذ التزاماتهما .

العقود الإلكترونية

العقود الإلكترونية هي العقود التي تتم عبر الآلات التي تعمل عن طريق الإلكترونيات وهي كثيرة ومن أهمها وآخرها الحاسب الآلي .

والتعاقد بطريق الإنترنت في الحاسب الآلي صحيح ومعتبر شرعاً ذلك أن الفقه الإسلامي جعل الرضا هو الأساس في انعقاد العقود من دون تحديد شكل معين، فالعقد ينعقد في الشريعة الإسلامية بكل ما يدل عليه من قول أو فعل أو كتابة أو إشارة. والإنترنت عبارة عن آلة لتوصيل الكتابة وهذه الوسيلة معتبرة شرعاً  كما هو الحال في التعاقد بطريق الكتابة بين الغائبين.

مفهوم العقود الإلكترونية

العقود الرقمية

تعريف العقد:

العقد في اللغة العربية يطلق على معان ترجع في مجملها إلى معنى الربط الذي هو نقيض الحل يقال : “عقدت الحبل فهو معقود”

انظر: معجم مقاييس اللغة ص654 ولسان العرب لابن منظور 9/309,والقاموس المحيط للفيروز أبادي ص 383 , والمصباح المنير للفيومي ص421

فالعقد في أصل اللغة “الشد والربط ثم نقل إلى الأيمان والعقود كعقد المبايعات ونحوها”

أحكام القرآن  للجصاص 3/285

أما في الاصطلاح الفقهي فنجد أن للعقد معنيان عام وخاص فالمعنى العام يطلق على كل التزام تعهد به الإنسان على نفسه سواء كان يقابله التزام آخر أم لا، وسواء كان التزاماً دينياً كالنذر أو دنيوياً كالبيع ونحوه

انظر: القواعد لابن رجب, القاعدة الثانية والخمسين ,ص78

أما المعنى الخاص فيطلق العقد على كل اتفاق تم بين إرادتين أو أكثر على إنشاء التزام أو نقله، فهو لا يتحقق إلا من طرفين أو أكثر، وهذا هو المعنى الغالب عند إطلاق الفقهاء للعقد في الاصطلاح الفقهي.

انظر في ذلك: ضوابط العقد في العقد الإسلامي- د. خالد التركماني ص24, وضوابط العقود- د. عبد الحميد البعلي ص44

ومن التعاريف الواردة على هذا المعنى تعريف العقد بأنه “ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر على وجه مشروع يثبت أثره في المعقود عليه

مرشد الحيران- لمحمد قدري باشا ، المادة 168 بتصرف

وعلى هذا فإن العقد في الاصطلاح الفقهي الشرعي يشمل جميع العقود  المالية التي تتضمن طرفين أو أكثر كعقد البيع والإجارة والرهن و الحوالة والمسابقة … الخ كما يتضمن العقود غير المالية كعقد النكاح ونحوه.

تعريف الإلكترون:

الإلكترون عبارة عن شحنات كهربائية دقيقة جداً دائمة الحركة حول جسم هو النواة الذي هو جزء من الذرة

انظر: الألكترون وأثره في حياتنا – لجين نيدك ص9

وقد استخدمت الإلكترونيات في التصنيع ودخلت في كثير من المجالات فظهر الراديو الذي يستقبل هذه الموجات الإلكترونية ثم ظهر التلفزيون والتلكس والهاتف والفاكس والحاسب الآلي وغيرها من الأجهزة التي تعمل عن طريق الإلكترونيات

انظر المرجع السابق وموسوعة الإلكترونيات لمحمد المتنبي (الجزء الأول)

وعلى ذلك فإن العقود الإلكترونية هي العقود التي تتم عبر هذه الوسائل ونحوها من الآلات التي تعمل عن طريق الإلكترون, وهذا من حيث الأصل إلا أنه بعد ظهور الحاسب الآلي وانتشار المراسلة والتعاقد بواسطته ,

خصص هذا المصطلح للعقود التي تتم عن طريقه  أما التعاقد عبر الراديو أو الهاتف أو غيرها من وسائل الاتصال فلا يشملها عرفاً هذا المصطلح في العقدين الأخيرين ,

وأصبح مصطلح العقود الالكترونية ينصرف مباشرة إلى: العقود التي تتم عبر شبكة الإنترنت, ولذا نجد أن مصطلح التجارة الإلكترونية يطلق على: مجموعة العمليات التي تتم عبر الوسائل الإلكترونية وخاصة عبر شبكة المواقع (web) والبريد الإلكتروني

أنظر: البيع والتجارة على الإنترنت – عبد الحميد بسيوني ص54

والتعاقد بطريق الإنترنت هو تعاقد بين حاضرين من حيث الزمان وغائبين من حيث المكان إلا إذا وجد فاصل طويل فإنه يكون بين غائبين زماناً ومكاناً

والعقود المالية تصح بطريق الإنترنت ولكن يشترط في عقد الصرف أن يتم التقابض مباشرة وفي عقد السلم أن يتم تسليم رأس المال في الحال ، أما عقد النكاح فإنه لا يصح – حسب رأي الباحث – بطريق الإنترنت .

والنظام الذي يحكم العقد هو النظام الذي اتفق عليه المتعاقدان شريطة أن يكون هذا النظام مستمداً من الشريعة الإسلامية وراجعاً إليها ,

أما المحكمة المختصة فهي محكمة المدعِي لأنه الطرف الأضعف في العقد وهذا قول جمهور العلماء , ويستثنى من ذلك إذا كانت الدعوى تتعلق بعقار فإن المحكمة المختصة محكمة محل العقار.

ويعتبر استخدام التوقيع الإلكتروني وخاصة الرقمي منه لإثبات العقود الإلكترونية متفقاً مع مبادئ الإثبات في الشريعة الإسلامية التي لم تحصر وسائل الإثبات بعدد معين أو شكل محدد وإنما كل وسيلة يبين فيها الحق فهي من أدوات الإثبات.

ونظراً لما يترتب على الاعتداء على التوقيع الإلكتروني من مخاطر فإن وضع العقوبات المناسبة للجرائم المتعلقة بقصد الحماية الجنائية له يتفق مع مقاصد الشريعة  الإسلامية في حفظ الأموال والحقوق الخاصة وهذا داخل ضمن  التعازير التي يقدرها ولي الأمر بحسب الجريمة وحالها وملابساتها.

طرق التعاقد الالكتروني عبر الويب

العقود الرقمية

أولاً :التعاقد عبر شبكة المواقع (web)

تعمد كثير من الشركات إلى عرض سلعها وخدماتها على شبكة المواقع web وتقوم بتصوير السلعة بطريقة ثلاثية الأبعاد مع تسجيل سعرها ومواصفاتها، ويكون ذلك في موقع خاص بالشركة،

وفي المقابل يقوم الراغب في التعاقد بالبحث عن السلعة أو الخدمة التي يريدها عن طريق استخدام الرمز الذي يساعد في الوصول إلى هذه السلعة أو الخدمة، وعند اقتناعه بها وبالشركة العارضة لها ومعرفة سعرها ومواصفاتها يقوم بالتعاقد على الشراء بعد التأكد من السعر الفردي والإجمالي (في حال شراء مجموعة سلع)

وذلك بالنقر على مفتاح الموافقة فيظهر العقد المتعلق بالشراء والمعد من قبل الشركة العارضة الذي يتضمن آلية الدفع وشروط التعاقد ومكانه وكيفية التسليم والقانون الذي يحكم العقد وغير ذلك من الشروط والمعلومات التي تختلف كثرة وقلة بحسب كل شركة أو عقد

ثانياً: التعاقد عبر البريد الإلكتروني (E,mail) :

يقصد بالبريد الإلكتروني: استخدام شبكات الحاسب الآلي في نقل الرسائل بدلاً من الوسائل التقليدية، حيث يخصص لكل شخص صندوق بريد إلكتروني خاص به، وهذا الصندوق عبارة عن ملف وحدة الأقراص الممغنطة التي تستخدم في استقبال الرسائل.

وللتعاقد عبر البريد الإلكتروني أنواع متعددة منها: أن بعض الشركات تقوم بإرسال رسائل دعائية لنوع معين من السلع أو الخدمات في البريد الإلكتروني الخاص بالشخص،

فإذا نظر صاحب البريد هذه الرسالة ورغب في السلعة أو الخدمة قام بمراسلة الشركة حول التعاقد معهم على هذه السلعة أو الخدمة ثم تتم المبايعة كالطريقة السابقة في التعاقد عبر شبكة المواقع.

ثالثاً: التعاقد بالمحادثة عبر الإنترنت :

توجد برامج تتيح للشخص تبادل الحديث صوتياً مع الطرف الآخر بشكل مباشر سواءً كان طرفاً أو أكثر, كما يوجد أيضاً برنامج يمكن من خلاله إرسال صور فيديو للتعبير عن الحركة

طريقةسداد الثمن بالعقد الالكتروني

يتم سداد ثمن العقد المبرم عبر الشبكة بعدة طرق من أسهلها استخدام بطاقات الإئتمان (الفيزا كارد والماستر كارد ونحوها) ويكون إعطاء معلومات البطاقة عبر الهاتف أو الفاكس وذلك تجنباً لإرسالها عبر الإنترنت مما يؤدي إلى سرقة المعلومات المتعلقة بالبطاقة.

وقد يكون الدفع عن طريق النقود الإلكترونية (البينز) حيث يتم تحويل النقود العادية إلى وحدات نقدية إلكترونية يكون من الممكن التعامل بها بشكل آمن عبر شبكة الإنترنت, كما يمكن الدفع عبر الشيك المصدق والمصرفي أو الشبكات الإلكترونية وغير ذلك من الطرق المتعددة.

الوصف الفقهي للتعاقد بطريق الإنترنت

العقود الرقمية

من خلال العرض السابق للطريقة التي يتم بها التعاقد عبر الإنترنت يتبين أنها تتم في غالب الحالات بطريقة الكتابة، وقد تكون بالمحادثة , أو الإشارات والرموز.

والعقد في الشريعة الإسلامية ينعقد – على القول الصحيح – بكل ما يدل عليه من دون اشتراط صيغة معينة أو شكل محدد , جاء في بدائع الصنائع:( وكذا إذا قال البائع: خذ هذا الشيء بكذا أو أعطيتكه بكذا , أو هو لك بكذا , أو بذلتكه بكذا ,

وقال المشتري: قبلت أو أخذت أو رضيت أو هويت ونحو ذلك , فإنه يتم الركن لأن كل واحد من هذه الألفاظ يؤدي إلى معنى البيع وهو المبادلة , والعبرة للمعنى لا للصورة).

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (وينعقد العقد بكل ما يدل على الرضا من قول أو كتابة أو إشارة منهما أو من أحدهما)

3/3 , وانظر: المغني لابن قدامه 6/9 , والموافقات للشاطبي 2/87

وجاء في الكافي لابن قدامة( الثاني: المعاطاة , مثل أن يقول: أعطني بهذا خبزاً , فيعطيه ما يرضيه , أو يقول: خذ هذا الثوب بدينار , فيأخذه , فيصح , لأن الشرع ورد بالبيع وعلَّق عليه أحكاماً , ولم يعين له لفظاً , فعلم أنه ردَّهم إلى ما تعارفوه بينهم بيعاً , والناس في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك)

وقد توسع في بيان هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وبين الأدلة والأمثلة عليها وتعقب القائلين بأن العقد لا يتم إلا بلفظ مخصوص أو شكل محدد، يقول رحمه الله (فأما التزام لفظ مخصوص فليس له أثر ولا نظر، وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تنعقد بكل ما يدل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة)

الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية 29/13

ويتفق العلماء على صحة التعاقد بالكتابة إذا كانت بين غائبين لأن ذلك هو الوسيلة المستطاعة لاتمام العقد(1) ولذا أتت القاعدة الفقهية المشهورة من أن “الكتاب كالخطاب”أي: أن الكتابة بين الغائبين كالنطق بين الحاضرين.

والإنترنت ما هو إلا وسيلة لتوصيل الكتابة, وهذه الوسيلة معتبرة شرعاً لعدم تضمنها محذوراً شرعياً، ولأنها شبيهة في حقيقة الأمر بالتعاقد عن طريق الرسول أو البريد العادي التي أجاز العلماء التعاقد بواسطتهما(3).

وحيث  أن الركن الأساسي في العقد هو صدور الإيجاب والقبول من طرفي العقد ووصول كل منهما إلى علم الآخر بصورة معتبرة شرعاً، وفهم كلا الطرفين ما قصده الآخر،

وهذا كله متحقق في التعاقد بطريق الإنترنت سواءً عبر شبكة المواقع (web) أو عبر البريد الإلكتروني أو المحادثة والمشاهدة, فيكون التعاقد صحيحاً تترتب عليه آثاره المعتبرة شرعاً .

وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حكم إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة في دورته السادسة.(4) وصدر بذلك القرار رقم (52/3/6)

ونص على صحة إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة ومنها الحاسب الآلي وبَّين بعض الأحكام المتعلقة به . ونظراً  لأهمية القرار وتعلقه بموضوع البحث أذكره بنصه:

(إن مجمع الفقه الإسلامي في دورته….. وباستحضار ما تعرض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول ، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس- عدا الوصية والإيصاء والوكالة – وتطابق الإيجاب والقبول،

وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والمولاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف قرر مايلي:

  • 1-إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد ولا يرى أحدهما الآخر معاينة ولا يسمع كلامه وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة “الرسول” وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب) ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجه إليه وقبوله.
  • 2-إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقداً بين حاضرين وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة .
  • 3-إذا أصدر العارض بهذه الوسائل إيجاباً محدد المدة يكون ملزماً بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة وليس له الرجوع عنه.
  • 4-إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه ولا الصرف لاشتراط التقابض ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال .
  • 5-ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد العامة للاثبات.(1))

طبيعة التعاقد الرقمي

النص الوارد في قرار مجمع الفقه الإسلامي السابق ذكره اعتبر التعاقد بطريق الحاسب الآلي بين غائبين وذلك لأن كلا طرفي العقد غائب عن الآخر من حيث المكان، كما أنه يوجد فاصل زمني بين الإيجاب والقبول فالتعاقد بين غائبين من حيث الزمان أيضاً، وذلك قياساً على التعاقد بطريق المراسلة أو البريد العادي.

ولعل هذا يكون صحيحاً في فترة صدور القرار من المجمع (سنة 1400هـ- 1990م) حيث كان التعاقد عبر الحاسب الآلي يختلف عن التعاقد عن طريقه في هذا الزمن إذ لم توجد الشركات العارضة عبر شبكة المواقع

وإنما كان الطرف الراغب في التعاقد يرسل بطريق البريد الإلكتروني رسالة يبين فيها رغبته في التعاقد ثم يحصل الرد من الطرف المقابل بالموافقة أو الرد، ولا شك أن ذلك يستغرق شيئاً من الوقت الذي يجعل التعاقد بينهما أشبه بالتعاقد عن طريق البريد العادي فيكون له حكم التعاقد بين الغائبين من حيث المكان والزمان.

أما في الوقت الحالي فقد تغيرت طريقة العرض والتسوق, وأصبحت الشركات تعرض بضاعتها عبر شبكة المواقع (web) وما على العميل إلا أن يبدي رغبته في الموافقة على التعاقد فيتم فوراً ويبدأ سريان آثار العقد من تسليم الثمن والسلعة ونحو ذلك.

وعلى ذلك فالذي أراه أن التعاقد بطريق الإنترنت يعتبر في الأصل( تعاقداً بين غائبين من حيث المكان وحاضرين من حيث الزمان).

وبيان ذلك : أن مكان المتعاقدين مختلف سواءً كانا في بلدة واحدة أو دولة واحدة أو دول مختلفة, فهما لا يجتمعان في مكان واحد كما هو الحاصل في التعاقد العادي.

أما زمان التعاقد فهو واحد حيث أن صفحة العقد تكون معدة سلفاً من قبل العارض وما على المتعاقد سوى القبول أو الرفض، فلا توجد فترة زمنية تفصل ما بين الإيجاب والقبول,

ويستثنى من هذا الأصل بعض الحالات التي يكون فيها انقطاع بين الإيجاب والقبول ومن ذلك على سبيل المثال :

  • 1)إذا كان العرض عن طريق البريد الإلكتروني سواءً كان موجهاً إلى موقع أو مجموعة مواقع وكان هذا العرض بشكل غير متصل مع الطرف المقابل أي لا توجد كتابة مباشرة بين الطرفين.
  • 2)إذا كان العارض في شبكة المواقع قد تحفظ بحقه في قبول التعاقد أو رفضه.

ونخلص في ذلك إلى أن الأصل في التعاقد عبر الإنترنت أنه بين غائبين من حيث المكان حاضرين من حيث الزمان, إلا إذا وجدت فترة زمنية طويلة نسبياً تفصل بين الإيجاب والقبول فإن التعاقد قد يكون بين غائبين مكاناً وزماناً.

الإيجاب والقبول في التعاقد بطريق الإنترنت

العقود الرقمية

أولاً : تحديد الإيجاب والقبول في التعاقد بطريق الإنترنت :

نبين في البداية أن العلماء – رحمهم الله- اختلفوا في تحديد الإيجاب من القبول في التعاقد،

فذهب الجمهور منهم (المالكية، والشافعية ، والحنابلة

إلى أن الإيجاب هو ما صدر من المملِّك والقبول ما صدر من المتملِّك سواءً صدر أولاً أم ثانياً.

وذهب الحنفية

إلى أن الإيجاب هو ما صدر أولاً من أحد المتعاقدين والقبول ما صدر ثانياً من المتعاقد الآخر وذلك لأنه قبول ورضاً بما أثبته الأول والاتجاه الأخير (الحنفية) هو الذي أخذت به أكثر الأنظمة في الدول العربية لأنه الأيسر والأسهل في تحديد الموجب من القابل.

  1. وبناءً على هذا الاتجاه (الحنفية) كيف نحدد الإيجاب والقبول في التعاقد عن طريق الإنترنت؟
  2. وبعبارة أخرى هل يعتبر عرض السلعة أو الخدمة من قبل الشركة المنتجة أو المسوقة إيجاباً، وموافقة العميل على التعاقد قبولاً؟
  3. أم أن هذا العرض مجرد دعوة من قبل الشركة للتعاقد، وأن الإيجاب يكون من قبل العميل لأنه هو المبتدئ والقبول هو في موافقة الشركة على العقد إما موافقة صريحة أو ضمنية؟

نقول جواباً عن ذلك

حينما نتأمل الطرق التي يتم بها التعاقد عبر الإنترنت نجد أنها متعددة، ولذا فإن الإيجاب والقبول يختلف بحسب الطريقة التي تم بها التعاقد، وأبرز الطرق المستخدمة حالياً في التعاقد هي: التعاقد عبر شبكة المواقع (web)، والتعاقد عبر البريد الإلكتروني، والتعاقد عبر المحادثة والمشاهدة، ونبين الإيجاب والقبول في هذه الطرق الثلاث:

1) الإيجاب والقبول عبر شبكة المواقع (web) :

يعتبر الإعلان عن السلعة أو الخدمة في شبكة المواقع  (web)إيجاباً من العارض وذلك لأنه إيجاب مستمر على مدار الساعة، والغالب أنه موجه إلى الجمهور وليس إلى فرد بعينه، فهو لا يختلف في حقيقته عن الإيجاب الصادر مباشرة بين طرفي التعاقد.

وفي حالات مستثناة يكون العرض مجرد دعوة للتعاقد وليس إيجاباً وذلك في الحالات التي تكون فيها شخصية المتعاقد الآخر محل اعتبار عند من صدر منه العرض كالإعلان عن وظائف، أو طلب مستأجرين ونحو ذلك.

وفي حالة حدوث تزاحم بين الراغبين بالشراء فالاعتبار يكون بأولوية الوصول إلى علم الموجب، حيث ارتبط القبول بالإيجاب على وجه مشروع فيكون القبول الذي أتى بعد نفاذ الكمية وارداً على محل غير موجود.

2) الإيجاب والقبول عبر البريد الإلكتروني (E,mail):

إذا كان العرض للسلعة أو الخدمة قد تم عبر البريد الإلكتروني وكانت حالة الاتصال بالكتابة مباشرة، فإن الإيجاب هو ما صدر أولاً والذي هو من العارض وعلى الراغب في التعاقد القبول أو الرفض.

أما إذا كانت حالة الاتصال ليست مباشرة بحيث توجد فترة زمنية تفصل ما بين الإيجاب والقبول، كما إذا كان العرض موجهاً إلى شخص محدد أو لعدة أشخاص في آن واحد فإن الإيجاب هو ما صدر أولاً ,

وعلى الموجب (العارض) أن يبقى على إيجابه إذا كانت المدة محددة وليس له الرجوع عنه

وإذا كانت المدة غير محددة فإنه يمكن استخلاص المدة بحسب طبيعة الإيجاب وموضوعه والأعراف المتداولة لهذا الإيجاب.

3) الإيجاب والقبول عبر المحادثة أو المشاهدة:

إذا كان التعاقد بطريقة الإنترنت تم عبر المحادثة أو المشاهدة فإن الموجب هو من بدأ أولاً بالعرض وله أن يستمر في إيجابه خلال مجلس التعاقد وله أن يتراجع عن إيجابه قبل اقترانه بالقبول، كما أن لكلا الطرفين أن يتراجعا عن العقد مادامت المحادثة أو المشاهدة قائمة، وسيأتي مزيد تفصيل لهذه المسألة

صيغة الإيجاب والقبول الرقمي الالكتروني

العقود الرقمية

 شروط الإيجاب والقبول (الصيغة) وتطبيقها في التعاقد بطريقة الإنترنت :

يشترط في صيغة العقد (الإيجاب والقبول) الشروط التالية :

الشرط الأول : وضوح دلالة الإيجاب والقبول :

يلزم لصحة التعاقد أن يكون كل من الإيجاب والقبول واضحى الدلالة على مراد المتعاقدين, بأن تكون الوسيلة المستخدمة للتعبير عن الإرادة واضحة إما لغةً أو عرفاً, سواء كانت بطريقة الدلالة الحقيقية أو المجازية.

فإذا لم يعرف بيقين أن المتعاقدين قد قصدا عقداً بعينه فإنه لا يمكن إلزامهما أو إلزام أحدهما بأحكامه وآثاره

انظر: ضوابط العقد في الفقه الإسلامي- د. عدنان التركماني ص42

والصيغة المستخدمة في التعاقد بطريقة الإنترنت إما أن تكون اللفظ. كما في المحادثة وهذه يسري عليها ما يسري على التعاقد اللفظي المباشر فالعلماء يتفقون على انعقاد العقد بصيغة الفعل الماضي (اشتريت, بعت) وكذلك المضارع إذا دلت قرائن الحال على الرغبة في التعاقد, أما فعل الأمر والاستفهام ففي ذلك خلاف وتفصيل يرجع إليه في محله

انظر: المرجع السابق, وضوابط العقود – د. عبد المجيد البعلي ص90, والفقه الإسلامي وأدلته- د. وهبة الزحيلي4/94.

وقد يكون التعاقد عبر الإنترنت بطريق الكتابة, فمجرد عرض السلعة من قبل الشركات المنتجة والمسوقة وكتابة سعرها عليها دليل على إرادة التعاقد بشأنها.

وقد تستعمل الإشارات والرموز في الصيغة كعلامة ( < ) على الموافقة و (> ) على عدم الموافقة والإشارة معتبرة شرعاً إذا جرى بها العرف.

الشرط الثاني : توافق الإيجاب والقبول :

يشترط لصحة التعاقد أن يتَّحد موضوع الإيجاب والقبول ويكونا دالين على توافق الإرادتين.

فإن لم يتفقا بأن كان الإيجاب وارداً على شيء والقبول على شيء آخر فإن العقد لا ينعقد, وكذا إذا كان الإيجاب وارداً على شيء والقبول على بعضه

(2) الشرط الثالث : اتصال القبول بالإيجاب :

يقصد بهذا الشرط أن يتصل القبول بالإيجاب في محل التعاقد إذا كان المتعاقدان حاضرين أو في مجلس علم القابل إذا كانا غائبين

انظر ضوابط العقد في الفقه الإسلامي د. عدنان التركماني ص48

ويتضمن هذا الشرط ما يلي :

  • 1- عدم رجوع الموجب عن إيجابه قبل قبول الآخر.
  • 2- أن لا يصدر من القابل ما يدل على إعراضه عن التعاقد.
  • 3- اتحاد مجلس التعاقد, وهو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدين مشتغلين بالعقد, أي الفترة الزمنية التي تفصل بين الإيجاب والقبول في حال انشغال المتعاقدين بالعقد, وليس المراد باتحاد المجلس كون المتعاقدين في مكان واحد إذ قد يكون أحدهما في مكان غير مكان الآخر.

ويختلف اتصال الإيجاب بالقبول في العقد بين الحاضرين عنه في العقد بين الغائبين, ففي العقد بين الحاضرين يكون الإيجاب مرتبطاً بمجلس صدوره بحيث أنه إذا انقضى المجلس انعدم الإيجاب ولم يبق له وجود.

أما بين الغائبين فإن الإيجاب يكون مستمراً إلى حين وصوله إلى القابل, ويبقى مستمراً طوال بقائه في مجلس الوصول إلا إذا صدر ما يدل على إعراض القابل عنه أو إلغائه من قِبل الموجب.

الخيارات في مجلس العقد

يرتب العلماء في حال انشغال المتعاقدين بالعقد (مجلس العقد) وحتى الانتهاء منه بالتفرق ثلاثة خيارات هي :

1) خيار الرجوع

فيحق للموجب أن يرجع عن إيجابه قبل أن يتصل به القبول وهذا عند جمهور العلماء

أنظر: في فتح القدير 6/253, والمجموع 9/169, والمغني 6/10.

غير أن المالكية يستثنون من خيار الرجوع حالتين يكون الإيجاب فيهما باتاً غير قابل للرجوع ما دام مجلس العقد باقياً لم ينته وهاتان الحالتان هما: إذا كان الإيجاب بصيغة الماضي, أو كان العقد متعلقاً بالتبرعات

انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4/ 3 , وشرح فتح الجليل 2/ 464

2) خيار القبول

وهو أن يكون للقابل الحق في الرفض أو القبول ما داما جميعاً في مجلس العقد, إلا إذا رجع الموجب عن إيجابه قبل القبول, ويخالف في هذا الخيار الشافعية حيث يشترطون الفورية بين الإيجاب والقبول وعدم وجود فاصل زمني أو لفظي بينهما.

الإعلانات
3) خيار المجلس

وهو أن يكون لكل من الموجب والقابل الحق في فسخ العقد بعد صدور الإيجاب والقبول منهما ما داما في مجلس العقد.

وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله مستدلين بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً أو يخير أحدهما الآخر , فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع , وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع

متفق عليه, أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع, باب إذا لم يوقت في الخيار هل يجوز البيع- برقم 1967, كما أخرجه من طريق حكيم بن حزام في باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا- برقم 1968, وأخرجه مسلم واللفظ له في كتاب البيوع, باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين برقم 2822

وذهب الحنفية والمالكية( إلى عدم القول بخيار المجلس وأن العقد يكون لازماً بمجرد الإيجاب والقبول إذا توفرت شروطه وليس لأحد العاقدين الفسخ إلا إذا اشترط الخيار وحملوا التفرق الوارد في الحديث على التفرق بالأقوال دون الأبدان.

انظر: فتح القدير 5/78 , وبدائع الصنائع 5/134 , والشرح الكبير على مختصر خليل 3/81

والذي يظهر للباحث هو قول جمهور الفقهاء رحمهم الله لوضوح النص من الحديث الدال على ثبوت خيار المجلس ما دام المتعاقدان لم يتفرقا “ما لم يتفرقا وكانا جميعاً” .

ولكن هذا التفرق لم يرد تفسيره في الشرع وليس له حد معين في اللغة فيُرجع فيه إلى العرف جاء في المغني لابن قدامة “المرجع في التفرق إلى عرف الناس وعاداتهم فيما يعدون تفرقاً, لأن الشارع علق عليه حكماً ولم يبينه فدل على أنه أراد ما يعرفه الناس كالقبض والإحراز .. فالمفارقة أن يفارق من بيت إلى بيت أو إلى مجلس أو صفةٍ

 6/12 , وانظر المجموع شرح المهذب 9/180 .

مجلس العقد في التعاقد بطريق الإنترنت

العقود الرقمية

يختلف مجلس العقد في التعاقد عبر الإنترنت ومن ثم الخيارات الواردة فيه حسب الطريقة التي تم بها هذا التعاقد.

ففي التعاقد عبر شبكة المواقع (Web) يبدأ مجلس العقد من دخول الراغب في التعاقد إلى الموقع الصادر فيه الإيجاب وبدايته في التفاوض والاختيار ويستمر مجلس العقد حتى خروج القابل من الموقع.

وفي التعاقد عبر البريد الإلكتروني إذا كان التعاقد يتم بالكتابة مباشرة بين الطرفين فإن مجلس العقد يبدأ من حين صدور الإيجاب ويستمر حتى خروج أحد الطرفين من الموقع.

أما إذا كان التعاقد لم يتم مباشرة فإن مجلس العقد يبتدئ من حين اطلاع القابل على المعروض عليه ويستمر حتى تنتهي المدة المحددة إذا وجدت, وإلا رجع في ذلك إلى الأعراف.

وفي حال التعاقد عبر المحادثة والمشاهدة فإن مجلس العقد يبتدئ من حين صدور الإيجاب ويستمر حتى الانتهاء من المحادثة.

وتكون الخيارات في مجلس العقد حسب التالي:

1-يكون من حق الطرف الموجب أن يتراجع عن إيجابه قبل اقترانه بالقبول (خيار الرجوع عن الإيجاب) إلا في حالة تحديده بمدة فإنه يكون ملزماً بالبقاء عليها.

2-من حق الطرف الراغب في التعاقد أن يتأمل الأمر المعروض عليه وليس ملزماً بأن يختار العقد مباشرة (خيار القبول).

3-بعد التعاقد من قِبل الطرفين يكون من حقهما جميعاً أن يتراجع أحدهما عن العقد بدون رضا الآخر وذلك مادام الاتصال بالموقع المخصص للتعاقد لازال قائماً (خيار المجلس) إلا في حالة وجود شرط عدم الخيار فإن العقد يكون باتاً وليس من حق أحدهما التراجع إلا في حال رضا الطرف الآخر (الإقالة).

وهذا عند جمهور العلماء القائلين بخيار المجلس, أما على قول الحنفية والمالكية فإن العقد يكون لازماً بعد توافق الإيجاب والقبول ولا يشترط الانتهاء من المحادثة أو الخروج من الموقع.

المطلب الرابع :العقود المستثناة من صحة التعاقد بطريقة الإنترنت :

استثنى قرار مجمع الفقه الإسلامي من صحة التعاقد بطريقة الإنترنت (النكاح لاشتراط الإشهاد عليه, والصرف لاشتراط التقابض, والسلم لاشتراط تعجيل رأس المال)

أنظر القرار السابق عرضه ص9

وسنناقش هذه العقود الثلاثة :

أولاً: عقد النكاح:

من شروط النكاح الإشهاد( بأن يَشهد على عقد النكاح شاهدان رجلان عدلان, أو رجل وامرأتان, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ” لا نكاح إلا بولي وشاهدين عدلين

رواه الدارقطني في كتاب النكاح 3/221 ,والبيهقي في كتاب النكاح 7/125

انظر: بدائع الصنائع 2/252 والشرح الكبير على مختصر خليل 2/236 , ومغني المحتاج 3/144 , والمغني 6/347

ولأن في الشهادة حفاظاً على حقوق الزوجين والولد منهما, وفيها درء التهمة عن الزوجين وبيان أهمية النكاح وعظيم مكانته(

انظر: الفقه الإسلامي وأدلته. د. وهبة الزحيلي 7/71

وحينما نتأمل شرط الإشهاد نجد أنه في ظل الطرق الحالية للتعاقد بطريق الإنترنت من الممكن حضور وتحكيم للشهادة وخاصة إذا كان التعاقد عبر المحادثة والمشاهدة

يختلف الفقهاء في صحة عقد النكاح بغير اللفظ أي بالكتابة والإشارة, فذهب الجمهور إلى عدم صحة النكاح بالكتابة سواء كان المتعاقدان حاضرين أو غائبين, وذهب الحنفية إلى صحة عقد النكاح بأن يكتب الرجل للمرأة : تزوجتك, أو زوجيني نفسك فقالت المرأة في مجلس وجود الكتاب : قبلت الزواج بحضور شاهدين فالعقد صحيح والزواج منعقد

أنظر بدائع الصنائع 2/252 , والشرح الكبير على مختصر خليل 2/236 , ومغني المحتاج 3/144 , والمغني 6/347.

فبناء على إمكان تحقق هذا الشرط هل يصح إجراء عقد النكاح بطريق الإنترنت؟

القول بصحة ذلك له حقه من النظر خاصة على مذهب الحنفية الذين يجيزون انعقاد النكاح بالكتابة , إذا كان الزوجان غائبين عن بعض وحضر شاهدان عند وصول الكتاب

أنظر: بدائع الصنائع 2/231, أما بقية المذاهب فلا يرون صحة الزواج بالكتابة , أنظر مواهب الجليل للحطاب 4/228 ومغني المحتاج 3/141 ومنتهى الإرادات 4/59.

ولكن الذي يظهر للباحث هو عدم صحة عقد النكاح بطريق الإنترنت وذلك لما يلي:

1-أن للنكاح مكانته الخاصة حيث يترتب عليه آثار مهمة تتعلق بالزوجين وولدهما طول الحياة, وعلى ذلك فإنه لا يمكن مساواة عقد النكاح بالعقود المالية التي تكون آثارها مقصورة في الغالب على جانب معين وبشكل محدود.

2-أن الشكل في إنشاء عقد النكاح معتبر وهذا ظاهر لمن تأمل أحكامه ومقاصده، وهو بخلاف العقود المالية التي مبناها على التراضي دون النظر إلى شكل العقد.

3- ما يترتب على القول بصحة عقد النكاح بطريق الإنترنت من الأضرار والمفاسد التي تخالف مقتضى عقد النكاح ومقاصده التي شُرع من أجلها.

فلهذه الأسباب ولغيرها أرى أن عقد النكاح لا يصح – حالياً – بطريق الإنترنت والله أعلم .

ثانياً: عقد الصرف :

عقد الصرف هو بيع النقد بالنقد سواء بجنسه أو غير جنسه ومن شروط صحته التقابض قبل الافتراق بين المتعاقدين لقوله صلى الله عليه وسلم “الذهب بالذهب , وزناً بوزن مِثلاً بمِثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مِثلاً بمثل , فمن زاد أو استزاد فهو ربا”

وعدم تحقق هذا الشرط يوقع في ربا النسيئة وهو التأخير

والتصارف بطريق الإنترنت يختلف حكمه بحسب الطريقة التي تم بها العقد:

فإذا تم التعاقد على الصرف مباشرة سواء عبر شبكة المواقع (Web) أو البريد الإلكتروني المباشر أو المحادثة وتم تنفيذ العقد بتحويل المبلغ محل العقد من حساب كل من الطرفين إلى الآخر عن طريق الشيك المصرفي أو النقود الإلكترونية (البينز) أو الحوالة البنكية المباشرة أو غير ذلك من الوسائل والطرق التي تجعل التقابض متحققاً في الحال بين الطرفين فإن العقد صحيح.

وذلك لأن التقابض ليس مقصوراً على التقابض الحقيقي بين الطرفين مباشرة وإنما يكون أيضاً بالقبض الحكمي كالقيد المصرفي في حساب العميل بطريقة الحوالة المصرفية أو الإنترنت المصرفي.

وهذا ما صدر به قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (55/4/6) بشأن القبض وصوره المستجدة حيث نص على أن من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً ما يلي :

1- القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:

(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغاً من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.

(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حال شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل .

(ج) إذا اقتطع المصرف بأمر العميل, مبلغاً من حساب له إلى حساب آخر بعملة أخرى في المصرف نفسه أو غيره لصالح العميل أو لمستفيد آخر ,

ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسليم الفعلي للمدد المتعارف عليها في أسواق التعامل على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة إلا بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسليم الفعلي .

2- تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه من قِبل المصرف ).

وعلى ذلك فإن ما ذهب إليه قرار المجمع السابق ذكره فيما يتعلق باستثناء عقد الصرف من صحة التعاقد بطريق الإنترنت يعتبر صحيحاً في حالة كون التعاقد قد تم عبر البريد الإلكتروني بشكل غير مباشر كما هو الحال حين صدور القرار (سنة 1410هـ , 1990م).

أما في العصر الحالي فالأمر تغير عما كان عليه العمل سابقاً وأصبح بالإمكان تحويل النقود مباشرة من كلا الطرفين إلى الآخر عن طريق وسائل متعددة مما يحقق شرط التقابض الحكمي الذي يقوم مقام التقابض الحقيقي .

ونخلص إلى صحة عقد الصرف بطريق الإنترنت إذا توفر فيه شرط التقابض . والله أعلم.

ثالثاً: عقد السلم :

السلم هو : عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد

 انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/195 , والقوانين الفقهية ص269 , ومغني المحتاج 2/102 , والمغني 6/385.

ومن شروط صحته تعجيل رأس مال السلم, بأن يتم قبضه في مجلس العقد, وأجاز المالكية تأخيره اليومين والثلاثة.

وإذا تفرق المتعاقدان قبل القبض بطل العقد وانفسخ لأنه يؤدي إلى بيع دين مؤجل بدين مؤجل, وقد ورد النهي عن ذلك

وبيع السلم بطريق الإنترنت يختلف حكمه بحسب الطريقة التي يتم بها التعاقد ودفع الثمن, فإذا تم دفع رأس المال (الثمن) بعد التعاقد مباشرة سواء بطريق الشيك المصرفي أو بحوالة مصرفية مباشرة أو بالنقود الإلكترونية أو نحو ذلك فإن العقد صحيح.

أما إذا لم يتم تسليم الثمن في مجلس العقد فإن العقد باطل عند جمهور العلماء وعلى رأي المالكية يكون العقد صحيحاً إذا كان هذا التأخير أقل من ثلاثة أيام حتى لو كان ذلك مشروطاً ومتفقاً عليه في العقد .

والعمل بقول المالكية هو الأيسر خاصة في التعاقد بطريق الإنترنت . والله أعلم .

النظام الواجب تطبيقه علي منازعات العقد الالكتروني

العقود الرقمية

أولاً : أهمية تحديد النظام الواجب تطبيقه :

تعتبر الأعمال والعقود التي تتم عبر شبكات الإنترنت ذات طابع دولي لأن أطرافها في الغالب ينتمون إلى دول مختلفة, فقد وضعت شبكة الإنترنت أكثر دول العالم في حالة اتصال مستمر حيث أن المعلومات التي يتم تحميلها على الشبكة تنتشر في أنحاء العالم في لحظات وجيزة.

وهنا يأتي السؤال عن النظام الذي يجب تطبيقه في هذه العقود والأعمال, هل هو نظام المشتري ( المستهلك ) أم نظام البائع, أم نظام الوسيط في حالة وجوده, أم نظام موِّرد خدمة الإنترنت,…؟

لقد ناقشت الاتفاقيات الدولية والفقه القانوني هذه المسألة وتوصلوا إلى أن النظام الذي يجب تطبيقه هو نظام إدارة المتعاقدين الذي اتفقا عليه عند العقد ( قانون الإرادة )

شريطة أن لا يتبع ذلك حرمان المستهلك في عقود الاستهلاك من الحماية التي توفرها الأحكام الآمرة لنظام الدولة التي بها محل إقامته العادية, وهي البيع والإيجار والقرض ونحوها من العقود التي يكون موضوعها تقديم سلع وخدمات لمن هو في حاجة إليها

ولعل السبب في ذلك واضح وهو حماية المستهلك بصفة أنه الطرف الأضعف أمام شركات الإنتاج والتسويق العالمية

انظر: النظام القانوني لحماية التجارة الإلكترونية- د. عبد الفتاح حجازي 1/168

ولما تستخدمه هذه الشركات من أساليب دعائية قد تتسبب في إيقاع الغرر لدى المتعاقد .

ثانياً : النظام الواجب تطبيقه في الفقه الإسلامي

يحدد – في الغالب  أطراف التعاقد النظام الذي يجب تطبيقه على العقد, بأن يكونا اتفقا عليه في بداية العقد، أو أن الشركة قد نصت عليه في نموذج العقد .

وهذا الاتفاق صحيح ويعمل به لقوله صلى الله عليه وسلم ” والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً “

ويستوي أن يكون هذا النظام لدولة معينة أو لجهة من الجهات أو المؤسسات التحكيمية, ولكن هذا الاتفاق محكوم بقاعدة شرعية أساسية هي أن يكون هذا النظام الذي اتفق عليه المتعاقدان راجعاً إلى الشريعة الإسلامية ومستمداً منها. وهذه المسألة مقررة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، واتفق عليها أئمة الهدى في جميع الأعصار والأمصار.

قال تعالى: ]فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ[ [النساء:59]

وقال سبحانه: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ[ [الشورى 9].

ويستوي في ذلك أن يكون جميع الخصوم من المسلمين, أو من المسلمين وغيرهم أو كانوا جميعاً من غير المسلمين. قال تعالى : ] وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ * فإِنْ تَوَلَّوْا فاْعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيِبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيِراً مِنَ اْلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ*

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ [المائدة:49-50] فالضمير في قوله ” بينهم ” راجع إلى اليهود, وذلك حينما أتى كبارهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدون تحكيمه بينهم وبين غيرهم من عامتهم وتعهدوا له إن حكم لهم ضدهم أن يؤمنوا به فتتبعهم بقية اليهود . فأنزل الله هذه الآيات وحكم الجاهلية: كل ما سوى حكم الله سواءً كان قبل دين الإسلام أو بعده.

ووصف جلّ وعلا  من لم يحكم بما أنزل بالكفر والظلم والفسوق وبيَّن سبحانه وتعالى أن من شأن المنافقين أنهم إذا دعو إلى من يحكم بينهم وكان الحق عليهم يحكِّمون غير دين الله، وإن يكن الحق لهم يحكِّمون دين الله

ومن خلال هذه النصوص القرآنية الكريمة يتبين لنا بوضوح وجلاء وجوب تحكيم شرع الله، وحرمة تحكيم غيره، وعلى ذلك فإنه لا يجوز الاتفاق على تحكيم نظام ليس مستمداً من الشريعة الإسلامية مهما كان هذا النظام , والاتفاق على ذلك اتفاق باطل غير صحيح , ولا يعمل به لأنه شرط “أحل حراماً” .

أما إذا كان الاتفاق على نظام دولة أو جهة تحكِّم الشريعة الإسلامية في تعاملاتها وتحكم وفق ما شرع الله فإنَّ هذا الاتفاق صحيح ويعمل به بين الأطراف .

ثالثاً: الواقع, والحلول المقترحة

ما سبق أن قررناه من وجوب أن يكون النظام المحكَّم راجعاً إلى الشريعة الإسلامية ومستمداً منها محل اتفاق لا نزاع فيه، ولكن الوضع العملي للتعاقد بطريق الإنترنت حالياً قد لا يساعد على تطبيق هذه القاعدة الرئيسة من قواعد الدين الإسلامي، ذلك أن الشركات المتواجدة عبر شاشات العرض من دول اجنبية غير إسلامية،

أومن دول إسلامية ولكن لا تحكم بالشريعة الإسلامية، وغالباً ما يكون العقد المعدُّ من قبل الشركة العارضة موجوداً به اسم النظام الذي يحكم العقد، فكيف نوفق بين هذا الأساس في الدين الإسلامي وهو تحكيم  شرع الله وبين الوضع العملي المنتشر حالياً؟ وما هي الحلول المناسبة لهذا الأمر ؟

إننا نجد أنفسنا بين خيارين هما :

الخيار الأول: أن نرضى بالأمر الواقع ونسلم به وهو التحاكم إلى تلك الأنظمة والقوانين بدعوى الضرورة والحاجة.

وهذا الخيار غير معتبر لأن تحكيم الشريعة الإسلامية أمر لا خيار فيه وليس متروكاً لرغبات المتعاقدين وإرادتهم، وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن الذين يصدُّون ويعرضون عن تحكيم شرعه, فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره(1) : أن رجلاً يزعم أنه مسلم كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة،

فقال اليهودي : أحاكمك إلى أهل دينك, لأنه قد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ رشوة في الحكم, وأبى المسلم, فنزل قوله تعالى: ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا[ [النساء 60-61] .

أما قاعدة الضرورة والحاجة فإنها غير متوفرة في هذه الحالة إلا في حالات مستثناه لا تنطبق على أكثر حالات التعاقد بطريق الإنترنت.

الخيار الثاني: البحث عن حلول مناسبة تتفق مع هذا الأساس في الدين الإسلامي.

ومن الحلول المقترحة التي أراها مناسبة للتطبيق ما يلي :

أولاً: اعتماد  نص صريح بتحكيم الشريعة الإسلامية :

عندما يتعاقد المسلم مع الشركات الأجنبية والعالمية فإن عليه أن لا يرضى بالعقد الذي ينص على تحكيم نظام معين لدولة أجنبية لا تحكم بما أنزل الله, بل عليه أن يشترط أنَّ الذي يحكم العقد هو الشريعة الإسلامية، أو يذكر نظام دولة معينة تطبق الشريعة الإسلامية في معاملاتها.

ومن عوامل نجاح هذا الاقتراح الإلحاح في إيراد هذا الشرط من قبل المتعاقدين المسلمين، فإذا رأت شركات التسويق والإنتاج العالمية هذا الإلحاح المستمر والرغبة العامة فإنها لا شك سترضي بهذا الشرط وتضمنه عقودها مع المسلمين.

ثانياً: إنشاء مؤسسات تحكيم شرعية عالمية يكون لها مواقع عبر الإنترنت مما يتيح المجال لتحكيم الشريعة الإسلامية، وتلافي الوقوع في المخالفات الشرعية التي نصت عليها القوانين الوضعية

وتكون هذه المؤسسات متميزة بما يلي:

1- النظام الواضح: ينبغي أن يكون لهذه المؤسسات نظام واضح وصريح تعتمد فيه على الأقوال الراجحة في الفقه الإسلامي مع الاستفادة مما توصلت إليه المجامع الفقهية وهيئات الرقابة الشرعية لبعض الدول الإسلامية كهيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ومجمع البحوث الإسلامية التابع لجامعة الأزهر، واللجنة العليا لتطبيق الشريعة الإسلامية في الكويت وغيرها من الهيئات العلمية الشرعية في وطننا الإسلامي.

2- الإشراف المباشر: يلزم أن يكون لهذه المؤسسات ارتباط مباشر بأهل العلم والتقى بأن يكون على كل مؤسسة تحكيم هيئة رقابة شرعية تمتاز بالعلم والأمانة والعدل والقدرة على فهم المسائل المستجدة وتكييفها حسب الأحكام والمقاصد الشرعية.

3- التأهيل الشرعي : وذلك بأن يكون القائمون على التحكيم مؤهلين لهذا الأمر ولديهم الإلمام الكافي بالأحكام الشرعية في مسائل التحكيم التي يختصون بها.

ومما يؤيد جدوى هذا الحل ونجاح هذه الفكرة ما يلي :-

1.أن التحكيم يمتاز بالبساطة والحرية في اختيار المحكِّم والنظام الذي يجب تطبيقه.

2.ما يمتاز به التحكيم من السرعة في فصل الخصومة، والسرية، وقلة التكاليف والرسوم وأتعاب المحامين .

3.أن التحكيم أصبح  في العصر الحالي الوسيلة الرديفة للقضاء وخاصة تسوية المنازعات الناشئة عن تنفيذ أو تفسير الأنظمة .

4.أن أكثر الأنظمة تعتبر بالتحكيم المطلق الذي يجيز للطرفين المتحاكمين تولية محكِّم يفصل بينهما بمقتضى العدالة والإنصاف(1).

 المحكمة المختصة بمنازعات العقد الالكتروني

العقود الرقمية

عقود التجارة الإلكترونية تتم في الغالب بين أطراف مقيمين في أماكن مختلفة إما في دولة واحدة أو دول متعددة، وهنا يأتي السؤال بعد تحديد النظام الذي يحكم العقد عن المحكمة المختصة بالنظر فيه؟

تختلف الأنظمة الدولية في الاختصاص القضائي لقضايا التجارة والعقود الإلكترونية على اتجاهات مختلفة منها :

  1. أن الاختصاص القضائي يكون للمحكمة التي اتفق عليها المتعاقدان, وذلك من أجل التيسير على المدعي حتى يتمكن من الحصول على الحماية القضائية المطلوبة .
  2. أن الاختصاص القضائي يكون لمحكمة إبرام العقد أو تنفيذه وهذا الاتجاه تأخذ به بعض الأنظمة العربية
  3. أن الاختصاص القضائي يكون للمحكمة التي فيها إقامة المدعي عليه.

المحكمة المختصة في الفقه الإسلامي

بحث الفقهاء رحمهم الله المحكمة المختصة عند التنازع تحت مسمى “القاضي المختص” ,

وقد اختلفوا في تحديد القاضي المختص بالنظر في النزاع بين المدعي والمدعى عليه عند الاختلاف المكاني بينهم, مع اتفاقهم على أنه إذا كان الخصوم ومحل الدعوى في مكان واحد (أي مدينة واحدة)

فإن الدعوى تقام عند قاضي المدينة, أما إذا اختلفوا في محل الإقامة أو كان محل الدعوى في مدينة أخرى فإن العلماء يختلفون في القاضي المختص في نظر الخصومة ,

وذلك على أربعة أقوال هي

القول الأول:

أن القاضي المختص هو قاضي المدعي , وهذا ما ذهب إليه جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية.

ووجه ما ذهبوا إليه: أن المدعي هو المنشئ للخصومة وهو صاحب الحق فيها فله الحق أن يقيم الدعوى عند قاضيه أو قاضي خصمه

القول الثاني:

أن القاضي المختص هو قاضي المدعي إلا إذا تعلق الحق بعقار فإن القاضي المختص هو قاضي المكان الذي فيه محل الدعوى وهذا ما ذهب إليه بعض الحنفية وبعض المالكية

القول الثالث :

أنه لا يوجد قاضٍ مختص وإنما تقام الدعوى أمام أي قاضٍ بصرف النظر عن محلات المتداعين, وهذا ما ذهب إليه بعض الحنفية والمالكية

ووجه ما ذهبوا إليه: أنه لا يوجد دليل يحدد ذلك فيبقى الأمر على إطلاقه بدون تحديد قاضٍ معين والإلزام به.

القول الرابع :

أن القاضي المختص هو قاضي المدعى عليه,  وهذا هو المعتمد عند الحنفية وقول لبعض المالكية ووجه ما ذهبوا إليه أنَّ الأصل براءه ذمة  المدعي عليه فكان أولى بعدم الكلفة عليه بالانتقال إلى محل الخصوم وتعطيل مصالحه حتى يثبت شغل ذمته .

الرأي المختار للعقود الإلكترونية

العقود الرقمية

بعد عرض الأقوال تبين أن لكل قول وجاهته وحظه من النظر ، وأنه لا يوجد نص صريح في تحديد جهة التقاضي, ولذا فالمسألة تحكمها القواعد العامة للشريعة الإسلامية التي تعود إلى تحقيق العدل والإنصاف للمظلوم.

ولعل من المناسب في العقود الإلكترونية العمل بما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن القاضي المختص هو قاضي المدعي بصفته صاحب الحق في الخصومة وذلك لما عليه الحال في التعاقد عبر الإنترنت حيث أن المستهلك هو الطرف الأضعف في العقد  فإذا تضرر منه بسبب عدم مطابقة السلعة للإعلان أو الوصف أو عدم تنفيذ العقد كما تم الاتفاق عليه ونحو ذلك فيكون غالباً هو المدعي،

وهذا يحقق حماية المستهلك من تلاعب الشركات العالمية التي قد تستخدم وسائل تسويقية فيها شيء من الإغراء فكان من المناسب حماية المستهلك في هذا الحال ، مع مراعاة ما اتفق عليه أطراف التعاقد والمكان الذي فيه محل الدعوى وذلك حسب ما يراه قاضي الموضوع المختص ,

أما إذا تعلقت الدعوى بعقار فإن القاضي المختص هو قاضي محل المدعى به , لأنه أقرب إلى محل الدعوى وأقدر على معرفة الأعراف والأنظمة المتعلقة به. وهذا القول قريب من قول جمهور العلماء الذين يرون أن القاضي المختص هو قول المدعي مطلقاً.

وفي جميع الحالات يلزم التقيد بقاعدة الشرعية بأن تكون المحكمة التي تنفذ الموضوع محكمة شرعية. والله أعلم

عبدالعزيز حسين عمار
عبدالعزيز حسين عمار

الأستاذ / عبدالعزيز بالنقض ، خبرات قضائية فى القانون المدنى والملكية العقارية ، ودعاوى الإيجارات ، ودعاوى الموظفين قطاع حكومى وخاص ، وطعون مجلس الدولة والنقض ، حقوق 1997

المقالات: 978

شاركنا برأيك